Al-AlusiAr‑Rahman · 55:55–70

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Ar-Rahman 55:55–70

55:55–56Page 533

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٥

So which of the favors of your Lord would you deny?

فِيهِنَّ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ ٥٦

In them are women limiting [their] glances,1 untouched2 before them by man or jinnī -

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِنَّ﴾ أيِ الجِنانِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِن أنَّهُ لِكُلِّ خائِفٍ جَنَّتانِ تَعَدُّدُ الجِنانِ، وكَذا عَلى تَقْدِيرٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ لِكُلِّ خائِفِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ جَنَّتانِ لا سِيَّما وقَدْ تُقُدِّرَ اعْتِبارُ الجَمْعِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ وقالَ الفَرّاءُ: الضَّمِيرُ لِجَنَّتانِ، والعَرَبُ تُوقِعُ ضَمِيرَ الجَمْعِ عَلى المُثَنّى ولا حاجَةَ إلَيْهِ بَعْدَ ما سَمِعْتَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْبُيُوتِ والقُصُورِ المَفْهُومَةِ مِنَ الجَنَّتَيْنِ أوْ لِلْجَنَّتَيْنِ بِاعْتِبارِ ما فِيهِما مِمّا ذُكِرَ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الفُرُشِ، قالَ أبُو حَيّانَ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ قَرِيبُ المَأْخَذِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المُناسِبَ لِلْفُرُشِ - عَلى - وأُجِيبَ بِأنَّهُ شَبَّهَ تَمَكُّنِهِنَّ عَلى الفُرُشِ بِتَمَكُّنِ المَظْرُوفِ في الظَّرْفِ وإيثارٍ لِلْإشْعارِ بِأنَّ أكْثَرَ حالِهِنَّ الِاسْتِقْرارُ عَلَيْها، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: الظَّرْفِيَّةُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الفُرُشَ إذا جُلِسَ عَلَيْها يَنْزِلُ مَكانُ الجالِسِ مِنها ويَرْتَفِعُ ما أحاطَ بِهِ حَتّى يَكادَ يَغِيبُ فِيها كَما يُشاهَدُ في فُرُشِ المُلُوكِ المُتَرَفِّهِينَ الَّتِي حَشْوُها رِيشُ النَّعامِ ونَحْوُهُ، وقِيلَ:

الضَّمِيرُ لِلْآلاءِ المَعْدُودَةِ مِن - الجَنَّتَيْنِ، والعَيْنَيْنِ، والفاكِهَةِ والفُرُشِ، والجِنِّيُّ والمُرادُ مَعَهُنَّ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ أيْ نِساءٍ يَقْصُرْنَ أبْصارَهُنَ عَلى أزْواجِهِنَّ لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ، أوْ يَقْصُرْنَ طَرَفَ النّاظِرِ إلَيْهِنَّ عَنِ التَّجاوُزِ إلى غَيْرِهِنَّ، قالَ ابْنُ رَشِيقٍ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا

أرادَ بِالقاصِراتِ الطَّرَفِ أنَّها مُنْكَسِرَةُ الجَفْنُ خافِضَةُ النَّظَرِ غَيْرَ مُتَطَلِّعَةٍ لِما بَعُدَ ولا ناظِرَةٍ لِغَيْرِ زَوْجِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ أنَّ طَرَفَ النّاظِرِ لا يَتَجاوَزُها كَقَوْلِ المُتَنَبِّي:

صفحة 119

وخِصْرٌ تَثْبُتُ الأبْصارُ فِيهِ ∗∗∗ كَأنَّ عَلَيْهِ مِن حَدَّقَ نِطاقًا

انْتَهى فَلا تَغْفَلُ، والأكْثَرُونَ عَلى أوَّلِ المَعْنِيِّينِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما بَلْ في بَعْضِ الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ نَبَوِيٌّ.

أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جِدِّهِ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ «لا يَنْظُرْنَ إلّا إلى أزْواجَهُنَّ»» ومَتى صَحَّ هَذا يَنْبَغِي قَصْرُ الطَّرْفِ عَلَيْهِ، وفي بَعْضِ الآثارِ تَقُولُ الواحِدَةُ مِنهُنَّ لِزَوْجِها:

وعِزَّةُ رَبِّي ما أرى في الجَنَّةِ أحْسَنَ مِنكَ فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي زَوْجَكَ وجَعَلَكَ زَوْجِي،( والطَّرْفِ ) في الأصْلِ مَصْدَرٌ فَلِذَلِكَ وحَّدَ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَفْتَضُهُنَّ قَبْلَ أزْواجِهِنَّ إنْسٌ ولا جانٌّ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ضَمِيرَ قَبْلَهُنَّ لِلْأزْواجِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ( قاصِراتُ الطَّرْفِ ) وفي البَحْرِ هو عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في ( مُتَّكِئِينَ)، وأصْلُ الطَّمْثِ خُرُوجُ الدَّمِ ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيْضِ طَمْثٌ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى جِماعِ الأبْكارِ لِما فِيهِ مِن خُرُوجِ الدَّمِ، وقِيلَ: ثُمَّ عُمِّمَ لِكُلِّ جِماعٍ، وهو المَرْوِيُّ هُنا عَنْ عِكْرِمَةَ، وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ الكَثِيرُ، وقِيلَ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُنَّ يُوجَدْنَ أبْكارًا كُلَّما جُومِعْنَ، ونَفْيُ طَمْثِهِنَّ عَنِ الإنْسِ ظاهِرٌ، وأمّا عَنِ الجِنِّ فَقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: قَدْ تُجامِعُ الجِنُّ نِساءَ البَشَرِ مَعَ أزْواجِهِمْ إذا لَمْ يَذْكُرُ الزَّوْجُ اسْمَ اللَّهِ تَعالى فَنَفى هُنا جَمِيعَ المُجامِعِينَ وقِيلَ:

لا حاجَةَ إلى ذَلِكَ إذْ يَكْفِي في نَفْيِ الطَّمْثِ عَنِ الجِنِّ إمْكانُهُ مِنهم، ولا شَكَّ في إمْكانِ جِماعِ الجِنِّيِّ إنْسِيَّةً بِدُونِ أنْ يَكُونَ مَعَ زَوْجِها الغَيْرِ الذّاكِرِ اسْمَ اللَّهِ تَعالى، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما رَواهُ أبُو عُثْمانَ سَعِيدُ بْنُ داوُدَ الزَّبِيدِيِّ قالَ: كَتَبَ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ إلى مالِكٍ يَسْألُونَهُ عَنْ نِكاحِ الجِنِّ وقالُوا: إنَّ ها هُنا رَجُلًا مِنَ الجِنِّ يَزْعُمُ أنَّهُ يُرِيدُ الحَلالَ فَقالَ ما أرى بِذَلِكَ بَأْسًا في الدِّينِ ولَكِنْ أكْرَهُ إذا وُجِدَتِ امْرَأةٌ حامِلٌ قِيلَ: مَن زَوْجُكِ ؟ قالَتْ: مِنَ الجِنِّ فَيَكْثُرُ الفَسادُ في الإسْلامِ، ثُمَّ إنَّ دَعْوى أنَّ الجِنَّ تُجامِعُ نِساءَ البَشَرِ جِماعًا حَقِيقِيًّا مَعَ أزْواجِهِمْ إذا لَمْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ عِنْدَ جَمِيعِ العُلَماءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾ [الإسْراءِ: 64] غَيْرُ نَصٍّ في المُرادِ كَما لا يَخْفى، وقالَ ضَمْرَةُ بْنُ حَبِيبٍ: الجِنُّ في الجَنَّةِ لَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ مِنَ الجِنِّ نَوْعِهِمْ، فالمَعْنى لَمْ يَطْمِثِ الإنْسِيّاتِ أحَدٌ مِنَ الإنْسِ، ولا الجِنِّيّاتِ أحَدٌ مِنَ الجِنِّ قَبْلَ أزْواجِهِنَّ، وقَدْ أخْرَجَ نَحْوَ هَذا عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وظاهِرُهُ أنَّ ما لِلْجِنِّ لَسْنَ مِنَ الحُوُرِ.

ونَقَلَ الطَّبَرَسِيُّ عَنْهُ أنَّهُنَّ مِنَ الحَوَرِ وكَذا الإنْسِيّاتِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يَخْلِقَ اللَّهُ تَعالى في الجَنَّةِ حَوْرًا لِلْإنْسِ يُشاكِلُنَهم يُقالُ لَهُنَّ لِذَلِكَ إنْسِيّاتٌ، وحَوَرًا لِلْجِنِّ يُشاكِلُنَهم يُقالُ لَهُنَّ لِذَلِكَ جِنِّيّاتٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحُوُرُ كُلُّهُنَّ نَوْعًا واحِدًا ويُعْطى الجِنِّيُّ مِنهُنَّ لَكِنَّهُ في تِلْكَ النَّشْأةِ غَيْرُهُ في هَذِهِ النَّشْأةِ، ويُقالُ: ما يُعْطاهُ الإنْسِيُّ مِنهُنَّ لَمْ يَطْمِثْها إنْسِيٌّ قَبْلَهُ، وما يُعْطاهُ الجِنِّيُّ لَمْ يَطْمِثْها جِنِّيٌّ قَبْلَهُ وبِهَذا فَسَّرَ البَلْخِيُّ الآيَةَ، وقالَ الشَّعْبِيُّ والكَلْبِيُّ: تِلْكَ القاصِراتُ الطَّرْفُ مِن نِساءِ الدُّنْيا لَمْ يَمْسَسْهُنَّ مُنْذُ أُنْشِئْنَ النَّشْأةَ الآخِرَةَ خَلْقٌ قَبْلُ والَّذِي يُعْطاهُ الإنْسِيُّ زَوْجَتَهُ المُؤْمِنَةَ الَّتِي كانَتْ لَهُ في الدُّنْيا ويُعْطى غَيْرُها مِن نِسائِها المُؤْمِناتِ أيْضًا، ويَبْعُدُ أنْ يُعْطى الجِنِّيُّ مِن نِساءِ الدُّنْيا الإنْسانِيّاتِ في الآخِرَةِ.

والَّذِي يَغْلُبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ الإنْسِيَّ يُعْطِي مِنَ الإنْسِيّاتِ والحُورِ والجِنِّيِّ يُعْطى مِنَ الجِنِّيّاتِ والحُورِ ولا يُعْطى إنْسِيٌّ جِنِّيَّةَ، ولا جِنِّيَّ إنْسِيَّةَ وما يُعْطاهُ المُؤْمِنُ إنْسِيًّا كانَ أوْ جِنِّيًّا مِنَ الحَوَرِ شَيْءٌ يَلِيقُ بِهِ وتَشْتَهِيهِ نَفْسُهُ، وحَقِيقَةُ تِلْكَ النَّشْأةِ وراءَ ما يَخْطُرُ بِالبالِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الجِنَّ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ويُجامِعُونَ فِيها كالإنْسِ فَهم باقُونَ فِيها مُنَعَّمِينَ كَبَقاءِ المُعَذَّبِينَ مِنهم في النّارِ، وهو مُقْتَضى ظاهِرِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وابْنُ أبِي لَيْلى،

صفحة 120

والأوْزاعَيُّ. وعَلَيْهِ الأكْثَرُ - كَما ذَكَرَهُ العَيْنِيُّ في شَرْحِ البُخارِيِّ - مِن أنَّهم يُثابُونَ عَلى الطّاعَةِ ويُعاقَبُونَعَلى المَعْصِيَةِ، ويَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَإنَّ ظاهِرَهُ أنَّهم كالإنْسِ يَوْمَ القِيامَةِ، وعَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ ثَلاثُ رِواياتٍ الأُولى أنَّهم لا ثَوابَ لَهم إلّا النَّجاةَ مِنَ النّارِ ثُمَّ يُقالُ لَهم كُونُوا تُرابًا كَسائِرِ الحَيَواناتِ، الثّانِيَةُ أنَّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ ولا ثَوابَ لَهم أيْ زائِدٍ عَلى دُخُولِها، الثّالِثَةُ التَّوَقُّفُ قالَ الكَرْدَرَيُّ: وهو في أكْثَرِ الرِّواياتِ، وفي فَتاوى أبِي إسْحاقَ ابْنِ الصِّفارِ أنَّ الإمامَ يَقُولُ: لا يَكُونُونَ في الجَنَّةِ ولا في النّارِ ولَكِنْ في مَعْلُومِ اللَّهِ تَعالى.

ونُقِلَ عَنْ مالِكٍ وطائِفَةٍ أنَّهم يَكُونُونَ في رَبَضِ الجَنَّةِ، وقِيلَ: هم أصْحابُ الأعْرافِ، وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهم يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ والذِّكْرَ فَيُصِيبُونَ مِن لَذَّتِهِ ما يُصِيبُهُ بَنُو آدَمَ مِن نَعِيمِ الجَنَّةِ وعَلى القَوْلِ بِدُخُولِهِمُ الجَنَّةِ قِيلَ:

نَراهم ولا يَرُونا عَكْسَ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، وإلَيْهِ ذَهَبَ الحارِثُ المُحاسَبِيُّ، وفي اليَواقِيتِ الخَواصُّ مِنهم يَرُونا كَما أنَّ الخَواصَّ مِنّا يَرَوْنَهم في الدُّنْيا، وعَلى القَوْلِ بِأنَّهم يَتَنَعَّمُونَ في الجَنَّةِ قِيلَ: إنْ تَنَعُّمَهم بِغَيْرِ رُؤْيَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّهم لا يَرَوْنَهُ، وكَذا المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ما عَدّا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ يَراهُ سُبْحانَهُ مَرَّةً ولا يَرى بَعْدَها عَلى ما حَكاهُ أبُو إسْحاقَ إبْراهِيمَ بْنِ الصِّفارِ في فَتاوِيهِ عَنْ أبِيهِ، والأصَحُّ ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ مِمّا قَدَّمْناهُ وأنَّهم لا فَرْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ البَشَرِ في الرُّؤْيَةِ وتَمامِهِ في مَحَلِّهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ وعِيسى وأصْحابُ عَبْدُ اللَّهِ «يَطْمُثُهُنَّ» بِضَمِّ المِيمِ هُنا وفِيما بَعْدُ، وقَرَأ أُناسٌ بِضَمِّهِ فِيِ الأوَّلِ وكَسْرِهِ في الثّانِي. وناسٌ بِالعَكْسِ وناسٌ بِالتَّخْيِيرِ، والجَحْدَرِيُّ بِفَتْحِ المِيمِ فِيهِما، والجُمْلَةُ صِفَةٌ - لِقاصِراتِ الطَّرْفِ - لِأنَّ إضافَتَها لَفْظِيَّةٌ أوْ حالٌ مِنها لِتَخْصِيصِها بِالإضافَةِ

55:57–58Page 533

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٧

So which of the favors of your Lord would you deny? -

كَأَنَّهُنَّ ٱلۡيَاقُوتُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٥٨

As if they were rubies and coral.1

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾ إمّا صِفَةٌ لِقاصِراتِ الطَّرْفِ، أوْ حالٌ مِنها كالَّتِي قِيلَ أيْ مُشَبَّهاتٍ بِالياقُوتِ والمَرْجانِ، وقَوْلُ النَّحّاسِ: إنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ في صَفاءَ الياقُوتِ وبَياضَ اللُّؤْلُؤِ، وعَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ، وفي البَحْرِ عَنْ قَتادَةَ في صَفاءَ الياقُوتِ، وحُمْرَةَ المَرْجانُ فَحُمِّلَ المَرْجانُ عَلى ما هو المَعْرُوفُ وقِيلَ: مُشَبَّهاتٌ بِالياقُوتِ في حُمْرَةِ الوَجْهِ وبِالمَرْجانِ أيْ صِغارِ الدُّرِّ في بَياضِ البَشَرَةِ وصَفائِها وتَخْصِيصِ الصِّغارِ عَلى ما في الكَشّافِ لِأنَّهُ أنْصَعَ بَياضًا مِنَ الكِبارِ، وقِيلَ، يَحْسُنُ هُنا إرادَةُ الكِبارِ كَما قِيلَ في مَعْناهُ لِأنَّهُ أوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصّافّاتِ: 49] فَلا تَغْفُلُ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ حَيّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ﴾ إلَخْ قالَ: يَنْظُرُ إلى وجْهِها في خِدْرِها أصْفى مِنَ المِرْآةِ وإنَّ أدْنى لُؤْلُؤَةٍ عَلَيْها تُضِيءُ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وأنَّهُ يَكُونُ عَلَيْها سَبْعُونَ ثَوْبًا يَنْفُذُها بَصَرُهُ حَتّى يُوَضِّحَ سُوقَها مِن وراءِ ذَلِكَ».

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ المَرْأةَ مِنَ الحَوَرِ العَيْنِ يُرى مُخُّ ساقِها مِن وراءِ اللَّحْمِ والعَظْمِ مِن تَحْتِ سَبْعِينَ حُلَّةٍ كَما يُرى الشَّرابُ الأحْمَرُ في الزُّجاجَةِ البَيْضاءِ.

55:59–60Page 533

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٩

So which of the favors of your Lord would you deny?

هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ ٦٠

Is the reward for good [anything] but good?

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلِهِ أيْ ما جَزاءُ الإحْسانِ في العَمَلِ إلّا الإحْسانُ في الثَّوابِ، وقِيلَ: المُرادُ ما جَزاءُ التَّوْحِيدِ إلّا الجَنَّةُ وأُيِّدَ بِظَواهِرَ كَثِيرٍ مِنَ الآثارِ، أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرَ الأُصُولِ والبَغْوَيُّ في تَفْسِيرِهِ والدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفُرُوسِ وابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: ««قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ

صفحة 121

﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانِ﴾ فَقالَ: وهَلْ تَدْرُونَ ما قالَ رَبُّكم ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ قالَ: يَقُولُ: هَلْ جَزاءُ مَن أنْعَمْتُ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ إلّا الجَنَّةُ»» وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ ««قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَلْ جَزاءُ مَن أنْعَمْتُ عَلَيْهِ»» إلَخْ ووَراءَ ذَلِكَ أقْوالٌ تَقْرُبُ مِن مِائَةِ قَوْلٍ، واخْتِيرَ العُمُومُ ويَدْخُلُ التَّوْحِيدُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والصُّوفِيَّةُ أوْرَدُوا الآيَةَ في بابِ الإحْسانِ وفَسَّرُوهُ بِما في الحَدِيثِ ««أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»» قالُوا: فَهو اسْمٌ يَجْمَعُ أبْوابَ الحَقائِقِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ إلّا الحِسانُ يَعْنِي بِالحِسانِ قاصِراتِ الطَّرْفِ اللّاتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُنَّ

55:61–62Page 533

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦١

So which of the favors of your Lord would you deny?

وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ٦٢

And below them both [in excellence] are two [other] gardens -

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ أيْ ومِن دُونِ تَيْنَكِ الجَنَّتَيْنِ في المَنزِلَةِ والقَدْرِ جَنَّتانِ أُخْرَيانِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ والأكْثَرُونَ الأوَّلِيّانِ لِلسّابِقِينَ وهاتانِ لِأصْحابِ اليَمِينِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي مُوسى «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: 46] وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ومِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ قالَ: «جَنَّتانِ مِن ذَهَبٍ لِلْمُقَرَّبِينَ وجَنَّتانِ مِن ورَقٍ لِأصْحابِ اليَمِينِ»» وقالَ الحَسَنُ: الأوَّلِيّانِ لِلسّابِقِينَ والأُخْرَيانِ لِلتّابِعِينَ، ورُوِيَ مَوْقُوفًا وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنْ أبِي مُوسى، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الأوَّلِيَّيْنِ لِلْخائِفَيْنِ والأُخْرَيَيْنِ لِذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ أُلْحِقُوا بِهِمْ ولَمْ أجِدْ لَهُ مُسْتَنَدًا مِنَ الآثارِ، وحُكِيَ في البَحْرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿ومِن دُونِهِما﴾ في القُرْبِ لِلْمُنَعَّمِينَ والمُؤَخَّرَتا الذِّكْرِ أفْضَلُ مِنَ الأوَّلِيَّيْنِ، وادَّعى أنَّ الصِّفاتِ الآتِيَةَ أمْدَحُ مِنَ الصِّفاتِ السّابِقَةِ ووافَقَهُ مَن وافَقَهُ، وسَيَأْتِي تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

55:63–64Page 533

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٣

So which of the favors of your Lord would you deny? -

مُدۡهَآمَّتَانِ ٦٤

Dark green [in color].

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ صِفَةٌ لِجْنَّتانِ وسَّطَ بَيْنَها الِاعْتِراضُ لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تَكْذِيبَ كُلٍّ مِنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ حَقِيقٌ بِالإنْكارِ والتَّوْبِيخِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هُما مُدْهامَّتانِ مِنَ الدُّهْمَةِ وهي في الأصْلِ عَلى ما قالَ الرّاغِبُ سَوادَ اللَّيْلِ ويُعَبِّرُ بِها عَنْ سَوادِ الفَرَسِ وقَدْ يُعَبَّرُ بِها عَنِ الخُضْرَةِ الكامِلَةِ اللَّوْنُ كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالخُضْرَةِ إذا لَمْ تَكُنْ كامِلَةً وذَلِكَ لِتَقارُبِهِما في اللَّوْنِ، ويُقالُ: ادْهامَّ ادْهِيمامًا فَهو مُدْهامٌّ عَلى وزْنِ مُفْعالٌّ إذا اسْوَدَّ أوِ اشْتَدَّتْ خُضْرَتُهُ، وفَسَّرَها هُنا ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ وعَطاءُ ابْنُ أبِي رَباحِ وجَماعَةٌ بِخَضْراوانِ، بَلْ

أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي أيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: ««سَألَتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:

خَضْراوانِ»» والمُرادُ أنَّهُما شَدِيدَتا الخُضْرَةِ والخُضْرَةُ إذا اشْتَدَّتْ ضَرَبَتْ إلى السَّوادِ وذَلِكَ مِنَ الرَّيِّ مِنَ الماءِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ وأبِي صالِحٍ قِيلَ: إنَّ في وصْفِ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ بِما ذُكِرَ إشْعارًا بِأنَّ الغالِبَ عَلَيْهِما النَّباتُ والرَّياحِينُ المُنْبَسِطَةُ عَلى وجْهِ الأرْضِ كَما أنَّ في وصْفِ السّابِقَتَيْنِ بِذَواتا أفْنانٍ إشْعارًا بِأنَّ الغالِبَ عَلَيْهِما الأشْجارُ فَإنَّ الأشْجارَ تُوصَفُ بِأنَّها ذَواتَ أفْنانٍ والنَّباتُ يُوصَفُ بِالخُضْرَةِ الشَّدِيدَةِ فالِاقْتِصارُ في كُلٍّ مِنهُما عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ مُشْعِرٌ بِما ذُكِرَ وبُنِيَ عَلى هَذا كَوْنُ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ دُونَ الأوَّلِيَّيْنِ في المَنزِلَةِ والقَدَرِ كَيْفَ لا والجَنَّةُ الكَثِيرَةُ الظِّلالُ والثِّمارُ أعْلى وأغْلى مِنَ الجَنَّةِ القَلِيلَةِ الظِّلالِ والثِّمارِ، ومَن ذَهَبَ إلى تَفْضِيلِ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ مَعَ اخْتِصاصِ الوَصْفِ بِالخُضْرَةِ بِالنَّباتِ وكَذا كَوْنُهُ أغْلَبَ مِن وصْفِ الأشْجارِ بِهِ فَكَثِيرًا ما تُسْمَعُ النّاسُ يَقُولُونَ إذا مَدَحُوا بُسْتانًا أشْجارَهُ خُضْرٌ يانِعَةٌ وهو أظْهَرُ في مَدْحِهِ بِأنَّهُ ذُو ثِمارٍ مِن ذِي أفْنانٍ، وهو يُشْعِرُ أيْضًا بِكِثَرِ مائِهِ والِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ وبُعْدِهِ عَنِ التَّصَوُّحِ والهَلاكِ.

55:65–66Page 533

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٥

So which of the favors of your Lord would you deny?

فِيهِمَا عَيۡنَانِ نَضَّاخَتَانِ ٦٦

In both of them are two springs, spouting.

صفحة 122

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾ فَوّارَتانِ بِالماءِ عَلى ما هو الظّاهِرُ، وفي البَحْرِ النَّضْخُ فَوَرانُ الماءِ، وفي الكَشّافِ وغَيْرِهِ النَّضْخُ أكْثَرُ مِنَ النَّضْحِ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ لِأنَّهُ مِثْلُ الرَّشِّ وهو عِنْدَ مَن فَضَّلَ الجَنَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ دُونَ الجَرْيِ، فالمَدْحُ بِهِ دُونَ المَدْحِ بِهِ، وعَلَيْهِ قَوْلُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ فِيما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ العَيْنانِ اللَّتانِ تَجْرِيانِ خَيْرٌ مِنَ النَّضّاحَتَيْنِ، ومَن ذَهَبَ إلى تَفْضِيلِ هاتَيْنِ يَقُولُ في الفَوَرانِ جَرْيٌ مَعَ زِيادَةِ حَسَنٍ فَإنَّ الماءَ إذا فارَ وارْتَفَعَ وقَعَ مُتَناثِرَ القَطَراتِ كَحَبّاتِ اللُّؤْلُؤِ المُتَناثِرَةِ كَما يُشاهَدُ في الفَوّاراتِ المَعْرُوفَةِ، أوْ يَقُولُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ ( نَضّاخَتانِ ) بِالمِسْكِ والعَنْبَرِ تَنْضَخانِ عَلى دُورِ الجَنَّةِ كَما يَنْضَخُ المَطَرُ عَلى دُورِ أهْلِ الدُّنْيا، أوْ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ ( نَضّاخَتانِ ) بِالخَيْرِ، ولَفْظُ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ بِكُلِّ خَيْرٍ.

55:67–68Page 533

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٧

So which of the favors of your Lord would you deny?

فِيهِمَا فَٰكِهَةٞ وَنَخۡلٞ وَرُمَّانٞ ٦٨

In both of them are fruit and palm trees and pomegranates.

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ عَطَفَ الأخِيرَيْنِ عَلى الفاكِهَةِ عَطْفَ جِبْرِيلَ ومِيكالَ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى المَلائِكَةِ بَيانًا لِفَضْلِهِما، وقِيلَ: إنَّهُما في الدُّنْيا لَمّا لَمْ يَخْلُصا لِلتَّفَكُّهِ فَإنَّ النَّخْلَ ثَمَرُهُ فاكِهَةٌ وطَعامٌ، والرُّمّانَ فاكِهَةٌ ودَواءُ عَدا جِنْسًا آخَرَ فَعُطِفا عَلى الفاكِهَةِ وإنْ كانَ كُلُّ ما في الجَنَّةِ لِلتَّفَكُّهِ لِأنَّهُ تَلَذُّذٌ خالِصٌ، ومِنهُ قالَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إذا حَلَفَ لا يَأْكُلُ فاكِهَةً فَأكَلَ رُمّانًا أوْ رَطْبًا لَمْ يَحْنَثْ، وخالَفَهُ صاحِباهُ ثُمَّ إنَّ نَخْلَ الجَنَّةِ ورُمّانَها وراءَ ما نَعْرِفُهُ.

أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهُنادُ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وآخَرُونَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَخْلُ الجَنَّةِ جُذُوعُها زُمُرُّدٌ أخْضَرُ وكَرانِيفُها ذَهَبٌ أحْمَرُ وسَعَفُها كِسْوَةُ أهْلِ الجَنَّةِ مِنها مُقَطَّعاتُهم وحُلَلُهم وثَمَرُها أمْثالُ القِلالِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ وأحْلى مِنَ العَسَلِ وألْيَنَ مِنَ الزَّبَدِ ولَيْسَ لَهُ عَجَمٌ وحُكْمُهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ. وفي حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا «أُصُولُهُ فِضَّةٌ وجُذُوعُهُ فِضَّةٌ وسَعَفُهُ حُلَلٌ وحَمْلُهُ الرَّطْبُ إلَخْ».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««نَظَرْتُ إلى الجَنَّةِ فَإذا الرُّمّانَةُ مِن رُمّانِها كَمَثَلِ البَعِيرِ المُقْتَبِ»» وهَذا المَدْحُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ دُونَ المَدْحِ في قَوْلِهِ تَعالى في الجَنَّتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: 52] ومَن ذَهَبَ إلى تَفْضِيلِهِما يَقُولُ إنَّ التَّنْوِينَ في فاكِهَةٍ لِلتَّعْمِيمِ بِقَرِينَةِ المَقامِ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: 14] فَيَكُونُ في قُوَّةٍ فِيها كُلُّ ( فاكِهَةٌ ) ويَزِيدُ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى ما ذُكِرَ بِتَضَمُّنِهِ الإشارَةَ إلى مَدْحِ بَعْضِ أنْواعِها، وقالَ الإمامُ الرّازِيُّ: إنَّ (ما هُنا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الفاكِهَةَ أنْواعٌ أرْضِيَّةٌ وشَجَرِيَّةٌ كالبِطِّيخِ وغَيْرِهِ مِنَ الأرْضِيّاتِ المَزْرُوعاتِ والنَّخْلِ وغَيْرِها مِنَ الشَجَرَيّاتِ فَقالَتَعالى: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾ لِأنْواعِ الخُضَرِ الَّتِي فِيها الفَواكِهُ الأرْضِيَّةُ، وفِيها أيْضًا الفَواكِهُ الشَّجَرِيَّةُ وذَكَرَ سُبْحانَهُ مِنها نَوْعَيْنِ: الرُّطَبُ والرُّمّانُ لِأنَّهُما مُتَقابِلانِ أحَدُهُما حُلْوٌ والآخَرُ فِيهِ حامِضٌ، وأحَدُهُما حارٌّ والآخَرُ بارِدٌ، وأحَدُهُما فاكِهَةٌ وغِذاءُ والآخَرُ فاكِهَةٌ، وأحَدُهُما مِن فَواكِهِ البِلادِ الحارَّةِ والآخَرَ مِن فَواكِهِ البِلادِ البارِدَةِ، وأحَدُهُما أشْجارُهُ تَكُونُ في غايَةِ الطُّولِ والآخَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وأحَدُهُما ما يُؤْكَلُ مِنهُ بارِزٌ وما لا يُؤْكَلُ كامِنٌ والآخَرُ بِالعَكْسِ فَهُما كالضِّدَّيْنِ، والإشارَةُ إلى الطَّرَفَيْنِ تَتَناوَلُ الإشارَةَ إلى ما بَيْنَهُما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ [الرَّحْمَنِ: 17] انْتَهى، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى.

55:69–70Page 534

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٩

So which of the favors of your Lord would you deny?

فِيهِنَّ خَيۡرَٰتٌ حِسَانٞ ٧٠

In them are good and beautiful women -

﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِجَنَّتانِ، أوْ خَبَرٌ بَعْدُ خَبَرٍ لِلْمُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ كالجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها،

صفحة 123

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةَ والكَلامُ في ضَمِيرِ الجَمْعِ هُنا كالكَلامِ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ [الرَّحْمَنِ: 56] ( وخَيْراتٌ ) قالَ أبُو حَيّانَ: جَمْعُ خَيْرَةٍ وصْفٌ بُنِيَ عَلى فِعَلَةٍ مِنَ الخَيْرِ كَما بَنَوْا مِنَ الشَّرِّ فَقالُوا شَرَّةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أصْلُهُ «خَيِّراتٌ» بِالتَّشْدِيدِ فَخُفِّفَ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ»» ولَيْسَ جَمْعُ خَيِّرٍ بِمَعْنى أخْيَرَ فَإنَّهُ لا يُقالُ فِيهِ خَيِّرُونَ ولا خَيِّراتِ، ولَعَلَّهُ لِأنَّ أصْلَ اسْمِ التَّفْضِيلِ أنْ لا يَجْمَعُ خُصُوصًا إذا نُكِّرَ، وقَرَأ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ وأبُو عُثْمانَ النَّهْدَيِّ وابْنُ مُقْسِمٍ «خَيِّراتٌ» بِتَشْدِيدِ الياءِ وهو يُؤَيِّدُ أنَّ أصْلَهُ كَذَلِكَ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرو «خَيَراتٌ» بِفَتْحِ الياءِ كَأنَّهُ جَمْعُ خائِرَةٍ جُمِعَ عَلى فِعْلَةِ ﴿حِسانٌ﴾ قِيلَ: أيْ حِسانِ الخُلُقِ والخَلْقِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: ﴿خَيْراتٌ﴾ الأخْلاقُ ﴿حِسانٌ﴾ الوُجُوهُ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском