Al-AlusiAl‑An'am · 6:101–102

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:101–102

6:101Page 140

بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٠١

[He is] Originator of the heavens and the earth. How could He have a son when He does not have a companion [i.e., wife] and He created all things? And He is, of all things, Knowing.

﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُبْدِعُهُما ومُوجِدُهُما بِغَيْرِ آلَةٍ ولا مادَّةٍ ولا زَمانٍ ولا مَكانٍ قالَهُ الرّاغِبُ، وهو كَما يُطْلَقُ عَلى المُبْدِعِ يُطْلَقُ عَلى المُبْدَعِ اسْمُ مَفْعُولٍ، ومِنهُ قِيلَ: رِكْيٌ بَدِيعٌ، وكَذَلِكَ البِدْعُ بِكَسْرِ الباءِ يُقالُ لَهُما

وقِيلَ: هو إضافَةُ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى الفاعِلِ لِلتَّخْفِيفِ بَعْدَ نَصْبِهِ تَشْبِيهًا لَها بِاسْمِ الفاعِلِ كَما هو المَشْهُورُ أيْ بَدِيعُ سَمَواتِهِ وأرْضِهِ مِن بَدَعَ إذا كانَ عَلى نَمَطٍ عَجِيبٍ وشَكْلٍ فائِقٍ وحُسْنٍ رائِقٍ، أوْ إلى الظَّرْفِ كَما في قَوْلِهِمْ فُلانٌ ثَبْتُ الغَدَرِ أيْ ثَبْتٌ في الغَدَرِ وهو بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ ودالٍ وراءٍ مُهْمَلَتَيْنِ المَكانُ ذُو الحِجارَةِ والشُّقُوقِ، ويَقُولُونَ ذَلِكَ إذا كانَ الرَّجُلُ ثَبْتًا في قِتالٍ أوْ كَلامٍ، والمُرادُ مِن بَدِيعِ السَّمَواتِ والأرْضِ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَدِيمُ النَّظِيرِ فِيهِما

ومَعْنى ذَلِكَ عَلى ما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ إبْداعَهُ لَهُما لا نَظِيرَ لَهُ لِأنَّهُما أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ الظّاهِرَةِ فَلا يَرُدُّ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ النَّظِيرِ فِيهِما نَفْيُهُ مُطْلَقًا، ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفٍ أنَّهُ خارِجٌ مُخْرَجَ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ بِحَسْبِ زَعْمِهِمْ أنَّهُ لا مَوْجُودَ خارِجٌ عَنْهُما، واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ، والمَعْنى عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى مُبْدِعٌ لِقُطْرَيِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ بِلا مادَّةِ فاعِلٍ عَلى الِإطْلاقِ مُنَزَّهٌ عَنِ الِانْفِعالِ بِالكُلِّيَّةِ، والوالِدُ عُنْصُرُ الوَلَدِ مُنْفَعِلٌ بِانْتِقالِ مادَّتِهِ عَنْهُ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ

وقُرِئَ بَدِيعَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ والجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في سُبْحانِهِ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُهُ وارْتِفاعِهِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ كَما قالَ أبُو البَقاءِ الأوَّلُ أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، الثّانِي أنَّهُ فاعِلُ (تَعالى) وإظْهارُهُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَعْلِيلِ الحُكْمِ وتَوْسِيطِ الظَّرْفِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفِعْلِ لِلِاهْتِمامِ بِبَيانِهِ، والثّالِثُ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ وهو عَلى الأوَّلَيْنِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مَسُوقَةٌ كَما قَبْلَها لِبَيانِ اسْتِحالَةِ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ تَعالى وتَقْرِيرُ تَنْزِيهِهِ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِحالَةِ المَذْكُورَةِ ضَرُورَةَ أنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ بِلا والِدَةٍ أصْلًا، وإنْ أمْكَنَ وُجُودُهُ بِلا والِدٍ أيْ مِن أيْنَ وكَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ والحالُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ صاحِبَةٌ يَكُونُ الوَلَدُ مِنها؟ وقَرَأ إبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ (لَمْ يَكُنْ) بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ وجازَ ذَلِكَ مَعَ أنَّ المَرْفُوعَ مُؤَنَّثٌ لِلْفَصْلِ كَما في قَوْلِهِ:

لَقَدْ ولَدَ الأُخَيْطَلَ أمُّ سُوءٍ عَلى قَمْعِ اسْتِها صُلُبٌ وشامُ

قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: تُؤَنَّثُ الأفْعالُ لِتَأْنِيثِ فاعِلِها لِأنَّهُما يَجْرِيانِ مَجْرى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ لِعَدَمِ اسْتِغْناءِ كُلٍّ

صفحة 243

عَنْ صاحِبِهِ فَإذا فُصِلَ جازَ تَذْكِيرُهُ وهو في بابِ كانَ أسْهَلُ لِأنَّكَ لَوْ حَذَفْتَها اسْتَقَلَّ ما بَعْدَها، وقِيلَ: إنَّ اسْمَ (يَكُنْ) ضَمِيرُهُ تَعالى. والخَبَرُ هو الظَّرْفُ و(صاحِبَةٌ) مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَإ والظَّرْفُ خَبَرُهُ مُقَدَّمٌ و (صاحِبَةٌ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ (يَكُونُ) عَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لِصَلاحِيَةِ الجُمْلَةِ حِينَئِذٍ لِأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِلضَّمِيرِ لا عَلى الأوَّلِ لِأنَّهُ كَما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ لا يُفَسَّرُ إلّا بِجُمْلَةٍ صَرِيحَةٍ، والِاعْتِراضُ بِأنَّهُ إذا كانَ العُمْدَةُ في المُفَسِّرَةِ مُؤَنَّثًا فالمُقَدَّرُ ضَمِيرُ القِصَّةِ لا الشَّأْنُ فَيَعُودُ السُّؤالُ لَيْسَ بِوارِدٍ كَعَدَمِ اللُّزُومِ وإنْ تَوَهَّمَهُ بَعْضُهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ اسْتِئْنافٌ لِتَحْقِيقِ ما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِحالَةِ أوْ حالٌ أُخْرى مُقَرِّرَةٌ لَها أيْ أنْ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ والحالُ أنَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما سَمَّوْهُ ولَدًا؛ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ ولَدًا لِخالِقِهِ؟ ويُفْهَمُ مِنَ التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ أنَّ مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ ولَدًا إنْ أرادَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْدَثَهُ عَلى سَبِيلِ الإبْداعِ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ نُطْفَةٍ مَثَلًا رُدَّ بِأنَّ خُلْقَهُ لِلسَّمَواتِ والأرْضِ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ كَوْنُهُما ولَدًا لَهُ تَعالى وهو باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، وإنْ أرادَ ما هو المَعْرُوفُ مِنَ الوِلادَةِ في الحَيَواناتِ رُدَّ أوَّلًا بِأنَّهُ لا صاحِبَةَ لَهُ وهي أمْرٌ لازِمٌ في المَعْرُوفِ. وثانِيًا بِأنَّ تَحْصِيلَ الوَلَدِ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ مَن لا يَكُونُ قادِرًا عَلى الخَلْقِ والإيجادِ والتَّكْوِينِ دُفْعَةً واحِدَةً أمّا مَن كانَ خالِقًا لِكُلِّ المُمْكِناتِ وكانَ قادِرًا عَلى كُلِّ المُحْدَثاتِ فَإذا أرادَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَيَمْتَنِعُ مِنهُ إحْداثُ شَخْصٍ بِطْرِيقِ الوِلادَةِ. وإنْ أرادَ مَفْهُومًا ثالِثًا فَهو غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ ﴿وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ كائِنًا ما كانَ مَخْلُوقًا أوْ غَيْرَ مَخْلُوقٍ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تُرْكُ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ (عَلِيمٌ)

101

- مُبالِغٌ في العِلْمِ أزَلًا وأبَدًا حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ العُدُولُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وحِينَئِذٍ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ الوَلَدُ قَدِيمًا أوْ مُحْدَثًا لا جائِزَ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا لِأنَّ القَدِيمَ يَجِبُ كَوْنُهُ واجِبَ الوُجُودِ لِذاتِهِ وما كانَ كَذَلِكَ كانَ غَنِيًّا عَنْ غَيْرِهِ فامْتَنَعَ كَوْنُهُ ولَدًا لِلْغَيْرِ فَتَعِيَّنَ كَوْنُهُ حادِثًا، ولا شَكَّ أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ فَإمّا أنْ يَعْلَمَ أنَّ لَهُ في تَحْصِيلِ الوَلَدِ كَمالًا أوْ نَفْعًا أوْ يَعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَلا وقْتَ يُفْرَضُ إلّا والدّاعِي إلى إيجادِ هَذا الوَلَدِ كانَ حاصِلًا قَبْلَهُ وهو يُوجِبُ كَوْنَهُ أزَلِيًّا وهو مُحالٌ. وإنْ كانَ الثّانِي وجَبَ أنْ لا يَحْدُثَ البَتَّةَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ. وقَرَّرَ الإمامُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ الرَّدَّ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ بِوَجْهٍ آخَرَ أيْضًا وبَعْضُهم جَعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَعَ ما قَبْلَها مُتَضَمِّنَةً لِوَجْهٍ واحِدٍ مِن أوْجُهِ الرَّدِّ، والجُمْلَةُ إمّا حالِيَّةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى الثّانِي فَقالَ: إنَّها اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ بِبُطْلانِ مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ الَّتِي اجْتَرَءُوا عَلَيْها بِغَيْرِ عِلْمٍ. والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ ما في الآيَةِ أدِلَّةٌ قَطْعِيَّةٌ عَلى بُطْلانِ ما زَعَمَهُ المُخْتَلِقُونَ، وكَلامُ الإمامِ حَيْثُ قالَ بَعْدَ تَقْرِيرِ الوُجُوهِ: لَوْ أنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَذْكُرُوا في هَذِهِ المَسْألَةِ كَلامًا يُساوِيهِ أيْ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ في القُوَّةِ والكَمالِ لَعَجَزُوا عَنْهُ. وادَّعى الشِّهابُ أنَّ ما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أدِلَّةٌ إقْناعِيَّةٌ، ولَعَلَّ الأوْلى القَوْلُ بِأنَّ البَعْضَ قَطْعِيٌّ والبَعْضَ الآخَرَ إقْناعِيٌّ، فَتَدَبَّرْ

6:102Page 141

ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ١٠٢

That is Allāh, your Lord; there is no deity except Him, the Creator of all things, so worship Him. And He is Disposer of all things.

﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى المَنعُوتِ بِما ذُكِرَ مِن جَلائِلِ النُّعُوتِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا، والخِطابُ لِلْمُشْرِكَيْنِ المَعْهُودِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ

وذَهَبَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ لِجَمِيعِ النّاسِ وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أخْبارٌ أرْبَعَةٌ مُتَرادِفَةٌ أيْ ذَلِكَ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ الشَّأْنِ هو اللَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ خاصَّةً مالِكُ

صفحة 244

أمْرِكم لا شَرِيكَ لَهُ أصْلًا خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِمّا كانَ وسَيَكُونُ، والمُعْتَبَرُ في عُنْوانِ المَوْضُوعِ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ الإشارَةُ إنَّما هو خالِقِيَّتُهُ سُبْحانَهُ لِما كانَ فَقَطْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ الماضِي، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ و(رَبُّكُمْ) صِفَتُهُ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ، وأنْ يَكُونَ الِاسْمُ الجَلِيلُ هو الخَبَرُ وما بَعْدَهُ إبْدالٌ مِنهُ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا والبَواقِي أخْبارٌ، وأنْ يُقَدَّرَ لِكُلِّ خَبَرٍ مِنَ الأخْبارِ الثَّلاثَةِ مُبْتَدَأٌ، وأنْ يُجْعَلَ الكُلُّ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ، وأنْ يَكُونَ ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ، وجُوِّزَ غَيْرُ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ فَإنَّ مَن جَمَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ كَما هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ خاصَّةً، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ العِبادَةَ المَأْمُورَ بِها هي نِهايَةُ الخُضُوعِ وهي لا تَتَأتّى مَعَ التَّشْرِيكِ فَلِذا اسْتُغْنِيَ عَنْ أنْ يُقالَ: فَلا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ويُفْهَمُ مِنهُ أنَّ مُجَرَّدَ مَفْهُومِ العِبادَةِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، ولا يَأْباهُ دَعْوى إفادَةِ تَقْدِيمِ المَفْعُولِ في ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ إيّاهُ لِأنَّ إفادَةَ الحَصْرِ بِوَجْهَيْنِ مانِعٌ مِنها كَما في لِلَّهِ الحَمْدُ ونَحْوِهِ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ هُنا ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ﴾ وفي سُورَةِ المُؤْمِنِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فَقَدَّمَ سُبْحانَهُ هُنا لا إلَهَ إلّا هو عَلى خالِقِ كُلِّ شَيْءٍ وعَكَسَ هُناكَ؛ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ جاءَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ إلَخْ فَلَمّا قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أتى بَعْدَهُ بِما يَدْفَعُ الشَّرِكَةَ فَقالَ عَزَّ قائِلًا: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ ثُمَّ ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وتِلْكَ جاءَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَكانَ الكَلامُ عَلى تَثْبِيتِ خَلْقِ النّاسِ وتَقْرِيرِهِ لا عَلى نَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ كَما كانَ في الآيَةِ الأوْلى؛ فَكّانِ تَقْدِيمُ ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ هُناكَ أوْلى، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾

102

- عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أيْ وهو مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ مُتَوَلِّي جَمِيعَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يُوكَلَ أمْرٌ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ لا يُتَوَلّى

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ وقَيْدًا لِلْعِبادَةِ ويُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مَعَ ما تَقَدَّمَ مُتَوَلِّي أُمُورَكم فَكِلُوها إلَيْهِ وتَوَسَّلُوا بِعِبادَتِهِ إلى إنْجاحِ مَأْرَبِكُمْ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الوَكِيلَ بِالرَّقِيبِ أيْ أنَّهُ تَعالى رَقِيبٌ عَلى أعْمالِكم فَيُجازِيَكم عَلَيْها. واسْتَدَلَّ أصْحابُنا بِعُمُومِ ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى الخالِقُ لِأعْمالِ العِبادِ

والمُعْتَزِلَةُ قالُوا عِنْدَنا هُنا أشْياءَ تُخْرِجُ أعْمالَ العِبادِ مِنَ البَيْنِ: أحَدُها تَعْقِيبُ ذَلِكَ العُمُومِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ فَإنَّهُ لَوْ دَخَلَتْ أعْمالُ العِبادِ هُناكَ لَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ إنّا خَلَقْنا أعْمالَكم فافْعَلُوها بِأعْيانِها مَرَّةً أُخْرى؛ وفَسادُهُ ظاهِرٌ. ثانِيها أنَّ ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ذُكِرَ في مَعْرِضِ المَدْحِ والثَّناءِ؛ ولا تُمْدَحُ بِخُلُقِ الزِّنا واللِّواطِ والسَّرِقَةِ والكُفْرِ مَثَلًا. ثالِثُها أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدُ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكم فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ومَن عَمِيَ فَعَلَيْها﴾ وهو تَصْرِيحٌ بِكَوْنِ العَبْدِ مُسْتَقِلًّا بِالفِعْلِ والتَّرْكِ وأنَّهُ لا مانِعَ لَهُ. رابِعُها أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُتِيَ بِها بَعْدَ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ والمُرادُ مِنهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ الرَّدُّ عَلى المَجُوسِ في إثْباتِ إلَهَيْنِ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مَحْمُولًا عَلى إبْطالِ ذَلِكَ وهو إنَّما يَكُونُ إذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ لِما في هَذا العالَمِ مِنَ السِّباعِ والآلامِ ونَحْوِها وإذا حُمِلَ عَلى ذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ أعْمالُ العِبادِ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ النَّظَرِ ومِثْلُهُ اسْتِدْلالُهم بِالآيَةِ عَلى نَفْيِ الصِّفاتِ وكَوْنِ القُرْآنِ مَخْلُوقًا، فَتَدَبَّرْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском