Al-AlusiAl‑An'am · 6:140–143

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:140–143

6:140Page 146

قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِۚ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٤٠

They will have lost who killed their children in foolishness without knowledge and prohibited what Allāh had provided for them, inventing untruth about Allāh. They have gone astray and were not [rightly] guided.

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ وهُمُ العَرَبُ الَّذِينَ كانُوا يَقْتُلُونَ أوْلادَهم عَلى ما مَرَّ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن كانَ يَئِدُ البَناتَ مِن رَبِيعَةَ ومُضَرَ أيْ هَلَكَتْ نُفُوسُهم بِاسْتِحْقاقِهِمْ عَلى ذَلِكَ العِقابَ أوْ ذَهَبَ دِينُهم وُدُنْياهم.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ ( قَتَّلُوا ) بِالتَّشْدِيدِ لِمَعْنى التَّكْثِيرِ أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ كَثِيرًا ﴿سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ لِخِفَّةِ عَقْلِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِصِفاتِ رَبِّهِمْ سُبْحانَهُ ونُصِبَ ﴿سَفَهًا﴾ عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لَقَتَلُوا أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِهِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ ( سُفَهاءَ ) أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ والجارُّ والمَجْرُورُ إمّا صِفَةٌ أوْ حالٌ.

﴿وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِها ﴿افْتِراءً عَلى اللَّهِ﴾ نُصِبَ عَلى أحَدِ الأوْجُهِ المَذْكُورَةِ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِإظْهارِ كَمالِ عُتُوِّهم وطُغْيانِهِمْ ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ عَنِ الطَّرِيقِ السَّوِيِّ ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (140) إلَيْهِ وإنْ هُدُوا بِفُنُونِ الهِداياتِ أوْ ما كانُوا مُهْتَدِينَ مِنَ الأصْلِ والمُرادُ المُبالَغَةُ في نَفْيِ الهِدايَةِ عَنْهم لِأنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ تَقْتَضِي حُدُوثَ الضَّلالِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فَأرْدَفَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الحالِ لِبَيانِ عَراقَتِهِمْ في الضَّلالِ وأنَّ ضَلالَهُمُ الحادِثَ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ وصَرَّحَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ بِأنَّ الجُمْلَةَ عَطْفٌ عَلى ( ضَلُّوا ) عَلى الأوَّلِ واعْتِراضٌ عَلى الثّانِي وقَرَأ ابْنُ رَزِينٍ ( قَدْ ضَلُّوا قَبْلَ ذَلِكَ وما كانُوا مُهْتَدِينَ ) .

6:141Page 146

۞ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ١٤١

And He it is who causes gardens to grow, [both] trellised and untrellised, and palm trees and crops of different [kinds of] food and olives and pomegranates, similar and dissimilar. Eat of [each of] its fruit when it yields and give its due [zakāh] on the day of its harvest. And be not excessive.1 Indeed, He does not like those who commit excess.

﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ تَمْهِيدٌ لِما سَيَأْتِي مِن تَفْصِيلِ أحْوالِ الأنْعامِ وقالَ الإمامُ: إنَّهُ عَوْدٌ إلى ما هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ وهو إقامَةُ الدَّلائِلِ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ أيْ وهو الَّذِي خَلَقَ وأظْهَرَ تِلْكَ الجَنّاتِ مِن غَيْرِ شَرِكَةٍ لِأحَدٍ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ والمَعْرُوشاتُ مِنَ الكَرْمِ ما يُحْمَلُ عَلى العَرِيشِ وهو عِيدانٌ تُصْنَعُ كَهَيْئَةِ السَّقْفِ ويُوضَعُ الكَرْمُ عَلَيْها ﴿وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ وهي المُلْقَياتُ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ الكَرْمِ أيْضًا وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ المَعْرُوشاتِ وغَيْرَها كِلاهُما لِلْكَرْمِ وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المَعْرُوشَ ما يَحْتاجُ إلى أنْ يُتَّخَذَ لَهُ عَرِيشٌ يُحْمَلُ عَلَيْهِ فَيُمْسِكُهُ مِنَ الكَرْمِ وما يَجْرِي مَجْراهُ وغَيْرَ المَعْرُوشِ هو القائِمُ مِنَ الشَّجَرِ المُسْتَغْنِي بِاسْتِوائِهِ وقُوَّةِ ساقِهِ عَنِ التَّعْرِيشِ وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المَعْرُوشَ ما يَحْصُلُ في البَساتِينِ والعُمَراناتِ مِمّا يَغْرِسُهُ النّاسُ وغَيْرَ المَعْرُوشِ ما نَبَتَ في البَرارِي والجِبالِ وقِيلَ: المَعْرُوشُ العِنَبُ الَّذِي يُجْعَلُ لَهُ عَرِيشٌ وغَيْرُ المَعْرُوشِ كُلُّ ما يَنْبُتُ مُنْبَسِطًا عَلى وجْهِ الأرْضِ مِثْلَ القَرْعِ والبِطِّيخِ وقالَ عِصامُ الدِّينِ: ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالمَعْرُوشِ المَعْرُوشُ بِالطَّبْعِ كالأشْجارِ الَّتِي تَرْتَفِعُ وبِغَيْرِ المَعْرُوشِ ما يَنْبَسِطُ عَلى وجْهِ الأرْضِ كالكَرْمِ ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿والنَّخْلَ والزَّرْعَ﴾ تَخْصِيصًا بَعْدَ التَّعْمِيمِ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿جَنّاتٍ﴾ أيْ أنْشَأهُما ﴿مُخْتَلِفًا﴾ في الهَيْئَةِ والكَيْفِيَّةِ ﴿أُكُلُهُ﴾ أيْ ثَمَرُهُ الَّذِي يُؤْكَلُ مِنهُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ ﴿أُكُلُهُ﴾ بِسُكُونِ الكافِ وهو لُغَةٌ فِيهِ عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الرّاغِبِ والضَّمِيرُ إمّا أنْ يَرْجِعَ إلى أحَدِ المُتَعاطِفَيْنِ عَلى التَّعْيِينِ ويُعْلَمَ حُكْمُ الآخَرِ بِالمُقايَسَةِ إلَيْهِ أوْ إلى كُلِّ واحِدٍ عَلى البَدَلِ أوْ إلى الجَمِيعِ والضَّمِيرُ بِمَعْنى اسْمِ الإشارَةِ وعَنْ أبِي حَيّانَ أنَّ الضَّمِيرَ لا يَجُوزُ إفْرادُهُ مَعَ العَطْفِ بِالواوِ فالظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو ﴿الزَّرْعَ﴾ ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ حالُ النَّخْلِ لِدَلالَةِ هَذِهِ الحالِ عَلَيْها والتَّقْدِيرُ

صفحة 38

والنَّخْلَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وجَوَّزَ وجْهًا آخَرَ وهو أنَّ في الكَلامِ مُضافًا مُقَدَّرًا والضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِ أيْ ثَمَرُ جَنّاتٍ والحالُ المُشارُ إلَيْها عَلى كُلِّ حالٍ مُقَدَّرَةٌ إذْ لا اخْتِلافَ وقْتَ الإنْشاءِ.

وزَعَمَ أبُو البَقاءِ أنَّها كَذَلِكَ إنْ لَمْ يُقَدَّرْ مُضافٌ أيْ ثَمَرُ النَّخْلِ وحَبُّ الزَّرْعِ وحالٌ مُقارَنَةٌ إنْ قُدِّرَ.

﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾ أيْ أنْشَأهُما ﴿مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ أيْ يَتَشابَهُ بَعْضُ أفْرادِهِما في اللَّوْنِ أوِ الطَّعْمِ أوِ الهَيْئَةِ ولا يَتَشابَهُ في بَعْضِها وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ: مُتَشابِهًا في المَنظَرِ وغَيْرَ مُتَشابِهٍ في المَطْعَمِ والنَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ ﴿كُلُوا﴾ أمْرُ إباحَةٍ كَما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ ﴿مِن ثَمَرِهِ﴾ الكَلامُ في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ عَلى طُرُزِ ما تَقَدَّمَ آنِفًا ﴿إذا أثْمَرَ﴾ وإنْ لَمْ يَنْضَجْ ويَنِيعُ بَعْدُ فَفائِدَةُ التَّقْيِيدِ إباحَةُ الأكْلِ قَبْلَ الإدْراكِ وقِيلَ فائِدَتُهُ رُخْصَةُ المالِكِ في الأكْلِ مِنهُ قَبْلَ أداءِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى وهو اخْتِيارُ الجُبّائِيِّ وغَيْرِهِ.

﴿وآتُوا حَقَّهُ﴾ لِلَّذِي أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى فِيهِ ﴿يَوْمَ حَصادِهِ﴾ وهو عَلى ما في رِوايَةِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ العُشْرِ ونِصْفِ العُشْرِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وقَتادَةُ وطاوُسٌ وغَيْرُهم والظَّرْفُ قَيْدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الأمْرُ بِهَيْئَتِهِ مِنَ الوُجُوبِ لا لِما دَلَّ عَلَيْهِ بِمادَّتِهِ مِنَ الحَدَثِ إذْ لَيْسَ الأداءُ وقْتَ الحَصادِ والحَبُّ في سُنْبُلِهِ كَما يُفْهَمُ مِنَ الظّاهِرِ بَلْ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ والتَّصْفِيَةِ وادَّعى عَلِيُّ بْنُ عِيسى أنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِالحَقِّ فَلا يَحْتاجُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْوِيلِ.

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ الحَبْرِ أنَّهُ ما كانَ يُتَصَدَّقُ بِهِ يَوْمَ الحَصادِ بِطَرِيقِ الوُجُوبِ مِن غَيْرِ تَعْيِينِ المِقْدارِ ثُمَّ نُسِخَ بِالزَّكاةِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وغَيْرُهُما وقِيلَ: ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ لِأنَّها فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ وأجابَ الإمامُ عَنْ ذَلِكَ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الزَّكاةَ ما كانَتْ واجِبَةً في مَكَّةَ وكَوْنُ آياتِها مَدَنِيَّةً لا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ عَلى أنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ أيْضًا وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ هَذا حَقٌّ في المالِ سِوى الزَّكاةِ وأخْرَجَ ابْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ إذا حَصَدْتَ فَحَضَرَكَ المَساكِينُ فاطْرَحْ لَهم مِنَ السُّنْبُلِ فَإذا دُسْتَهُ فَحَضَرَكَ المَساكِينُ فاطْرَحْ لَهم فَإذا ذَرَّيْتَهُ وجَمَعْتَهُ وعَرَفْتَ كَيْلَهُ فاعْزِلْ زَكاتَهُ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( حِصادِهِ ) بِكَسْرِ الحاءِ وهي لُغَةٌ فِيهِ وعَدَلَ عَنْ حَصْدِهِ وهو المَصْدَرُ المَشْهُورُ لِحَصْدٍ إلَيْهِ لِدَلالَتِهِ عَلى حَصْدٍ خاصٍّ وهو حَصْدُ الزَّرْعِ إذا انْتَهى وجاءَ زَمانُهُ كَما صَرَّحَ بِهِ سِيبَوَيْهِ وأشارَ إلَيْهِ الرّاغِبُ ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ أيْ لا تَتَجاوَزُوا الحَدَّ فَتَبْسُطُوا أيْدِيَكم كُلَّ البَسْطِ في الإعْطاءِ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ جَذَّ نَخْلًا فَقالَ: لا يَأْتِيَنَّ اليَوْمَ أحَدٌ إلّا أطْعَمْتُهُ فَأطْعَمَ حَتّى أمْسى ولَيْسَتْ لَهُ ثَمَرَةٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أبِي العالِيَةِ.

وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّ المُرادَ ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ في الأكْلِ قَبْلَ الحَصادِ كَيْلا يُؤَدِّيَ إلى بَخْسِ حَقِّ الفُقَراءِ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ أنَّ المَعْنى لا تَمْنَعُوا الصَّدَقَةَ فَتَعْصُوا وقالَ الزُّهْرِيُّ: المَعْنى لا تُنْفِقُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى ويُرْوى نَحْوُهُ عَنْ مُجاهِدٍ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَوْ كانَ أبُو قَيْسٍ ذَهَبًا فَأنْفَقَهُ رَجُلٌ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ مُسْرِفًا ولَوْ أنْفَقَ دِرْهَمًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى كانَ مُسْرِفًا وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ لا تُشْرِكُوا الأصْنامَ في الحَرْثِ والأنْعامِ.

والخِطابُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ لِأرْبابِ الأمْوالِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ الخِطابَ

صفحة 39

لِلْوُلاةِ أيْ لا تَأْخُذُوا ما لَيْسَ لَكم بِحَقٍّ وتَضُرُّوا أرْبابَ الأمْوالِ واخْتارَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّهُ خِطابٌ لِلْجَمِيعِ مِن أرْبابِ الأمْوالِ والوُلاةِ أيْ لا يُسْرِفْ رَبُّ المالِ في الإعْطاءِ ولا الإمامُ في الأخْذِ والدَّفْعِ ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ (141) بَلْ يَبْغُضُهم مِن حَيْثُ إسْرافِهِمْ ويُعَذِّبُهم عَلَيْهِ إنْ شاءَ جَلَّ شَأْنُهُ.

6:142Page 146

وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ حَمُولَةٗ وَفَرۡشٗاۚ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ١٤٢

And of the grazing livestock are carriers [of burdens] and those [too] small. Eat of what Allāh has provided for you and do not follow the footsteps of Satan.1 Indeed, he is to you a clear enemy.

﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ حالِ الأنْعامِ وإبْطالِ ما تَقَوَّلُوا عَلى اللَّهِ تَعالى في شَأْنِها بِالتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ وهو عَطْفٌ عَلى ﴿جَنّاتٍ﴾ والجِهَةُ الجامِعَةُ إباحَةُ الِانْتِفاعِ بِهِما والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِإنْشاءٍ والحَمُولَةُ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ لا واحِدَ لَهُ كالرَّكُوبَةِ.

والمُرادُ بِهِ ما يَحْمِلُ الأثْقالَ مِنَ الأنْعامِ وبِالفَرْشِ ما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ أوْ ما يُفْرَشُ المَنسُوجُ مِن صُوفِهِ وشَعَرِهِ ووَبَرِهِ وإلى الأوَّلِ ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ ورُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وإلى الثّانِي ذَهَبَ الجُبّائِيُّ وقِيلَ: الحَمُولَةُ لِلْكِبارِ الصّالِحَةِ لِلْحَمْلِ والفَرْشُ الصِّغارُ الدّانِيَةُ مِنَ الأرْضِ مِثْلُ الفَرْشِ المَفْرُوشِ عَلَيْها ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ لَكِنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ خَصَّ ذَلِكَ بِكِبارِ الإبِلِ وصِغارِها وهو إحْدى رِواياتٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وفي رِوايَةٍ أُخْرى الحَمُولَةُ الإبِلُ والخَيْلُ والبِغالُ والحَمِيرُ وكُلُّ شَيْءٍ يُحْمَلُ عَلَيْهِ والفَرْشُ الغَنَمُ ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ كُلُوا بَعْضَ ما رَزَقَكُمُ اللَّهُ تَعالى وهو الحَلالُ فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ.

والرِّزْقُ شامِلٌ لِلْحَلالِ والحَرامِ والمُعْتَزِلَةُ خَصُّوهُ بِالحَلالِ كَما تَقَدَّمَ أوائِلَ الكِتابِ وادَّعَوْا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أحَدُ أدِلَّتِهِمْ عَلى ذَلِكَ ورَكَّبُوا شَكْلًا مَنطِقِيًّا أجْزاؤُهُ سَهْلَةُ الحُصُولِ تَقْدِيرُهُ الحَرامُ لَيْسَ بِمَأْكُولٍ شَرْعًا وهو طاهِرٌ والرِّزْقُ ما يُؤْكَلُ شَرْعًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ فالحَرامُ لَيْسَ بِرِزْقٍ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا إنَّما يُفِيدُ لَوْ صَدَقَ كُلُّ رِزْقٍ مَأْكُولٍ شَرْعًا والآيَةُ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ أمّا إذا كانَتْ تَبْعِيضِيَّةً فَظاهِرٌ وأمّا إنْ كانَتِ ابْتِدائِيَّةً فَلِأنَّهُ لَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى تَناوُلِ الجَمِيعِ وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ اسْتَحِلُّوا الأكْلَ مِمّا أعْطاكُمُ اللَّهُ تَعالى ﴿ولا تَتَّبِعُوا﴾ في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ بِتَقْلِيدِ أسْلافِكُمُ المُجازِفِينَ في ذَلِكَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمُ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ طَرْقَهُ فَإنَّ ذَلِكَ مِنهم بِإغْوائِهِ واسْتِتْباعِهِ إيّاهم ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (142) أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ فَقَدْ أخْرَجَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنَّةِ وقالَ: ﴿لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ أعاذَنا اللَّهُ تَعالى والمُسْلِمِينَ مِن شَرِّهِ إنَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ.

* * *

هَذا ( ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ) ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ في عَيْنِ الجَمْعِ المُطْلَقِ قائِلًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ أيِ القُوى النَّفْسانِيَّةُ ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ مِنَ الحَواسِّ والأعْضاءِ الظّاهِرَةِ أوْ مِنَ الصُّوَرِ الإنْسانِيَّةِ بِأنْ جَعَلْتُمُوهُمُ أتْباعَكم بِإغْوائِكم إيّاهم وتَزْيِينِ اللَّذائِذِ الجُسْمانِيَّةِ لَهم ﴿وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ وانْتَفَعَ كُلٌّ مِنّا في صُورَةِ الجَمْعِيَّةِ الإنْسانِيَّةِ بِالآخَرِ ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ بِالمَوْتِ أوِ المَعادِ عَلى أقْبَحِ الهَيْئاتِ وأسْوَأِ الأحْوالِ ﴿قالَ النّارُ﴾ أيْ نارُ الحِرْمانِ ووِجْدانُ الآلامِ ﴿مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ ولا يَشاءُ إلّا ما يَعْلَمُ ولا يَعْلَمُ سُبْحانَهُ الشَّيْءَ إلّا عَلى ما هو عَلَيْهِ في نَفْسِهِ ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ لا يُعَذِّبُكم إلّا بِهَيْئاتِ نُفُوسِكم عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِهاتِيكَ الهَيْئاتِ فَيُعَذِّبُ عَلى حَسَبِها ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا﴾ أيْ نَجْعَلُ بَعْضَهم ولِيَّ بَعْضٍ أوِ إلَيْهِ وقَرِينَهُ في العَذابِ ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ المَعاصِي حَسَبَ اسْتِعْدادِهِمْ.

﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ وهي عِنْدَ كَثِيرٍ مِن أرْبابِ الإشارَةِ العُقُولِ وهي رُسُلٌ

صفحة 40

خاصَّةٌ ذاتِيَّةٌ إلى ذَوِيِها مُصَحَّحَةٌ لِإرْسالِ الرُّسُلِ الآخَرِ وهي رُسُلٌ خارِجِيَّةٌ.

وبَعْضُ المُعْتَزِلَةِ حَمَلَ الرَّسُولَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ عَلى العَقْلِ أيْضًا وهَذِهِ الأسْئِلَةُ عِنْدَ بَعْضِ المُؤَوِّلِينَ والأجْوِبَةُ والشَّهاداتُ كُلُّها بِلِسانِ الحالِ وإظْهارِ الأوْصافِ ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ أيِ الأبْدانِ أوِ القُلُوبِ ﴿بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ بَلْ يُنْبِهُّمْ بِالعَقْلِ وإرْشادِهِ إقامَةَ الحُجَّةِ ولِلَّهِ تَعالى الحُجَّةُ البالِغَةُ ﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ﴾ مَراتِبُ في القُرْبِ والبُعْدِ ﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ لِذاتِهِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ العامَّةِ الشّامِلَةِ فَخَلَقَ العِبادَ لِيَرْبَحُوا عَلَيْهِ لا لِيَرْبَحَ عَلَيْهِمْ والغَنِيُّ عِنْدَ الكَثِيرِ مُشِيرٌ إلى نَعْتِ الجَلالِ وذُو الرَّحْمَةِ إلى صِفَةِ الجَمالِ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ لِغِناهُ الذّاتِيِّ عَنْكم ﴿ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ﴾ مِن أهْلِ طاعَتِهِ بِرَحْمَتِهِ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ جِهَتِكم مِنَ الِاسْتِعْدادِ ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ عَلى مَكانَتِي مِن ذَلِكَ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْشَأ﴾ في قُلُوبِ عِبادِهِ ﴿جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ كَكَرْمِ العِشْقِ والمَحَبَّةِ ﴿وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ وهي الصِّفاتُ الرُّوحانِيَّةُ الَّتِي جُبِلَتِ القُلُوبُ عَلَيْها كالسَّخاءِ والوَفاءِ والعِفَّةِ والحِلْمِ والشَّجاعَةِ ﴿والنَّخْلَ﴾ أيْ نَخْلَ الإيمانِ ﴿والزَّرْعَ﴾ أيْ زَرْعَ إراداتِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿والزَّيْتُونَ﴾ أيْ زَيْتُونَ الإخْلاصِ ﴿والرُّمّانَ﴾ أيْ رُمّانَ شَجَرِ الإلْهامِ وقِيلَ: في كُلِّ غَيْرِ ذَلِكَ وبابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ وهو المُشاهَداتُ والمُكاشَفاتُ ﴿إذا أثْمَرَ وآتُوا﴾ المُرِيدِينَ ﴿حَقَّهُ﴾ وهو الإرْشادُ والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ ﴿يَوْمَ حَصادِهِ﴾ أوانَ وُصُولِكم فِيهِ إلى مَقامِ التَّمْكِينِ والِاسْتِقامَةِ ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ بِالكِتْمانِ عَنِ المُسْتَحِقِّينَ أوْ بِالشُّرُوعِ في الكَلامِ في غَيْرِ وقْتِهِ والدَّعْوَةِ قَبْلَ أوانِها ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ لا يَرْتَضِي فِعْلَهم ﴿ومِنَ الأنْعامِ﴾ أيْ قُوى الإنْسانِ ﴿حَمُولَةً﴾ ما هو مُسْتَعِدٌّ لِحَمْلِ الأمانَةِ وتَكالِيفِ الشَّرْعِ ﴿وفَرْشًا﴾ ما هو مُسْتَعِدٌّ لِإصْلاحِ القَلْبِ وقِيامِ البَشَرِيَّةِ ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ وهو مُخْتَلِفٌ فَرِزْقُ القَلْبِ هو التَّحْقِيقُ مِن حَيْثُ البُرْهانِ ورِزْقُ الرُّوحِ هو المَحَبَّةُ بِصِدْقِ التَّحَرُّزِ عَنِ الأكْوانِ ورِزْقُ السِّرِّ هو شُهُودُ العِرْفانِ بِلَحْظِ العِيانِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ بِالمَيْلِ إلى الشَّهَواتِ الفانِيَةِ والِاحْتِجابِ بِالسُّوى ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ يُرِيدُ أنْ يَحْجُبَكم عَنْ مَوْلاكم واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِسُلُوكِ الرَّشادِ.

6:143Page 147

ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ نَبِّـُٔونِي بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٤٣

[They are] eight mates - of the sheep, two and of the goats, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Inform me with knowledge, if you should be truthful."

﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ الزَّوْجُ يُقالُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ القَرِينَيْنِ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى في الحَيَواناتِ المُتَزاوِجَةِ ويُطْلَقُ عَلى مَجْمُوعِهِما والمُرادُ بِهِ هُنا الأوَّلُ وإلّا كانَتْ أرْبَعَةً وإيرادُها بِهَذا العُنْوانِ وهَذا العَدَدِ أوْفَقُ لِما سِيقَ لَهُ الكَلامُ و﴿ثَمانِيَةَ﴾ عَلى ما قالَهُ الفَرّاءُ واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ بَدَلٌ مِن ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ مَنصُوبٌ بِما نَصَبَهُما وهو ظاهِرٌ عَلى تَفْسِيرِ الحَمُولَةِ والفَرْشِ بِما يَشْمَلُ الأزْواجَ الثَّمانِيَةَ أمّا لَوْ خُصَّ ذَلِكَ بِالإبِلِ فَفِيهِ خَفاءٌ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ وأنْشَأ ثَمانِيَةَ وأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى جَنّاتٍ وحُذِفَ الفِعْلُ وحُرِفَ العَطْفُ وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ ووَجْهُهُ لا يَخْفى وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِكُلُوا الَّذِي قَبْلَهُ والتَّقْدِيرُ كُلُوا لَحْمَ ثَمانِيَةِ أزْواجٍ ﴿ولا تَتَّبِعُوا﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ وأنْ يَكُونَ حالًا مِن ما مُرادًا بِها الأنْعامُ ويُؤَوَّلُ بِنَحْوِ مُخْتَلِفَةٍ أوْ مُتَعَدِّدَةٍ لِيَكُونَ بَيانًا لِلْهَيْئَةِ وهو عِنْدَ مَن يَشْتَرِطُ في الحالِ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا أوْ مُؤَوَّلًا بِهِ ظاهِرٌ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ شَيْخُ الإسْلامِ بِأنَّهُ يَأْباهُ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِظُهُورِ أنَّهُ مَسُوقٌ لِتَوْضِيحِ حالِ الأنْعامِ بِتَفْصِيلِها أوَّلًا إلى حَمُولَةٍ وفَرْشٍ ثُمَّ تَفْصِيلُها إلى ثَمانِيَةِ أزْواجٍ حاصِلَةٍ مِن تَفْصِيلِ الأوَّلِ إلى الإبِلِ والبَقَرِ وتَفْصِيلِ الثّانِي إلى الضَّأْنِ والمَعْزِ ثُمَّ

صفحة 41

تَفْصِيلِ كُلِّ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ إلى الذَّكَرِ والأُنْثى كُلُّ ذَلِكَ لِتَحْرِيرِ المَوادِّ الَّتِي تَقَوَّلُوا فِيها عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ثُمَّ تُبْكِيتُهم بِإظْهارِ كَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ في كُلِّ مادَّةٍ مِن تِلْكَ المَوادِّ بِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلَيْها مُفَصَّلَةً. انْتَهى. وفِيهِ مَنعٌ ظاهِرٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ عَلى مَعْنى زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ الكَبْشِ والنَّعْجَةِ ونَصَبَ ﴿اثْنَيْنِ﴾ قِيلَ: عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ أوْ كُلٍّ مِن كُلٍّ إنْ لُوحِظَ العَطْفُ عَلَيْهِ مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ.

وقالَ العَلّامَةُ الثّانِي: الظّاهِرُ أنَّ ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأنْعامِ واثْنَيْنِ مِن ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ أوْ مِن ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ إنْ جَوَّزْنا أنْ يَكُونَ لِلْبَدَلِ بَدَلٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ البَدَلُ اثْنَيْنِ حالٌ مِنَ النَّكِرَةِ قُدِّمَتْ عَلَيْها.

وقُرِئَ ( اثْنانِ ) عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأُ خَبَرُهُ الجارُّ والمَجْرُورُ والجُمْلَةُ بَيانِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ والضَّأْنُ اسْمُ جِنْسٍ كالإبِلِ جَمْعُ ضَئِينٍ كَأمِيرٍ وكَعَبِيدٍ أوْ جَمْعُ ضائِنٍ كَتاجِرٍ وتُجُرٍ وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وهو لُغَةٌ فِيهِ ﴿ومِنَ المَعْزِ﴾ زَوْجَيْنِ ﴿اثْنَيْنِ﴾ التَّيْسِ والعَنْزِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ العَيْنِ وهو جَمْعُ ماعِزٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ وحارِسٍ وحَرْسٍ وقَرَأ أُبَيٌّ ( ومِنَ المِعْزى ) وهو اسْمُ جَمْعِ مَعْزٍ وهَذِهِ الأزْواجُ الأرْبَعَةُ عَلى ما اخْتارَهُ شَيْخُ الإسْلامِ تَفْصِيلٌ لِلْفَرْشِ قالَ: ولَعَلَّ تَقْدِيمَها في التَّفْصِيلِ مَعَ تَأخُّرٍ أصْلِها في الإجْمالِ لِكَوْنِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ عُرْضَةً لِلْأكْلِ الَّذِي هو مُعْظَمُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الحِلُّ والحُرْمَةُ وهو السِّرُّ في الِاقْتِصارِ عَلى الأمْرِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلِانْتِفاعِ بِالحَمْلِ والرُّكُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حَرَّمُوهُ في السّائِبَةِ وأخَواتِها ومِنَ النّاسِ مِن عِلَلِ التَّقْدِيمِ بِأشْرَفِيَّةِ الغَنَمِ ولِهَذا رَعاها الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو لا يُناسِبُ المَقامَ كَما لا يَخْفى ﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِعَجْزِهِمْ عَنِ الجَوابِ ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ ذَكَرَ الضَّأْنِ وذَكَرَ المَعْزِ ﴿حَرَّمَ﴾ اللَّهُ تَعالى ﴿أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ أُنْثى ذَيْنَكَ الصِّنْفَيْنِ ونَصَبَ الذَّكَرَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ بِحَرَّمَ ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ أمِ الَّذِي حَمَلَتْهُ إناثُ النَّوْعَيْنِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ أيْ أخْبِرُونِي بِأمْرٍ مَعْلُومٍ مِن جِهَتِهِ تَعالى جاءَتْ بِهِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ أوْ نَبِّئُونِي بِبَيِّنَةٍ مُتَلَبِّسَةٍ بِعِلْمٍ صادِرَةٍ عَنْهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (143) في دَعْوى التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والأمْرُ تَأْكِيدٌ لِلتَّبْكِيتِ وإظْهارُ الِانْقِطاعِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском