Al-AlusiQaf · 50:30–39

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Qaf 50:30–39

50:30Page 519

يَوۡمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمۡتَلَأۡتِ وَتَقُولُ هَلۡ مِن مَّزِيدٖ ٣٠

On the Day We will say to Hell, "Have you been filled?" and it will say, "Are there some more,"

﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وتَقُولُ هَلِ مِن مَزِيدٍ﴾ أيِ اذْكُرْ أوْ أنْذِرْ يَوْمَ إلَخْ. فَيَوْمٌ. مَفْعُولٌ بِهِ لِمُقَدَّرٍ، وقِيلَ: هو ظَرْفٌ. لِظَلّامٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ بِـ نُفِخَ. كَأنَّهُ قِيلَ: ونُفِخَ في الصُّورِ يَوْمَ، وعَلَيْهِ يُشارُ بِذَلِكَ إلى ﴿يَوْمَ نَقُولُ﴾ لِأنَّ الإشارَةَ إلى ما بَعْدُ جائِزَةٌ لا سِيَّما إذا كانَتْ رُتْبَتُهُ التَّقْدِيمَ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ اليَوْمُ أيْ يَوْمُ القَوْلِ يَوْمُ الوَعِيدِ، ولا يَحْتاجُ إلى حَذْفٍ عَلى ما مَرَّ في الوَجْهِ الَّذِي أُشِيرَ بِهِ إلى النَّفْخِ.

وهَذا الوَجْهُ كَما قالَ في الكَشْفِ: فِيهِ بُعْدٌ لِبُعْدِهِ عَنِ العامِلِ وتَخَلُّلِ ما لا يَصْلُحُ اعْتِراضًا عَلى أنَّ زَمانَ النَّفْخِ لَيْسَ يَوْمَ القَوْلِ إلّا عَلى سَبِيلِ فَرْضِهِ مُمْتَدًّا واقِعًا ذَلِكَ في جُزْءٍ مِنهُ وهَذا في جُزْءٍ وكُلٌّ خِلافُ الظّاهِرِ فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعَتْ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: هو بَعِيدٌ جِدًّا قَدْ فَصَلَ عَلَيْهِ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِجُمَلٍ كَثِيرَةٍ فَلا يُناسِبُ فَصاحَةَ القُرْآنِ الكَرِيمِ وبَلاغَتَهُ، والظّاهِرُ إبْقاءُ السُّؤالِ والجَوابِ عَلى حَقِيقَتِهِما، وكَذا في نَظِيرِ ذَلِكَ مِنِ اشْتِكاءِ النّارِ والإذْنُ لَها بِنَفَسَيْنِ وتُحاجُّ النّارُ والجَنَّةُ، ونَحْنُ مُتَعَبِّدُونَ بِاعْتِقادِ الظّاهِرِ ما لَمْ لا يَمْنَعُ مانِعٌ ولا مانِعَ هاهُنا، فَإنَّ القُدْرَةَ صالِحَةٌ والعَقْلَ مُجَوِّزٌ والظَّواهِرُ قاضِيَةٌ بِوُقُوعِ ما جَوَّزَهُ العَقْلُ، وأُمُورُ الآخِرَةِ لا يَنْبَغِي أنْ تُقاسَ عَلى أُمُورِ الدُّنْيا.

وقالَ الرُّمّانِيُّ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ نَقُولُ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: هو مِن بابِ التَّمْثِيلِ والمَعْنى أنَّها مَعَ اتِّساعِها وتَباعُدِ أقْطارِها نَطْرَحُ فِيها مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ حَتّى تَمْتَلِئَ ولا تَقْبَلُ الزِّيادَةَ، فالِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ لا مَزِيدَ عَلى امْتِلائِها ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ، وجُوِّزَ في نَفْيِ الزِّيادَةِ أنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِهِ وأنْ يَكُونَ كِنايَةً أوْ مَجازًا عَنِ الِاسْتِكْثارِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها مِنَ السِّعَةِ بِحَيْثُ يَدْخُلُها مَن يَدْخُلُها وفِيها فَراغٌ وخُلُوٌّ، فالِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ أيْ فِيها مَوْضِعٌ لِلْمَزِيدِ لِسِعَتِها، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ شِدَّةِ غَيْظِها عَلى العُصاةِ كَأنَّها طالِبَةٌ لِزِيادَتِهِمْ. واسْتَشْكَلَ دَعْوى أنَّ فِيها فَراغًا بِأنَّهُ مُنافٍ لِصَرِيحِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ الآيَةَ. وأُجِيبُ بِأنَّهُ

صفحة 188

لا مُنافاةَ لِأنَّ الِامْتِلاءَ قَدْ يُرادُ بِهِ أنَّهُ لا يَخْلُو طَبَقَةٌ مِنها عَمَّنْ يَسْكُنُها وإنْ كانَ فِيها فَراغٌ كَثِيرٌ كَما يُقالُ: إنَّ البَلْدَةَ مُمْتَلِئَةٌ بِأهْلِها لَيْسَ فِيها دارٌ خالِيَةٌ مَعَ ما بَيْنَها مِنَ الأبْنِيَةِ والأفْضِيَةِ أوْ أنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ حالَيْنِ فالفَراغُ في أوَّلِ الدُّخُولِ فِيها ثُمَّ يُساقُ إلَيْها الشَّياطِينُ ونَحْوُهم فَتَمْتَلِئُ، هَذا ويَدُلُّ غَيْرُ ما حَدِيثٍ أنَّها تَطْلُبُ الزِّيادَةَ حَقِيقَةً إلّا أنَّهُ لا يَدْرِي حَقِيقَةَ ما يُوضَعُ فِيها حَتّى تَمْتَلِئُ إذِ الأحادِيثُ في ذَلِكَ مِنَ المُتَشابِهاتِ الَّتِي لا يُرادُ بِها ظَواهِرُها عِنْدَ الأكْثَرِينَ

أخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أنَسٍ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ: هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فِيها قَدَمَهُ فَيَزْوِيَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولَ قَطْ قَطْ وعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ ولا يَزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حَتّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَها خَلْقًا آخَرَ فَيُسْكِنُهم في فُضُولِ الجَنَّةِ)».

وأخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: (قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تَحاجَّتِ الجَنَّةُ والنّارُ فَقالَتِ النّارُ: أُوثِرْتُ بِالمُتَكَبِّرِينَ والمُتَجَبِّرِينَ وقالَتِ الجَنَّةُ: ما لِي لا يَدْخُلُنِي إلّا ضُعَفاءُ النّاسِ وسَقَطُهم فَقالَ اللَّهُ تَعالى لِلْجَنَّةِ: أنْتِ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِكِ مَن أشاءُ مِن عِبادِي وقالَ لِلنّارِ: إنَّما أنْتِ عَذابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَن أشاءُ مِن عِبادِي ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنكُما مِلْؤُها فَأمّا النّارُ فَلا تَمْتَلِئُ حَتّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ قَطْ قَطْ فَهُناكَ تَمْتَلِئُ ويَزْوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ ولا يَظْلِمُ اللَّهُ مِن خَلْقِهِ أحَدًا وأمّا الجَنَّةُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْشِئُ لَها خَلْقًا)».

وأوَّلَ أهْلُ التَّأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: إنَّ القَدَمَ الكُفّارُ الَّذِينَ سَبَقَ في عِلْمِهِ تَعالى دُخُولُهُمُ النّارَ والقَدَمُ تَكُونُ بِمَعْنى المُتَقَدِّمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ وظاهِرُ الحَدِيثِ عَلَيْهِ يَسْتَدْعِي دُخُولَ غَيْرِ الكُفّارِ قَبْلَهم وهو في غايَةِ البُعْدِ ولَعَلَّ في الأخْبارِ ما يُنافِيهِ.

وقالَ ابْنُ الأثِيرِ: قَدَمَهُ أيِ الَّذِينَ قَدَّمَهم لَها مِن شِرارِ خَلْقِهِ فَهم قَدَمُ اللَّهِ تَعالى لِلنّارِ كَما أنَّ المُسْلِمِينَ قَدَمُهُ لِلْجَنَّةِ والقَدَمُ كُلُّ ما قَدَّمَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وهو كَما تَرى، ويُبْعِدُهُ ما في حَدِيثِ أحْمَدَ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «(فَيُلْقى فِيها، أيِ النّارِ، أهْلُها فَتَقُولُ: هَلْ مِن مَزِيدٍ ويُلْقى فِيها وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَأْتِيَها عَزَّ وجَلَّ فَيَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ فَتَنْزَوِيَ وتَقُولُ: قَدْنِي قَدْنِي)».

وأوَّلُوا الرِّجْلَ بِالجَماعَةِ ومِنهُ ما جاءَ في أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ كانَ يَغْتَسِلُ عُرْيانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ رِجْلٌ مِن جَرادٍ، والإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى تُبْعِدُ ذَلِكَ، وقِيلَ: وضْعُ القَدَمِ أوِ الرِّجْلِ عَلى الشَّيْءِ مَثَلٌ لِلرَّدْعِ والقَمْعِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَأْتِيها أمْرُ اللَّهِ تَعالى فَيَكُفُّها مِن طَلَبِ المَزِيدِ.

وقَرِيبٌ مِنهُ ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أنَّ القَدَمَ يُكَنّى بِها عَنْ صِفَةِ الجَلالِ كَما يُكَنّى بِها عَنْ صِفَةِ الجَمالِ، وقِيلَ: أُرِيدَ بِذَلِكَ تَسْكِينُ فَوْرَتِها كَما يُقالُ لِلْأمْرِ تُرِيدُ إبْطالَهُ: وضَعْتُهُ تَحْتَ قَدَمِي أوْ تَحْتَ رِجْلِي، وهَذانِ القَوْلانِ أوْلى مِمّا تَقَدَّمَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. والمَزِيدُ إمّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ كالمَحِيدِ أوِ اسْمُ مَفْعُولٍ أُعِلَّ إعْلالَ المَبِيعِ.

وقَرَأ الأعْرَجُ وشَيْبَةُ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ (يَوْمَ يَقُولُ) بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والحَسَنُ والأعْمَشُ أيْضًا (يُقالُ) . مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.

50:31Page 519

وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ غَيۡرَ بَعِيدٍ ٣١

And Paradise will be brought near to the righteous, not far,

﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أخَذَ في بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ بَيانِ حالِ الكافِرِينَ وهو عَطْفٌ عَلى نُفِخَ أيْ قَرُبَتْ لِلْمُتَّقِينَ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ في مَكانٍ غَيْرِ بَعِيدٍ بِمَرْأًى مِنهم بَيْنَ يَدَيْهِمْ وفِيهِ مُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في التَّخْلِيَةِ عَنِ الظَّرْفِ- فَغَيْرَ بَعِيدٍ- صِفَةٌ لِظَرْفٍ مُتَعَلِّقٍ بِـ أُزْلِفَتْ حُذِفَ فَقامَ مَقامَهُ وانْتَصَبَ انْتِصابَهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ غَيْرَ بَعِيدَةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ والأصْلُ وأُزْلِفَتْ إزْلافًا غَيْرَ بَعِيدٍ، قالَ الإمامُ: أيْ

صفحة 189

عَنْ قُدْرَتِنا وأنْ يَكُونُ حالًا مِنَ الجَنَّةِ قُصِدَ بِهِ التَّوْكِيدُ كَما تَقُولُ: عَزِيزٌ غَيْرُ ذَلِيلٍ لِأنَّ العِزَّةَ تُنافِي الذُّلَّ ونَفْيُ مُضادِّ الشَّيْءِ تَأْكِيدُ إثْباتِهِ، وفِيهِ دَفْعُ تَوَهُّمِ أنَّ ثَمَّ تَجَوُّزًا أوْ شَوْبًا مِنَ الضِّدِّ ولَمْ يَقُلْ: غَيْرَ بَعِيدَةٍ عَلَيْهِ قِيلَ: لِتَأْوِيلِ الجَنَّةِ بِالبُسْتانِ، وقِيلَ: لِأنَّ البَعِيدَ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ المُؤَنَّثُ والمُذَكَّرُ كالزَّئِيرِ والصَّلِيلِ فَعُومِلَ مُعامَلَتَهُ وأُجْرِيَ مَجْراهُ، وقِيلَ: لِأنَّ فَعِيلًا بِمَعْنى فاعِلٍ قَدْ يَجْرِي مَجْرى فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ فَيَسْتَوِي فِيهِ الأمْرانِ، ولِلْإمامِ في تَقْرِيبِ الجَنَّةِ أوْجُهٌ. مِنها طَيُّ المَسافَةِ الَّتِي بَيْنَها وبَيْنَ المُتَّقِينَ مَعَ بَقاءِ كُلٍّ في مَكانِهِ وعَدَمِ انْتِقالِهِ عَنْهُ ولِكَرامَةِ المُتَّقِينَ قِيلَ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ دُونَ وأُزْلِفَ المُتَّقُونَ لِلْجَنَّةِ، ومِنها أنَّ المُرادَ تَقْرِيبُ حُصُولِها والدُّخُولِ فِيها دُونَ التَّقْرِيبِ المَكانِيِّ، وفِيهِ ما فِيهِ، ومِنها أنَّ التَّقْرِيبَ عَلى ظاهِرِهِ واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ قادِرٌ عَلى نَقْلِ الجَنَّةِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ أيْ إلى جِهَةِ السُّفْلِ أوِ الأرْضِ المَعْرُوفَةِ بَعْدَ مَدِّها، وقَوْلُ بَعْضٍ: إنَّ المُرادَ إظْهارُها قَرِيبَةً مِنها عَلى نَحْوِ إظْهارِها لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في عُرْضِ حائِطِ مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ عَلى ما فِيهِ مَنزَعٌ صُوفِيٌّ

50:32Page 519

هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ ٣٢

[It will be said], "This is what you were promised - for every returner [to Allāh] and keeper [of His covenant].

﴿هَذا ما تُوعَدُونَ﴾ إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ، والتَّذْكِيرُ لِما أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو المُسَمّى مِن غَيْرِ قَصْدِ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ تَذْكِيرِهِ وتَأْنِيثِهِ فَإنَّهُما مِن أحْكامِ اللَّفْظِ العَرَبِيِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى الثَّوابِ. وقِيلَ: إلى مَصْدَرِ ﴿أُزْلِفَتْ﴾ والجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُتَّقِينَ أوْ مِنَ الجَنَّةِ والعامِلُ أُزْلِفَتْ أيْ مَقُولًا لَهم أوْ مَقُولًا في حَقِّها هَذا ما تُوعَدُونَ، أوِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ أعْنِي ( لِلْمُتَّقِينَ ) والبَدَلِ أعْنِي الجارَّ والمَجْرُورَ وفِيهِ بُعْدٌ.

وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (يُوعَدُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ، والجُمْلَةُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ قِيلَ: اعْتِراضٌ أوْ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: هي اعْتِراضٌ، والمُرادُ هَذا القَوْلُ هو الَّذِي وقَعَ الوَعْدُ بِهِ وهو كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ﴾ أيْ رَجّاعٍ إلى اللَّهِ تَعالى بَدَلٌ مِنَ المُتَّقِينَ بِإعادَةِ الجارِّ أوْ مِن ( لِلْمُتَّقِينَ ) عَلى أنْ يَكُونَ الجارُّ والمَجْرُورُ بَدَلًا مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ ﴿حَفِيظٍ﴾ حَفِظَ ذُنُوبَهُ حَتّى رَجَعَ عَنْها كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ سِنانٍ، وقَرِيبٌ مِنهُ ما أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبّابٍ قالَ: قالَ لِي مُجاهِدٌ: ألا أُنَبِّئُكَ بِالأوّابِ الحَفِيظِ؟ هو الرَّجُلُ يَذْكُرُ ذَنْبَهُ إذا خَلا فَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى مِنهُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: أيْ حَفِيظٍ لِما اسْتَوْدَعَهُ اللَّهُ تَعالى مِن حَقِّهِ ونِعْمَتِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ كُنّا نَعُدُّ الأوّابَ الحَفِيظَ الَّذِي يَكُونُ في المَجْلِسِ فَإذا أرادَ أنْ يَقُومَ قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ما أصَبْتُ في مَجْلِسِي هَذا. وقِيلَ: هو الحافِظُ لِتَوْبَتِهِ مِنَ النَّقْضِ ولا يُنافِيهِ صِيغَةُ ( أوّابٍ ) كَما لا يَخْفى.

50:33Page 519

مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ ٣٣

Who feared the Most Merciful in the unseen and came with a heart returning [in repentance].

وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿مَن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ بَدَلٌ مِن كُلِّ المُبْدَلِ مِنَ المُتَّقِينَ أوْ بَدَلٌ ثانٍ مِنَ المُتَّقِينَ بِناءً عَلى جَوازِ تَعَدُّدِ البَدَلِ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ. وقَوْلُ أبِي حَيّانَ: تَكَرَّرَ البَدَلُ والمُبْدَلُ مِنهُ واحِدٌ لا يَجُوزُ في غَيْرِ بَدَلِ البَداءِ، وسِرُّهُ أنَّهُ في نِيَّةِ الطَّرْحِ فَلا يُبَدَّلُ مِنهُ مَرَّةً أُخْرى غَيْرُ مُسَلَّمٍ، وقَدْ جَوَّزَهُ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيِّهِ، ونَقَلَهُ الدَّمامِينِيُّ في أوَّلِ شَرْحِهِ لِلْخَزْرَجِيَّةِ وأطالَ فِيهِ، وكَوْنُ المُبْدَلِ مِنهُ في نِيَّةِ الطَّرْحِ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ، أوْ بَدَلٌ مِن مَوْصُوفِ ( أوّابٍ ) أيْ لِكُلِّ شَخْصٍ أوّابٍ بِناءً عَلى جَوازِ

صفحة 190

حَذْفِ المُبْدَلِ مِنهُ، وقَدْ جَوَّزَهُ ابْنُ هِشامٍ في المُغْنِي لا سِيَّما وقَدْ قامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يُحْذَفْ ولَمْ يُبَدَّلْ مِن ( أوّابٍ ) نَفْسِهِ لِأنَّ أوّابًا صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ كَما سَمِعْتَ فَلَوْ أُبْدِلَ مِنهُ كانَ لِلْبَدَلِ حُكْمُهُ فَيَكُونُ صِفَةً مِثْلَهُ، و(مَن) اسْمٌ مَوْصُولٌ والأسْماءُ المَوْصُولَةُ لا يَقَعُ مِنها صِفَةٌ إلّا الَّذِي عَلى الأصَحِّ، وجَوَّزَ بَعْضٌ الوَصْفَ بِمَن أيْضًا لَكِنَّهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ

50:34Page 519

ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٖۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُلُودِ ٣٤

Enter it in peace. This is the Day of Eternity."

﴿ادْخُلُوها﴾ بِتَأْوِيلِ يُقالُ لَهُمُ ادْخُلُوها لِمَكانِ الإنْشائِيَّةِ والجَمْعِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن وقَوْلُهُ تَعالى ﴿بِالغَيْبِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ ﴿خَشِيَ﴾ أوْ مِن مَفْعُولِهِ أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِهِ أيْ خَشْيَةً مُلْتَبِسَةً بِالغَيْبِ حَيْثُ خَشِيَ عِقابَهُ سُبْحانَهُ وهو غائِبٌ عَنْهُ أوْ هو غائِبٌ عَنِ الأعْيُنِ لا يَراهُ أحَدٌ، وقِيلَ: الياءُ لِلْآلَةِ، والمُرادُ بِالغَيْبِ القَلْبُ لِأنَّهُ مَسْتُورٌ أيْ مِن خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِقَلْبِهِ دُونَ جَوارِحِهِ بِأنْ يُظْهِرَ الخَشْيَةَ لَيْسَ في قَلْبِهِ مِنها شَيْءٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرَّحْمانِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم مَعَ خَشْيَتِهِمْ عِقابَهُ عَزَّ وجَلَّ راجُونَ رَحْمَتَهُ سُبْحانَهُ أوْ بِأنَّ عِلْمَهم بِسِعَةِ رَحْمَتِهِ تَبارَكَ وتَعالى لا يَصُدُّهم عَنْ خَشْيَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وقالَ الإمامُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُ ( الرَّحْمَنَ ) إشارَةً إلى مُقْتَضى الخَشْيَةِ لِأنَّ مَعْنى الرَّحْمَنِ واهِبُ الوُجُودِ بِالخَلْقِ والرَّحِيمِ واهِبُ البَقاءِ بِالرِّزْقِ وهو سُبْحانُهُ في الدُّنْيا رَحْمَنٌ حَيْثُ أوْجَدَنا ورَحِيمٌ حَيْثُ أبْقانا بِالرِّزْقِ فَمَن يَكُونُ مِنهُ الوُجُودُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ هو المَخْشِيَّ وما تَقَدَّمَ أوْلى.

والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( بِقَلْبٍ ) لِلْمُصاحَبَةِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ أحْضَرَ قَلْبًا مُنِيبًا. ووَصْفُ القَلْبِ بِالإنابَةِ مَعَ أنَّها يُوصَفُ بِها صاحِبُهُ لِما أنَّ العِبْرَةَ رُجُوعُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، وأغْرَبَ الإمامُ فَجَوَّزَ كَوْنَ الباءِ لِلسَّبَبِيَّةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما جاءَ إلّا بِسَبَبِ آثارِ العِلْمِ في قَلْبِهِ أنْ لا مُرْجِعَ إلّا اللَّهُ تَعالى فَجاءَ بِسَبَبِ قَلْبِهِ المُنِيبِ وهو كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِسَلامٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ ( ادْخُلُوها ) والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والسَّلامُ إمّا مِنَ السَّلامِ أوْ مِنَ التَّسْلِيمِ أيِ ادْخُلُوها مُلْتَبِسِينَ بِسَلامَةٍ مِنَ العَذابِ وزَوالِ النِّعَمِ أوْ بِتَسْلِيمٍ وتَحِيَّةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى ومَلائِكَتِهِ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الزَّمانَ المُمْتَدَّ الَّذِي وقَعَ في بَعْضٍ مِنهُ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ ﴿يَوْمُ الخُلُودِ﴾ البَقاءِ الَّذِي لا انْتِهاءَ لَهُ أبَدًا أوْ إشارَةٌ إلى وقْتِ الدُّخُولِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذَلِكَ يَوْمُ ابْتِداءِ الخُلُودِ وتَحَقُّقِهِ أوْ يَوْمُ تَقْدِيرِ الخُلُودِ أوْ إشارَةٌ إلى وقْتِ الدُّخُولِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ ذَلِكَ يَوْمُ ابْتِداءِ الخُلُودِ وتَحَقُّقِهِ أوْ يَوْمُ تَقْدِيرِ الخُلُودِ أوْ إشارَةٌ إلى وقْتِ السَّلامِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْضًا أيْ ذَلِكَ يَوْمُ إعْلامِ الخُلُودِ أيِ الإعْلامِ بِهِ

50:35Page 519

لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيۡنَا مَزِيدٞ ٣٥

They will have whatever they wish therein, and with Us is more.

﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾ مِن فُنُونِ المَطالِبِ كائِنًا ما كانَ ﴿فِيها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يَشاءُونَ )، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِن عائِدِهِ المَحْذُوفِ مِن صِلَتِهِ ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ هو ما لا يَخْطِرُ بِبالِهِمْ ولا يَنْدَرِجُ تَحْتَ مَشِيئَتِهِمْ مِن مَعالِي الكَراماتِ الَّتِي لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ومِنهُ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ أنْ تَمُرَّ السَّحابَةُ بِهِمْ فَتَقُولَ: ماذا تُرِيدُونَ فَأُمْطِرَهُ عَلَيْكم فَلا يُرِيدُونَ شَيْئًا إلّا أمْطَرَتْهُ عَلَيْهِمْ.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الرُّؤْيَةِ، والدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ قالَ: (يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ)».

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ أيْضًا: «يَتَجَلّى لَهُمُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ جُمُعَةٍ»، وجاءَ في حَدِيثٍ أخْرَجَهُ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ وغَيْرِهِ «أنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ يُدْعى يَوْمَ المَزِيدِ»، وقِيلَ: المَزِيدُ أزْواجٌ مِنَ الحُورِ العِينِ عَلَيْهِنَّ تِيجانٌ أدْنى لُؤْلُؤَةٍ مِنها تُضِيءُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وعَلى كُلٍّ سَبْعُونَ حُلَّةً وإنَّ النّاظِرَ لَيَنْفُذُ بَصَرُهُ حَتّى يَرى مُخَّ ساقِها مِن وراءِ ذَلِكَ، وقِيلَ: هو مُضاعَفَةُ الحَسَنَةِ بِعَشْرِ أمْثالِها

50:36Page 520

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشٗا فَنَقَّبُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ هَلۡ مِن مَّحِيصٍ ٣٦

And how many a generation before them did We destroy who were greater than them in [striking] power and had explored throughout the lands. Is there any place of escape?

﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ أيْ كَثِيرًا

صفحة 191

أهْلَكْنا قَبْلَ قَوْمِكَ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ قَوْمًا مُقْتَرِنِينَ في زَمَنٍ واحِدٍ ﴿هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾ أيْ قُوَّةً كَما قِيلَ أوْ أخْذًا شَدِيدًا في كُلِّ شَيْءٍ كَعادٍ وقَوْمِ فِرْعَوْنَ ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾ سارُوا في الأرْضِ وطَوَّفُوا فِيها حَذارِ المَوْتِ، فالتَّنْقِيبُ السَّيْرُ وقَطْعُ المَسافَةِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ، وأنْشَدُوا لِلْحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:

نَقَّبُوا في البِلادِ مِن حَذَرِ المَوْ تِ وجالُوا في الأرْضِ كُلَّ مَجالِ

ولِامْرِئِ القَيْسِ:

وقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى ∗∗∗ رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ

ورُوِيَ وقَدْ طَوَّفْتُ، وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هو هَرَبُوا بِلُغَةِ اليَمَنِ، وأنْشَدَ لَهُ بَيْتَ الحَرْثِ المَذْكُورَ لَكِنَّهُ نَسَبَهُ لِهُدى بْنِ زَيْدٍ، وفَسَّرَ التَّنْقِيبَ في البِلادِ بِالتَّصَرُّفِ فِيها بِمُلْكِها ونَحْوِهِ، وشاعَ التَّنْقِيبُ في العُرْفِ بِمَعْنى التَّنْقِيرِ عَنِ الشَّيْءِ والبَحْثِ عَنْ أحْوالِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ التَّنْقِيبُ بِالسَّيْرِ ونَحْوِهِ المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ، وعَلى تَفْسِيرِهِ بِالتَّصَرُّفِ لِلسَّبَبِيَّةِ لِأنَّ تَصَرُّفَهم في البِلادِ مُسَبَّبٌ عَنِ اشْتِدادِ بَطْشِهِمْ وهي عَلى الوَجْهَيْنِ عاطِفَةٌ عَلى مَعْنى ما قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ: اشْتَدَّ بَطْشُهم فَنَقَّبُوا وقِيلَ: هي عَلى ما تَقَدَّمَ أيْضًا لِلسَّبَبِيَّةِ والعَطْفِ عَلى ( أهْلَكْنا ) عَلى أنَّ المُرادَ أخَذْنا في إهْلاكِهِمْ فَنَقَّبُوا في البِلادِ ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ عَلى إضْمارِ قَوْلٍ هو حالٌ مِن واوِ (نَقَّبُوا) أيْ قائِلِينَ هَلْ لَنا مُخَلِّصٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ مِنَ المَوْتِ؟ أوْ عَلى إجْراءِ التَّنْقِيبِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّتَبُّعِ والتَّفْتِيشِ مَجْرى القَوْلِ عَلى ما قِيلَ أوْ هو كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم مَحِيصٌ أيْ هَلْ لَهم مُخَلِّصٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ مِنَ المَوْتِ، وقِيلَ: ضَمِيرُ (نَقَّبُوا) لِأهْلِ مَكَّةَ أيْ سارُوا في مَسايِرِهِمْ وأسْفارِهِمْ في بِلادِ القُرُونِ المُهْلِكَةِ فَهَلْ رَأوْا لَهم مَحِيصًا حَتّى يُؤَمِّلُوا مِثْلَهُ لِأنْفُسِهِمْ.

وأُيِّدَ بِقِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ يَعْمُرَ وأبِي العالِيَةِ ونَصْرِ بْنِ سَيّارٍ وأبِي حَيْوَةَ والأصْمَعِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍو (فَنَقِّبُوا) عَلى صِيغَةِ الأمْرِ لِأنَّ الأمْرَ لِلْحاضِرِ وقْتَ النُّزُولِ مِنَ الكُفّارِ وهم أهْلُ مَكَّةَ لا غَيْرَ، والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ وفِيهِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعُبَيْدٌ عَنِ أبِي عَمْرٍو ( ﴿فَنَقَّبُوا﴾ ) بِفَتْحِ القافِ مُخَفَّفَةً، والمَعْنى كَما في المُشَدَّدَةِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ القافِ خَفِيفَةً مِنَ النَّقَبِ مُحَرَّكًا، وهو أنْ يَنْتَقِبَ خُفُّ البَعِيرِ ويَرِقَّ مِن كَثْرَةِ السَّيْرِ، قالَ الرّاجِزُ:

أقْسَمَ بِاللَّهِ أبُو حَفْصٍ عُمَرُ ∗∗∗ ما مَسَّها مِن نَقَبٍ ولا دَبَرِ

والكَلامُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ نَقَبَتْ أقْدامُهم، ونَقَبُ الإقْدامِ كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ عَنْ كَثْرَةِ السَّيْرِ فَيُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّهم أكْثَرُوا السَّيْرَ في البِلادِ أوْ نَقَبَتْ أخْفافُ مَراكِبِهِمْ والمُرادُ كَثْرَةُ السَّيْرِ أيْضًا، وقَدْ يُسْتَغْنى عَنِ التَّقْدِيرِ بِجَعْلِ الإسْنادِ مَجازِيًّا

50:37Page 520

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ ٣٧

Indeed in that is a reminder for whoever has a heart or who listens while he is present [in mind].

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الإهْلاكِ أوْ ما ذُكِرَ في السُّورَةِ ﴿لَذِكْرى﴾ لَتَذْكِرَةً وعِظَةً ﴿لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أيْ قَلْبٌ واعٍ يُدْرِكُ الحَقائِقَ فَإنَّ الَّذِي لا يَعِي ولا يَفْهَمُ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، وفي الكَشْفِ ﴿لِمَن كانَ﴾ إلَخْ تَمْثِيلٌ ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾ أيْ أصْغى إلى ما يُتْلى عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ ﴿وهُوَ شَهِيدٌ﴾ أيْ حاضِرٌ عَلى أنَّهُ مِنَ الشُّهُودِ بِمَعْنى الحُضُورِ، والمُرادُ بِهِ المُتَفَطِّنُ لِأنَّ غَيْرَ المُتَفَطِّنِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ الغائِبِ فَهو إمّا

صفحة 192

اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ والأوَّلُ أوْلى، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ الشَّهادَةِ وصْفًا لِلْمُؤْمِنِ لِأنَّهُ شاهِدٌ عَلى صِحَّةِ المُنَزَّلِ وكَوْنِهِ وحْيًا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَيَبْعَثُهُ عَلى حُسْنِ الإصْغاءِ أوْ وصْفًا لَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: وهو مِن جُمْلَةِ الشُّهَداءِ أيِ المُؤْمِنِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ فَهو كِنايَةٌ عَلى الوَجْهَيْنِ، وجُوِّزَ عَلى الأوَّلِ مِنهُما أنْ لا يَكُونَ كِنايَةً عَلى أنَّ المُرادَ وهو شاهِدٌ شَهادَةً عَنْ إيقانٍ لا كَشَهادَةِ أهْلِ الكِتابِ.

وعَنْ قَتادَةَ المَعْنى لِمَن سَمِعَ القُرْآنَ مِن أهْلِ الكِتابِ وهو شاهِدٌ عَلى صِدْقِهِ لِما يَجِدُهُ في كِتابِهِ مِن نَعْتِهِ، والأنْسَبُ بِالمَساقِ والأمْلَأُ بِالفائِدَةِ الأخْذُ مِنَ الشُّهُودِ، والوَجْهُ جَعْلُ ﴿وهُوَ شَهِيدٌ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ المُلْقِي لا عَطْفًا عَلى ( ألْقى ) كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ، والمُرادُ أنَّ فِيما فُعِلَ بِسَوالِفِ الأُمَمِ أوْ في المَذْكُورِ أمامًا مِنَ الآياتِ لَذِكْرى لِإحْدى طائِفَتَيْنِ مَن لَهُ قَلْبٌ يَفْقَهُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومَن لَهُ سَمْعٌ مُصْغٍ مَعَ ذِهْنٍ حاضِرٍ أيْ لِمَن لَهُ اسْتِعْدادُ القَبُولِ عَنِ الفَقِيهِ إنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا في نَفْسِهِ، و( أوْ ) لِمَنعِ الخُلُوِّ مِن حَيْثُ إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّخْصُ فَقِيهًا ومُسْتَعِدًّا لِلْقَبُولِ مِنَ الفَقِيهِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّها لِتَقْسِيمِ المُتَذَكِّرِ إلى تالٍ وسامِعٍ أوْ إلى فَقِيهٍ ومُتَعَلِّمٍ أوْ إلى عالِمٍ كامِلِ الِاسْتِعْدادِ لا يَحْتاجُ لِغَيْرِ التَّأمُّلِ فِيما عِنْدَهُ وقاصِرٍ مُحْتاجٍ لِلتَّعَلُّمِ فَيَتَذَكَّرُ إذا أقْبَلَ بِكُلِّيَّتِهِ وأزالَ المَوانِعَ بِأسْرِها فَتَأمَّلْ.

وقَرَأ السُّلَمِيُّ وطَلْحَةُ والسُّدِّيُّ وأبُو البَرَهْسَمِ (أوْ أُلْقِيَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ( السَّمْعُ) بِالرَّفْعِ عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ والفاعِلُ المَحْذُوفُ إمّا المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ أوَّلًا، وعَلى الثّانِي مَعْناهُ لِمَن ألْقى غَيْرَهُ السَّمْعَ وفَتَحَ أُذُنَهُ ولَمْ يُحْضِرْ ذِهْنُهُ، وإمّا هو فَقَدْ أُلْقِيَ وهو شاهِدٌ مُتَفَطِّنٌ مُحْضِرٌ ذِهْنَهُ، فالوَصْفُ أعْنِي الشُّهُودَ مُعْتَمَدُ الكَلامِ، وإنَّما أُخْرِجَ في الآيَةِ بِهَذِهِ العِبارَةِ لِلْمُبالَغَةِ في تَفَطُّنِهِ وحُضُورِهِ، وعَلى الأوَّلِ مَعْناهُ لِمَن ألْقى سَمْعَهُ وهو حاضِرٌ مُتَفَطِّنٌ، ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ مَوْصُولٌ آخَرُ بَعْدَ ( أوْ ) فَذُو القَلْبِ والمُلْقِي غَيْرَ أنَّ شَخْصًا ولَوْ لَمْ يَقْدِرْ جازَ أنْ يَكُونا شَخْصَيْنِ وأنْ يَكُونا شَخْصًا بِاعْتِبارِ حالَيْنِ حالِ تَفَطُّنِهِ بِنَفْسِهِ وحالِ إلْقائِهِ السَّمْعَ عَنْ حُضُورٍ إلى مُتَفَطِّنٍ بِنَفْسِهِ لِأنَّ (مَن) عامٌّ يَتَناوَلُ كُلَّ واحِدٍ واحِدٍ

50:38Page 520

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٖ ٣٨

And We did certainly create the heavens and earth and what is between them in six days, and there touched Us no weariness.

﴿ولَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ مِن أصْنافِ المَخْلُوقاتِ ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيها ﴿وما مَسَّنا﴾ وما أصابَنا بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مِمّا لا تَفِي بِهِ القُوى والقُدَرُ ﴿مِن لُغُوبٍ﴾ تَعَبٍ ما فالتَّنْوِينُ لِلتَّحْقِيرِ، وهَذا كَما قالَ قَتادَةُ. وغَيْرُهُ رَدَّ عَلى جَهَلَةِ اليَهُودِ زَعَمُوا أنَّهُ تَعالى شَأْنُهُ بَدَأ خَلْقَ العالَمِ يَوْمَ الأحَدِ وفَرَغَ مِنهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ واسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ واسْتَلْقى عَلى العَرْشِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لَمّا قالُوا ذَلِكَ، ويُحْكى أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ، وجُمْلَةُ ﴿وما مَسَّنا﴾ إلَخْ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ حالِيَّةً وأنْ تَكُونَ اسْتِئْنافِيَّةً، وقَرَأ السُّلَمِيُّ وطَلْحَةُ ويَعْقُوبُ (لَغُوبٍ) بِفَتْحِ اللّامِ بِزِنَةِ القَبُولِ والوَلُوعِ وهو مَصْدَرٌ غَيْرُ مَقِيسٍ بِخِلافِ مَضْمُومِ اللّامِ

50:39Page 520

فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ ٣٩

So be patient, [O Muḥammad], over what they say and exalt [Allāh] with praise of your Lord before the rising of the sun and before its setting,

﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ أيْ ما يَقُولُ المُشْرِكُونَ في شَأْنِ البَعْثِ مِنَ الأباطِيلِ المَبْنِيَّةِ عَلى الِاسْتِبْعادِ والإنْكارِ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ العالَمِ في تِلْكَ المُدَّةِ اليَسِيرَةِ بِلا إعْياءٍ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِمْ والِانْتِقامِ مِنهم، أوْ عَلى ما يَقُولُ اليَهُودُ مِن مَقالَةِ الكُفْرِ والتَّشْبِيهِ.

والكَلامُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ( ولَقَدْ خَلَقْنا ) إلَخْ عَلى الوَجْهَيْنِ، وفي الكَشْفِ أنَّهُ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ بِأوَّلِ

صفحة 193

السُّورَةِ إلى هَذا المَوْضِعِ وأنَّهُ أنْسَبُ مِن تَعَلُّقِهِ - بِـ ( لَقَدْ خَلَقْنا ) - الآيَةَ لِأنَّ الكَلامَ مُرْتَبِطٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ إلى هاهُنا عَلى ما لا يَخْفى عَلى المُسْتَرْشِدِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الأقْرَبَ تَعَلُّقُهُ عَلى الوَجْهَيْنِ بِما ذَكَرْنا ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ نَزِّهْهُ تَعالى عَنِ العَجْزِ عَمّا يُمْكِنُ وعَنْ وُقُوعِ الخُلْفِ في أخْبارِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإخْبارُ بِوُقُوعِ البَعْثِ وعَنْ وصْفِهِ عَزَّ وجَلَّ بِما يُوجِبُ التَّشْبِيهَ، أوْ نَزِّهْهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ ومِنهُ ما ذَكَرَ حامِدًا لَهُ تَعالى عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ مِن إصابَةِ الحَقِّ وغَيْرِها.

﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ هُما وقْتا الفَجْرِ والعَصْرِ وفَضِيلَتُهُما مَشْهُورَةٌ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском