Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:135–139
6:135Page 145
قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١٣٥
Say, "O my people, work according to your position; [for] indeed, I am working. And you are going to know who will have succession in the home.1 Indeed, the wrongdoers will not succeed."
﴿قُلْ يا قَوْمِ﴾ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُواجِهَ الكَفّارَ بِتَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ وتَكْرِيرِ الوَعِيدِ ويُظْهِرَ لَهم ما هو عَلَيْهِ مِن غايَةِ التَّصَلُّبِ في الدِّينِ ونِهايَةِ الوُثُوقِ بِأمْرِهِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ أصْلًا إثْرَ ما بَيَّنَ لَهم حالَهم ومَآلَهم أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ عَلى غايَةِ تَمَكُّنِكم واسْتِطاعَتِكم عَلى أنَّ المَكانَةَ مَصْدَرُ مَكَّنَ إذْ تَمَكَّنَ أبْلَغُ التَّمَكُّنِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا بِمَعْنى المَكانِ كالمَقامِ والمَقامَةِ ومِن هُنا فَسَرَّهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما رَواهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ بِالنّاحِيَةِ وتَجَوَّزُ بِهِ عَنْ ذَلِكَ مَن فَسَّرَهُ بِالحالَةِ أيِ اعْمَلُوا عَلى حالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( مَكاناتِكم ) عَلى الجَمْعِ في كُلِّ القُرْآنِ وزَعَمَ الواحِدِيُّ أنَّ الوَجْهَ الإفْرادُ وفِيهِ نَظَرٌ والمَعْنى اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم ومُعاداتِكم لِي ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ عَلى مَكانَتِي أيْ ثابِتٌ عَلى الإسْلامِ وعَلى مُصابَرَتِكم.
صفحة 31
والأمْرُ بِالتَّهْدِيدِ وإيرادُهُ بِصِيغَةِ الأمْرِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مُبالَغَةٌ في الوَعِيدِ كَأنَّ المُهَدِّدَ يُرِيدُ تَعْذِيبَهُ مَجْمِعًا عازِمًا عَلَيْهِ فَيَحْمِلُهُ بِالأمْرِ عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ وتَسْجِيلٌ بِأنَّ المُهَدِّدَ لا يَتَأتّى مِنهُ إلّا الشَّرُّ كالمَأْمُورِ بِهِ الَّذِي لا يَقْدِرُ أنْ يَتَفَصّى عَنْهُ وجَعَلَ العَلّامَةُ الثّانِي ذَلِكَ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ تَشْبِيهًا لِذَلِكَ المَعْنى بِالمَعْنى المَأْمُورِ بِهِ الواجِبِ الَّذِي لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ ضُرِبَتْ عَلَيْهِ الشِّقْوَةُ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أيْ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ فَسَوْفَ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ والعِلْمُ عِرْفانِيٌّ فَيَتَعَدّى إلى واحِدٍ ومَنِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلَّقَةٌ لِفِعْلِ العِلْمِ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرُها ومَجْمُوعُهُما سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولِ العِلْمِ.
والمُرادُ بِالدّارِ الدُّنْيا لا دارَ السَّلامِ كَما قِيلَ وبِالعاقِبَةِ العاقِبَةُ الحُسْنى أيْ عاقِبَةُ الخَيْرِ لِأنَّها الأصْلُ فَإنَّهُ تَعالى جَعَلَ الدُّنْيا مَزْرَعَةَ الآخِرَةِ وقَنْطَرَةَ المَجازِ إلَيْها وأرادَ مِن عِبادِهِ أعْمالَ الخَيْرِ لِيَنالُوا حُسْنَ الخاتِمَةِ.
وأمّا عاقِبَةُ الشَّرِّ فَلا اعْتِدادَ بِها لِأنَّها مِن نَتائِجِ تَحْرِيفِ الفُجّارِ أيْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّنا تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ الحُسْنى الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الدّارَ لَها ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً فَمَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولُ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ الَّذِي لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ وفِيهِ مَعَ الإنْذارِ المُسْتَفادِ مِنَ التَّهْدِيدِ إنْصافٌ في المَقالِ وتَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ وُثُوقِ المُنْذِرِ بِأمْرِهِ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( يَكُونُ ) بِالتَّحْتِيَّةِ لِأنَّ تَأْنِيثَ العاقِبَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الشَّأْنُ ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ (135) أيْ لا يَظْفَرُوا بِمَطْلُوبِهِمْ وإنَّما وُضِعَ الظُّلْمُ مَوْضِعَ الكَفْرِ لِأنَّهُ أعَمُّ مِنهُ وهو أكْثَرُ فائِدَةً لِأنَّهُ إذا لَمْ يُفْلِحِ الظّالِمُ فَكَيْفَ الكافِرُ المُتَّصِفُ بِأعْظَمِ أفْرادِ الظُّلْمِ.
6:136Page 145
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلۡحَرۡثِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ نَصِيبٗا فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعۡمِهِمۡ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَاۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمۡ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمۡۗ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ١٣٦
And they [i.e., the polytheists] assign to Allāh from that which He created of crops and livestock a share and say, "This is for Allāh," by their claim, "and this is for our 'partners' [associated with Him]." But what is for their "partners" does not reach Allāh, while what is for Allāh - this reaches their "partners." Evil is that which they rule.
﴿وجَعَلُوا﴾ أيْ مُشْرِكُو العَرَبِ ﴿لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ﴾ أيْ خَلَقَ قالَ الرّاغِبُ: الذَّرْءُ إظْهارُ اللَّهِ تَعالى ما أبْدَعَهُ يُقالُ: ذَرَأ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ أيْ أوْجَدَ أشْخاصَهم وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: الذَّرْءُ الخَلْقُ عَلى وجْهِ الِاخْتِراعِ وأصْلُهُ الظُّهُورُ ومِنهُ مُلِحٌّ ذَرانِيٌّ لِظُهُورِ بَياضِهِ ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِجَعَلَ وما مَوْصُولَةٌ وجُمْلَةُ ذَرَأ صِلَتُهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِذَرَأ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مِمّا مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَصِيبًا﴾ وأنْ يَكُونَ ﴿مِنَ الحَرْثِ﴾ حالًا أيْضًا مِن ما أوْ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ و﴿نَصِيبًا﴾ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ مَفْعُولُ جَعَلَ وهو مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا لِاثْنَيْنِ أوَّلُهُما ﴿مِمّا ذَرَأ﴾ عَلى أنَّ مِن تَبْعِيضِيَّةٌ وثانِيهِما ﴿نَصِيبًا﴾ وقِيلَ: الأمْرُ بِالعَكْسِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُساعِدُ سَدادَ المَعْنى وأيًّا ما كانَ فَهَذا شُرُوعٌ في تَقْبِيحِ أحْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ بِحِكايَةِ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمُ الشَّنِيعَةِ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: إنَّهم كانُوا إذا حَرَثُوا حَرْثًا أوْ كانَتْ لَهم ثَمَرَةٌ جَعَلُوا لِلَّهِ تَعالى مِنهُ جُزْءًا وجُزْءًا لِلْوَثَنِ فَما كانَ مِن حَرْثٍ أوْ ثَمَرَةٍ أوْ شَيْءٍ مِن نَصِيبِ الأوْثانِ حَفِظُوهُ وأحْصَوْهُ فَإنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِمّا سُمِّيَ لِلصَّمَدِ رَدُّوهُ إلى ما جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ وإنْ سَبَقَهُمُ الماءُ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ فَسَقى شَيْئًا مِمّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى جَعَلُوهُ لِلْوَثَنِ وإنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِنَ الحَرْثِ والثَّمَرَةِ الَّذِي جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى فَسَقى ما سَمَّوْهُ لِلْوَثَنِ تَرَكُوهُ لِلْوَثَنِ وكانُوا يُحَرِّمُونَ مِن أنْعامِهِمُ البُحَيْرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامِيَ فَيَجْعَلُونَهُ لِلْأوْثانِ ويَزْعُمُونَ أنَّهم يُحَرِّمُونَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يُعَيِّنُونَ شَيْئًا مِن حَرْثٍ ونِتاجٍ لِلَّهِ تَعالى فَيَصْرِفُونَهُ إلى الضِّيفانِ والمَساكِينِ وأشْياءَ مِنهُما لِآلِهَتِهِمْ فَيُنْفِقُونَ مِنها لِسَدَنَتِها
صفحة 32
ويَذْبَحُونَ عِنْدَها فَإذا رَأوْا ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى زاكِيًا نامِيًا يَزِيدُ في نَفْسِهِ خَيْرًا رَجَعُوا فَجَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ وإذا زَكا ما جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ تَرَكُوهُ مُعْتَلِّينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى غَنِيٌّ وما ذاكَ إلّا لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ حَيْثُ أشْرَكُوا الخالِقَ القادِرَ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ثُمَّ رَجَّحُوهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأنْ جَعَلُوا الزّاكِيَ لَهُ واخْتارَ هَذِهِ الرِّوايَةَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
وأصْلُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وجَعَلُوا لِلَّهِ .. إلَخْ. ولِشُرَكائِهِمْ فَطُوِيَ ذِكْرُ الشُّرَكاءِ لِأنَّهُ عَلى ما قِيلَ أمْرٌ مُحَقَّقٌ عِنْدَهم وأُشِيرَ إلى تَقْدِيرِهِ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ أيِ الأوْثانِ وسَمَّوْهم شُرَكاءَهم لِأنَّهم جَعَلُوا لَهم نَصِيبًا مِن أمْوالِهِمْ فَهم شُرَكاؤُهم فِيها ويُحْتَمَلُ أنَّ الإضافَةَ لِأدْنى مُلابَسَةٍ حَيْثُ إنَّهم زَعَمُوا كَوْنَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى وقَرَأ الكِسائِيُّ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ ( بِزُعْمِهِمْ ) بِضَمِّ الزّايِ وهو لُغَةٌ فِيهِ وجاءَ الكَسْرُ أيْضًا فَهو مُثَلَّثٌ كالوِدِّ وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ وإنَّما قُيِّدَ بِهِ الأوَّلُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ يُجْعَلُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ غَيْرَ مُسْتَتْبَعٍ لِشَيْءٍ مِنَ الثَّوابِ كالتَّطَوُّعاتِ الَّتِي يُبْتَغى بِها وجْهُ اللَّهِ تَعالى وقِيلَ: لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا اخْتَرَعُوهُ لَمْ يَأْمُرْهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ ورُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الجَعْلِ ولِذَلِكَ لَمْ يُقَيَّدْ بِهِ الثّانِي.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ ﴿هَذا لِلَّهِ﴾ مُجَرَّدُ زَعْمٍ مِنهم لا يَعْلَمُونَ بِمُقْتَضاهُ الَّذِي هو اخْتِصاصُهُ بِهِ تَعالى فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ بَيانٌ وتَفْصِيلٌ لَهُ أيْ فَما عَيَّنُوهُ لِشُرَكائِهِمْ لا يُصْرَفُ إلى الوُجُوهِ الَّتِي يُصْرَفُ إلَيْها ما عَيَّنُوهُ لِلَّهِ تَعالى وما عَيَّنُوهُ لِلَّهِ تَعالى يُصْرَفُ إلى الوُجُوهِ الَّتِي يُصْرَفُ إلَيْها ما عَيَّنُوهُ لِآلِهَتِهِمْ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ (136) فِيما فَعَلُوا مِن إيثارِ مَخْلُوقٍ عاجِزٍ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ عَلى خالِقٍ قادِرٍ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وعَمَلِهِمْ بِما لَمْ يُشْرَّعْ لَهم و( ساءَ ) يَجْرِي مَجْرى بِئْسَ فَما سَواءٌ كانَتْ مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً فاعِلٌ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ أيْ حُكْمُهم هَذا وقِيلَ: إنَّ ( ساءَ ) هُنا غَيْرُ الجارِيَةِ مَجْرى بِئْسَ فَلا تَحْتاجُ إلى مَخْصُوصٍ بِالذَّمِّ بَلْ إلى فاعِلٍ فَقَطْ فَإنَّ فاعِلَ الجارِيَةَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُعَرَّفًا بِاللّامِ أوْ مُضافًا في الأشْهَرِ واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.
6:137Page 145
وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ لِيُرۡدُوهُمۡ وَلِيَلۡبِسُواْ عَلَيۡهِمۡ دِينَهُمۡۖ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١٣٧
And likewise, to many of the polytheists their partners1 have made [to seem] pleasing the killing of their children in order to bring about their destruction and to cover them with confusion in their religion. And if Allāh had willed, they would not have done so. So leave them and that which they invent.
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ وهو تَزْيِينُ الشِّرْكِ في قِسْمَةِ القُرُباتِ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ شُرَكائِهِمْ أوْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ البَلِيغِ المَعْهُودِ مِنَ الشَّياطِينِ ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ مُشْرِكِي العَرَبِ ﴿قَتْلَ أوْلادِهِمْ﴾ فَكانُوا يَئِدُونَ البَناتِ الصِّغارَ بِأنْ يَدْفِنُوهُنَّ أحْياءً وكانُوا في ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ فَرِيقَيْنِ أحَدُهُما يَقُولُ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ فَألْحِقُوا البَناتِ بِاللَّهِ تَعالى فَهو أحَقُّ بِها والآخَرُ يَقْتُلُهُنَّ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وقِيلَ: خَشْيَةَ ذَلِكَ والعارِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وجَماعَةٍ وقِيلَ: السَّبَبُ في قَتْلِ البَناتِ أنَّ النُّعْمانَ بْنَ المُنْذِرِ أغارَ عَلى قَوْمٍ فَسَبى نِساءَهم وكانَتْ فِيهِنَّ بِنْتُ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ ثُمَّ اصْطَلَحُوا فَأرادَتْ كُلُّ امْرْأةٍ مِنهُنَّ عَشِيرَتَها غَيْرَ ابْنَةِ قَيْسٍ فَإنَّها أرادَتْ مَن سَباها فَحَلَفَ قَيْسٌ لا تُولَدُ لَهُ بِنْتٌ إلّا وأدَها فَصارَ ذَلِكَ سُنَّةً فِيما بَيْنَهم وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَنْذِرُ أحَدُهم إذا بَلَغَ بَنُوهُ عَشْرَةً نُحِرَ واحِدٌ مِنهم كَما فَعَلَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ في قِصَّتِهِ المَشْهُورَةِ وإلَيْها أشارَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «أنا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ» وقَتْلَ مَفْعُولُ زَيَّنَ مُضافٌ إلى أوْلادِهِمْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ فاعِلٌ لَهُ والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ إمّا الجِنُّ أوِ السَّدَنَةُ ووُسِمُوا بِذَلِكَ لِأنَّهم شُرَكاءُ
صفحة 33
فِي أمْوالِهِمْ كَما مَرَّ آنِفًا أوْ طاعَتُهم لَهُ كَما يُطاعُ الشَّرِيكُ لِلَّهِ عَزَّ اسْمُهُ ومَعْنى تَزْيِينِهِمْ لَهم ذَلِكَ تَحْسِينُهُ لَهم وحَثُّهم عَلَيْهِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( زُيِّنَ ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي هو القَتْلُ ونُصِبَ الأوْلادُ وجُرَّ الشُّرَكاءُ بِإضافَةِ القَتْلِ إلَيْهِ مَفْصُولًا بَيْنَهُما بِمَفْعُولِهِ وعَقَّبَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّهُ شَيْءٌ لَوْ كانَ في مَكانِ الضَّرُورِيّاتِ وهو الشِّعْرُ لَكانَ سَمِجًا مَرْدُودًا كَما سَمِجَ:
وِرْدٌ زَجَّ القَلُوصَ أبِي مَزادَةَ
فَكَيْفَ بِهِ في الكَلامِ المَنثُورِ فَكَيْفَ بِهِ في الكَلامِ المُعْجِزِ ثُمَّ قالَ: والَّذِي حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ رَأى في بَعْضِ المَصاحِفِ ﴿شُرَكائِهِمْ﴾ مَكْتُوبًا بِالياءِ ولَوْ قَرَأ بِجَرِّ الأوْلادِ والشُّرَكاءِ لِأنَّ الأوْلادَ شُرَكاؤُهم لَوَجَدَ في ذَلِكَ مَندُوحَةً عَنْ هَذا الِارْتِكابِ. اهـ.
وقَدْ رَكِبَ في هَذا الكَلامِ عَمْياءَ وتاهَ في تَيْهاءَ فَقَدْ تَخَيَّلَ أنَّ القُرّاءَ أئِمَّةَ الوُجُوهِ السَّبْعَةَ اخْتارَ كُلٌّ مِنهم حَرْفًا قَرَأ بِهِ اجْتِهادًا لا نَقْلًا وسَماعًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الجَهَلَةِ فَلِذَلِكَ غَلِطَ ابْنُ عامِرٍ في قِراءَتِهِ هَذِهِ وأخَذَ يُبَيِّنُ مَنشَأ غَلَطِهِ وهَذا غَلَطٌ صَرِيحٌ يُخْشى مِنهُ الكَفْرُ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى فَإنَّ القِراءاتِ السَّبْعَةَ مُتَواتِرَةٌ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا عَنْ أفْصَحِ مَن نَطَقَ بِالضّادِ ﷺ فَتَغْلِيطُ شَيْءٍ مِنها في مَعْنى تَغْلِيطِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ تَغْلِيطٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ نَعُوذُ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ وقالَ أبُو حَيّانَ: عَجَبٌ لِعَجَمِيٍّ ضَعِيفٍ في النَّحْوِ يَرُدُّ عَلى عَرَبِيٍّ صَرِيحٍ مَحْضٍ قِراءَةً مُتَواتِرَةً نَظِيرُها في كَلامِ العَرَبِ في غَيْرِ ما بَيْتٍ وأعْجَبُ بِسُوءِ هَذا الرَّجُلِ بِالقُرّاءِ الأئِمَّةِ الَّذِينَ تَخَيَّرَتْهم هَذِهِ الأُمَّةُ لِنَقْلِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى شَرْقًا وغَرْبًا وقَدِ اعْتَمَدَ المُسْلِمُونَ عَلى نَقْلِهِمْ لِضَبْطِهِمْ ومَعْرِفَتِهِمْ ودِيانَتِهِمْ. اهـ. وقَدْ شَنَّعَ عَلَيْهِ أيْضًا غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الأئِمَّةِ ولَعَلَّ عُذْرَهُ في ذَلِكَ جَهْلُهُ بِعَلَمَيِ القِراءَةِ والأُصُولِ.
وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ لا يُفَرَّقُ بَيْنَ المُضافِ الَّذِي يَعْمَلُ وبَيْنَ غَيْرِهِ ومُحَقِّقُو النُّحاةِ قَدْ فَرَّقُوا بَيْنَهُما بِأنَّ الثّانِيَ يُفْصَلُ فِيهِ بِالظَّرْفِ والأوَّلَ إذا كانَ مَصْدَرًا أوْ نَحْوَهُ يُفْصَلُ بِمَعْمُولِهِ مُطْلَقًا لِأنَّ إضافَتَهُ في نِيَّةِ الِانْفِصالِ ومَعْمُولَهُ مُؤَخَّرٌ رُتْبَةً فَفَصْلُهُ كَلا فَصْلٍ فَلِذا ساغَ ذَلِكَ فِيهِ ولَمْ يُخَصُّ بِالشِّعْرِ كَغَيْرِهِ ومِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ وخَطَّأ الزَّمَخْشَرِيَّ بِعَدَمِ التَّفْرِقَةِ وقالَ في كافِيَتِهِ: وظَرْفٌ أوْ شَبِيهُهُ قَدْ يَفْصِلُ جُزْأيْ إضافَةٍ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ
فَصْلانِ في اضْطِرارِ بَعْضِ الشِّعْرا وفي اخْتِيارٍ قَدْ أضافُوا المَصْدَرا
لِفاعِلٍ مِن بَعْدِ مَفْعُولٍ حَجَزَ كَقَوْلِ بَعْضِ القائِلِينَ لِلرَّجَزِ
بِفَرْكِ حَبِّ السُّنْبُلِ الكَنافِجِ ∗∗∗ بِالقاعِ فَرْكِ القُطْنِ المَحالِجِ
وعُمْدَتِي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ
وكَمْ لَها مِن عاضِدٍ وناصِرٍ
انْتَهى. وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ لَوْ سَلَّمْنا أنَّ قِراءَةَ ابْنِ عامِرٍ مُنافِيَةٌ لِقِياسِ العَرَبِيَّةِ لَوَجَبَ قَبُولُها أيْضًا بَعْدَ أنْ تَحَقَّقَ صِحَّةُ نَقْلِها كَما قُبِلَتْ أشْياءُ نافَتِ القِياسَ مَعَ أنَّ صِحَّةَ نَقْلِها دُونَ صِحَّةِ القِراءَةِ المَذْكُورَةِ بِكَثِيرٍ وما ألْطَفَ قَوْلِ الإمامِ عَلى ما حَكاهُ عَنْهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ وكَثِيرٌ ما أرى النَّحْوِيِّينَ مُتَحَيِّرِينَ في تَقْرِيرِ الألْفاظِ الوارِدَةِ في القُرْآنِ فَإذا اسْتَشْهَدَ في تَقْرِيرِهِ بِبَيْتٍ مَجْهُولٍ فَرِحُوا بِهِ وأنا شَدِيدُ التَّعَجُّبِ مِنهم لِأنَّهم إذا جَعَلُوا وُرُودَ ذَلِكَ البَيْتِ المَجْهُولِ عَلى وفْقِهِ دَلِيلًا عَلى صِحَّتِهِ فَلَأنْ يَجْعَلُوا وُرُودَ القُرْآنِ بِهِ دَلِيلًا عَلى صِحَّتِهِ كانَ أوْلى ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ ما في قَوْلِ السَّكّاكِيِّ: يَجُوزُ الفَصْلُ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِغَيْرِ الظَّرْفِ ونَحْوَ قَوْلِهِ:
بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ
مَحْمُولٌ عَلى حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ مِنَ الأوَّلِ ونَحْوَ قِراءَةِ مَن قَرَأ ( قَتْلَ
صفحة 34
أوْلادِهِمْ شُرَكائِهِمْ ) لِاسْتِنادِها إلى الثِّقاتِ وكَثْرَةِ نَظائِرِها ومَن أرادَها فَعَلَيْهِ بِخَصائِصِ ابْنِ جِنِّيٍّ مَحْمُولَةً عِنْدِي عَلى حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ مِنَ الأوَّلِ وإضْمارِ المُضافِ في الثّانِي كَما في قِراءَةِ مَن قَرَأ ( واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ ) بِالجَرِّ أيْ عَرَضَ الآخِرَةِ وما ذَكَرْتُ وإنْ كانَ فِيهِ نَوْعُ بُعْدٍ إلّا أنَّ تَخْطِئَةَ الثِّقاتِ والفُصَحاءِ أبْعَدُ. اهـ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ بِبِناءِ ( زُيِّنَ ) لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ قَتْلُ وجَرِّ أوْلادِهِمْ ورَفْعِ شُرَكاؤُهم بِإضْمارِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ زُيِّنَ كَما في قَوْلِهِ:
لَبَّيْكَ يَزِيدُ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تَطِيحُ الطَّوائِحُ
كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: زُيِّنَ لَهم قَتْلُ أوْلادِهِمْ مِن زَيَّنَهُ فَقِيلَ: زَيَّنَهُ شُرَكاؤُهم ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ أيْ لِيُهْلِكُوهم بِالإغْواءِ ﴿ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ أيْ لِيَخْلِطُوا عَلَيْهِمْ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن دِينِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى زَلُّوا عَنْهُ إلى الشِّرْكِ أوْ دِينَهُمُ الَّذِي وجَبَ أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ وقِيلَ: المَعْنى لِيُوقِعُوهم في دِينٍ مُلْتَبِسٍ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ إنْ كانَ التَّزْيِينُ مِنَ الشَّياطِينِ لِأنَّ مَقْصُودَهم مِن إغْوائِهِمْ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ ولِلْعاقِبَةِ إنْ كانَ مِنَ السَّدَنَةِ إذْ لَيْسَ مَحَطُّ نَظَرِهِمْ ذَلِكَ لَكِنَّهُ عاقِبَةٌ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ عَدَمَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ ما فَعَلَ المُشْرِكُونَ ما زُيِّنَ لَهم مِنَ القَتْلِ أوْ ما فَعَلَ الشُّرَكاءُ مِنَ التَّزْيِينِ أوِ الإرْداءِ واللَّبْسِ أوْ ما فَعَلَ الفَرِيقانِ جَمِيعَ ذَلِكَ عَلى إجْراءِ الضَّمِيرِ المُفْرَدِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ (137) الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ ما كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى فَدَعْهم وافْتِراءَهم أوْ ما يَفْتَرُونَهُ مِنَ الكَذِبِ ولا تُبالِ بِهِمْ فَإنَّ في ما يَشاءُ اللَّهُ تَعالى حِكَمًا بالِغَةً وفِيهِ مِن شِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى
6:138Page 146
وَقَالُواْ هَٰذِهِۦٓ أَنۡعَٰمٞ وَحَرۡثٌ حِجۡرٞ لَّا يَطۡعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعۡمِهِمۡ وَأَنۡعَٰمٌ حُرِّمَتۡ ظُهُورُهَا وَأَنۡعَٰمٞ لَّا يَذۡكُرُونَ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا ٱفۡتِرَآءً عَلَيۡهِۚ سَيَجۡزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣٨
And they say, "These animals1 and crops are forbidden; no one may eat from them except whom we will," by their claim. And there are those [camels] whose backs are forbidden [by them]2 and those upon which the name of Allāh is not mentioned3 - [all of this] an invention of untruth about Him.4 He will punish them for what they were inventing.
﴿وقالُوا﴾ حِكايَةٌ لِنَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ كُفْرِ أُولَئِكَ الكُفّارِ وقِيلَ: تَتِمَّةٌ لِما تَقَدَّمَ ﴿هَذِهِ﴾ أيْ ما جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ والتَّأْنِيثُ لِلْخَبَرِ ﴿أنْعامٌ وحَرْثٌ﴾ أيْ زَرْعٌ ﴿حِجْرٌ﴾ أيْ مَمْنُوعٌ مِنها وهو فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالذَّبْحِ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والكَثِيرُ والذَّكَرُ والأُنْثى لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ ولِذَلِكَ وقَعَ صِفَةً لِأنْعامٍ وحَرْثٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ ( حُجْرٌ ) بِضَمِّ الحاءِ وقَرَأ أيْضًا بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ وبِضَمِّ الحاءِ والجِيمِ مَعًا ويَحْتَمِلُ في هَذا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالحُلْمِ أوْ أنْ يَكُونَ جَمْعًا كَسُقُفٍ ورُهُنٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ( حِرْجٌ ) بِكَسْرِ الحاءِ وتَقْدِيمِ الرّاءِ عَلى الجِيمِ أيْ ضِيقٌ وأصْلُهُ حَرِجٌ بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ وقِيلَ: هو مَقْلُوبٌ مِن حَجَرٍ كَعَمِيقٍ ومُعِيقٍ ﴿لا يَطْعَمُها﴾ أيْ يَأْكُلُها ﴿إلا مَن نَشاءُ﴾ يَعْنُونَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ الرِّجالَ دُونَ النِّساءِ وقِيلَ: يَعْنُونَ ذَلِكَ وخَدَمَ الأوْثانِ والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِأنْعامٍ وحَرْثٍ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ قالُوا أيْ قالُوا ذَلِكَ مُتَلَبِّسِينَ بِزَعْمِهِمُ الباطِلِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ وأنْعامٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿هَذِهِ أنْعامٌ﴾ أيْ قالُوا مُشِيرِينَ إلى طائِفَةٍ مِن أنْعامِهِمْ وهَذِهِ أنْعامٌ وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ أوَّلًا إلى ما جُعِلَ لِآلِهَتِهِمُ السّابِقِ وما بَيْنَهُما كالِاعْتِراضِ وهَذا عَطْفٌ عَلى أنْعامٍ المُتَقَدِّمِ إدْخالُهُ فِيما تَقَدَّمَ لِأنَّ المُرادَ بِهِ السَّوائِبُ ونَحْوُها وهي بِزَعْمِهِمْ تَعْتَقُ وتُعْفى لِأجَلِ الآلِهَةِ ﴿حُرِّمَتْ﴾ أيْ مُنِعَتْ ﴿ظُهُورُها﴾ فَلا تُرْكَبُ ولا يُحْمَلُ عَلَيْها
صفحة 35
﴿وأنْعامٌ﴾ أيْ وهَذِهِ أنْعامٌ عَلى ما مَرَّ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ صِفَةٌ لِأنْعامٍ مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى تَعْيِينًا لِلْمَوْصُوفِ وتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ في رَأْيٍ لا أنَّهُ واقِعٌ في كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ كَنَظائِرِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْعامٌ ذُبِحَتْ عَلى الأصْنامِ فَإنَّها الَّتِي لا يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها وإنَّما يُذْكَرُ عَلَيْها اسْمُ الأصْنامِ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي وائِلٍ أنَّ المَعْنى لا يَحُجُّونَ عَلَيْها ولا يُلَبُّونَ.
وعَنْ مُجاهِدٍ كانَتْ لَهم طائِفَةٌ مِن أنْعامِهِمْ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْها ولا في شَيْءٍ مِن شَأْنِها لا إنْ رَكِبُوا ولا إنْ حَلَبُوا ولا ولا ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ونُصِبَ افْتِراءٌ عَلى المَصْدَرِ إمّا عَلى أنَّ قَوْلَهُمُ المَحْكِيَّ بِمَعْنى الِافْتِراءِ وإمّا عَلى تَقْدِيرِ عامِلٍ مِن لَفْظِهِ أيِ افْتَرَوُا افْتِراءً أوْ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ قالُوا أيْ مُفْتَرِينَ أوْ عَلى العِلَّةِ أيْ لِلِافْتِراءِ وهو بَعِيدٌ مَعْنًى و( عَلَيْهِ ) قِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِقالُوا أوْ بِافْتِراءِ المُقَدَّرِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الأوَّلَيْنِ وبِافْتِراءٍ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ الأخِيرَيْنِ ولا يَخْفى بُعْدُ تَعَلُّقِهِ بِقالُوا والَّذِي دَعاهُمُ إلَيْهِ ومَنَعَهم مِن تَعَلُّقِهِ بِالمَصْدَرِ عَلى ما قِيلَ إنَّ المَصْدَرَ إذا وقَعَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لا يَعْمَلُ لِعَدَمِ تَقْدِيرِهِ بِأنْ والفِعْلِ وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ تَأْوِيلَهُ بِذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ لِتَعَلُّقِ الجارِّ بِهِ فَإنَّهُ مِمّا يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ.
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِافْتِراءٍ أيِ افْتِراءً كائِنًا عَلَيْهِ ﴿سَيَجْزِيهِمْ﴾ لا بُدَّ ﴿بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (138) أيْ بِسَبَبِهِ أوْ بَدَلَهُ وأُبْهِمَ الجَزاءُ لِلتَّهْوِيلِ
6:139Page 146
وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٣٩
And they say, "What is in the bellies of these animals1 is exclusively for our males and forbidden to our females. But if it is [born] dead, then all of them have shares therein." He will punish them for their description.2 Indeed, He is Wise and Knowing.
﴿وقالُوا﴾ حِكايَةً لِفَنٍّ آخَرَ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ يَعْنُونَ بِهِ أجِنَّةَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم يَعْنُونَ بِهِ الألْبانَ و( ما ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾ أيْ حَلالٌ لَهم خاصَّةً لا يُشْرِكُهم فِيهِ أحَدٌ مِنَ الإناثِ والتّاءُ لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ أوْ لِلْمُبالَغَةِ كَراوِيَةِ الشِّعْرِ أيْ كَثِيرُ الرِّوايَةِ لَهُ أوْ لِأنَّ الخالِصَةَ مَصْدَرٌ كَما قالَ الفَرّاءُ كالعافِيَةِ وقَعَ مَوْقِعَ الخالِصِ مُبالَغَةً أوْ بِتَقْدِيرِ ذُو وهَذا مُسْتَفِيضٌ في كَلامِ العَرَبِ تَقُولُ: فُلانٌ خالِصَتِي أيْ ذُو خُلُوصِي قالَ الشّاعِرُ:
كُنْتَ أمِينِي وكُنْتَ خالِصَتِي ولَيْسَ كُلُّ امْرِئٍ بِمُؤْتَمَنِ
نَعَمْ قِيلَ: مَجِيءُ المَصْدَرِ بِوَزْنِ فاعِلٍ وفاعِلَةٍ قَلِيلٌ وقِيلَ: إنَّ التّاءَ لِلتَّأْنِيثِ بِناءً عَلى أنَّ ما عِبارَةٌ عَنِ الأجِنَّةِ.
والتَّذْكِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ أيْ عَلى جِنْسِ أزْواجِنا وهُنَّ الإناثُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ واسْتُبْعِدَ ذَلِكَ بِأنَّ فِيهِ رِعايَةَ المَعْنى أوَّلًا واللَّفْظِ ثانِيًا وهو خِلافُ المَعْهُودِ في الكِتابِ الكَرِيمِ مِنَ العَكْسِ وادَّعى بَعْضٌ أنَّ لَهُ نَظائِرَ فِيهِ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ إذْ أنَّثَ فِيهِ ضَمِيرَ كُلُّ أوَّلًا مُراعاةً لِلْمَعْنى ثُمَّ ذَكَّرَ حَمْلًا عَلى اللَّفْظِ وقِيلَ: إنَّ ما هُنا جارٍ عَلى المَعْهُودِ مِن رِعايَةِ اللَّفْظِ أوَّلًا لِأنَّ صِلَةَ ما جارٌّ ومَجْرُورٌ تَقْدِيرُ مُتَعَلِّقِهِ اسْتَقَرَّ لا اسْتَقَرَّتْ ولا وجْهَ لِذَلِكَ لِأنَّ المُتَعَلِّقَ والضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ فِيهِ لا يُعْلَمُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ حَتّى يَكُونَ مُراعاةً لِأحَدِ الجانِبَيْنِ والَّذِي يَقْتَضِيهِ الإنْصافُ أنَّ الحَمْلَ عَلى اللَّفْظِ بَعْدَ المَعْنى قَلِيلٌ وغَيْرَهُ أوْلى ما وُجِدَ إلَيْهِ سَبِيلٌ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ ارْتِكابَ خِلافِ المَعْهُودِ ها هُنا لا يَخْلُو عَنْ لُطْفٍ مَعْنَوِيٍّ ولَفْظِيٍّ أمّا الأوَّلُ فَمُوافَقَةُ
صفحة 36
القَوْلِ لِلْفِعْلِ حَيْثُ أنَّ المَعْهُودَ مِن ذَوِي المُرُوءَةِ جَبْرُ قُلُوبِ الإناثِ لِضَعْفِهِنَّ ولِذا يُنْدَبُ لِلرَّجُلِ إذا أعْطى شَيْئًا لِوَلَدِهِ أنْ يَبْدَأ بِإناثِهِمْ وأمّا الثّانِي فَمُراعاةُ ما يُشْبِهُ الطِّباقَ بِوَجْهٍ بَيْنَ خالِصَةٍ وذُكُورِنا وبَيْنَ مُحَرَّمٍ وأزْواجِنا وهو كَما تَرى.
﴿وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾ عَطْفٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ أيْ ذَلِكَ حَلالٌ لِلذُّكُورِ مُحَرَّمٌ عَلى الإناثِ إنْ وُلِدَ حَيًّا وإنْ وُلِدَتْ مَيْتَةً ﴿فَهُمْ﴾ أيِ الذُّكُورُ والإناثُ ﴿فِيهِ﴾ أيْ فِيما في بُطُونِ الأنْعامِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمَيْتَةِ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ المُرادُ بِها ما يَعُمُّ الذَّكَرَ والأُنْثى غَلَّبَ الذَّكَرُ فَذَكَرَ الضَّمِيرَ كَما فَعَلَ فِيما قَبْلَهُ ﴿شُرَكاءُ﴾ يَأْكُلُونَ مِنها جَمِيعًا وهَذا الَّذِي ذَكَرَ في هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ إنَّما يَظْهَرُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ المَوْصُولِ وأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي فِيهِ فَلا ولَعَلَّ الَّذِي يَقُولُ بِهِ يَقْرَأُ الآيَةَ بِإحْدى الأوْجُهِ الآتِيَةِ أوْ يَتَأوَّلُ الضَّمِيرُ وقَرَأ الأعْرَجُ وقَتادَةُ ( خالِصَةً ) بِالنَّصْبِ وخُرِّجَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ وخَبَرُ المُبْتَدَأِ ﴿لِذُكُورِنا﴾ وقالَ القُطْبُ الرّازِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ الواقِعِ صِلَةً أيْ في حالِ خُلُوصِهِ مِنَ البُطُونِ أيْ خُرُوجِهِ حَيًّا والتَزَمَ جَعْلَها حالًا مُقَدَّرَةً ولَعَلَّهُ لَيْسَ بِاللّازِمِ ومَنَعَ غَيْرُ واحِدٍ جَعْلَهُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيما بَعْدَهُ أوْ مِن ذُكُورِنا نَفْسِهِ لِأنَّ الحالَ لا تَتَقَدَّمَ عَلى العامِلِ المَعْنَوِيِّ كالجارِّ والمَجْرُورِ واسْمِ الإشارَةِ وها التَّنْبِيهِ العامِلَةِ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِن مَعْنى الفِعْلِ ولا عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ كَما تَقَرَّرَ في مَحَلِّهِ وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ ( خالِصًا ) بِدُونِ تاءٍ مَعَ النَّصْبِ أيْضًا والكَلامُ فِيهِ نَظِيرُ ما مَرَّ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ ( خالِصَةُ ) بِالرَّفْعِ والإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ما أوْ مُبْتَدَأٌ ثانٍ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ( وإنْ تَكُنْ ) بِالتّاءِ مَيْتَةٌ بِالرَّفْعِ وابْنُ كَثِيرٍ يَكُنْ بِالياءِ ومَيْتَةٌ بِالرَّفْعِ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ تَكُنْ بِالتّاءِ كابْنِ عامِرٍ مَيْتَةً بِالنَّصْبِ.
قالَ الإمامُ: وجْهُ قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ ألْحَقَ الفِعْلَ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ لَمّا كانَ مُؤَنَّثًا في اللَّفْظِ ووَجْهُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّ مَيْتَةً اسْمُ يَكُنْ وخَبَرَهُ مُضْمَرٌ أيْ إنْ يَكُنْ لَهم أوْ هُناكَ مَيْتَةٌ وذُكِرَ لِأنَّ المَيْتَةَ في مَعْنى المَيِّتِ.
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمْ يَلْحَقِ الفِعْلَ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ لِأنَّ تَأْنِيثَ الفاعِلِ المُسْنَدِ إلَيْهِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولا تَحْتاجُ كانَ إلى خَبَرٍ لِأنَّها بِمَعْنى وقَعَ وحَدَثَ ووَجْهُ القِراءَةِ الأخِيرَةِ أنَّ المَعْنى وإنْ تَكُنِ الأجِنَّةُ أوِ الأنْعامُ مَيْتَةً ﴿سَيَجْزِيهِمْ﴾ ولا بُدَّ ﴿وصْفَهُمْ﴾ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ وهو كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن بَلِيغِ الكَلامِ وبَدِيعِهِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: وصَفَ كَلامَهُ الكَذِبَ إذا كَذَبَ وعَيْنُهُ نِصْفُ السِّحْرِ أيْ ساحِرٌ وقَدُّهُ يَصِفُ الرَّشاقَةَ بِمَعْنى رَشِيقٍ مُبالَغَةً حَتّى كانَ مَن سَمِعَهُ أوْ رَآهُ وُصِفَ لَهُ ذَلِكَ بِما يَشْرَحُهُ لَهُ قالَ المَعَرِّيُّ.
سَرى بَرْقُ المَعَرَّةِ بَعْدَ وهَنٍ ∗∗∗ فَباتَ بِرامَةَ يَصِفُ المَلالا
ونُصِبَ ﴿وصْفَهُمْ﴾ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ مَصْدَرِ يَجْزِيهِمْ فالكَلامُ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ أيْ جَزاءَ وصْفِهِمْ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ سَيَجْزِيهِمُ العِقابَ بِوَصْفِهِمْ أيْ بِسَبَبِهِ فَلَمّا سَقَطَ الباءُ نُصِبَ ( وصْفَهم ) .
﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (139) تَعْلِيلٌ لِلْوَعْدِ بِالجَزاءِ فَإنَّ الحَكِيمَ العَلِيمَ بِما صَدَرَ عَنْهم لا يَكادُ يَتْرُكُ جَزاءَهُمُ الَّذِي هو مِن مُقْتَضَياتِ الحِكْمَةِ واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ الوَقْفُ عَلى أوْلادِهِ الذُّكُورِ دُونَ الإناثِ وأنَّ ذَلِكَ الوَقْفَ يُفْسَخُ ولَوْ بَعْدَ مَوْتِ الواقِفِ لِأنَّ ذَلِكَ مِن فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ واسْتَدَلَّ بِذَلِكَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ عَلى مَثَلِ ذَلِكَ
صفحة 37
فِي الهِبَةِ وأخْرَجَ البُخارِيُّ في التّارِيخِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: يَعْمِدُ أحَدُكم إلى المالِ فَيَجْعَلُهُ لِلذُّكُورِ مِن ولَدِهِ إنْ هَذا إلّا كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences