Al-AlusiAl‑Ma'idah · 5:6–11

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:6–11, continued

﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ أيْ عِنْدَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ ﴿فاطَّهَّرُوا﴾ أيْ: فاغْتَسِلُوا عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وقُرِئَ: ( فاطْهُرُوا ) أيْ: فَطَهِّرُوا أبْدانَكُمْ، والمَضْمَضَةُ والِاسْتِنْشاقُ هُنا فَرْضٌ كَغَسْلِ سائِرِ البَدَنِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أضافَ التَّطْهِيرَ إلى مُسَمّى الواوِ، وهو جُمْلَةُ بَدَنِ كُلِّ مُكَلَّفٍ، فَيَدْخُلُ كُلُّ ما يُمْكِنُ الإيصالُ إلَيْهِ

صفحة 81

إلّا ما فِيهِ حَرَجٌ كَداخِلِ العَيْنَيْنِ، فَيَسْقُطُ لِلْحَرَجِ، ولا حَرَجَ في داخِلِ الفَمِ والأنْفِ، فَيَشْمَلُهُما نَصُّ الكِتابِ مِن غَيْرِ مُعارِضٍ، كَما شَمِلَها قَوْلُهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيما رَواهُ أبُو داوُدَ: ««تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ جَنابَةٌ، فَبُلُّوا الشَّعَرَ وأنْقُوا البَشَرَةَ»» وكَوْنُهُما مِنَ الفِطْرَةِ كَما جاءَ في الخَبَرِ لا يَنْفِي الوُجُوبَ؛ لِأنَّها الدِّينُ، وهو أعَمُّ مِنهُ، وتُشْعِرُ الآيَةُ بِأنَّهُ لا يَجِبُ الغُسْلُ عَلى الجُنُبِ فَوْرًا ما لَمْ يَرِدْ فِعْلُ ما لا يَجُوزُ بِدُونِهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما صَحَّ أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ««خَرَجَ لِصَلاةِ الفَجْرِ ناسِيًا أنَّهُ جُنُبٌ حَتّى إذا وقَفَ تَذَكَّرَ، فانْصَرَفَ راجِعًا فاغْتَسَلَ، وخَرَجَ ورَأْسُهُ الشَّرِيفُ يَقْطُرُ ماءً»».

﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ مَرَضًا تَخافُونَ بِهِ الهَلاكَ، أوِ ازْدِيادَهُ بِاسْتِعْمالِ الماءِ.

﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ أيْ: مُسْتَقِرِّينَ عَلَيْهِ.

﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ ( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ( فامْسَحُوا ).

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( فَأُمُّوا صَعِيدًا ) وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الآيَةِ في سُورَةِ النِّساءِ، فَلْيُراجَعْ.

ولَعَلَّ التَّكْرِيرَ لِيَتَّصِلَ الكَلامُ في بَيانِ أنْواعِ الطَّهارَةِ، ولِئَلّا يُتَوَهَّمَ النَّسْخُ عَلى ما قِيلَ، بِناءً عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن آخِرِ ما نَزَلَ.

﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ﴾ بِما فَرَضَ عَلَيْكم مِنَ الوُضُوءِ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ، والغُسْلِ مِنَ الجَنابَةِ، أوْ بِالأمْرِ بِالتَّيَمُّمِ ﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ أيْ: ضِيقٍ في الِامْتِثالِ و( الجَعْلُ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الخَلْقِ والإيجادِ، فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ، وهو ( مِن حَرَجٍ ) و( مِن ) زائِدَةٌ و( عَلَيْكم ) حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِالجَعْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ( حَرَجٍ ) وإنْ كانَ مَصْدَرًا مُتَأخِّرًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، فَيَكُونُ ( عَلَيْكم ) هو المَفْعُولَ الثّانِيَ ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ﴾ أيْ: بِذَلِكَ ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ أيْ: لِيُنَظِّفَكُمْ، فالطَّهارَةُ لُغَوِيَّةٌ، أوْ لِيُذْهِبَ عَنْكم دَنَسَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ الوُضُوءَ يُكَفِّرُ اللَّهُ تَعالى بِهِ الخَطايا.

فَقَدْ أخْرَجَ مالِكٌ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: ««إذا تَوَضَّأ العَبْدُ المُسْلِمُ فَغَسَلَ وجْهَهُ فَخَرَجَ مِن وجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إلَيْها بِعَيْنَيْهِ مَعَ الماءِ، أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ، فَإذا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِن يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ بِطَشَتْها يَداهُ مَعَ الماءِ أوْ آخِرِ قَطْرِ الماءِ، فَإذا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْها رِجْلاهُ مَعَ الماءِ، أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ، حَتّى خَرَجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ»» فالطَّهارَةُ مَعْنَوِيَّةٌ بِمَعْنى تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ لا بِمَعْنى إزالَةِ النَّجاسَةِ؛ لِأنَّ الحَدَثَ لَيْسَ نَجاسَةً بِلا خِلافٍ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ نَجاسَةٌ حُكْمِيَّةٌ بِمَعْنى كَوْنِهِ مانِعًا مِنَ الصَّلاةِ لا بِمَعْنى كَوْنِهِ بِحَيْثُ يَتَنَجَّسُ الطَّعامُ أوِ الشَّرابُ الرَّطْبُ بِمُلاقاتِهِ المُحْدِثَ، أوْ تَفْسُدُ الصَّلاةُ بِحَمْلِهِ، وأمّا تَنَجُّسُ الماءِ - فِيما شاعَ عَنِ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ورُوِيَ رُجُوعُهُ عَنْهُ - فَلِانْتِقالِ المانِعِيَّةِ والآثامِ إلَيْهِ حُكْمًا، وقِيلَ: المُرادُ تَطْهِيرُ القَلْبِ عَنْ دَنَسِ التَّمَرُّدِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ( لِيُطَهِّرَكم ) بِالتُّرابِ إذا أعْوَزَكُمُ التَّطْهِيرُ بِالماءِ، والمُرادُ بِالتَّطْهِيرِ رَفْعُ الحَدَثِ والمانِعِ الحُكْمِيِّ.

وأمّا ما نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ كَإمامِ الحَرَمَيْنِ مِن أنَّ القَوْلَ بِأنَّ التُّرابَ مُطَهِّرٌ قَوْلٌ رَكِيكٌ فَمُرادُهُ بِهِ مَنعُ الطَّهارَةِ الحِسِّيَّةِ، فَلا يَرِدُ عَلَيْهِ أنَّهُ مُخالِفٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: ««جُعِلَتْ لِي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا»» والإرادَةُ صِفَةُ ذاتٍ، وقَدْ شاعَ تَفْسِيرُها، ومَفْعُولُها في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وقِيلَ: هي مَزِيدَةٌ، والمَعْنى: ما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ حَتّى لا يُرَخِّصَ لَكم في التَّيَمُّمِ، ولَكِنْ يُرِيدُ أنْ يُطَهِّرَكُمْ، وضُعِّفَ بِأنَّ ( ألّا ) تُقَدَّرُ بَعْدَ المَزِيدَةِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا مُخالِفٌ لِكَلامِ النُّحاةِ، فَقَدْ قالَ الرَّضِيُّ:

صفحة 82

الظّاهِرُ أنْ تُقَدَّرَ ( أنْ ) بَعْدَ اللّامِ الزّائِدَةِ الَّتِي بَعْدَ فِعْلِ الأمْرِ والإرادَةِ، وكَذا في المُغْنِي وغَيْرِهِ، ووُقُوعُ هَذِهِ اللّامُ بَعْدَ الأمْرِ والإرادَةِ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ شائِعٌ مَقِيسٌ، وهو مِن مَسائِلِ الكِتابِ، قالَ فِيهِ: سَألْتُهُ - أيِ الخَلِيلَ - عَنْ مَعْنى: أُرِيدُ لِأنْ يَفْعَلَ؟ فَقالَ: إنَّما تُرِيدُ أنْ تَقُولَ: أُرِيدُ لِهَذا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأمَرَتْ لِأنَّ أكُونُ أوَّل المُسْلِمِينَ﴾ انْتَهى.

واخْتَلَفَ فِيهِ النُّحاةُ، فَقالَ السِّيرافِيُّ: فِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما ما اخْتارَهُ البَصْرِيُّونَ، أنَّ مَفْعُولَهُ مُقَدَّرٌ، أيْ: أُرِيدُ ما أُرِيدُ لِأنْ تَفْعَلَ، فاللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ غَيْرُ زائِدَةٍ.

الثّانِي أنَّها زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ المَفْعُولِ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ في التَّعْلِيقِ عَنِ المُبَرِّدِ: إنَّ الفِعْلَ دالٌّ عَلى المَصْدَرِ، فَهو مُقَدَّرٌ أيْ: أرَدْتُ وإرادَتِي لِكَذا، فَحُذِفَ ( إرادَتِي ) واللّامُ زائِدَةٌ، وهو تَكَلُّفٌ بَعِيدٌ.

والمَذاهِبُ ثَلاثَةٌ:

أقْرَبُها الأوَّلُ.

وأسْهَلُها الثّانِي، وهو مِن بَلِيغِ الكَلامِ القَدِيمِ كَقَوْلِهِ:

أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما ∗∗∗ تَمَثَّلُ لِي لَيْلى بِكُلِّ سَبِيلِ

البَلاغَةُ فِيهِ مِمّا يَعْرِفُهُ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، قالَهُ الشِّهابُ.

﴿ولِيُتِمّ﴾ بِشَرْعِهِ ما هو مَطْهَرَةٌ لِأبْدانِكم ﴿نِعْمَته عَلَيْكُمْ﴾ في الدِّينِ، أوْ لِيُتِمَّ بِرُخْصَةِ إنْعامِهِ عَلَيْكم بِالعَزائِمِ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ نِعْمَتَهُ بِطاعَتِكم إيّاهُ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ.

ومِن لَطائِفِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ - كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - إنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى سَبْعَةِ أُمُورٍ كُلِّها مَثْنى:

طَهارَتانِ أصْلٌ وبَدَلٌ.

والأصْلُ اثْنانِ: مُسْتَوْعِبٌ، وغَيْرُ مُسْتَوْعِبٍ.

وغَيْرُ المُسْتَوْعِبِ بِاعْتِبارِ الفِعْلِ غَسْلٌ ومَسْحٌ، وبِاعْتِبارِ المَحَلِّ مَحْدُودٌ وغَيْرُ مَحْدُودٍ، وأنَّ آلَتَهُما مائِعٌ وجامِدٌ، ومُوجِبُهُما حَدَثٌ أصْغَرُ وأكْبَرُ، وأنَّ المُبِيحَ لِلْعُدُولِ إلى البَدَلِ مَرَضٌ أوْ سَفَرٌ، وأنَّ المَوْعُودَ عَلَيْهِما التَّطْهِيرُ وإتْمامُ النِّعْمَةِ.

وزادَ البَعْضُ مَثْنَياتٍ أُخَرَ، فَإنَّ غَيْرَ المَحْدُودِ وجْهٌ ورَأْسٌ، والمَحْدُودَ يَدٌ ورِجْلٌ، والنِّهايَةَ كَعْبٌ ومِرْفَقٌ، والشُّكْرَ قَوْلِيٌّ وفِعْلِيٌّ.

5:7Page 108

وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧

And remember the favor of Allāh upon you and His covenant with which He bound you when you said, "We hear and we obey"; and fear Allāh. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts.

﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ وهي نِعْمَةُ الإسْلامِ، أوِ الأعَمُّ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، وأُمِرُوا بِذَلِكَ لِيَذْكُرَهُمُ المُنْعِمُ ويُرَغِّبَهم في شُكْرِهِ ﴿ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾ أيْ: عَهْدَهُ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ ظَرْفٌ لِـ( واثَقَكم بِهِ ) أوْ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في ( بِهِ ) أوْ مِن ( مِيثاقِهِ ) أيْ: كائِنًا وقْتَ قَوْلِكُمْ: ( سَمِعْنا وأطَعْنا ) وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِهِ تَأْكِيدُ وُجُوبِ مُراعاتِهِ بِتَذْكِيرِ قَوْلِهِمْ والتِزامِهِمْ بِالمُحافِظَةِ عَلَيْهِ.

والمُرادُ بِهِ المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ عَلى المُسْلِمِينَ حِينَ بايَعَهُمُ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في العَقَبَةِ الثّانِيَةِ سَنَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في حالِ اليُسْرِ والعُسْرِ والمَنشَطِ والمَكْرَهِ، كَما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ.

وقِيلَ: هو المِيثاقُ الواقِعُ في العَقَبَةِ الأوْلى سَنَةَ إحْدى عَشْرَةَ أوْ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ بِالحُدَيْبِيَةِ، فَإضافَةُ المِيثاقِ إلَيْهِ تَعالى مَعَ صُدُورِهِ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِكَوْنِ المَرْجِعِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ .

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «هُوَ المِيثاقُ الَّذِي واثَقَ بِهِ بَنِي آدَمَ حِينَ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ أبِيهِمْ، عَلَيْهِ السَّلامُ» وفِيهِ بُعْدٌ.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في نِسْيانِ نِعْمَتِهِ ونَقْضِ مِيثاقِهِ، أوْ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: مُخْفِيّاتِها المُلابِسَةِ لَها مُلابَسَةً تامَّةً مُصَحِّحَةً لِإطْلاقِ الصّاحِبِ عَلَيْها فَيُجازِيكم عَلَيْها، فَما ظَنُّكم بِجَلِيّاتِ الأعْمالِ؟!

والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ وتَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، وإظْهارُ الِاسْمِ

صفحة 83

الجَلِيلِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

5:8Page 108

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٨

O you who have believed, be persistently standing firm for Allāh, witnesses in justice, and do not let the hatred of a people prevent you from being just. Be just; that is nearer to righteousness. And fear Allāh; indeed, Allāh is [fully] Aware of what you do.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ الشَّرائِعِ المُتَعَلِّقَةِ لِما يَجْرِي بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ إثْرَ ما يَتَعَلَّقُ بِأنْفُسِهِمْ ﴿كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ﴾ أيْ: كَثِيرِي القِيامِ لَهُ بِحُقُوقِهِ اللّازِمَةِ، وقِيلَ: أيْ: لِيَكُنْ مِن عادَتِكُمُ القِيامُ بِالحَقِّ في أنْفُسِكم بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وفي غَيْرِكم بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى ﴿شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ، وقِيلَ: دُعاةٌ لِلَّهِ تَعالى مُبَيِّنِينَ عَنْ دِينِهِ بِالحُجَجِ الحَقَّةِ ﴿ولا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكم ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ أيْ: شِدَّةُ بُغْضِكم لَهم ﴿عَلى ألا تَعْدِلُوا﴾ فَلا تَشْهَدُوا في حُقُوقِهِمْ بِالعَدْلِ، أوْ فَتَعْدُوا عَلَيْهِمْ بِارْتِكابِ ما لا يَحِلُّ ﴿اعْدِلُوا﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ في أوْلِيائِكم وأعْدائِكُمْ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى الأعْداءِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا فُتِحَتْ مَكَّةُ كَلَّفَ اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يُكافِئُوا كَفّارَ مَكَّةَ بِما سَلَفَ مِنهُمْ، وأنْ يَعْدِلُوا في القَوْلِ والفِعْلِ، ( هو ) راجِعٌ إلى العَدْلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الفِعْلُ، وهو إمّا مُطْلَقُ العَدْلِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ العَدْلُ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ سَبَبُ النُّزُولِ، وإمّا العَدْلُ مَعَ الكُفّارِ ﴿أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ أيْ: أدْخَلُ في مُناسَبَتِها؛ لِأنَّ التَّقْوى نِهايَةُ الطّاعَةِ، وهو أنْسَبُ الطّاعاتِ بِها، فالقُرْبُ بَيْنَهُما عَلى هَذا مُناسَبَةُ الطّاعَةِ لِلطّاعَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أقَرَبِيَّتُهُ عَلى التَّقْوى بِاعْتِبارِ أنَّهُ لُطْفٌ فِيها، فَهي مُناسَبَةُ إفْضاءِ السَّبَبِ إلى المُسَبَّبِ، وهو بِمَنزِلَةِ الجُزْءِ الأخِيرِ مِنَ العِلَّةِ، واللّامُ مِثْلُها في قَوْلِكَ: ( هو قَرِيبٌ لِزَيْدٍ ) لِلِاخْتِصاصِ لا مُكَمِّلَةٌ؛ فَإنَّهُ بِمِن أوْ إلى.

وتَكَلَّفَ الرّاغِبُ في تَوْجِيهِ الآيَةِ فَقالَ: فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ ذَكَرَ سُبْحانَهُ: ( أقْرَبُ لِلتَّقْوى ) وأفْعَلُ إنَّما يُقالُ في شَيْئَيْنِ اشْتَرَكا في أمْرٍ واحِدٍ، لِأحَدِهِما مَزِيَّةٌ، وقَدْ عَلِمْنا أنْ لا شَيْءَ مِنَ التَّقْوى ومِن فِعْلِ الخَيْرِ إلّا وهو مِنَ العَدالَةِ؟ قِيلَ: إنَّ ( أفْعَلُ ) وإنْ كانَ كَما ذَكَرْتَ فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ عَلى تَقْدِيرِ بِناءِ الكَلامِ عَلى اعْتِقادِ المُخاطَبِ في الشَّيْءِ في نَفْسِهِ؛ قَطْعًا لِكَلامِهِ، وإظْهارًا لِتَبْكِيتِهِ، فَيُقالُ لِمَنِ اعْتَقَدَ مَثَلًا في زَيْدٍ فَضْلًا - وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَضْلٌ ولَكِنْ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُنْكِرَ أنَّ عَمْرًا أفْضَلُ مِنهُ: اخْدِمْ عُمْرًا فَهو أفْضَلُ مِن زَيْدٍ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾ وقَدْ عُلِمَ أنْ لا خَيْرَ فِيما يُشْرِكُونَ.

والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالعَدْلِ، وصَرَّحَ لَهم بِهِ تَأْكِيدًا وتَشْدِيدًا، وأمَرَ سُبْحانَهُ بِالتَّقْوى بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ إثْرَ ما بُيِّنَ أنَّ العَدْلَ أقْرَبُ لَها؛ اعْتِناءً بِشَأْنِها وتَنْبِيهًا عَلى أنَّها مَلاكُ الأمْرِ كُلِّهِ.

﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في النِّساءِ، ولَمْ يُكْتَفَ بِذَلِكَ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالعَدْلِ والمُبالَغَةِ في إطْفاءِ نائِرَةِ الغَيْظِ، وقِيلَ: لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، فَإنَّ الأُولى نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، وهَذِهِ في اليَهُودِ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وجْهًا لِتَقْدِيمِ القِسْطِ هُناكَ وتَأْخِيرِهِ هُنا، وهو أنَّ آيَةَ النِّساءِ جِيءَ بِها في مَعْرِضِ الإقْرارِ عَلى نَفْسِهِ ووالِدَيْهِ وأقارِبِهِ، فَبَدَأ فِيها بِالقِسْطِ الَّذِي هو العَدْلُ مِن غَيْرِ مُحاباةِ نَفْسٍ ولا والِدٍ ولا قَرابَةٍ، والَّتِي هُنا جِيءَ بِها في مَعْرِضِ تَرْكِ العَداوَةِ، فَبَدَأ فِيها بِالقِيامِ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ أرْدَعُ لِلْمُؤْنِينَ، ثُمَّ ثَنّى بِالشَّهادَةِ بِالعَدْلِ، فَجِيءَ في كُلِّ مَعْرِضٍ بِما يُناسِبُهُ.

5:9Page 108

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٞ ٩

Allāh has promised those who believe and do righteous deeds [that] for them there is forgiveness and great reward.

﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مِنَ الواجِباتِ والمَندُوباتِ، ومِن جُمْلَتِها العَدْلُ والتَّقْوى ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِثانِي مَفْعُولَيْ ( وعَدَ ) المَحْذُوفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ وعَدَهَ؟

صفحة 84

فَقِيلَ: مَغْفِرَةٌ، إلَخْ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَتْرُوكًا، والمَعْنى: قَدَّمَ لَهم وعَدًا، وهو ما بُيِّنَ بِالجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَفْعُولَ ( وعَدَ ) بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بِمَعْنى ( قالَ ) أوِ المُرادُ حِكايَتُهُ؛ لِأنَّهُ يُحْكى بِما هو في مَعْنى القَوْلِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ مُقَدَّرًا أيْ: وعَدَهم قائِلًا ذَلِكَ في حَقِّهِمْ، فَيَكُونُ إخْبارًا بِثُبُوتِهِ لَهم وهو أبْلَغُ، وقِيلَ: إنَّ هَذا القَوْلَ يُقالُ لَهم عِنْدَ المَوْتِ؛ تَيْسِيرًا لَهُمْ، وتَهْوِينًا لِسَكَراتِ المَوْتِ عَلَيْهِمْ.

5:10Page 109

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٠

But those who disbelieve and deny Our signs - those are the companions of Hellfire.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ القُرْآنِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تَلَيْتُ مِنَ النُّصُوصِ النّاطِقَةِ بِالأمْرِ بِالعَدْلِ والتَّقْوى، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الآياتِ عَلى المُعْجِزاتِ الَّتِي أيَّدَ اللَّهُ تَعالى بِها نَبِيَّهُ، صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ﴿أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ أيْ: مُلابِسُو النّارِ الشَّدِيدَةِ التَّأجُّجِ مُلابَسَةً مُؤَبَّدَةً، والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ أوَّلُ، واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، ولَمْ يُؤْتَ بِالجُمْلَةِ في سِياقِ الوَعِيدِ كَما أُتِيَ بِالجُمْلَةِ قَبْلَها في سِياقِ الوَعْدِ؛ قَطْعًا لِرَجائِهِمْ، وفي ذِكْرِ حالِ الكَفَرَةِ بَعْدَ حالِ المُؤْمِنِينَ كَما هو في السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ القُرْآنِيَّةِ وفاءً بِحَقِّ الدَّعْوَةِ، وتَطْيِيبًا لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ بِجَعْلِ أصْحابِ النّارِ أعْداءَهم دُونَهم.

5:11Page 109

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ هَمَّ قَوۡمٌ أَن يَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ فَكَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١

O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when a people determined to extend their hands [in aggression] against you, but He withheld their hands from you; and fear Allāh. And upon Allāh let the believers rely.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةِ الإنْجاءِ مِنَ الشَّرِّ إثْرَ تَذْكِيرِ نِعَمَةِ إيصالِ الخَيْرِ، الَّذِي هو نِعْمَةُ الإسْلامِ وما يَتْبَعُها مِنَ المِيثاقِ، أوْ تَذْكِيرُ نِعْمَةٍ خاصَّةٍ بَعْدَ تَذْكِيرِ النِّعْمَةِ العامَّةِ؛ اعِتْناءً بِشَأْنِها و( عَلَيْكم ) مُتَعَلِّقٌ بِـ( نِعْمَةِ اللَّهِ ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ عَلى الأوَّلِ ظَرْفٌ لِنَفْسِ النِّعْمَةِ، وعَلى الثّانِي لِما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ( اذْكُرُوا ) لِتَنافِي زَمَنَيْهِما، فَإنَّ ( إذْ ) لِلْمُضِيِّ و( اذْكُرُوا ) لِلْمُسْتَقْبَلِ، أيِ: اذْكُرُوا إنْعامَهُ تَعالى ( عَلَيْكم )، أوِ ( اذْكُرُوا ) نِعْمَتَهُ تَعالى كائِنَةً ( عَلَيْكم ) وقْتَ قَصْدِ قَوْمٍ ﴿أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ: بِأنْ يَبْطِشُوا بِكم بِالقَتْلِ والإهْلاكِ، يُقالُ: بَسَطَ إلَيْهِ يَدَهُ إذا بَطَشَ بِهِ، وبَسَطَ إلَيْهِ لِسانَهُ إذا شَتَمَهُ، والبَسْطُ في الأصْلِ مُطْلَقُ المَدِّ، وإذا اسْتُعْمِلَ في اليَدِ واللِّسانِ كانَ كِنايَةً عَمّا ذُكِرَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ رُجُوعِ ضَرَرِ البَسْطِ وغائِلَتِهِ إلَيْهِمْ، حَمْلًا لَهم مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى الِاعْتِدادِ بِنِعْمَةِ دَفْعِهِ.

﴿فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ( هَمَّ ) وهو النِّعْمَةُ الَّتِي أُرِيدَ تَذْكِيرُها، وذِكْرُ الهَمِّ لِلْإيذانِ بِوُقُوعِها عِنْدَ مَزِيدِ الحاجَةِ إلَيْها، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ المُفِيدِ لِتَمامِ النِّعْمَةِ وكَمالِها، وإظْهارُ الأيْدِي لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وتَقْدِيمِ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ عَلى الأصْلِ، أيْ: مَنَعَ أيْدِيَهم أنْ تُمَدَّ إلَيْكم عَقِيبَ هَمِّهِمْ بِذَلِكَ، وعَصَمَكم مِنهُمْ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ كَفَّها عَنْكم بَعْدَ أنْ مَدُّوها إلَيْكُمْ، وفي ذَلِكَ ما لا يَخْفى مِن إكْمالِ النِّعْمَةِ، ومَزِيدِ اللُّطْفِ.

والآيَةُ إشارَةٌ إلى ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ جابِرٍ: ««أنَّ المُشْرِكِينَ رَأوْا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأصْحابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - بِعُسْفانَ قامُوا إلى الظُّهْرِ مَعًا، فَلَمّا صَلَّوْا نَدِمُوا إلّا كانُوا أكَبُّوا عَلَيْهِمْ، وهَمُّوا أنْ يُوقِعُوا بِهِمْ إذا قامُوا إلى صَلاةِ العَصْرِ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى كَيْدَهم بِأنْ أنْزَلَ صَلاةَ الخَوْفِ»».

وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما أخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ، والضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - ««أنَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ حَيْثُ انْصَرَفَ مِن بِئْرِ مَعُونَةَ لَقِيَ رَجُلَيْنِ كِلابِيَّيْنِ مَعَهُما أمانٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ – فَقَتَلَهُما، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ مَعَهُما أمانًا، فَوَداهُما رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ومَضى إلى بَنِي النَّضِيرِ، ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ – وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، فَتَلَقَّوْهُ

صفحة 85

فَقالُوا مَرْحَبًا يا أبا القاسِمِ، لِماذا جِئْتَ؟ قالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِي قَتَلَ رَجُلَيْنِ مِن كِلابٍ مَعَهُما أمانٌ مِنِّي، طَلَبَ مِنِّي دِيَتَهُما، فَأُرِيدُ أنْ تُعِينُونِي قالُوا: نَعَمِ، اقْعُدْ حَتّى نَجْمَعَ لَكَ، فَقَعَدَ تَحْتَ الحِصْنِ، وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وقَدْ تَآمَرَ بَنُو النَّضِيرِ أنْ يَطْرَحُوا عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ – حَجَرًا، فَجاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ – فَأخْبَرَهُ، فَقامَ ومَن مَعَهُ».

وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن حَدِيثِ جابِرٍ ««أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نَزَلَ مَنزِلًا فَتَفَرَّقَ النّاسُ في العِضاهِ يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها، فَعَلَّقَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ إلى سَيْفِهِ، فَأخَذَهُ، فَسَلَّهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قالَ: اللَّهُ تَعالى - قالَها الأعْرابِيُّ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا - والنَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ: اللَّهُ تَعالى، فَشامَ الأعْرابِيُّ السَّيْفَ، فَدَعا النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أصْحابَهُ فَأخْبَرَهم بِصَنِيعِ الأعْرابِيِّ، وهو جالِسٌ إلى جَنْبِهِ لَمْ يُعاقِبْهُ»».

ولا يَخْفى أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ يَجُوزُ تَعَدُّدُهُ، وأنَّ القَوْمَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ كالنّاسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ وأنَّ ضَرَرَ الرَّئِيسِ ونَفْعَهُ يَعُودانِ إلى المَرْءُوسِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ عَطْفٌ عَلى ( اذْكُرُوا ) أيِ اتَّقُوهُ في رِعايَةِ حُقُوقِ نِعْمَتِهِ، ولا تُخِلُّوا بِشُكْرِها، أيْ: في الأعَمِّ مِن ذَلِكَ، ويَدْخُلُ هو دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿وعَلى اللَّهِ﴾ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ، اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كافٍ في دَرْءِ المَفاسِدِ وجَلْبِ المَصالِحِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وإيثارُ صِيغَةِ أمْرِ الغائِبِ وإسْنادِها لِلْمُؤْمِنِينَ لِإيجابِ التَّوَكُّلِ عَلى المُخاطَبِينَ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، ولِإظْهارِ ما يَدْعُو إلى الِامْتِثالُ ويَزَعُ عَنِ الإخْلالِ، مَعَ رِعايَةِ الفاصِلَةِ، وإظْهارُ الأمْرِ الجَلِيلِ لِتَعْلِيلِ الحُكْمِ، وتَقْوِيَةِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ التَّذْيِيلِيَّةِ، وقَدْ مَرَّتْ نَظائِرُهُ، وهَذِهِ الآيَةُ - كَما نُقِلَ عَنِ الإمامِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - تُقْرَأُ سَبْعًا صَباحًا وسَبْعًا مِساءً لِدَفْعِ الطّاعُونِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском