Al-AlusiAn‑Najm · 53:39–56

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

An-Najm 53:39–56

53:39–40Page 527

وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩

And that there is not for man except that [good] for which he strives

وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ ٤٠

And that his effort is going to be seen -

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ إثابَةِ الإنْسانِ بِعَمَلِ غَيْرِهِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ مُؤاخَذَتِهِ بِذَنْبِ غَيْرِهِ ( وأنْ ) كَأُخْتِها السّابِقَةِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ وجُوِّزَ كَوْنُها مَوْصُولَةً أيْ لَيْسَ لَهُ إلّا سَعْيُهُ، أوْ إلّا الَّذِي سَعى بِهِ وفَعَلَهُ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ ورَدَتْ أخْبارٌ صَحِيحَةٌ بِنَفْعِ الصَّدَقَةِ عَنِ المَيِّتِ، مِنها ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ «عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ أُمِّي افْتَلَتَتْ نَفْسُها وأظُنُّها لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ فَهَلْ لَها أجْرٌ إنْ تَصَدَّقْتُ عَنْها ؟ قالَ: نَعَمْ» وكَذا بِنَفْعِ الحَجِّ» .

أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««أتى رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ لَأنْ تَحُجَّ وأنَّها ماتَتْ فَقالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَوْ كانَ عَلَيْها دَيْنٌ أكُنْتَ قاضِيَهُ ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: فَحَقُّ اللَّهِ أحَقُّ بِالقَضاءِ»» وأُجِيبَ بِأنَّ الغَيْرَ لَمّا نَوى ذَلِكَ الفِعْلَ لَهُ صارَ بِمَنزِلَةِ الوَكِيلِ عَنْهُ القائِمِ مَقامَهُ شَرْعًا فَكَأنَّهُ بِسَعْيِهِ، وهَذا لا يَتَأتّى إلّا بِطَرِيقِ عُمُومِ المَجازِ، أوِ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ، وأُجِيبَ أيْضًا بِأنَّ سَعْيَ غَيْرِهِ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهُ إلّا مَبْنِيًّا عَلى سَعْيِ نَفْسِهِ مِنَ الإيمانِ فَكَأنَّهُ سَعْيُهُ، ودَلَّ عَلى بِنائِهِ عَلى ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أنَّ العاصِ بْنَ وائِلٍ نَذَرَ في الجاهِلِيَّةِ أنْ يَنْحَرَ مِائَةَ بَدَنَةٍ وأنَّ هِشامًا ابْنَهُ نَحْوَ حِصَّتِهِ خَمْسِينَ وأنَّ عَمْرًا سَألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: «وأمّا أبُوكَ فَلَوْ كانَ أقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ فَصُمْتَ وتَصَدَّقْتَ عَنْهُ نَفَعَهُ ذَلِكَ»» وأُجِيبَ بِهَذا عَمّا قِيلَ: إنَّ تَضْعِيفَ الثَّوابِ الوارِدَ في الآياتِ يُنافِي أيْضًا القَصْرَ عَلى سَعْيِهِ وحْدَهُ، وأنْتَ تَعْلَمُ ما في الجَوابِ مِنَ النَّظَرِ، وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُحَقِّقِينَ إنَّهُ ورَدَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ ما هو قَطْعِيٌّ في حُصُولِ الِانْتِفاعِ بِعَمَلِ الغَيْرِ وهو يُنافِي ظاهِرَ الآيَةِ فَتُقَيَّدُ بِما لا يَهَبُهُ العامِلُ، وسَألَ والِي خُراسانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طاهِرٍ الحُسَيْنَ بْنَ الفَضْلِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البَقَرَةَ: 261] فَقالَ: لَيْسَ لَهُ بِالعَدْلِ إلّا ما سَعى ولَهُ بِالفَضْلِ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى فَقَبَّلَ عَبْدُ اللَّهِ رَأْسَ الحُسَيْنِ وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَ هَذا الحُكْمُ في قَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلِلْإنْسانِ مِنها سَعْيُ غَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ «حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ «هَلْ لِأُمِّي إذا تَطَوَّعْتُ عَنْها ؟ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: نَعَمْ»» وقالَ الرَّبِيعُ: الإنْسانُ هُنا الكافِرُ، وأمّا المُؤْمِنُ فَلَهُ ما سَعى وما سَعى لَهُ غَيْرُهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطُّورَ: 21] وقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ما يُشْعِرُ بِهِ أبُو داوُدَ

صفحة 67

والنَّحّاسُ كِلاهُما في النّاسِخِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وتَعَقَّبَ أبُو حَيّانَ رِوايَةَ النَّسْخِ بِأنَّها لا تَصِحُّ لِأنَّ الآيَةَ خَبَرٌ لَمْ تَتَضَمَّنْ تَكْلِيفًا ولا نَسْخَ في الأخْبارِ. وما يُتَوَهَّمُ جَوابًا مِن أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ في شَرِيعَةِ مُوسى وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ أنْ لا يَجْعَلَ الثَّوابَ لِغَيْرِ العامِلِ ثُمَّ جَعَلَهُ لِمَن بَعْدَهم مِن أهْلِ شَرِيعَتِنا مَرْجِعُهُ إلى تَقْيِيدِ الأخْبارِ لا إلى النَّسْخِ إذْ حَقِيقَتُهُ أنْ يُرادَ المَعْنى، ثُمَّ مِن بَعْدِ ذَلِكَ تَرْتَفِعُ إرادَتُهُ، وهَذا تَخْصِيصُ الإرادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الشَّرائِعِ فافْهَمْهُ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى عَلى أيْ لَيْسَ عَلى الإنْسانِ غَيْرُ سَعْيِهِ، وهو بَعِيدٌ مِن ظاهِرِها ومِن سِياقِ الآيَةِ أيْضًا فَإنَّها وعْظٌ لِلَّذِي تَوَلّى وأعْطى قَلِيلًا وأكْدى، والَّذِي أمِيلُ إلَيْهِ كَلامُ الحُسَيْنِ، ونَحْوُهُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ قالَ: والتَّحْرِيرُ عِنْدِي في هَذا الآيَةِ أنَّ مِلاكَ المَعْنى هو اللّامُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( لِلْإنْسانِ ) فَإذا حَقَّقْتَ الشَّيْءَ الَّذِي حَقَّ الإنْسانِ أنْ يَقُولَ فِيهِ لِي كَذا لَمْ تَجِدْهُ إلّا سَعْيَهُ وما يَكُونُ مِن رَحْمَةٍ بِشَفاعَةِ، أوْ رِعايَةِ أبٍ صالِحٍ، أوِ ابْنٍ صالِحٍ، أوْ تَضْعِيفِ حَسَناتٍ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَيْسَ هو لِلْإنْسانِ ولا يَسَعُهُ أنْ يَقُولَ لِي كَذا وكَذا إلّا عَلى تَجَوُّزٍ، وإلْحاقٍ بِما هو حَقِيقَةٌ انْتَهى.

ويُعْلَمُ مِن مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ أنَّ اسْتِدْلالَ المُعْتَزِلَةِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ إذا جَعَلَ ثَوابَ عَمَلِهِ أيَّ عَمَلٍ كانَ لِغَيْرِهِ لا يَنْجَعِلُ ويَلْغُو جَعْلُهُ غَيْرُ تامٍّ وكَذا اسْتِدْلالُ الإمامِ الشّافِعِيِّ بِها عَلى أنَّ ثَوابَ القِراءَةِ لا تَلْحَقُ الأمْواتَ - وهو مَذْهَبُ الإمامِ مالِكٍ - بَلْ قالَ الإمامُ ابْنُ الهُمامِ: إنَّ مالِكًا والشّافِعِيَّ لا يَقُولانِ بِوُصُولِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ المَحْضَةِ كالصَّلاةِ والتِّلاوَةِ بَلْ غَيْرُها كالصَّدَقَةِ والحَجِّ، وفي الأذْكارِ لِلنَّوَوِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وجَماعَةٍ أنَّها لا تَصِلُ، وذَهَبَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ ومِن أصْحابِ الشّافِعِيِّ إلى أنَّهُ تَصِلُ، فالِاخْتِيارُ أنْ يَقُولَ القارِئُ بَعْدَ فَراغِهِ اللَّهُمَّ أوْصِلْ ثَوابَ ما قَرَأْتُهُ إلى فُلانٍ، والظّاهِرُ أنَّهُ إذا قالَ ذَلِكَ ونَحْوَهُ كَوَهَبْتُ ثَوابَ ما قَرَأْتُهُ لِفُلانٍ بِقَلْبِهِ كَفى، وعَنْ بَعْضِهِمُ اشْتِراطُ نِيَّةِ النِّيابَةِ أوَّلَ القِراءَةِ وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إذا لَمْ تَكُنِ القِراءَةُ بِأُجْرَةٍ أمّا إذا كانَتْ بِها كَما يَفْعَلُهُ أكْثَرُ النّاسِ اليَوْمَ فَإنَّهم يُعْطُونَ حَفَظَةَ القُرْآنِ أُجْرَةً لَيَقْرَؤُوا لِمَوْتاهم فَيَقْرَؤُونَ لِتِلْكَ الأُجْرَةِ فَلا يَصِلُ ثَوابُها إذْ لا ثَوابَ لَها لِيَصِلَ لِحُرْمَةِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى قِراءَةِ القُرْآنِ وإنْ لَمْ يَحْرُمْ عَلى تَعْلِيمِهِ كَما حَقَّقَهُ خاتِمَةُ الفُقَهاءِ المُحَقِّقِينَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الأمِينُ بْنُ عابِدِينَ الدِّمَشْقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وفي الهِدايَةِ مِن كِتابِ الحَجِّ عَنِ الغَيْرِ إطْلاقُ صِحَّةِ جَعْلِ الإنْسانِ عَمَلَهُ لِغَيْرِهِ ولَوْ صَلاةً وصَوْمًا عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، وفِيهِ ما عَلِمْتَ ما مَرَّ آنِفًا. وقالَ الخَفاجِيُّ: هو مُحْتاجٌ إلى التَّحْرِيرِ وتَحْرِيرُهُ أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ العِبادَةُ البَدَنِيَّةُ هَلْ تُقْبَلُ النِّيابَةُ فَتَسْقُطُ عَمَّنْ لَزِمَتْهُ فِعْلَ غَيْرِهِ سَواءٌ كانَ بِإذْنِهِ أوْ لا بَعْدَ حَياتِهِ أمْ لا فَهَذا وقَعَ في الحَجِّ كَما ورَدَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، أمّا الصَّوْمُ فَلا، وما ورَدَ في حَدِيثِ ««مَن ماتَ وعَلَيْهِ صِيامٌ صامَ عَنْهُ ولِيُّهُ»» وكَذا غَيْرُهُ مِنَ العِباداتِ فَقالَ الطَّحاوِيُّ: إنَّهُ كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ ولَيْسَ الكَلامُ في الفِدْيَةِ وإطْعامِ الطَّعامِ فَإنَّهُ بَدَلٌ وكَذا إهْداءُ الثَّوابِ سَواءٌ كانَ بِعَيْنِهِ أوْ مِثْلِهِ فَإنَّهُ دُعاءٌ وقَبُولُهُ بِفَضْلِهِ عَزَّ وجَلَّ كالصَّدَقَةِ عَنِ الغَيْرِ فاعْرِفْهُ انْتَهى فَلا تَغْفُلْ.

﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ أيْ يُعْرَضُ عَلَيْهِ ويُكْشَفُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ في صَحِيفَتِهِ ومِيزانِهِ مِن أرَيْتُهُ الشَّيْءَ، وفي البَحْرِ يَراهُ حاضِرُو القِيامَةِ ويَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ تَشْرِيفًا لِلْمُحْسِنِ وتَوْبِيخًا لِلْمُسِيءِ.

53:41Page 527

ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ ٤١

Then he will be recompensed for it with the fullest recompense -

﴿ثُمَّ يُجْزاهُ﴾ أيْ يُجْزى الإنْسانُ سَعْيَهُ، يُقالُ: جَزاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِعَمَلِهِ وجَزاهُ عَلى عَمَلِهِ وجَزاهُ عَمَلَهُ بِحَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

صفحة 68

﴿الجَزاءَ الأوْفى﴾ مَصْدَرٌ مُبَيِّنٌ لِلنَّوْعِ وإذا جازَ وصْفُ المُجْزى بِهِ بِالأوْفى جازَ وصْفُ الحَدَثِ عَنِ الجَزاءِ لِمُلابَسَتِهِ لَهُ، وجُوِّزَ كَوْنُهُ مَفْعُولًا بِهِ بِمَعْنى المُجْزى بِهِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ الفِعْلُ في حُكْمِ المُتَعَدِّي إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ. ولا بَأْسَ لِأنَّ الثّانِيَ بِالحَذْفِ والإيصالِ لا التَّوَسُّعِ فَيَجِيءُ فِيهِ الخِلافُ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ الجَزاءَ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ، وجُوِّزَأنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ﴿يُجْزاهُ﴾ لِلْجَزاءِ لا لِلسَّعْيِ، ( والجَزاءَ الأوْفى ) عَلَيْهِ عَطْفُ بَيانٍ، أوْ بَدَلٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنْبِياءَ: 3] وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ إبْدالَ الظّاهِرِ مِنَ الضَّمِيرِ وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ والصَّحِيحُ المَنعُ

53:42Page 527

وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلۡمُنتَهَىٰ ٤٢

And that to your Lord is the finality

﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ أيْ إنَّ انْتِهاءَ الخَلْقِ ورُجُوعَهم إلَيْهِ تَعالى لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، والمُرادُ بِذَلِكَ رُجُوعُهم إلَيْهِ سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يُحْشَرُونَ ولِهَذا قالَ غَيْرُ واحِدٍ: أيْ إلى حِسابِ رَبِّكَ أوْ إلى ثَوابِهِ تَعالى مِنَ الجَنَّةِ وعِقابِهِ مِنَ النّارِ الِانْتِهاءُ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ مُنْتَهى الأفْكارِ فَلا تَزالُ الأفْكارُ تَسِيرُ في بَيْداءِ حَقائِقِ الأشْياءِ وماهِيّاتِها والإحاطَةِ بِما فِيها حَتّى إذا وُجِّهَتْ إلى حَرَمِ ذاتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وحَقائِقِ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ وقَفَتْ وحَرَنَتْ وانْتَهى سِيَرُها، وأُيِّدَ بِما أخْرَجَهُ البَغَوِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: «لا فِكْرَةَ في الرَّبِّ»» وأخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ.

ورُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ««إذا ذُكِرَ الرَّبُّ فانْتَهُوا»» .

وأخْرَجَ ابْنُ ماجَه عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ««مَرَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى قَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في اللَّهِ فَقالَ: تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تَفَكَّرُوا في الخالِقِ فَإنَّكم لَنْ تَقْدُرُوهُ»» وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تَفَكَّرُوا في خَلْقِ اللَّهِ ولا تَفَكَّرُوا في اللَّهِ فَتَهْلَكُوا»» .

واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مَن قالَ بِاسْتِحالَةِ مَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ بِالكُنْهِ، والبَحْثُ في ذَلِكَ طَوِيلٌ، وأكْثَرُ الأدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ عَلى عَدَمِ الوُقُوعِ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ، وإنَّ بِالكَسْرِ هُنا وفِيما بَعْدُ عَلى أنَّ الجُمَلَ مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها فَلا تَكُونُ مِمّا في الصُّحُفِ

53:43–44Page 527

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَضۡحَكَ وَأَبۡكَىٰ ٤٣

And that it is He who makes [one] laugh and weep

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَمَاتَ وَأَحۡيَا ٤٤

And that it is He who causes death and gives life

﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ خَلَقَ فِعْلَيِ الضَّحِكِ والبُكاءِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَلَقَ قُوَّتَيِ الضَّحِكِ والبُكاءِ، وفِيهِ دَسِيسَةُ اعْتِزالٍ، وقالَ الطَّيِّبِيُّ: المُرادُ خَلَقَ السُّرُورَ والحُزْنَ أوْ ما يُسِرُّ ويُحْزِنُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والطّالِحَةِ، ولِذا قُرِنَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا﴾ وعَلَيْهِ فَهو مَجازٌ ولا يَخْفى أنَّ الحَقِيقَةَ أيْضًا تُناسِبُ الإماتَةَ والإحْياءَ لا سِيَّما والمَوْتُ يَعْقُبُهُ البُكاءُ غالِبًا والإحْياءُ عِنْدَ الوِلادَةِ الضَّحِكُ وما أحْسَنَ قَوْلَهُ:

ولَدَتْكَ أُمُّكَ يا ابْنَ آدَمَ باكِيًا والنّاسُ حَوْلَكَ يَضْحَكُونَ سُرُورا

فاجْهَدْ لِنَفْسِكَ أنْ تَكُونَ إذا بَكَوْا ∗∗∗ في يَوْمِ مَوْتِكَ ضاحِكًا مَسْرُورا

وقالَ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ: ﴿أضْحَكَ﴾ أهْلَ الجَنَّةِ ﴿وأبْكى﴾ أهْلَ النّارِ، وقِيلَ: ﴿أضْحَكَ﴾ الأرْضَ بِالنَّباتِ ﴿وأبْكى﴾ السَّماءَ بِالمَطَرِ، وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ وتَكْرِيرُ الإسْنادِ لِلْحَصْرِ أيْ إنَّهُ تَعالى فَعَلَ ذَلِكَ لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، وكَذا في أنَّهُ ﴿هُوَ أماتَ وأحْيا﴾ فَلا يَقْدِرُ عَلى الإماتَةِ والإحْياءِ غَيْرُ عَزَّ وجَلَّ، والقاتِلُ إنَّما يَنْقُضُ البِنْيَةَ الإنْسانِيَّةَ ويُفَرِّقُ أجْزاءَها والمَوْتُ الحاصِلُ بِذَلِكَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ العادَةِ في مِثْلِهِ فَلا إشْكالَ في الحَصْرِ

53:45–46Page 528

وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰ ٤٥

And that He creates the two mates - the male and female -

مِن نُّطۡفَةٍ إِذَا تُمۡنَىٰ ٤٦

From a sperm-drop when it is emitted

﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ مِن نَوْعِ الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الحَيَواناتِ ولَمْ يَذْكُرِ الضَّمِيرَ عَلى طَرْزَ ما تَقَدَّمَ لِأنَّهُ لا يُتَوَهَّمُ نِسْبَةُ خَلْقِ الزَّوْجَيْنِ إلى غَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ أيْ تُدْفَقُ في الرَّحِمِ

صفحة 69

يُقالُ: أمْنى الرَّجُلُ ومَنى بِمَعْنى، وقالَ الأخْفَشُ: أيْ تَقْدِرُ يُقالُ مَنى لَكَ المانِي أيْ قَدَّرَ لَكَ المُقَدَّرَ، ومِنهُ المَنا الَّذِي يُوزَنُ بِهِ فِيما قَبْلُ، والمَنِيَّةُ وهي الأجَلُ المُقَدَّرُ لِلْحَيَوانِ.

53:47–48Page 528

وَأَنَّ عَلَيۡهِ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰ ٤٧

And that [incumbent] upon Him is the other [i.e., next] creation.

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَغۡنَىٰ وَأَقۡنَىٰ ٤٨

And that it is He who enriches and suffices

﴿وأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ أيِ الإحْياءَ بَعْدَ الإماتَةِ وفاءً بِوَعْدِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: وفي البَحْرِ لَمّا كانَتْ هَذِهِ النَّشْأةُ يُنْكِرُها الكُفّارُ بُولِغَ بِقَوْلِهِ تَعالى عَلَيْهِ كَأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ، وفي الكَشّافِ قالَ سُبْحانَهُ: ( عَلَيْهِ ) لِأنَّها واجِبَةٌ في الحِكْمَةِ لِيُجازِيَ عَلى الإحْسانِ والإساءَةِ وفِيهِ مَعَ كَوْنِهِ عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ نَظَرٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرو - النَّشاءَةَ - بِالمَدِّ وهي أيْضًا مَصْدَرُ نَشْأةٍ الثُّلاثِيِّ ﴿وأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾ وأعْطى القِنْيَةَ وهو ما يَبْقى ويَدُومُ مِنَ الأمْوالِ بِبَقاءِ نَفْسِهِ أوْ أصْلِهِ كالرِّياضِ والحَيَوانِ والبِناءِ، وإفْرادُ ذَلِكَ بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ( أغْنى ) لِأنَّ القِنْيَةَ أنْفَسُ الأمْوالِ وأشْرَفُها، وفي البَحْرِ يُقالُ: قَنَيْتُ المالَ أيْ كَسَبْتُهُ ويُعَدّى أيْضًا بِالهَمْزَةِ والتَّضْعِيفِ فَيُقالُ: أقْناهُ اللَّهُ تَعالى مالًا وقَنّاهُ اللَّهُ تَعالى مالًا، وقالَ الشّاعِرُ:

كَمْ مِن غَنِيٍّ أصابَ الدَّهْرَ ثَرْوَتَهُ ومِن فَقِيرٍ يُقْنِي بَعْدَ إقْلالِ

أيْ يُقْنِي المالَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ( أغْنى ) مَوَّلَ، ﴿وأقْنى﴾ أرْضى. وهو بِهَذا المَعْنى مَجازٌ مِنَ القِنْيَةِ قالَ الرّاغِبُ: وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّهُ جَعَلَ لَهُ قِنْيَةً مِنَ الرِّضا والطّاعَةِ وذَلِكَ أعْظَمُ القَنائِنِ، ولِلَّهِ تَعالى دُرُّ مَن قالَ:

هَلْ هي إلّا مُدَّةٌ وتَنْقَضِي ∗∗∗ ما يَغْلِبُ الأيّامَ إلّا مَن رَضِيَ

وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ والأخْفَشِ ( أقْنى ) أفْقَرَ، ووُجِّهَ بِأنَّهُما جَعَلا الهَمْزَةَ فِيهِ لِلسَّلْبِ والإزالَةِ كَما في أشْكى، وقِيلَ: إنَّهُما جَعَلا ( أقْنى ) بِمَعْنى جَعَلَ لَهُ الرِّضا والصَّبْرَ قِنْيَةً كِنايَةً عَنْ ذَلِكَ لِيَظْهَرَ فِيهِ الطِّباقُ كَما في ( أماتَ وأحْيا وأضْحَكَ وأبْكى ) وفَسَّرَهُ بِأفْقَرَ أيْضًا الحَضْرَمِيُّ إلّا أنَّهُ كَما أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ قالَ ( أغْنى ) نَفْسَهُ سُبْحانَهُ و«أفْقَرَ» الخَلائِقَ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ، والظّاهِرُ عَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِ المَفْعُولِ في جَمِيعِ الأفْعالِ المُتَقَدِّمَةِ أنْ يَكُونَ مِنَ المُحْدَثاتِ الصّالِحَةِ لِتَعَلُّقِ الفِعْلِ، وعِنْدِي أنَّ ( أغْنى ) سُبْحانَهُ نَفْسَهُ كَأوْجَدَ جَلَّ شَأْنُهُ نَفْسَهُ لا يَخْلُو عَنْ سَماجَةٍ وإيهامٍ مَحْذُورٍ، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولٌ لِأنَّ القَصْدَ إلى الفِعْلِ نَفْسِهِ

53:49–50Page 528

وَأَنَّهُۥ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعۡرَىٰ ٤٩

And that it is He who is the Lord of Sirius1

وَأَنَّهُۥٓ أَهۡلَكَ عَادًا ٱلۡأُولَىٰ ٥٠

And that He destroyed the first [people of] ʿAad

﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ هي ( الشِّعْرى ) العَبُورُ بِفَتْحِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ والباءِ المُوَحَّدَةِ والرّاءِ المُهْمَلَةِ بَعْدَ الواوِ، وتُقالُ ( الشِّعْرى )أيْضًا عَلى الغُمَيْصاءُ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ ومِيمٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَها ياءٌ مُثَنّاةٌ تَحْتِيَّةٌ وصادٌ مُهْمَلَةٌ ومَدٌّ، والأُولى في الجَوْزاءِ، وإنَّما قِيلَ لَها العَبُورُ لِأنَّها عَبَرَتِ المَجَرَّةَ فَلَقِيَتْ سُهَيْلًا ولِأنَّها تَراهُ إذا طَلَعَ كَأنَّها سَتَعْبُرُ وتُسَمّى أيْضًا كَلْبَ الجُبارِ لِأنَّها تَتْبَعُ الجَوْزاءَ المُسَمّاةَ بِالجُبارِ كَما تَتْبَعُ الكَلْبَ الصّائِدَ أوِ الصَّيْدَ، والثّانِيَةُ في ذِراعِ الأسَدِ المَبْسُوطَةِ، وإنَّما قِيلَ لَها الغُمَيْصاءُ لِأنَّها بَكَتْ مِن فِراقِ سُهَيْلٍ فَغَمَصَتْ عَيْنُها، والغَمَصُ ما سالَ مِنَ الرَّمْصِ وهو وسَخٌ أبْيَضُ يَجْتَمِعُ في المُوقِ، وذَلِكَ مِن زَعْمِ العَرَبِ أنَّهُما أُخْتا سُهَيْلٍ، وفي القامُوسِ مِن أحادِيثِهِمْ أنَّ الشِّعْرى العَبُورُ قَطَعَتِ المَجَرَّةَ فَسُمِّيَتْ عَبُورًا وبَكَتِ الأُخْرى عَلى أثَرِها حَتّى غَمَصَتْ ويُقالُ لَها الغَمُوصُ أيْضًا، وقِيلَ: زَعَمُوا أنَّ سُهَيْلًا ( والشِّعْرى ) كانا زَوْجَيْنِ فانْحَدَرَ سُهَيْلٌ وصارَ يَمانِيًّا فاتَّبَعَهُ الشِّعْرى فَعَبَرَتِ المَجَرَّةَ فَسُمِّيَتِ العَبُورَ وأقامَتِ الغُمَيْصاءُ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها دُونَ الأُولى ضِياءً، وكُلُّ ذَلِكَ مِن تَخَيُّلاتِهِمُ الكاذِبَةِ الَّتِي لا حَقِيقَةَ لَها، والمُتَبادَرُ عِنْدَ الإطْلاقِ وعَدَمِ الوَصْفِ العَبُورُ لِأنَّها أكْبَرُ جِرْمًا وأكْثَرُ ضِياءً وهي الَّتِي عُبِدَتْ مِن دُونِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في الجاهِلِيَّةِ. قالَ السُّدِّيُّ: عَبَدَتْها حِمْيَرٌ وخُزاعَةُ، وقالَ غَيْرُهُ: أوَّلُ مَن عَبَدَها أبُو كَبْشَةَ رَجُلٌ مِن خُزاعَةَ، أوْ هو سَيِّدُهم

صفحة 70

واسْمُهُ وخْزُ بْنُ غالِبٍ وكانَ المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ابْنُ أبِي كَبْشَةَ شَبَّهُوهُ بِهِ لِمُخالَفَتِهِ قَوْمَهُ في عِبادَةِ الأصْنامِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ أحَدُ أجْدادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قِبَلِ أُمِّهِ وأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ كُلَّ صِفَةٍ في المَرْءِ تَسْرِي إلَيْهِ مِن أحَدِ أُصُولِهِ فَيَقُولُونَ نَزَعَ إلَيْهِ عِرْقُ كَذا، وعِرْقُ الخالِ نَزّاعٌ، وقِيلَ: هو كُنْيَةُ وهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ جَدِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن قِبَلِ أُمِّهِ، وقَوْلُهم لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُذَلِكَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ القامُوسِ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الشَّبَهِ الخُلُقِيِّ دُونَ المُخالَفَةِ، وقِيلَ: كُنْيَةُ زَوْجِ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ مُرْضِعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: كُنْيَةُ عَمِّ ولَدِها ولِكَوْنِها عُبِدَتْ مِن دُونِهِ عَزَّ وجَلَّ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَجْهِيلًا لَهم بِجَعْلِ المَرْبُوبِ رَبًّا، ولِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِذَلِكَ جِيءَ بِالجُمْلَةِ عَلى ما نَطَقَ بِهِ النَّظْمُ الجَلِيلُ.

ومِنَ العَرَبِ مَن كانَ يُعَظِّمُها ويَعْتَقِدُ تَأْثِيرَها في العالَمِ ويَزْعُمُونَ أنَّها تَقْطَعُ السَّماءَ عَرْضًا وسائِرُ النُّجُومِ تَقْطَعُها طُولًا ويَتَكَلَّمُونَ عَلى المُغَيَّباتِ عِنْدَ طُلُوعِها فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾ إشارَةٌ إلى نَفْيِ تَأْثِيرِها.

﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ أيِ القُدَماءَ لِأنَّهم أُولى الأُمَمِ هَلاكًا بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ كَما قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: وُصِفَتْ بِالأُولى لِأنَّ في القَبائِلِ عادًا أُخْرى وهي قَبِيلَةٌ كانَتْ بِمَكَّةَ مَعَ العَمالِيقِ وهم بَنُو لُقَيْمِ بْنِ هُزالٍ، وقالَ المُبَرِّدُ: عادٌ الأُخْرى هي ثَمُودُ، وقِيلَ: الجَبّارُونَ، وقِيلَ: عادٌ الأُولى ولَدُ عادِ بْنِ إرَمَ بْنِ عَوْفِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وعادٌ الأُخْرى مِن ولَدِ عادٍ الأُولى، وفي الكَشّافِ ( الأُولى ) قَوْمُ هُودٍ والأُخْرى إرَمُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالأُولى المُتَقَدِّمُونَ الأشْرافُ: وقَرَأ قَوْمٌ عادَ الُولى بِحَذْفِ الهَمْزَةِ ونَقْلِ ضَمِّها إلى اللّامِ قَبْلَها، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍ و عادالُّولى بِإدْغامِ التَّنْوِينِ في اللّامِ المَنقُولِ إلَيْها حَرَكَةُ الهَمْزَةِ المَحْذُوفَةِ، وعابَ هَذِهِ القِراءَةَ المازِنِيُّ والمُبَرِّدُ، وقالَتِ العَرَبُ: في الِابْتِداءِ بَعْدَ النَّقْلِ - الحُمُرُ، ولُحُمُرُ - فَهَذِهِ القِراءَةُ جاءَتْ عَلى لُحُمُرِ فَلا عَيْبَ فِيها، وأتى قالُونُبَعْدَ ضَمَّةِ اللّامِ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ في مَوْضِعِ الواوِ كَما في قَوْلِهِ:

أحَبُّ المَوْقِدَيْنِ إلَيَّ مُؤْسى وكَما قَرَأ بَعْضُهم - عَلى سُؤْقِهِ - وفِيهِ شُذُوذٌ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ عادَ غَيْرَ مَصْرُوفٍ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ ومَن صَرَفَهُ فَبِاعْتِبارِ الحَيِّ، أوْ عامَلَهُ مُعامَلَةَ هِنْدٍ لِكَوْنِهِ ثُلاثِيًّا ساكِنَ الوَسَطِ

53:51–52Page 528

وَثَمُودَاْ فَمَآ أَبۡقَىٰ ٥١

And Thamūd - and He did not spare [them] -

وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ هُمۡ أَظۡلَمَ وَأَطۡغَىٰ ٥٢

And the people of Noah before. Indeed, it was they who were [even] more unjust and oppressing.

﴿وثَمُودَ﴾ عَطْفٌ عَلى عادًا ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا - لِأبْقى - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما أبْقى﴾ لِأنَّ - ما - النّافِيَةَ لَها صَدْرُ الكَلامِ والفاءُ عَلى ما قِيلَ: مانِعَةٌ أيْضًا فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُ ما بَعْدَها، وقِيلَ: هو مَعْمُولٌ - لِأهْلَكَ - مُقَدَّرٌ ولا حاجَةَ إلَيْهِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ - ثَمُودَ - بِلا تَنْوِينٍ ويَقِفانِ بِغَيْرِ ألِفٍ والباقُونَ بِالتَّنْوِينِ ويَقِفُونَ بِالألِفِ، والظّاهِرُ أنَّ مُتَعَلِّقَ ﴿أبْقى﴾ يَرْجِعُ إلى عادٍ وثَمُودَ مَعًا أيْ فَما أبْقى عَلَيْهِمْ، أيْ أخَذَهم بِذُنُوبِهِمْ، وقِيلَ: أيْ ما أبْقى مِنهم أحَدًا، والمُرادُ ما أبْقى مِن كُفّارِهِمْ ﴿وقَوْمَ نُوحٍ﴾ عَطْفٌ عَلى عادًا أيْضًا ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إهْلاكِ عادٍ وثَمُودَ، وصَرَّحَ بِالقِبْلِيَّةِ لِأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ آدَمُ الثّانِي وقَوْمَهُ أوَّلُ الطّاغِينَ والهالِكِينَ ﴿إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ أيْ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَيْثُ كانُوا يُؤْذُونَهُ ويَضْرِبُونَهُ حَتّى لا يَكادُ يَتَحَرَّكُ وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَأْخُذُ بِيَدِ ابْنِهِ يَتَمَشّى بِهِ إلَيْهِ يُحَذِّرُهُ مِنهُ ويَقُولُ: يا بُنَيَّ إنَّ أبِي مَشى بِي إلى هَذا وأنا مِثْلُكَ يَوْمَئِذٍ فَإيّاكَ أنْ تُصَدِّقَهُ فَيَمُوتُ الكَبِيرُ عَلى الكُفْرِ ويَنْشَأُ الصَّغِيرُ عَلى وصِيَّةِ أبِيهِ ولَمْ يَتَأثَّرُوا مِن دُعائِهِ وقَدْ دَعاهم ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وقِيلَ: ضَمِيرُ ( إنَّهم ) يَعُودُ عَلى جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ نُوحٍ أيْ كانُوا أظْلَمَ مِن قُرَيْشٍ وأطْغى مِنهم، وفِيهِ مِنَ التَّسْلِيَةِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ

صفحة 71

ما لا يَخْفى، و(هم ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لِلضَّمِيرِ المَنصُوبِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا لِأنَّهُ واقِعٌ بَيْنَ مَعْرِفَةٍ وأفْعَلَ التَّفْضِيلِ، وحُذِفَ المَفْضُولُ مَعَ الواقِعِ خَبَرًا لَكانَ لِأنَّهُ جارٍ مَجْرى خَبَرِ المُبْتَدَأِ وحَذْفُهُ فَصِيحٌ فِيهِ فَكَذَلِكَ في خَبَرِ كانَ

53:53Page 528

وَٱلۡمُؤۡتَفِكَةَ أَهۡوَىٰ ٥٣

And the overturned towns1 He hurled down

﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ هي قُرى قَوْمِ لُوطٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها ائْتَفَكَتْ بِأهْلِها أيِ انْقَلَبَتْ بِهِمْ، ومِنهُ الإفْكُ لِأنَّهُ قَلْبُ الحَقِّ، وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُؤْتَفِكَةِ كُلُّ ما انْقَلَبَتْ مَساكِنُهُ ودَثَرَتْ أماكِنُهُ.

وقَرَأ الحَسَنُ «والمُؤْتَفِكاتُ» جَمْعًا ﴿أهْوى﴾ أيْ أسْقَطَها إلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ رَفَعَها عَلى جَناحِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى السَّماءِ، وقالَ المُبَرِّدُ: جَعَلَها تَهْوِي.

والظّاهِرُ أنَّ أهْوى ناصِبٌ لِلْمُؤْتَفِكَةِ وأُخِّرَ العامِلُ لِكَوْنِهِ فاصِلَةً، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ - المُؤْتَفِكَةُ - مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ ( وأهْوى ) مَعَ فاعِلِهِ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ بِتَقْدِيرِ قَدْ، أوْ بِدُونِهِ تُوَضِّحُ كَيْفِيَّةَ إهْلاكِهِمْ.

53:54–55Page 528

فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ ٥٤

And covered them by that which He covered.1

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ٥٥

Then which of the favors of your Lord do you doubt?

﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ فِيهِ تَهْوِيلٌ لِلْعَذابِ وتَعْمِيمٌ لِما أصابَهم مِنهُ لِأنَّ المَوْصُولَ مِن صِيَغِ العُمُومِ والتَّضْعِيفُ في غَشّاها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْدِيَةِ فَيَكُونُ ما مَفْعُولًا ثانِيًا والفاعِلُ ضَمِيرَهُ تَعالى: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّكْثِيرِ والمُبالَغَةِ فَـ ما هي الفاعِلُ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ تَتَشَكَّكُ والتَّفاعُلُ هُنا مُجَرَّدٌ عَنِ التَّعَدُّدِ في الفاعِلِ والمَفْعُولِ لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، وقِيلَ: إنَّ فِعْلَ التَّمارِي لِلْواحِدِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مُتَعَلِّقِهِ وهو الآلاءُ المُتَمارى فِيها، والخِطابُ قِيلَ: لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى أنَّهُ مِن بابِ الإلْهابِ والتَّعْرِيضِ بِالغَيْرِ، وقِيلَ: لِلْإنْسانِ عَلى الإطْلاقِ وهو أظْهَرُ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والآلاءُ جَمْعٌ إلى النِّعَمِ، والمُرادُ بِها ما عُدَّ في الآياتِ قَبْلُ وسُمِّيَ الكُلُّ بِذَلِكَ مَعَ أنَّ مِنهُ نِقَمًا لِما في النِّقَمِ مِنَ العِبَرِ والمَواعِظِ لِلْمُعْتَبِرِينَ والِانْتِفاعُ لِلْأنْبِياءِ والمُؤْمِنِينَ فَهي نِعَمٌ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ أيْضًا، وقِيلَ: التَّعْبِيرُ بِالآلاءِ لِلتَّغْلِيبِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَقامَ غَيْرُ مُناسِبٍ لَهُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ - رَبِّكَ تَّمارى - بِتاءٍ مُشَدَّدَةٍ.

53:56Page 528

هَٰذَا نَذِيرٞ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلۡأُولَىٰٓ ٥٦

This [Prophet (ﷺ)] is a warner from [i.e., like] the former warners.

﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ الإشارَةُ إلى القُرْآنِ. وقالَ أبُو مالِكٍ: إلى الإخْبارِ عَنِ الأُمَمِ، أوِ الإشارَةُ إلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. والنَّذِيرُ يَجِيءُ مَصْدَرًا ووَصْفًا، والنُّذُرُ جَمْعُهُ مُطْلَقًا وكُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ مُحْتَمَلٌ هُنا، ووَصْفُ ( النُّذُرِ ) جَمْعًا لِلْوَصْفِ بِالأُولى عَلى تَأْوِيلِ الفِرْقَةِ، أوِ الجَماعَةِ، واخْتِيرَ عَلى غَيْرِهِ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ﴾ جِنْسِ ﴿النُّذُرِ الأُولى﴾ .

وفِي الكَشْفِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿هَذا نَذِيرٌ﴾ إلَخْ فَذْلَكَةٌ لِلْكَلامِ إمّا لِما عَدَّدَ مِنَ المُشْتَمِلِ عَلَيْهِ الصُّحُفُ وإمّا لِجَمِيعِ الكَلامِ مِن مُفْتَتَحِ السُّورَةِ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском