Al-AlusiAn‑Najm · 53:19–29

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Najm 53:19–29

53:19Page 526

أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ ١٩

So have you considered al-Lāt and al-ʿUzzā?

﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ هي أصْنامٌ كانَتْ لَهم فاللّاتُ كَما قالَ قَتادَةُ: لِثَقِيفٍ بِالطّائِفِ، وأنْشَدُوا:

وفَّرَتْ ثَقِيفٌ إلى لاتَها بِمُنْقَلِبِ الخائِبِ الخاسِرِ

صفحة 55

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: كانَ بِالكَعْبَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ بِنَخْلَةٍ عِنْدَ سُوقِ عُكاظٍ يَعْبُدُهُ قُرَيْشُ، ورَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ قَتادَةَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: يُمْكِنُ الجَمْعُ بِأنْ يَكُونَ المُسَمّى بِذَلِكَ أصْنامًا فَأخْبَرَ عَنْ كُلِّ صَنَمٍ بِمَكانِهِ، والتّاءُ فِيهِ قِيلَ: أصْلِيَّةٌ وهي لامُ الكَلِمَةِ كالباءِ في بابِ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ فِيما يَظْهَرُ مِن ياءٍ لِأنَّ مادَّةَ «لَ يَ تَ» مَوْجُودَةٌ فَإنْ وُجِدَتْ مادَّةُ «لَ وتَ» جازَ أنْ تَكُونَ مُنْقَلِبَةٌ مِن واوٍ، وقِيلَ: تاءُ العِوَضِ، والأصْلُ لَوْيَةٌ بِزِنَةِ فِعْلَةِ مِن لَوى لِأنَّهم كانُوا يَلْوُونَ عَلَيْهِ ويَعْتَكِفُونَ لِلْعِبادَةِ، أوْ يَلْتَوُونَ عَلَيْهِ أيْ يَطُوفُونَ فَخَفَّفَ بِحَذْفِ الياءِ وأُبْدِلَتْ واوُهُ ألِفًا، وعِوَضَ عَنِ الياءِ تاءً فَصارَتْ كَتاءِ أُخْتٍ وبِنْتٍ، ولِذا وقَفَ عَلَيْها بِالتّاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ ومَنصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ وأبُو صالِحٍ وطَلْحَةُ وأبُو الجَوْزاءِ ويَعْقُوبُ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةٍ بِتَشْدِيدِ التّاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مِن لَتَّ يَلِتُّ إذا عَجَنَ قِيلَ: كانَ رَجُلٌ يَلِتُّ السَّوِيقِ لِلْحاجِّ عَلى حَجَرٍ فَلَمّا ماتَ عَبَدُوا ذَلِكَ الحَجَرَ إجْلالًا لَهُ وسَمُّوهُ بِذَلِكَ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كانَ عَلى صَخْرَةٍ في الطّائِفِ يَصْنَعُ حَيْسًا ويُطْعِمُ مَن ( يَمُرُّ ) مِنَ النّاسِ فَلَمّا ماتَ عَبَدُوهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنَ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَلِتُّ السَّوِيقَ عَلى الحَجَرِ فَلا يَشْرَبُ مِنهُ أحَدٌ إلّا سَمِنَ فَعَبَدُوهُ، وأخْرَجَ الفاكِهِيُّ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا ماتَ قالَ لَهم عَمْرُو بْنُ لِحْيٍ: إنَّهُ لَمْ يَمُتْ ولَكِنَّهُ دَخَلَ الصَّخْرَةَ فَعَبَدُوها وبَنَوْا عَلَيْها بَيَّتا، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: كانَ رَجُلُ مِن ثَقِيفٍ يَلِتُّ السَّوِيقَ بِالزَّيْتِ فَلَمّا تُوُفِّيَ جَعَلُوا قَبَرَهُ وثَنًا، وزَعَمَ النّاسُ أنَّهُ عامِرُ بْنُ الظَّرِبِ أحَدُ عُدْوانِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ ( والعُزّى ) لِغَطَفانَ وهي عَلى المَشْهُورِ سُمْرَةٌ بِنَخْلَةِ - كَما قالَ قَتادَةُ - وأصَّلُها تَأْنِيثُ الأعَزِّ، وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: ««لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكَّةَ بَعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلى نَخْلَةٍ وكانَتْ بِها العُزّى فَأتاها خالِدٌ وكانَتْ ثَلاثَ سَمَراتٍ فَقَطَعَ السَّمَراتِ وهَدْمَ البَيْتَ الَّذِي كانَ عَلَيْها ثُمَّ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ فَقالَ: ارْجِعْ فَإنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا فَرَجَعَ خالِدٌ فَلَمّا أبْصَرَتْهُ السَّدَنَةُ مَضَوْا وهم يَقُولُونَ يا عُزّى يا عُزّى فَأتاها فَإذا امْرَأةً عُرْيانَةً ناشِرَةً شَعْرَها تَحْثُو التُّرابَ عَلى رَأْسِها فَجَعَلَ يَضْرِبُها بِالسَّيْفِ حَتّى قَتَلَها ثُمَّ رَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: تِلْكَ العُزّى»» وفي رِوايَةٍ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعَثَ إلَيْها خالِدًا فَقَطَعَها فَخَرَجَتْ مِنهُ شَيْطانَةٌ ناشِرَةٌ شَعْرَها داعِيَةً ويْلَها واضِعَةً يَدَها عَلى رَأْسِها فَضَرَبَها بِالسَّيْفِ حَتّى قَتَلَها وهو يَقُولُ:

يا عُزَّ كُفْرانَكَ لا سُبْحانَكَ ∗∗∗ إنِّي رَأيْتُ اللَّهَ قَدْ أهانَكِ

ورَجَعَ فَأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «تِلْكَ العُزّى ولَنْ تُعْبَدَ أبَدا»» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَتِ العُزّى بِالطّائِفِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَ بِالكَعْبَةِ، وأيَّدَهُ في البَحْرِ بِقَوْلِ أبِي سُفْيانَ في بَعْضِ الحُرُوبِ لِلْمُسْلِمِينَ لَنا العُزّى ولا عَزّى لَكم، وذَكَرَ فِيهِ أنَّهُ صَنَمٌ وجُمِعَ بِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ.

53:20Page 526

وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ ٢٠

And Manāt, the third - the other one?1

﴿ومَناةَ﴾ قِيلَ: صَخْرَةٌ كانَتْ لِهَذِيلٍ وخُزاعَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِثَقِيفٍ، وعَنْ قَتادَةَ لِلْأنْصارِ بِقَدِيدٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَتْ بِالكَعْبَةِ أيْضًا، واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانَ أنَّها ثَلاثَتُها كانَتْ فِيها قالَ: لِأنَّ المُخاطَبَ في قَوْلِهِ تَعالى: أفَرَأيْتُمْ قُرَيْشَ ؟ وفِيهِ بَحْثٌ، ومَناةَ مَقْصُورَةٌ قِيلَ: وزْنُها فَعَلَةُ، وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ دِماءَ النِّسائِكِ كانَتْ تُمْنى عِنْدَها أيْ تُراقُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ عَلى ما في البَحْرِ مُناءَةً بِالمَدِّ والهَمْزَةِ كَما في قَوْلِهِ:

ألا هَلْ أتى التَّيْمُ بْنُ عَبْدِ مَناءَةَ عَلى النَّأْيِ عَلى الشَّنْءِ فِيما بَيْنَنا ابْنَ تَمِيمِ

ووَزْنُها مَفْعَلَةٌ فالألِفُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ كَما في مَقالَةِ، والهَمْزَةُ أصْلٌ وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَّوْءِ كَأنَّهم كانُوا

صفحة 56

يَسْتَمْطِرُونَ عِنْدَها الأنْواءَ تَبَرُّكًا بِها، والظّاهِرُ أنَّ ﴿الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ صِفَتانِ لِمَناةَ وهُما عَلى ما قِيلَ: لِلتَّأْكِيدِ فَإنَّ كَوْنَها ثالِثَةً وأُخْرى مُغايِرَةً لِما تَقَدَّمَها مَعْلُومٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ لِلْبَيانِ، وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: ﴿الثّالِثَةَ﴾ لِلتَّأْكِيدِ، ( والأُخْرى ) لِلذَّمِّ بِأنَّها مُتَأخِّرَةٌ في الرُّتْبَةِ وضِيعَةُ المِقْدارِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ آخَرَ ومُؤَنَّثُهُ أُخْرى لَمْ يَوْضُعا لِذَمٍّ ولا لِمَدْحٍ وإنَّما يَدُلّانِ عَلى مَعْنى غَيْرِ، والحَقُّ أنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ المَفْهُومِ الأصْلِيِّ وهي تَدُلُّ عَلى ذَمِّ السّابِقَتَيْنِ أيْضًا قالَ في الكَشْفِ: هي اسْمُ ذَمٍّ يَدُلُّ عَلى وضاعَةِ السّابِقَتَيْنِ بِوَجْهٍ أيْضًا لِأنَّ «أُخْرى» تَأْنِيثُ آخَرَ تَسْتَدْعِي المُشارَكَةَ مَعَ السّابِقِ فَإذا أتى بِها لِقَصْدِ التَّأخُّرِ في الرُّتْبَةِ عَمَلًا بِمَفْهُومِها الأصْلِيِّ إذْ لا يُمْكِنُ العَمَلُ بِالمَفْهُومِ العُرْفِيِّ لِأنَّ السّابِقَتَيْنِ لَيْسَتا ثالِثَةً أيْضًا اسْتَدْعَتِ المُشارَكَةَ فَضاءً لِحَقِّ التَّفْضِيلِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ( الأُخْرى ) في التَّأخُّرِ انْتَهى وهو حَسَنٌ، وذَكَرَ في نُكْتَةِ ذَمِّ مَناةِ بِهَذا الذَّمِّ أنَّ الكَفَرَةَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّها أعْظَمَ الثَّلاثَةٌ فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ.

وقالَ الإمامُ: ﴿الأُخْرى﴾ صِفَةُ ذَمٍّ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ﴾ الذَّلِيلَةَ وذَلِكَ لِأنَّ اللّاتَ كانَ عَلى صُورَةِ آدَمِيِّ ﴿والعُزّى﴾ صُورَةُ نَباتٍ ﴿ومَناةَ﴾ صُورَةُ صَخْرَةٍ، فالآدَمِيُّ أشْرَفُ مِنَ النَّباتِ، والنَّباتُ أشْرَفُ مِنَ الجَمادِ - فالجَمادُ مُتَأخِّرٌ - ومَناةُ جَمادٌ فَهي أُخْرَياتُ المَراتِبِ، وأنْتِ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَتَأتّى عَلى كُلِّ الأقْوالِ، وقِيلَ: ﴿الأُخْرى﴾ صِفَةٌ لِلْعُزّى لِأنَّها ثانِيَةُ اللّاتِ، والثّانِيَةُ يُقالُ لَها ( الأُخْرى ) وأُخِّرَتْ لِمُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآيِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ المُفَضَّلِ:

فِي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ والعُزّى الأُخْرى ﴿ومَناةَ الثّالِثَةَ﴾ ولَعَمْرِي إنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءِ، والكَلامُ خِطابٌ لِعَبَدَةِ هَذِهِ المَذْكُوراتِ وقَدْ كانُوا مَعَ عِبادَتِهِمْ لَها يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وتِلْكَ المَعْبُوداتِ الباطِلَةَ بَناتُ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا فَقِيلَ لَهم تَوْبِيخًا وتَبْكِيتًا: ﴿أفَرَأيْتُمُ﴾ إلَخْ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِتَوْجِيهِهِ إلى تَرْتِيبِ الرُّؤْيَةِ عَلى ما ذَكَرَ مِن شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى المُنافِيَةِ لَها غايَةَ المُنافاةِ وهي عِلْمِيَّةٌ عِنْدَ كَثِيرٍ، ومَفْعُولُها الثّانِي عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُهم مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، فالمَعْنى أعَقِيبٌ ما سَمِعْتُمْ مِن آثارِ كَمالِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ وجَلالِهِ وجَبَرُوتِهِ وإحْكامِ قُدْرَتِهِ ونَفاذِ أمْرِهِ رَأيْتُمْ هَذِهِ الأصْنامَ مَعَ غايَةِ حَقارَتِها بَناتَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

53:21Page 526

أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلۡأُنثَىٰ ٢١

Is the male for you and for Him the female?

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ تَوْبِيخٌ مَبْنِيٌّ عَلى ذَلِكَ التَّوْبِيخِ ومَدارُهُ تَفْضِيلُ جانِبِ أنْفُسِهِمْ عَلى جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ جَعَلُوا لَهُ تَعالى الإناثَ واخْتارُوا لِأنْفُسِهِمُ الذُّكُورَ، ومَناطُ الأوَّلِ نَفْسُ تِلْكَ النِّسْبَةِ، وقِيلَ: المَعْنى أرَأيْتُمْ هَذِهِ الأصْنامَ مَعَ حَقارَتِها وذِلَّتِها شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن عَظَمَتِهِ. وقِيلَ: المَعْنى أخْبِرُونِي عَنْ آلِهَتِكم هَلْ لَها شَيْءٌ مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ في الآيِ السّابِقَةِ، وقِيلَ: المَعْنى أظْنَنْتُمْ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي تَعْبُدُونَها تَنْفَعُكم وقِيلَ المَعْنى أفَرَأيْتُمُ هَذِهِ الأصْنامَ إنْ عَبَدْتُمُوها لا تَنْفَعْكم وإنْ تَرَكْتُمُوها لا تَضُرُّكم، ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ﴾ إلَخْ لا يَلْتَئِمُ مَعَ ما قَبْلَهُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ التِئامَهُ عَلى القَوْلِ السّابِقِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ألَكُمُ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِلرُّؤْيَةِ وخُلُوُّها عَنِ العائِدِ إلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِما أنَّ الأصْلَ أخْبِرُونِي أنَّ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ ألْكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ هُنَّ أيْ تِلْكَ الأصْنامُ فَوَضَعَ مَوْضِعَها الأُنْثى لِمُراعاةِ الفَواصِلِ وتَحْقِيقِ مَناطِ التَّوْبِيخِ وهو عَلى تَكَلُّفِهِ يَقْتَضِي اقْتِصارَ التَّوْبِيخِ عَلى تَرْجِيحِ جانِبِهِمُ الحَقِيرِ الذَّلِيلِ عَلى جَنابِ اللَّهِ تَعالى العَزِيزِ الجَلِيلِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلتَّوْبِيخِ عَلى نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، وفي الكَشْفِ وجْهُ النَّظْمِ الجَلِيلِ أنَّهُ بَعْدَ ما صَوَّرَ أمْرَ الوَحْيِ تَصْوِيرًا تامًّا وحَقَّقَهُ بِأنَّ ما يَسْتَمِعُهُ وحْيٌّ لا شُبْهَةَ فِيهِ لِأنَّهُ رَأى الآتِيَ بِهِ وعَرِفَهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ [النَّجْمَ: 12] عَلى مَعْنى أتُلاحُونَهُ بَعْدَ هَذِهِ البَياناتِ عَلى ما يُرى مِنَ الآياتِ المُحَقَّقَةِ لِأنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ هادِيًا مَهْدِيًّا، وأنّى يَبْقى لِلْمِراءِ مَجالٌ - وقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى. ؟!

صفحة 57

وعَرِفَهُ حَقَّ المَعْرِفَةِ، ثُمَّ قِيلَ: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ﴾ إلَخْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ماعُدَّ مِنها فَهو أيْضًا نَفْيٌ لِلضَّلالَةِ والغَوايَةِ وتَحْقِيقٌ لِلدِّرايَةِ والهِدايَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ﴾ عَطْفٌ عَلى تُمارُونَهُ وإدْخالُ الهَمْزَةِ لِزِيادَةِ الإنْكارِ والفاءُ لِأنَّ القَوْلَ بِأمْثالِهِ مُسَبَّبٌ عَنِ الطَّبْعِ والعِنادِ وعَدَمِ الإصْغاءِ لِداعِي الحَقِّ، والمَعْنى أبَعْدَ هَذا البَيانِ تَسْتَمِرُّونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ المِراءِ فَتَرَوْنَ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ أوْلادًا لَهُ تَعالى ثُمَّ أخَسَّها وسَدَّ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَكُمُ﴾ إلَخْ زِيادَةُ الإنْكارِ فَعَلى هَذا لَيْسَ ( أفَرَأيْتُمُ ) في مَعْنى الِاسْتِخْبارِ وجازَ أنْ يَكُونَ في مَعْناهُ عَلى مَعْنى ﴿أفَتُمارُونَهُ﴾ فَأخْبِرُونِي هَلْ لَكَمَ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى، والقَوْلُ مُقَدَّرٌ أيْ فَقُلْ لَهم أخْبِرُونِي والمَعْنى هو كَذا تَهَكُّمًا وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ نَتِيجَةُ مِرائِهِمْ وأنَّ مَن كانَ هَذا مُعْتَقَدَهُ فَهو عَلى الضَّلالِ الَّذِي لا ضَلالَ بَعْدَهُ ولا يَبْعُدُ عَنْ أمْثالِهِ نِسْبَةُ الهادِينَ المَهْدِيِّينَ إلى ما هو فِيهِ مِنَ النَّقْصِ انْتَهى، وما ذَكَرَهُ أوَّلًا أوْلى وهو لَيْسَ بِالبَعِيدِ عَمّا ذَكَرْنا

53:22Page 526

تِلۡكَ إِذٗا قِسۡمَةٞ ضِيزَىٰٓ ٢٢

That, then, is an unjust division.1

﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى القِسْمَةِ المُنْفَهِمَةِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ ﴿إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ أيْ جائِرَةٌ حَيْثُ جَعَلْتُمْ لَهُ سُبْحانَهُ ما تَسْتَنْكِفُونَ مِنهُ وبِذَلِكَ فَسَّرَ ضِيزى ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ سُفْيانَ مَنقُوصَةٌ، وابْنُ زَيْدٍ مُخالِفَةٌ، ومُجاهِدٌ ومُقاتِلٌ عَوْجاءُ، والحَسَنُ غَيْرُ مُعْتَدِلَةٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ صِفَةٌ، واخْتُلِفَ في يائِهِ فَقِيلَ: مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، وقِيلَ: أصِيلَةٌ، ووَزْنُهُ فُعْلى بِضَمِّ الفاءِ كَحُبْلى وأُنْثى، ثُمَّ كُسِرَتْ لِتَسْلَمَ الياءُ كَما فُعِلَ ذَلِكَ في بِيضٍ جَمْعُ أبْيَضَ فَإنَّ وزْنَهُ فُعْلٌ بِضَمِّ الفاءِ كَحُمْرٍ ثُمَّ كُسِرَتِ الفاءُ لِما ذُكِرَ ومِثْلُهُ شائِعٌ، ولَمْ يُجْعَلْ وزْنُهُ فِعْلى بِالكَسْرِ ابْتِداءً لِما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ مِن أنَّ فِعْلى بِالكَسْرِ لَمْ يَجِئْ عَنِ العَرَبِ في الصِّفاتِ وجَعَلَهُ بَعْضُهم كَذَلِكَ مُتَمَسِّكًا بِوُرُودِ ذَلِكَ. فَقَدْ حَكى ثَعْلَبٌ مِشْيَةٌ حِيكى، ورَجُلٌ كِيصى، وغَيْرُهُ امْرَأةٌ عِزْهى وامْرَأةٌ سِعْلى، ورُدَّ بِأنَّهُ مِنَ النَّوادِرِ والحَمْلُ عَلى الكَثِيرِ المُطَّرِدِ في بابِهِ أوْلى، وأيْضًا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ في حِيكى وكِيصى ما قِيلَ في ضِيزى ويُمْنَعُ وُرُودُ عِزْهى وسِعْلى فَإنَّ المَعْرُوفَ عِزْهاةٌ وسِعْلاةٌ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضِيزى فِعْلى بِالكَسْرِ ابْتِداءً عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَذِكْرى ووُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً، ومَجِيءُ هَذا الوَصْفِ في المَصادِرِ كَما ذُكِرَ، والأسْماءِ الجامِدَةِ كَدِفْلى وشِعْرى، والجُمُوعِ كَحِجْلى كَثِيرٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ضِئْزى بِالهَمْزِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ وصْفًا وهو مَضْمُومٌ عُومِلَ مُعامَلَةَ المُعْتَلِّ لِأنَّهُ يُؤَوَّلُ إلَيْهِ. وقَرَأ ابْنُ زَيْدٍ ضَيْزى بِفَتْحِ الضّادِ وبِالياءِ عَلى أنَّهُ كَدَعْوى أوْ كَسَكْرى، ويُقالُ ضُؤْزى بِالواوِ والهَمْزِ وضَمِّ الفاءِ وقَدْ حَكى الكِسائِيُّ ضَأزَ يَضْأزُ ضَأْزًا بِالهَمْزِ وأنْشَدَ الأخْفَشُ:

فَإنْ تَنْأ عَنْها تَقْتَنِصْكَ وإنْ تَغِبْ فَسَهْمُكَ مَضْؤُوزٌ وأنْفُكَ راغِمُ

والأكْثَرُ ضازَ بِلا هَمْزٍ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

ضازَتْ بَنُو أسَدٍ بِحُكْمِهِمْ ∗∗∗ إذْ يَجْعَلُونَ الرَّأْسَ كالذَّنَبِ

وأنْشَدَهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى تَفْسِيرِهِ السّابِقِ

53:23Page 526

إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ ٢٣

They are not but [mere] names you have named them - you and your forefathers - for which Allāh has sent down no authority. They follow not except assumption and what [their] souls desire, and there has already come to them from their Lord guidance.

﴿إنْ هِيَ﴾ الضَّمِيرُ لِلْأصْنامِ أيْ ما الأصْنامُ بِاعْتِبارِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي تَدَّعُونَها ﴿إلا أسْماءٌ﴾ مَحْضَةٌ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ ما أصْلًا مِن مَعْنى الأُلُوهِيَّةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ صِفَةٌ لِلْأسْماءِ وضَمِيرُها لَها لا لِلْأصْنامِ، والمَعْنى جَعَلْتُمُوها أسْماءً فَإنَّ التَّسْمِيَةَ نِسْبَةٌ بَيْنَ الِاسْمِ والمُسَمّى فَإذا قِيسَتْ إلى الِاسْمِ فَمَعْناها جَعْلُهُ اسْمًا لِلْمُسَمّى وإنْ قِيسَتْ إلى المُسَمّى فَمَعْناها جَعْلُهُ مُسَمًّى لِلِاسْمِ وإنَّما اخْتِيرَ ها هُنا

صفحة 58

المَعْنى الأوَّلُ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْمُسَمّى لِتَحْقِيقِ أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ الَّتِي يُسَمُّونَها آلِهَةً أسْماءٌ مُجَرَّدَةٌ لَيْسَ لَها مُسَمَّياتٌ قَطْعًا كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً﴾ [يُوسُفَ: 40] الآيَةَ لا أنَّ هُناكَ مُسَمَّياتٍ لَكِنَّها لا تَسْتَحِقُّ التَّسْمِيَةَ، وقِيلَ: هي لِلْأسْماءِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ حَيْثُ كانُوا يُطْلِقُونَها عَلى تِلْكَ الأصْنامِ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّها تَسْتَحِقُّ العُكُوفَ عَلى عِبادَتِها والإعْزازَ والتَّقَرُّبَ إلَيْها بِالقَرابِينِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لَوْ سُلِّمَ دَلالَةُ الأسْماءِ المَذْكُورَةِ عَلى ثُبُوتِ تِلْكَ المَعانِي الخالِصَةِ لِلْأصْنامِ فَلَيْسَ في سَلْبِها عَنْها مَزِيدُ فائِدَةٍ بَلْ إنَّما هي في سَلْبِ الأُلُوهِيَّةِ عَنْها كَما هو زَعْمُهُمُ المَشْهُورُ في حَقِّ جَمِيعِ الأصْنامِ عَلى وجْهٍ بُرْهانِيٍّ فَإنَّ انْتِفاءَ الوَصْفِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ أيْ ما هي شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا أسْماءٌ خالِيَةٌ عَنِ المُسَمَّياتِ وضَعْتُمُوها ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ بِمُقْتَضى الأهْواءِ الباطِلَةِ ﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ بِرِهانٍ يَتَعَلَّقُونَ بِهِ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ فِيما ذُكِرَ مِنَ التَّسْمِيَةِ والعَمَلِ بِها ﴿إلا الظَّنَّ﴾ إلّا تَوَهُّمَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ تَوَهُّمًا باطِلًا، فالظَّنُّ هَنا مُرادٌ بِهِ التَّوَهُّمُ وشاعَ اسْتِعْمالُهُ فِيهِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الرّاغِبِ أنَّ التَّوَهُّمَ مِن أفْرادِ الظَّنِّ ﴿وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ أيْ والَّذِي تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهُمُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ وعائِدَها مُقَدَّرٌ - وألْ - في الأنْفُسِ لِلْعَهْدِ، أوْ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، وجُوِّزَ كَوْنُ ما مَصْدَرِيَّةً وكَذا جُوِّزَ كَوْنُ - ألْ - لِلْجِنْسِ والنَّفْسِ مِن حَيْثُ هي إنَّما تَهْوى غَيْرَ الأفْضَلِ لِأنَّها مَجْبُولَةٌ عَلى حُبِّ المَلاذِّ وإنَّما يَسُوقُها إلى حُسْنِ العاقِبَةِ العَقْلُ، والِالتِفاتُ في ( يَتَّبِعُونَ ) إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَعْدادَ قَبائِحِهِمُ اقْتَضى الإعْراضَ عَنْهم، وحِكايَةَ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ - تَتَّبِعُونَ - بِتاءِ الخِطابِ ﴿ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يَتَّبِعُونَ ) مُقَرِّرَةٌ لِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ الظَّنِّ والهَوى، والمُرادُ بِالهُدى الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوِ القُرْآنُ العَظِيمُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الهادِي أوْ جَعَلَهُ هُدًى مُبالَغَةً أيْ ما يَتَّبِعُونَ إلّا ذَلِكَ، والحالُ لَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمْ جَلَّ شَأْنُهُ ما يَنْبَغِي لَهم مَعَهُ تَرْكُهُ واتِّباعُ سَبِيلِ الحَقِّ.

وحاصِلُهُ ( يَتَّبِعُونَ ) ذَلِكَ في حالٍ يُنافِيهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةً وهي أيْضًا مُؤَكِّدَةٌ لِبُطْلانِ ذَلِكَ.

53:24Page 526

أَمۡ لِلۡإِنسَٰنِ مَا تَمَنَّىٰ ٢٤

Or is there for man whatever he wishes?

﴿أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى﴾ ( أمْ ) مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ - بِبَلْ - وهي لِلِانْتِقالِ مِن بَيانِ أنَّ ما هم عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إلّا إلى تَوَهُّمِهِمْ وهَوى أنْفُسِهِمْ إلى بَيانِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُجْدِي نَفْعًا أصْلًا والهَمْزَةُ وهي لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ أيْ بَلْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ كُلُّ ما يَتَمَنّاهُ وتَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ، ومَفادُهُ قِيلَ: رَفْعُ الإيجابِ الكُلِّيِّ ومَرْجِعُهُ إلى سالِبَةٍ جُزْئِيَّةٌ، وإلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ بَعْضِهِمُ: المُرادُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ لِلْكَفَرَةِ ما كانُوا يَطْمَعُونَ فِيهِ مِن شَفاعَةِ الآلِهَةِ والظَّفَرِ بِالحُسْنى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ وما كانُوا يَشْتَهُونَهُ مِن نُزُولِ القُرْآنِ عَلى رَجُلٍ مِن إحْدى القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ونَحْوَ ذَلِكَ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ أنَّ المُرادَ السَّلْبُ الكُلِّيُّ، والمَعْنى لا شَيْءَ مِمّا يَتَمَنّاهُ الإنْسانُ مَمْلُوكًا لَهُ مُخْتَصًّا بِهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ حَسَبَ إرادَتِهِ ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ نَفْيَ أنْ يَكُونَ لِلْكَفَرَةِ ما ذُكِرَ ولَيْسَ الإنْسانُ خاصًّا بِهِمْ كَما قِيلَ،

53:25–26Page 526

فَلِلَّهِ ٱلۡأٓخِرَةُ وَٱلۡأُولَىٰ ٢٥

Rather, to Allāh belongs the Hereafter and the first [life].

۞ وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ ٢٦

And how many angels there are in the heavens whose intercession will not avail at all except [only] after Allāh has permitted [it] to whom He wills and approves.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ تَعْلِيلٌ لِانْتِفاءِ ذَلِكَ فَإنَّ اخْتِصاصَ مِلْكِ أُمُورِ الآخِرَةِ والأُولى جَمِيعًا بِهِ تَعالى مُقْتَضٍ لِانْتِفاءِ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ بَلْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى لَهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وقُدِّمَتِ الآخِرَةُ اهْتِمامًا بِرَدِّ ما هو أهَمُّ أطْماعِهِمْ عِنْدَهم مِنَ الفَوْزِ فِيها، ولِذا أرْدَفَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى:

صفحة 59

﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ وإقْناطُهم عَمّا طَمِعُوا بِهِ مِن شَفاعَةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُوجِبٌ لِإقْناطِهِمْ عَنْ شَفاعَةِ الأصْنامِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ ( وكَمْ ) خَبَرِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّكْثِيرِ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ، وجَمْعُ الضَّمِيرِ في شَفاعَتِهِمْ مَعَ إفْرادِ المُلْكِ بِاعْتِبارِ المَعْنى أيْ وكَثِيرٌ مِنَ المَلائِكَةِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ لَهم في الشَّفاعَةِ.

﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَشْفَعُوا لَهُ ﴿ويَرْضى﴾ ويَراهُ سُبْحانَهُ أهْلًا لِلشَّفاعَةِ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ والإيمانِ، وأمّا مَن عَداهم مِن أهْلِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ فَهم مِن إذْنِ اللَّهِ تَعالى بِمَعْزِلٍ. وعَنْهُ بِألْفِ ألْفِ مَنزِلٍ، وجُوِّزَأنْ يَكُونَ المُرادُ إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ مِنَ المَلائِكَةِ بِالشَّفاعَةِ ويَراهُ عَزَّ وجَلَّ أهْلًا لَها، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى عَلى أنَّهُ إذا كانَ حالُ المَلائِكَةِ في بابِ الشَّفاعَةِ كَما ذُكِرَ فَما ظَنُّهم بِحالِ الأصْنامِ، والكَلامُ قِيلَ مِن بابِ:

عَلى لاَحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ فَحاصِلُهُ لا شَفاعَةَ لَهم ولا غَناءَ بِدُونِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلَخْ، وقِيلَ: هو وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ فَلا يُخالِفُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾ [البَقَرَةَ: 255]، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ شَفاعَتُهُ بِإفْرادِ الشَّفاعَةِ والضَّمِيرِ، وابْنُ مُقْسِمٍ شَفاعاتُهم بِجَمْعِهِما وهو اخْتِيارُ صاحِبِ الكامِلِ أبِي القاسِمِ الهُذَلِيِّ، وأُفْرِدَتِ الشَّفاعَةُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ قالَ أبُو حَيّانَ: لِأنَّها مَصْدَرٌ ولِأنَّهم لَوْ شَفَعَ جَمِيعُهم لِواحِدٍ لَمْ تُغْنِ شَفاعَتُهم عَنْهُ شَيْئًا

53:27Page 527

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ تَسۡمِيَةَ ٱلۡأُنثَىٰ ٢٧

Indeed, those who do not believe in the Hereafter name the angels female names,

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وبِما فِيها مِنَ العِقابِ عَلى ما يَتَعاطَوْنَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ﴾ المُنَزَّهِينَ عَنْ سِماتِ النُّقْصانِ عَلى الإطْلاقِ ﴿تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ، والمَلائِكَةُ في مَعْنى اسْتِغْراقِ المُفْرَدِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ لَيُسَمُّوَنَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ تَسْمِيَةَ الأُنْثى أيْ يُسَمُّونَهُ بِنْتًا لِأنَّهم إذا قالُوا ذَلِكَ فَقَدْ جَعَلُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهم بِنْتًا، فالكَلامُ عَلى وزانِ كَسانا الأمِيرُ حُلَّةً أيْ كَسا كُلَّ واحِدٍ مِنّا حُلَّةً، والإفْرادُ لِعَدَمِ اللَّبْسِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ تَسْمِيَةَ الإناثِ فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِ الأُنْثى بِالإناثِ ولا إلى كَوْنِ المُرادِ الطّائِفَةَ الأُنْثى، وما ذُكِرَ أوَّلًا قِيلَ: مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ تَسْمِيَةَ الأُنْثى في النَّظْمِ الجَلِيلِ لَيْسَ نَصْبًا عَلى التَّشْبِيهِ وإلّا فَلا حاجَةَ إلَيْهِ أيْضًا، وفي تَعْلِيقِ التَّسْمِيَةِ بِعَدَمِ الإيمانِ بِالآخِرَةِ إشْعارٌ بِأنَّها في الشَّناعَةِ والفَظاعَةِ واسْتِتْباعِ العُقُوبَةِ في الآخِرَةِ بِحَيْثُ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْها إلّا مَن لا يُؤْمِنُ بِها رَأْسًا،

53:28Page 527

وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا ٢٨

And they have thereof no knowledge. They follow not except assumption, and indeed, assumption avails not against the truth at all.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يُسَمُّونَ وضَمِيرٌ بِهِ لِلْمَذْكُورِ مِنَ التَّسْمِيَةِ وبِهَذا الِاعْتِبارِ ذُكِرَ، أوْ بِاعْتِبارِ القَوْلِ أيْ يُسَمُّونَهم إناثًا، والحالُ أنَّهم لا عِلْمَ لَهم بِما يَقُولُونَ أصْلًا، وقَرَأأُبَيٌّ بِها أيْ بِالتَّسْمِيَةِ، أوْ بِالمَلائِكَةِ ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ أيْ ما يَتَّبِعُونَ في ذَلِكَ ﴿إلا الظَّنَّ﴾ أيِ التَّوَهُّمَ الباطِلَ ﴿وإنَّ الظَّنَّ﴾ أيْ جِنْسَ الظَّنِّ كَما يُلَوِّحُ بِهِ الإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ، وقِيلَ: الإظْهارُ لِيَسْتَقِلَّ الكَلامُ اسْتِقْلالَ المَثَلِ.

﴿لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ فَإنَّ الحَقَّ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ وما هو عَلَيْهِ إنَّما يُدْرَكُ إدْراكًا مُعْتَدًّا بِهِ إذا كانَ عَنْ يَقِينٍ لا عَنْ ظَنٍّ وتَوَهُّمٍ فَلا يُعْتَدُّ بِالظَّنِّ في شَأْنِ المَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ أعْنِي المَطالِبَ الِاعْتِقادِيَّةَ الَّتِي يَلْزَمُ فِيها الجَزْمُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ عَنْ دَلِيلٍ، وإنَّما يُعْتَدُّ بِهِ في العَمَلِيّاتِ وما يُؤَدِّي إلَيْها.

وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الحَقَّ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ) [الحَجَّ: 6، 62، لُقْمانَ: 30]، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن لَمْ يَعْتَبَرِ

صفحة 60

التَّقْلِيدَ في الِاعْتِقادِيّاتِ - وفِيهِ بَحْثٌ - والظّاهِرِيَّةُ عَلى إبْطالِهِ مُطْلَقًا، وإبْطالُ القِياسِ ورَدُّهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ في الأُصُولِ، وما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أيُّوبَ قالَ: قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ:

احْذَرُوا هَذا الرَّأْيَ عَلى الدِّينِ فَإنَّما كانَ الرَّأْيُ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُصِيبًا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ يُرِيهِ وإنَّما هو مِنّا تَكَلُّفٌ وظَنٌّ ﴿وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ هو أحَدُ أدِلَّتِهِمْ عَلى إبْطالِ القِياسِ أيْضًا، وقَدْ حَكى الآمِدِيُّ في الأحْكامِ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَقالَ: قالَ ابْنُ عُمَرَ: اتَّهِمُوا الرَّأْيَ عَنِ الدِّينِ فَإنَّ الرَّأْيَ مِنّا تَكَلُّفٌ وظَنٌّ ﴿وإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ وأجابَ عَنْهُ بِأنَّ غايَتَهُ الدَّلالَةُ عَلى احْتِمالِ الخَطَأِ فِيهِ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى إبْطالِهِ، وأنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الظَّنَّ﴾ إلَخِ اسْتِعْمالُ الظَّنِّ في مَواضِعِ اليَقِينِ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ إبْطالَ الظَّنِّ بِدَلِيلِ صِحَّةِ العَمَلِ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ويُقالُ نَحْوَ هَذا في كَلامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقَدْ ذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الآثارِ اسْتَدَلَّ بِها المُبْطِلُ عَلى ما زَعَمَهُ ورَدَّها كُلَّها فَمَن أرادَ ذَلِكَ لِيُراجِعْهُ

53:29Page 527

فَأَعۡرِضۡ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكۡرِنَا وَلَمۡ يُرِدۡ إِلَّا ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٢٩

So turn away from whoever turns his back on Our message and desires not except the worldly life.

﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ أيْ عَنْهم ووُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلى وصْفِهِمْ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِها أيْ فَأعْرِضْ عَمَّنْ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِنا المُفِيدِ لِلْعِلْمِ الحَقِّ وهو القُرْآنُ العَظِيمُ. المُنْطَوِي عَلى بَيانِ الِاعْتِقاداتِ الحَقَّةِ. المُشْتَمِلُ عَلى عُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. المُذَكِّرُ الآخِرَةَ وما فِيها مِنَ الأُمُورِ المَرْغُوبِ فِيها والمَرْهُوبِ عَنْها، والمُرادُ بِالإعْراضِ عَنْهُ تَرْكُ الأخْذِ بِما فِيهِ وعَدَمُ الِاعْتِناءِ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبِالإعْراضِ عَنْهُ تَرْكُ الأخْذِ بِما جاءَ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الإيمانُ، وقِيلَ: هو عَلى ظاهِرِهِ والإعْراضُ عَنْهُ كِنايَةٌ عَنِ الغَفْلَةِ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ولَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ راضِيًا بِها قاصِرًا نَظَرَهُ عَلَيْها جاهِدًا فِيما يُصْلِحُها كالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ. والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ المَذْكُورِ النَّهْيُ عَنِ المُبالَغَةِ في الحِرْصِ عَلى هُداهم كَأنَّهُ قِيلَ: لا تُبالِغْ في الحِرْصِ عَلى هُدى مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وانْهَمَكَ في الدُّنْيا بِحَيْثُ كانَتْ مُنْتَهى هِمَّتِهِ وقُصارى سَعْيِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском