Al-AlusiAl‑An'am · 6:103–106

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:103–106

6:103Page 141

لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٠٣

Vision perceives Him not,1 but He perceives [all] vision; and He is the Subtle,2 the Aware.3

﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ جَمْعُ بَصَرٍ يُطْلَقُ -كَما قالَ الرّاغِبُ - عَلى الجارِحَةِ النّاظِرَةِ وعَلى القُوَّةِ الَّتِي فِيها

صفحة 245

وعَلى البَصِيرَةِ. وهي قُوَّةُ القَلْبِ المُدْرِكَةُ، وإدْراكُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ إلى غايَتِهِ والإحاطَةِ بِهِ، وأكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ عَلى حَمْلِ البَصَرِ هُنا عَلى الجارِحَةِ مِن حَيْثُ أنَّها مَحَلُّ القُوَّةِ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى ذَلِكَ وإلى الأوْهامِ والأفْهامِ كَما قالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: التَّوْحِيدُ لا تَتَوَهَّمُهُ، وقالَ أيْضًا: كُلُّ ما أدْرَكْتَهُ فَهو غَيْرُهُ

ونَقَلَ الرّاغِبُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ حَمَلَ ذَلِكَ عَلى البَصِيرَةِ وذَكَرَ أنَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في قَوْلِهِ: يا مَن غايَةُ مَعْرِفَتِهِ القُصُورُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ إذا كانَ مَعْرِفَتُهُ تَعالى أنْ تَعْرِفَ الأشْياءَ فَتَعَلَّمْ أنَّهُ لَيْسَ بِمِثْلٍ لِشَيْءٍ مِنها بَلْ هو مُوجِدُ كُلِّ ما أدْرَكْتَهُ، واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرى

وتَقْرِيرُ ذَلِكَ عَلى ما في المَواقِفِ وشَرْحِها أنَّ الِادِّراكَ المُضافَ إلى الإبْصارِ إنَّما هو الرُّؤْيَةُ ولا فَرْقَ بَيْنَ أدْرَكْتُهُ بِبَصَرِي ورَأيْتُهُ إلّا في اللَّفْظِ أوْ هُما مُتَلازِمانِ لا يَصِحُّ نَفْيُ أحَدِهِما مَعَ إثْباتِ الآخَرِ فَلا يَجُوزُ رَأيْتُهُ وما أدْرَكْتُهُ بِبَصَرِي ولا عَكْسُهُ، فالآيَةُ نَفَتْ أنْ تَراهُ الأبْصارُ وذَلِكَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأبْصارِ بِواسِطَةِ اللّامِ الجِنْسِيَّةِ في مَقامِ المُبالَغَةِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ لِأنَّ قَوْلَكَ فُلانٌ تُدْرِكُهُ الأبْصارُ لا يُفِيدُ عُمُومَ الأوْقاتِ فَلا بُدَّ أنْ يُفِيدَهُ ما يُقابِلُهُ فَلا يَراهُ شَيْءٌ مِنَ الأبْصارِ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ لِما ذُكِرَ ولِأنَّهُ تَعالى تُمُدِّحَ بِكَوْنِهِ لا يُرى حَيْثُ ذَكَرَهُ في أثْناءِ المَدائِحِ، وما كانَ مِنَ الصِّفاتِ عَدَمُهُ مَدْحًا كانَ وجُودُهُ نَقْصًا يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ فَظَهَرَ أنَّهُ يَمْتَنِعُ رُؤْيَتُهُ سُبْحانَهُ، وإنَّما قِيلَ: مِنَ الصِّفاتِ احْتِرازٌ عَنِ الأفْعالِ كالعَفْوِ والِانْتِقامِ فَإنَّ الأوَّلَ تَفَضُّلٌ والثّانِي عَدْلٌ وكِلاهُما كَمالٌ، انْتَهى. وحاصِلُهُ أنَّ المُرادَ بِالِادِّراكِ الرُّؤْيَةُ المُطْلَقَةُ لا الرُّؤْيَةُ عَلى وجْهِ الإحاطَةِ وأنْ تُدْرِكَهُ الأبْصارُ سالِبَةٌ كُلِّيَّةٌ دائِمَةٌ وهَذا أقْوى أدِلَّتِهِمُ النَّقْلِيَّةِ في هَذا المَطْلَبِ كَما ذَكَرَهُ شَيْخُ مَشايِخِنا الكُورانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ. والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ الأوَّلُ: أنَّ الِادِّراكَ لَيْسَ هو الرُّؤْيَةَ المُطْلَقَةَ وإنِ اخْتارَهُ عَلى ما نَقَلَهُ الآمِدِيُّ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ وإنَّما هو الرُّؤْيَةُ عَلى نَعْتِ الإحاطَةِ بِجَوانِبِ المَرْئِيِّ كَما فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِها في أحَدِ تَفْسِيرَيْهِ، فَفي الدُّرِّ المَنثُورِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ لا يُحِيطُ بَصَرُ أحَدٍ بِاللَّهِ تَعالى، انْتَهى. وإلَيْهِ ذَهَبَ الكَثِيرُ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ وغَيْرِهِمْ. والرُّؤْيَةُ المُكَيَّفَةُ بِكَيْفِيَّةِ الإحاطَةِ أخَصُّ مُطْلَقًا مِنَ الرُّؤْيَةِ المُطْلَقَةِ ولا يَلْزَمُ مِن نَفْيِ الأخَصِّ نَفْيُ الأعَمِّ؛ فَظَهَرَ صِحَّةُ أنْ يُقالَ رَأيْتُهُ وما أدْرَكَهُ بَصَرِي أيْ ما أحاطَ بِهِ مِن جَوانِبِهِ وإنْ لَمْ يَصِحَّ عَكْسُهُ. الثّانِي: أنْ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ كَما يُحْتَمَلُ أنْ يُلاحَظَ فِيهِ أوَّلًا دُخُولُ النَّفْيِ ثُمَّ وُرُودُ اللّامِ فَتَكُونُ سالِبَةً كُلِّيَّةً عَلى طَرْزِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ فَيَكُونُ لِعُمُومِ السَّلْبِ، كَذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ العُمُومَ أوَّلًا ثُمَّ وُرُودُ النَّفْيِ عَلَيْهِ فَتَكُونُ سالِبَةً جُزْئِيَّةً نَحْوَ: ما قامَ العَبِيدُ كُلُّهم ولَمْ آخُذِ الدّارَهِمَ كُلَّها؛ فَتَكُونُ لسَلْبِ العُمُومِ وكُلَّما احْتُمِلَ سَلْبُ العُمُومِ لَمْ يَكُنْ نَصًّا في عُمُومِ السَّلْبِ وإنْ كانَ عُمُومُ السَّلْبِ في مِثْلِ هَذا هو الأكْثَرُ، وكُلَّما كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَبْقَ فِيهِ حُجَّةٌ عَلى امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا وهو ظاهِرٌ، هَذا إذا كانَ (ألْ) في (الأبْصارِ) لِلِاسْتِغْراقِ فَإنْ كانَ لِلْجِنْسِ كانَ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ سالِبَةً مُهْمَلَةً وهي في قُوَّةِ الجُزْئِيَّةِ فَيَكُونُ المَعْنى لا تُدْرِكُهُ بَعْضُ الأبْصارِ وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. والثّالِثُ: أنّا لَوْ سَلَّمْنا أنَّ الادِّراكَ هو الرُّؤْيَةُ المُطْلَقَةُ وأنَّ (ألْ) لِلِاسْتِغْراقِ وأنَّ الكَلامَ لِعُمُومِ السَّلْبِ؛ لَكِنْ لا نُسَلِّمُ عُمُومَهُ في الأحْوالِ والأوْقاتِ أيْ لا نُسَلِّمُ أنَّها دائِمَةٌ لِجَوازَ أنْ يَكُونَ المُرادِ نَفِيَ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا كَما يُرْوى تَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ

ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ فَقالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: يا مُوسى إنَّهُ

صفحة 246

لا يَرانِي حَيٌّ إلّا ماتَ ولا يابِسٌ إلّا تَدَهْدَهَ ولا رَطْبٌ إلّا تَفَرَّقَ وإنَّما يَرانِي أهْلُ الجَنَّةِ الَّذِينَ لا تَمُوتُ أعْيُنُهم ولا تَبْلى أجْسادُهم» قَوْلُهم بَلْ هي دائِمَةٌ لِأنَّ قَوْلَكَ: فَلانٌ تُدْرِكُهُ الأبْصارُ؛ لا يُفِيدُ عُمُومَ الأوْقاتِ فَلا بُدَّ أنَّ يُفِيدَهُ ما يُقابِلُهُ، قُلْنا هَذا لا يَتِمُّ إلّا إذا وجَبَ أنْ يَكُونَ التَّقابُلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى تُدْرِكُهُ الأبْصارُ و﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ تَقابُلُ تَناقُضٍ ولا مُوجِبَ لِذَلِكَ لا عَقْلِيًّا ولا لُغَوِيًّا ولا شَرْعِيًّا: أمّا الأوَّلُ فَلِأنّا إذا وجَدْنا قَضِيَّةً مُوجِبَةً مُطْلَقَةً جازَ أنْ يُقابِلَها سالِبَةٌ دائِمَةٌ مُطْلَقَةٌ وأنْ يُقابِلَها سالِبَةٌ دائِمَةٌ ولا تَتَعَيَّنُ الدّائِمَةُ الصّادِقَةُ إلّا إذا كانَتِ المُطْلَقَةُ كاذِبَةً قَطْعًا لَكِنَّ كَذِبَ المُطْلَقَةِ هَهُنا أوَّلُ البَحْثِ وعَيْنُ المُتَنازَعِ فِيهِ؛ فَلا يَجُوزُ أنَّ يُبْنى كَوْنُ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ دائِمَةً عَلى كَذِبِ هَذِهِ المُطْلَقَةِ أعْنِي اللَّهَ تَعالى يُدْرِكُهُ الأبْصارُ مُرادًا بِها أبْصارُ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ والمَوْقِفِ لِأنَّهُ مُصادَرَةٌ عَلى المَطْلُوبِ المُسْتَلْزِمِ لِلدَّوْرِ. وأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ الجُمْلَةَ ثُبُوتِيَّةٌ كانَتْ أوْ مَنفِيَّةً تُسْتَعْمَلُ بِحَسْبِ المَقاماتِ تارَةً في الِإطْلاقِ وتارَةً في الدَّوامِ ولَيْسَ يَجِبُ في اللُّغَةِ أنا إذا وجَدْنا جُمْلَةً مُثْبَتَةً اسْتُعْمِلَتْ في مَقامٍ ما في مَعْنى الِإطْلاقِ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ المُقابِلَةُ لَها مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى الدَّوامِ البَتَّةَ بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ المَقاماتِ وقَصْدِ المُسْتَعْمِلِينَ لَها وهو ظاهِرٌ جِدًّا. وأمّا الثّالِثُ: فَلِأنَّ المُطْلَقَةَ المَذْكُورَةَ بِالمَعْنى السّابِقِ عَيْنُ المُتَنازَعِ فِيهِ بَيْنَنا وبَيْنَ المُعْتَزِلَةِ شَرَعًا؛ فَنَحْنُ نَقُولُ إنَّها صادِقَةٌ شَرْعًا ونَحْتَجُّ عَلَيْها بِالعَقْلِ والنَّقْلِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ وكُلَّما كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ دائِمَةً دَفْعًا لِلتَّناقُضِ فَتَكُونُ إمّا مُطْلَقَةً عامَّةً أوْ وقْتِيَّةً مُطْلَقَةً، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا تَناقُضَ لِانْتِفاءِ اتِّحادِ الزَّمانِ فَيَصْدُقُ: اللَّهُ تَعالى تُدْرِكُهُ الأبْصارُ أيْ أبْصارُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ مَثَلًا أوْ وقْتَ تَجَلِّيهِ في نُورِهِ الَّذِي لا يَذْهَبُ بِالأبْصارِ، اللَّهُ تَعالى لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ أيْ في الدُّنْيا بِالقَيْدِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ سابِقًا أوْ وقْتَ تَجَلِّيهِ بِنُورِهِ الَّذِي يَذْهَبُ بِالأبْصارِ وهو النُّورُ الشَّعْشَعانِيُّ المُشارُ إلَيْهِ في الحَدِيثِ الوارِدِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ: «لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ» وإلى هَذا التَّقْيِيدِ يُشِيرُ ثانِي تَفْسِيرَيِ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَقَدِّمُ أوَّلُهُما

فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ قالَ: «رَأى مُحَمَّدٌ ﷺ رَبَّهُ فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةَ: ألَيْسَ اللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ فَقالَ: لا أُمَّ لَكَ ذاكَ نُورُهُ الَّذِي هو نُورُهُ إذا تَجَلّى بِنُورِهِ لا يُدْرِكُهُ شَيْءٌ» الحَدِيثَ، وبِإثْباتِ هَذَيْنِ النُّورَيْنِ يُجْمَعُ بَيْنَ جَوابَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأبِي ذَرٍّ حَيْثُ سَألَهُ «هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ فَقالَ في أحَدِ جَوابَيْهِ: ”نُور أنّي أراهُ“» وفي الجَوابِ الآخَرِ: «رَأيْتُ نُورًا» فَيُقالُ النُّورُ الَّذِي نَفى رُؤْيَتَهُ في الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِـ (أنّى) هو نُورُهُ أعْنِي النُّورَ الَّذِي يَذْهَبُ بِالأبْصارِ ولا يَقُومُ لَهُ بَصَرٌ، والنُّورُ الَّذِي أثْبَتَ رُؤْيَتَهُ هو النُّورُ الَّذِي لا يَذْهَبُ بِالأبْصارِ

وكَذا يُمْكِنُ حَمْلُ «قَوْلِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأى رَبَّهُ سُبْحانَهُ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الفِرْيَةَ،» واسْتِشْهادُها لِذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا بِأنْ يُقالَ: أرادَتْ مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَأى رَبَّهُ سُبْحانَهُ في نُورِهِ الَّذِي هو نُورُهُ الَّذِي يَذْهَبُ بِالأبْصارِ فَقَدْ أعْظَمَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الفِرْيَةَ؛ ويَكُونُ الِاسْتِشْهادُ بِالآيَةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن ثانِي تَفْسِيرَيْهِ، وحِينَئِذٍ لا يَتِمُّ لِلْمُعْتَزِلَةِ دَعْوى كَوْنِ (تُدْرِكُهُ الأبْصارُ) دائِمَةً إلّا إذا كانَتْ هَذِهِ المُطْلَقَةُ كاذِبَةً شَرْعًا وهو عَيْنُ المُتَنازَعِ فِيهِ كَما عَرَفْتَ فَلَمْ يَبْقَ لَهم عَلى دَعْوى الدَّوامِ دَلِيلٌ أصْلًا

وقَدْ يُقالُ أيْضًا المُرادُ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ وقْتَ عَدَمِ إذْنِ اللَّهِ تَعالى لِلْإبْصارِ بِالِادِّراكِ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ إرادَةِ هَذا القَيْدِ هو أنْ إرادَةَ الإبْصارِ فِعْلٌ مِن أفْعالِ العَبِيدِ وكَسْبٌ مِن كَسْبِهِمْ وقَدْ ثَبَتَ بِغَيْرِ ما دَلِيلٍ أنَّ العِبادَ

صفحة 247

لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ ما مِنَ المَقْدُوراتِ إلّا بِإذْنِهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ وتَمْكِينِهِ فَلا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ إلّا بِإذْنِهِ وهو المَطْلُوبُ

ويُؤَيِّدُ هَذا البَيانَ ويُشَيِّدُ أرْكانَهُ أنَّ ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ وقَعَ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ ووَجْهُ التَّأْيِيدِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٍ أيِّ مُتَوَلٍّ لِأُمُورِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأبْصارَ مِنَ الأشْياءِ وأنَّ ادِّراكَها مِن أُمُورِها فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى مُتَوَلِّيها ومُتَصَرِّفٌ فِيها عَلى حَسَبِ مَشِيئَتِهِ فَيَفِيضُ عَلَيْها الِادِّراكَ ويَأْذَنُ لَها إذا شاءَ كَيْفَ شاءَ وعَلى الحَدِّ الَّذِي شاءَ، ويَقْبِضُ عَنْها الِادِّراكَ قَبْضًا كُلِّيًّا أوْ جُزْئِيًّا في أيِّ وقْتٍ شاءَ كَيْفَ شاءَ، ولا يَخْفى عَلى هَذا أنَّهُ غايَةُ التَّمَدُّحِ بِالعِزَّةِ والقَهْرِ والغَلَبَةِ فَإنَّ مَن هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٍ إذا لَمْ تُدْرِكْهُ الأبْصارُ إلّا بِإذْنِهِ مَعَ كَوْنِهِ يُدْرِكُ الأبْصارَ ولا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ كانَ ذَلِكَ غايَةً في عِزَّتِهِ وقَهْرِهِ وكَوْنِهِ غالِبًا عَلى أمْرِهِ

وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الآيَةَ لِمْ تُسَقْ لِلتَّمَدُّحِ وإنَّما سِيقَتْ لِلتَّخْوِيفِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ رَقِيبٌ مِن حَيْثُ لا يُرى فَلْيُحْذَرْ، وهو ظاهِرٌ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِلْوَكِيلِ. الرّابِعُ مِنَ الوُجُوهِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ عَلى الوَجْهِ المُعْتادِ في رُؤْيَةِ المَحْسُوساتِ المَشْرُوطَةِ التِّسْعَةِ العادِيَّةِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ آخِرُ الآيَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ نَفْيَ الخاصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ العامِّ فَلا يَلْزَمُ عَلى هَذا مِنَ الآيَةِ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا. الخامِسُ: ما قِيلَ: أنّا لَوْ سَلَّمْنا لِلْخَصْمِ ما أرادَ نَقُولُ إنَّ الآيَةَ إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّ الأبْصارَ لا تُدْرِكُهُ ونَحْنُ نَقُولُ بِهِ ونَدَّعِي أنَّ ذَوِي الأبْصارِ يُدْرِكُونَهُ، والِاعْتِراضُ بِأنَّهُ كَما أنَّ الأبْصارَ لا تُدْرِكُهُ فَكَذَلِكَ لا يُدْرِكُهُ غَيْرُها فَلا فائِدَةَ لِلتَّخْصِيصِ مَدْفُوعٌ بِأنَّهُ إنَّما يَلْزَمُ انْتِفاءُ الفائِدَةِ أنْ لَوِ انْحَصَرَتْ في نَفْيِ حُكْمِ المَنطُوقِ عَلى المَسْكُوتِ وهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ ولَعَلَّهُ كانَ بِخُصُوصِ سُؤالِ سائِلٍ عَنْهُ دُونَ غَيْرِهِ أوْ لِمَعْنًى آخَرَ

السّادِسُ: أنّا سَلَّمْنا أنَّ المُرادَ لا يُدْرِكُهُ المُبْصِرُونَ بِأبْصارِهِمْ لَكِنَّهُ لا يُفِيدُ المَطْلُوبَ أيْضًا لِجَوازِ حُصُولِ إدْراكِ اللَّهِ تَعالى بِحاسَّةٍ سادِسَةٍ مُغايِرَةٍ لِهَذِهِ الحَواسِّ كَما يَدَّعِيهِ ضِرارُ بْنُ عَمْرٍو الكُوفِيُّ، فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرى بِالعَيْنِ وإنَّما بِحاسَّةٍ سادِسَةٍ يَخْلُقُها سُبْحانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: إنَّها دَلَّتْ عَلى تَخْصِيصِ نَفْيِ إدْراكِ اللَّهِ تَعالى بِالبَصَرِ؛ وتَخْصِيصُ الحُكْمِ بِالشَّيْءِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحالَ في غَيْرِهِ بِخِلافِهِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إدْراكُ اللَّهِ تَعالى بِغَيْرِ البَصَرِ جائِزًا في الجُمْلَةِ، ولِما ثَبَتَ أنَّ سائِرَ الحَواسِّ المَوْجُودَةِ الآنَ لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ يَوْمَ القِيامَةِ حاسَّةً سادِسَةً بِها تَحْصُلُ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى وإدْراكُهُ، اهـ

ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الِاطِّلاعَ عَلى كُنْهِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى مُمْتَنِعٌ بِناءً عَلى أنَّ الأبْصارَ جَمْعُ بَصَرٍ بِمَعْنى البَصِيرَةِ وقَرَّرَهُ كَما قَرَّرَ المُعْتَزِلَةُ اسْتِدْلالَهم عَلى امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ وفِيهِ ما فِيهِ. نَعَمِ احْتِمالُ حَمْلِ البَصَرِ عَلى البَصِيرَةِ مِمّا يُوهِنُ اسْتِدْلالَ المُعْتَزِلَةِ كَما لا يَخْفى، ولَهم في هَذا المَطْلَبِ أدِلَّةٌ أُخْرى نَقْلِيَّةٌ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى الكَلامُ عَلى بَعْضِها، وعَقْلِيَّةٌ قَدْ عَقَلَها القَوْمُ في مَعاطِنِ البُطْلانِ. ولَعَلَّ النَّوْبَةَ تُفْضِي إلى تَسْرِيحِ بِعَمْلاتِ الأقْلامِ في رِياضِ تَحْقِيقِ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى المَلِكُ العَلّامُ فَمِنهُ التَّوْفِيقُ لِادِّراكِ أبْصارِ الأفْهامِ مَخْفِيّاتِ الأسْرارِ وفَلْقِ صَباحِ الحَقِّ بِسَواطِعِ الأنْوارِ ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ أيْ يَراها عَلى وجْهِ الإحاطَةِ أوْ يُحِيطُ بِها عِلْمًا أوْ عِلْمًا ورُؤْيَةً كَما قِيلَ، وذَكَرَ الآمِدِيُّ أنَّ البَصْرِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ ذَهَبُوا إلى أنَّ ادِّراكَ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى

صفحة 248

الرُّؤْيَةِ وأنَّ البَغْدادِيِّينَ مِنهم ذَهَبُوا إلى أنَّها بِمَعْنى العِلْمِ لا بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ، والمُرادُ بِالأبْصارِ هُنا عَلى ما قَرَّرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ النُّورُ الَّذِي تُدْرَكُ بِهِ المُبْصَراتُ فَإنَّهُ لا يُدْرِكُهُ مُدْرِكٌ بِخِلافِ جِرْمِ العَيْنِ فَإنَّهُ يَرى. ولَعَلَّ هَذا هو السِّرُّ في الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ، وجُوِّزَ أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّ كُلَّ عَيْنٍ لا تَرى نَفْسَها ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾

103

- فَيُدْرِكُ سُبْحانَهُ ما لا يُدْرِكُهُ الأبْصارُ فالجُمْلَةُ سِيقَتْ لِوَصْفِهِ تَعالى بِما يَتَضَمَّنُ تَعْلِيلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (وهُوَ) إلَخْ

وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ ما ذُكِرَ مِن بابِ اللَّفِّ فَإنَّ اللَّطِيفَ يُناسِبُ كَوْنَهُ غَيْرَ مُدْرَكٍ بِالفَتْحِ، والخَبِيرُ يُناسِبُ كَوْنَهُ تَعالى مُدْرِكًا بِالكَسْرِ. واللَّطِيفُ مُسْتَعارٌ مِن مُقابِلِ الكَثِيفِ لِما لا يُدْرِكُهُ بِالحاسَّةِ مِنَ الشَّيْءِ الخَفِيِّ

ويُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ البَهائِيِّ -كَما قالَ الشِّهابُ- أنَّهُ لا اسْتِعارَةَ في ذَلِكَ حَيْثُ قالَ في شَرْحِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى الحُسْنى: اللَّطِيفُ الَّذِي يُعامِلُ عِبادَهُ بِاللُّطْفِ وألْطافُهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا تَتَناهى ظَواهِرُها وبَواطِنُها في الأُولى والأُخْرى ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾، وقِيلَ: اللَّطِيفُ العَلِيمُ بِالغَوامِضِ والدَّقائِقِ مِنَ المَعانِي والحَقائِقِ؛ ولِذا يُقالُ لِلْحاذِقِ في صَنْعَتِهِ: لِطَيْفٌ

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّطافَةِ المُقابِلَةِ لِلْكَثافَةِ وهو وإنْ كانَ في ظاهِرِ الِاسْتِعْمالِ مِن أوْصافِ الجِسْمِ لَكِنَّ اللَّطافَةَ المُطْلَقَةَ لا تُوجَدُ في الجِسْمِ لِأنَّ الجِسْمِيَّةَ يَلْزَمُها الكَثافَةُ وإنَّما لَطافَتُها بِالإضافَةِ، فاللَّطافَةُ المُطْلَقَةُ لا يَبْعُدُ أنْ يُوصَفَ بِها النُّورُ المُطْلَقُ الَّذِي يَجِلُّ عَنِ ادِّراكِ البَصائِرِ فَضْلًا عَنِ الأبْصارِ ويَعِزُّ عَنْ شُعُورِ الأسْرارِ فَضْلًا عَنِ الأفْكارِ ويَتَعالى عَنْ مُشابَهَةِ الصُّوَرِ والأمْثالِ ويُنَزَّهُ عَنْ حُلُولِ الألْوانِ والأشْكالِ فَإنَّ كَما اللَّطافَةَ إنَّما يَكُونُ لِمَن هَذا شَأْنُهُ ووَصْفُ الغَيْرِ بِها لا يَكُونُ عَلى الِإطْلاقِ بَلِ بِالقِياسِ إلى ما هو دُونَهُ في اللَّطافَةِ ويُوصَفُ إلَيْهِ بِالكَثافَةِ، انْتَهى. والمُرَجَّحُ أنَّ إطْلاقَ اللَّطِيفِ بِمَعْنى مُقابِلِ الكَثِيفِ عَلى ما يَنْساقُ إلى الذِّهْنِ عَلى اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ أصْلًا كَما لا يَخْفى

6:104Page 141

قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ١٠٤

There has come to you enlightenment from your Lord. So whoever will see does so for [the benefit of] his soul, and whoever is blind [does harm] against it. And [say], "I am not a guardian over you."1

﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقُلْ مُقَدَّرَةٌ كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، والبَصائِرُ جَمْعُ بَصِيرَةٍ وهي لِلْقَلْبِ كالبَصَرِ لِلَّعِينِ، والمُرادُ بِها الآياتُ الوارِدَةُ هَهُنا أوْ جَمِيعُ الآياتِ ويَدْخُلُ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا و(مَن) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِجاءَ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ (بَصائِرَ) والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإظْهارِ كَمالِ اللُّطْفِ بِهِمْ أيْ قَدْ جاءَكم مِن جِهَةِ مالِكِكم ومُبَلِّغِكم إلى كَمالِكُمُ اللّائِقِ بِكم مِنَ الوَحْيِ النّاطِقِ بِالحَقِّ والصَّوابِ ما هو كالبَصائِرِ لِلْقُلُوبِ أوْ قَدْ جاءَكم بَصائِرُ كائِنَةً مِن رَبِّكم ﴿فَمَن أبْصَرَ﴾ أيِ الحَقَّ بِتِلْكَ البَصائِرِ وآمَنَ بِهِ ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ فَلِنَفْسِهِ أبْصَرَ كَما نُقِلَ عَنِ الكَلْبِيِّ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أوْ فَإبْصارُهُ لِنَفْسِهِ كَما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ لِما سَتَعْلَمُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى

والمُرادُ عَلى القَوْلَيْنِ أنَّ نَفْعَ ذَلِكَ يَعُودُ إلَيْهِ ﴿ومَن عَمِيَ﴾ أيْ ومَن لَمْ يُبْصِرِ الحَقَّ بَعْدَما ظَهَرَ لَهُ بِتِلْكَ البَصائِرِ ظُهُورًا بَيِّنًا وضَلَّ عَنْهُ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِالعَمى تَنْفِيرًا عَنْهُ ﴿فَعَلَيْها﴾ عَمًى أوْ فَعَماهُ عَلَيْها أيْ وبالُ ذَلِكَ عَلَيْها، وهُما قَوْلانِ لِمَن تَقَدَّمَ. وذَكَرَ أبُو حَيّانَ أنَّ تَقْدِيرَ المَصْدَرِ أوْلى لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المَحْذُوفَ يَكُونُ مُفْرَدًا لا جُمْلَةً ويَكُونُ الجارُّ والمَجْرُورُ عُمْدَةً لا فَضْلَةَ. والثّانِي أنَّهُ لَوْ كانَ المُقَدَّرُ فِعْلًا لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ سَواءً كانَتْ (مَن) شَرْطِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً لِامْتِناعِها في الماضِي. وتُعُقِّبَ بِأنَّ تَقْدِيرَ الفِعْلِ يَتَرَجَّحُ لِتَقَدُّمِ فِعْلٍ مَلْفُوظٍ بِهِ وكانَ أقْوى في الدَّلالَةِ، وأيْضًا أنَّ في تَقْدِيرِهِ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ المُؤْذِنِ بِالِاخْتِصاصِ، وأيْضًا ما ذُكِرَ في الوَجْهِ الثّانِي غَيْرُ لازِمٍ

صفحة 249

لِأنَّهُ لا يُقَدَّرُ الفِعْلُ مُولِيًا لِفاءِ الجَوابِ بَلْ قُدِّرَ مَعْمُولُ الفِعْلِ الماضِي مُقَدَّمًا ولا بُدَّ فِيهِ مِنَ الفاءِ فَلَوْ قُلْتَ: مَن أكْرَمَ زَيْدًا فَلِنَفْسِهِ أكْرَمَهُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الفاءِ. نَعَمْ لَمْ يُعْهَدْ تَعْدِيَةُ (عَمِيَ) بِـ (عَلى) وهو لازِمُ التَّقْدِيرِ السّابِقِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ وكَأنَّهُ لِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ بَعْضُهم بَعْدَ أنْ وافَقَ في الأوَّلِ إلى قَوْلِهِ: (فَعَلَيْها) وبالُهُ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾

104

وإنَّما أنا مُنْذِرٌ واللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَحْفَظُ أعْمالَكم ويُجازِيكم عَلَيْها

6:105Page 141

وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسۡتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١٠٥

And thus do We diversify the verses so they [i.e., the disbelievers] will say, "You have studied,"1 and so We may make it [i.e., the Qur’ān] clear for a people who know.

﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ البَدِيعِ ﴿نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ الدّالَّةَ عَلى المَعانِي الرّائِقَةِ الكاشِفَةِ عَنِ الحَقائِقِ الفائِقَةِ لا تَصْرِيفًا أدْنى مِنهُ

وقِيلَ: المُرادُ كَما صَرَّفْنا الآياتِ قَبْلُ نُصَرِّفُ هَذِهِ الآياتِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ ما هو الحَرِيُّ بِالقَبُولِ. وأصْلُ التَّصْرِيفِ -كَما قالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى - إجْراءُ المَعْنى الدّائِرِ في المَعانِي المُتَعاقِبَةِ مِنَ الصَّرْفِ وهو نَقْلُ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ

وقالَ الرّاغِبُ: التَّصْرِيفُ كالصَّرْفِ إلّا في التَّكْثِيرِ وأكْثَرُهُ ما يُقالُ في صَرْفِ الشَّيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ وأمْرٍ إلى أمْرٍ

﴿ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ قَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ أيْ ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ نَفْعَلُ ما نَفْعَلُ مِنَ التَّصْرِيفِ المَذْكُورِ وبَعْضُهم قَدَّرَ الفِعْلَ ماضِيًا والأمْرُ في ذَلِكَ سَهْلٌ. واللّامُ لامُ العاقِبَةِ

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ عَلى الحَقِيقَةِ لِأنَّ نُزُولَ الآياتِ لِإضْلالِ الأشْقِياءِ وهِدايَةِ السُّعَداءِ، قالَ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، وقِيلَ: هي عاطِفَةٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ. واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (نُصْرِّفُ) أيْ مِثْلَ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ نُصَرِّفُ الآياتِ لِتَلْزَمَهُمُ الحُجَّةُ ولِيَقُولُوا إلَخْ وهو أوْلى مِن تَقْدِيرِ لِيُنْكِرُوا ولِيَقُولُوا إلَخْ، وقِيلَ: اللّامُ لامُ الأمْرِ ويَنْصُرُهُ القِراءَةُ بِسُكُونِ اللّامِ كَأنَّهُ قِيلَ: وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولْيَقُولُوا هم كَما يَقُولُونَ فَإنَّهم لا احْتِفالَ بِهِمْ ولا اعْتِدادَ بِقَوْلِهِمْ، وهو أمْرٌ مَعْناهُ الوَعِيدُ والتَّهْدِيدُ وعَدَمُ الِاكْتِراثِ. ورَدُّهُ في الدُّرِّ المَصُونِ بِأنَّ ما بَعْدَهُ يَأْباهُ فَإنَّ اللّامَ فِيهِ نَصٌّ في أنَّها لامُ كَيْ، وتَسْكِينُ اللامِ في القِراءَةِ الشّاذَّةِ لا دَلِيلَ فِيهِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ لِلتَّخْفِيفِ. ومَعْنى ﴿دَرَسْتَ﴾ قَرَأْتَ وتَعَلَّمْتَ، وأصْلُهُ -عَلى ما قالَ الأصْمَعِيُّ - مِن قَوْلِهِمْ: دَرَسَ الطَّعامَ يَدْرُسُهُ دِراسًا إذا داسَهُ كَأنَّ التّالِي يَدُوسُ الكَلامَ فَيَخِفُّ عَلى لِسانِهِ

وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: يُقالُ دَرَسْتُ الكِتابَ أيْ ذَلَّلْتُهُ بِكَثْرَةِ القِراءَةِ حَتّى خَفَّ حِفْظُهُ مِن قَوْلِهِمْ: دَرَسْتُ الثَّوْبَ أدْرُسُهُ دَرْسًا فَهو مَدْرُوسٌ ودَرِيسٌ أيْ أخْلَقْتُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلثَّوْبِ الخَلِقِ: دَرِيسٌ لِأنَّهُ قَدْ لانَ، والدِّرْسَةُ الرِّياضَةُ، ومِنهُ دَرَسْتُ السُّورَةَ حَتّى حَفِظْتُها. وهَذا كَما قالَ الواحِدِيُّ قَرِيبٌ مِمّا قالَهُ الأصْمَعِيُّ أوْ هو نَفْسُهُ لِأنَّ المَعْنى يَعُودُ فِيهِ إلى التَّذْلِيلِ والتَّلْيِينِ. وقالَ الرّاغِبُ: يُقالُ دَرَسَ الدّارَ أيْ بَقِيَ أثَرُهُ وبَقاءُ الأثَرِ يَقْتَضِي انْمِحاءَهُ في نَفْسِهِ فَلِذَلِكَ فُسِّرَ الدُّرُوسُ بِالِانْمِحاءِ، وكَذا دَرَسَ الكِتابَ ودَرَسْتُ العِلْمَ تَناوَلْتُ أثَرَهُ بِالحِفْظِ، ولَمّا كانَ تَناوُلُ ذَلِكَ بِمُداوَمَةِ القِراءَةِ عَبَّرَ عَنْ إدامَةِ القِراءَةِ بِالدَّرْسِ، وهو بَعِيدٌ عَمّا تَقَدَّمَ كَما لا يَخْفى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (دارَسْتَ) بِالألْفِ وفَتْحِ التّاءِ وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أيْ دارَسْتَ يا مُحَمَّدُ غَيْرَكَ مِمَّنْ يَعْلَمُ الأخْبارَ الماضِيَةَ وذَكَّرْتَهُ، وأرادُوا بِذَلِكَ نَحْوَ ما أرادُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ . قالَ الإمامُ: ويُقَوِّي هَذِهِ القِراءَةَ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿إنْ هَذا إلا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ وسَهْلٌ (دَرَسَتْ) بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ التّاءِ، ورُوِيَتْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وأُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ والحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ

والمَعْنى قَدِمَتْ هَذِهِ الآياتُ وعَفَتْ وهو كَقَوْلِهِمْ: (أساطِيرُ الأوَّلِينَ) . وقُرِئَ (دَرُسْتَ) بِضَمِّ الرّاءِ مُبالَغَةً في

صفحة 250

دَرَسْتَ لِأنَّ فِعْلَ المَضْمُومِ لِلطَّبائِعِ والغَرائِزِ أيِ اشْتَدَّ دُرُوسُها، و(دُرِسَتْ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى قُرِئَتْ أوْ عُفِيَتْ. وقَدْ صَحَّ مَجِيءُ عَفا مُتَعَدِّيًا كَمَجِيئِهِ لازِمًا؛ و(دارَسَتْ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ أيْضًا. والضَّمِيرُ إمّا لِلْيَهُودِ لِاشْتِهارِهِمْ بِالدِّراسَةِ أيْ دارَسَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وإمّا لِلْآياتِ وهو في الحَقِيقَةِ لِأهْلِها أيْ دارَسَتْ أهْلَ الآياتِ وحَمَلَتْها مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم أهْلُ الكُتّابِ و دُرِسَتْ عَلى مَجْهُولِ فاعِلٍ ودُرِسَتْ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ والإسْنادِ إلى تاءِ الخِطابِ مَعَ التَّشْدِيدِ ونُسِبَتْ إلى ابْنِ زَيْدٍ وادّارَسْتَ مُشَدَّدًا مَعْلُومًا ونُسِبَتْ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْ أُبَي دَرس عَلى إسْنادِهِ إلى ضَمِيرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوِ الكِتابِ بِمَعْنى انْمَحى ونَحْوُهُ ودَرَسْنَ بِنُونِ الإناثِ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا و دارِساتٌ بِمَعْنى قَدِيماتٍ أوْ ذاتِ دَرْسٍ أوْ دُرُوسٍ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ وارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي دارِساتٌ (ولِنُبَيِّنَهُ) عَطْفٌ عَلى (لِيَقُولُوا) واللّامُ فِيهِ لِلتَّعْلِيلِ المُفَسِّرِ بِبَيانِ ما يَدُلُّ عَلى المَصْلَحَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الفِعْلِ عِنْدَ الكَثِيرِ مِن أهْلِ السُّنَّةِ. ولا رَيْبَ في أنَّ التَّبْيِينَ مَصْلَحَةٌ مُرَتَّبَةٌ عَلى التَّصْرِيفِ. والخِلافُ في أنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى هَلْ تُعَلَّلُ بِالأغْراضِ مَشْهُورٌ؛ وقَدْ أشَرْنا إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ. والضَّمِيرُ لِلْآياتِ بِاعْتِبارِ التَّأْوِيلِ بِالكِتابِ أوْ لِلْقُرْآنِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا أوْ لِمَصْدَرِ (نُصَرِّفُ) كَما قِيلَ أوْ نُبَيِّنُ أيْ ولَنَفْعَلَنَّ التَّبْيِينَ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

105

- فَإنَّهَمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ وهو الوَجْهُ في تَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ. وهم -عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ-: أوْلِياؤُهُ الَّذِينَ هَداهم إلى سَبِيلِ الرَّشادِ ووَصَفَهم بِالعِلْمِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ جَهْلِ غَيْرِهِمْ وخُلُوِّهِمْ عَنِ العِلْمِ بِالمَرَّةِ.

6:106Page 141

ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٦

Follow, [O Muḥammad], what has been revealed to you from your Lord - there is no deity except Him - and turn away from those who associate others with Allāh.

﴿اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ التَّدَيُّنِ بِما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ الَّتِي عَمْدَتُها التَّوْحِيدُ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ ﷺ مالا يَخْفى. والجارُّ والمَجْرُورُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِـ (أُوحِيَ)، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ المَرْفُوعِ فِيهِ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن مَرْجِعِهِ

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أكَّدَ بِهِ إيجابَ الِاتِّباعِ لا سِيَّما في أمْرِ التَّوْحِيدِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ حالًا مُؤَكِّدَةً ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ مُنْفَرِدًا في الأُلُوهِيَّةِ ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾

106

- أيْ لا تَعْتَدَّ بِأقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم آنِفًا ولا تُبالِ بِها ولا تَلْتَفِتْ إلى أذاهم وعَلى هَذا فَلا نَسْخَ في الآيَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ فَيَكُونُ الإعْراضُ مَحْمُولًا عَلى ما يَعُمُّ الكَفَّ عَنْهُمْ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском