Al-AlusiAl‑An'am · 6:144–145

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:144–145

6:144Page 147

وَمِنَ ٱلۡإِبِلِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَٰذَاۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٤

And of the camels, two and of the cattle, two. Say, "Is it the two males He has forbidden or the two females or that which the wombs of the two females contain? Or were you witnesses when Allāh charged you with this? Then who is more unjust than one who invents a lie about Allāh to mislead the people by [something] other than knowledge? Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people."

﴿ومِنَ الإبِلِ﴾ زَوْجَيْنِ ﴿اثْنَيْنِ﴾ الجَمَلِ والنّاقَةِ وهَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ والإبِلُ كَما قالَ الرّاغِبُ يَقَعُ في البُعْرانِ الكَثِيرَةِ ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ ويُجْمَعُ كَما في القامُوسِ عَلى آبالٍ والتَّصْغِيرُ أُبَيْلَةٌ.

﴿ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ هُما الثَّوْرُ وأُنْثاهُ ﴿قُلْ﴾ إفْحامًا لَهم في أمْرِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ أيْضًا ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ اللَّهُ تَعالى مِنهُما ﴿أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ مِن ذَيْنِكَ النَّوْعَيْنِ والمَعْنى كَما قالَ كَثِيرٌ مِن أجِلَةِ العُلَماءِ إنْكارٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ وإظْهارُ كَذِبِهِمْ في ذَلِكَ وتَفْصِيلُ ما ذُكِرَ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ وما في بُطُونِها لِلْمُبالَغَةِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِإيرادِ الإنْكارِ عَلى كُلِّ مادَّةٍ مِن

صفحة 42

مَوادِّ افْتِرائِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ ذُكُورَ الأنْعامِ تارَةً وإناثَها تارَةً وأوْلادَها كَيْفَما كانَتْ تارَةً أُخْرى مُسْنَدِينَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وإنَّما لَمْ يَلِ المُنَكَّرَ وهو التَّحْرِيمُ الهَمْزَةُ والجارِي في الِاسْتِعْمالِ أنَّ ما نُكِّرَ ولِيَها لِأنَّ ما في النَّظْمِ الكَرِيمِ أبْلَغَ.

وبَيانُهُ عَلى ما قالَهُ الكِسائِيُّ أنَّ إثْباتَ التَّحْرِيمِ يَسْتَلْزِمُ إثْباتَ مَحَلِّهِ لا مَحالَةَ فَإذا انْتَفى مَحَلُّهُ وهو المَوارِدُ الثَّلاثَةُ لَزِمَ انْتِفاءُ التَّحْرِيمِ عَلى وجْهٍ بُرْهانِيٍّ كَأنَّهُ وُضِعَ الكَلامُ مَوْضِعَ مَن سَلَّمَ أنَّ ذَلِكَ قَدْ كانَ ثُمَّ طالَبَهُ بِبَيانِ مَحَلٍّ كَيْ يَتَبَيَّنَ كَذِبُهُ ويَفْتَضِحَ عِنْدَ المُحاقَّةِ وإنَّما يُورِدُ سُبْحانَهُ الأمْرَ عَقِيبَ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ بِأنْ يُقالَ: قُلْ آلذُّكُورَ حَرَّمَ أمِ الإناثَ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الإناثِ لِما في التَّكْرِيرِ مِنَ المُبالَغَةِ أيْضًا في الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ.

ونَقَلَ الإمامُ عَنِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم قالُوا: إنَّ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُحَرِّمُونَ بَعْضَ الأنْعامِ فاحْتَجَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى إبْطالِ ذَلِكَ بِأنَّ لِلضَّأْنِ والمَعْزِ والإبِلِ والبَقَرِ ذَكَرًا وأُنْثى فَإنْ كانَ قَدْ حَرَّمَ سُبْحانَهُ مِنها الذَّكَرَ وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ ذُكُورِها حَرامًا وإنْ كانَ حَرَّمَ جَلَّ شَأْنُهُ الأُنْثى وجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ إناثِها حَرامًا وإنْ كانَ حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الإناثِ وجَبَ تَحْرِيمُ الأوْلادِ كُلِّها لِأنَّ الأرْحامَ تَشْتَمِلُ عَلى الذَّكَرِ والإناثِ.

وتَعَقَّبَهُ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا لِأنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّ هَذِهِ الأجْناسَ الأرْبَعَةَ مَحْصُورَةٌ في الذُّكُورِ والإناثِ إلّا أنَّهُ لا يَجِبُ أنْ تَكُونَ عِلَّةَ تَحْرِيمِ ما حَكَمُوا بِتَحْرِيمِهِ مَحْصُورَةً في الذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ بَلْ عِلَّةُ تَحْرِيمِها كَوْنُها بَحِيرَةً أوْ سائِبَةً أوْ وصِيلَةً أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِباراتِ كَما إذا قُلْنا: إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ ذَبْحَ بَعْضِ الحَيَواناتِ لِأجْلِ الأكْلِ فَإذا قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الحَيَوانَ إنْ كانَ قَدْ حُرِّمَ لِكَوْنِهِ ذَكَرًا وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ كُلُّ حَيَوانٍ ذَكَرٍ وإنْ كانَ قَدْ حُرِّمَ لِكَوْنِهِ أُنْثى وجَبَ أنْ يُحَرَّمَ كُلُّ حَيَوانٍ أُنْثى ولَمّا لَمْ يَكُنْ هَذا الكَلامُ لازِمًا عَلَيْهِ فَكَذا هو الوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ ثُمَّ ذَكَرَ في الآيَةِ وجْهَيْنِ مِن عِنْدِهِ وفِيما ذَكَرْنا غَنًى عَنْ نَقْلِهِما.

ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ مِنَ الِاثْنَيْنِ في الضَّأْنِ والمَعْزِ والبَقَرِ الأهْلِيِّ والوَحْشِيِّ وفي الإبِلِ العَرَبِيِّ والبُخْتِيِّ وهو مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَلْتَفِتَ إلَيْهِ وما رُوِيَ عَنْ لَيْثِ بْنِ سُلَيْمٍ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ وقَوْلُ الطَّبَرْسِيِّ: إنَّهُ المَرْوِيُّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَذِبٌ لا أصْلَ لَهُ وهو شَنْشَنَةٌ أعْرِفُها مِن أخْزَمَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْإفْحامِ والتَّبْكِيتِ وأمْ مُنْقَطِعَةٌ والمُرادُ بَلْ أكُنْتُمْ حاضِرِينَ مُشاهِدِينَ ﴿إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ أمَرَكم وألْزَمَكم ﴿بِهَذا﴾ التَّحْرِيمِ إذِ العِلْمُ بِذَلِكَ إمّا بِأنْ يَبْعَثَ سُبْحانَهُ رَسُولًا يُخْبِرُكم بِهِ وإمّا بِأنَّ تُشاهِدُوا اللَّهَ تَعالى وتَسْمَعُوا كَلامَهُ جَلَّ شَأْنُهُ فِيهِ والأوَّلُ مُنافٍ لِما أنْتُمْ عَلَيْهِ لِأنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِرَسُولٍ فَيَتَعَيَّنُ المُشاهَدَةُ والسَّماعُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم وذَلِكَ مُحالٌ فَفي هَذا ما لا يَخْفى مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ.

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فَنُسِبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ تَحْرِيمُ ما لَمْ يُحَرِّمْ والمُرادُ بِهِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَمْرُو بْنُ لِحَيِّ بْنِ قَمِئَةَ الَّذِي بَحَّرَ البَحائِرَ وسَيَّبَ السَّوائِبَ وتَعَمَّدَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى وقِيلَ: كُبَراؤُهُمُ المُقَرِّرُونَ لِذَلِكَ وقِيلَ: الكُلُّ لِاشْتِراكِهِمْ في الِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والمُرادُ فَأيُّ فَرِيقٍ أظْلَمُ مِمَّنْ .. إلَخْ. واعْتُرِضَ بِأنَّ قَيْدَ التَّعَمُّدِ مُعْتَبَرٌ في مَعْنى الِافْتِراءِ ومَن تابَعَ عَمْرًا مِنَ الكُبَراءِ يُحْتَمَلُ أنَّهُ أخْطَأ في تَقْلِيدِهِ فَلا يَكُونُ مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ فَلا يَنْبَغِي تَفْسِيرُ المَوْصُولِ بِهِ والفاءُ لِتَرْتِيبِ

صفحة 43

ما بَعْدُ عَلى ما سَبَقَ مِن تَبْكِيتِهِمْ وإظْهارُ كَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ ونَصَبَ ﴿كَذِبًا﴾ قِيلَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ وجَعَلَهُ حالًا أيْ كَذِبًا جَوَّزَهُ بَعْضُ كُمَّلِ المُتَأخِّرِينَ وهو بَعِيدٌ لا خَطَأٌ خِلافًا لِمَن زَعَمَهُ.

﴿لِيُضِلَّ النّاسَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِافْتِراءِ بِغَيْرِ عِلْمٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ ( افْتَرى ) أيِ افْتَرى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ جاهِلًا بِصُدُورِ التَّحْرِيمِ عَنْهُ جَلَّ شَأْنُهُ وإنَّما وُصِفَ بِعَدَمِ العِلْمِ مَعَ أنَّ المُفْتَرِيَ عالِمٌ بِعَدَمِ الصُّدُورِ إيذانًا بِخُرُوجِهِ في الظُّلْمِ عَنِ الحُدُودِ والنِّهاياتِ فَإنَّ مَنِ افْتَرى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِصُدُورِ ذَلِكَ عَنْهُ جَلَّ جَلالُهُ مَعَ احْتِمالِ صُدُورِهِ إذا كانَ في تِلْكَ الغايَةِ مِنَ الظُّلْمِ فَما الظَّنُّ بِمَنِ افْتَرى وهو يَعْلَمُ عَدَمَ الصُّدُورِ.

وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِن فاعِلِ ( يَضِلُّ ) عَلى مَعْنى مُتَلَبِّسًا بِغَيْرِ عِلْمٍ بِما يُؤَدِّي بِهِ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ أنَّهُ عَمِلَ عَمَلَ القاصِدِ إضْلالَ النّاسِ مِن أجْلِ دُعائِهِمُ إلى ما فِيهِ الضَّلالُ وإنْ لَمْ يَقْصِدِ الإضْلالَ وكانَ جاهِلًا بِذَلِكَ غَيْرَ عالِمٍ بِهِ وهو ظاهِرٌ في أنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ ولَهُ وجْهٌ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ ( النّاسِ ) وما تَقَدَّمَ أظْهَرُ وأبْلَغُ في الذَّمِّ واسْتَدَلَّ القاضِي بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإضْلالَ عَنِ الدِّينِ مَذْمُومٌ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إذا ذَمَّ الإضْلالَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إلّا تَحْرِيمُ المُباحِ فالَّذِي هو أعْظَمُ مِنهُ أوْلى بِالذَّمِّ وفِيهِ أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما كانَ مَذْمُومًا مِنَ الخَلْقِ كانَ مَذْمُومًا مِنَ الخالِقِ.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (144) إلى طَرِيقِ الحَقِّ وقِيلَ: إلى دارِ الثَّوابِ لِاسْتِحْقاقِهِمُ العِقابَ واخْتارَهُ الطَّبَرْسِيُّ وإلى نَحْوِهِ ذَهَبَ القاضِي بِناءً عَلى مَذْهَبِهِ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ عَلى أُصُولِنا أيْضًا وقِيلَ: إلى ما فِيهِ صَلاحُهم عاجِلًا وآجِلًا وهو أتَمُّ فائِدَةً وأنْسَبُ بِحَذْفِ المَعْمُولِ ونَفْيُ الهِدايَةِ عَنِ الظّالِمِ يَسْتَدْعِي نَفْيَها عَنِ الأظْلَمِ مِن بابِ أوْلى.

6:145Page 147

قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٤٥

Say, "I do not find within that which was revealed to me [anything] forbidden to one who would eat it unless it be a dead animal or blood spilled out or the flesh of swine - for indeed, it is impure - or it be [that slaughtered in] disobedience, dedicated to other than Allāh.1 But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], then indeed, your Lord is Forgiving and Merciful."

﴿قُلْ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ إلْزامِ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتِهِمْ وبَيانِ أنَّ ما يَتَقَوَّلُونَهُ في أمْرِ التَّحْرِيمِ افْتِراءٌ بَحْتٌ بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ .. إلَخْ. كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الوُجُودِ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ طَرِيقَ التَّحْرِيمِ لَيْسَ إلّا التَّنْصِيصُ مِنَ اللَّهِ تَعالى دُونَ التَّشَهِّي والهَوى وتَنْبِيهٌ كَما قِيلَ عَلى أنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ الحِلُّ و﴿مُحَرَّمًا﴾ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدُ وقَدْ قامَ مَقامَهُ بَعْدَ حَذْفِهِ فَهو مَفْعُولٌ أوَّلُ لِأجِدُ ومَفْعُولُهُ الثّانِي ﴿فِي ما أُوحِيَ﴾ قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ لا لِأنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ نَكِرَةٌ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ عامَّةٌ بِالنَّفْيِ فَلا يَجِبُ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ بِالظَّرْفِ ولَيْسَ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا أيْ لا أجِدُ رَيْثَما تَصَفَّحْتُ ما أُوحِيَ إلَيَّ قُرْآنًا وغَيْرَهُ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ العُدُولُ عَنْ أُنْزِلَ إلَيَّ ( أُوحِيَ ) أوْ ما أُوحِيَ إلَيَّ مِنَ القُرْآنِ طَعامًا مُحَرَّمًا مِنَ المَطاعِمِ الَّتِي حَرَّمْتُمُوها ﴿عَلى طاعِمٍ﴾ أيِّ طاعِمٍ كانَ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ: ”( مُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا )“ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَطْعَمُهُ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِطاعِمٍ جِيءَ بِهِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿طائِرٍ يَطِيرُ﴾ قَطْعًا لِلْمَجازِ وقُرِئَ ( يُطَعِّمُهُ ) بِالتَّشْدِيدِ وكَسْرِ العَيْنِ والأصْلُ يَطَتَعَمَّهُ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ طاءً وأُدْغِمَتْ فِيها الأوْلى والمُرادُ بِالطَّعْمِ تَناوُلُ الغِذاءِ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ طَعَمَ في الشَّرابِ أيْضًا كَما تَقَدَّمَ في الكَلامِ عَلَيْهِ والمُتَبادَرُ هُنا الأوَّلُ وقَدْ يُرادُ بِهِ مُطْلَقُ النَّفْعِ ومِنهُ ما في حَدِيثِ بَدْرٍ ما قَتَلْنا أحَدًا بِهِ طَعْمٌ ما قَتَلْنا الأعْجازَ صَلَعًا أيْ قَتَلْنا مَن لا مَنفَعَةَ لَهُ ولا اعْتِدادَ بِهِ وإرادَةُ هَذا المَعْنى هُنا بَعِيدٌ جِدًّا ولَمْ أرَ مَن قالَ بِهِ نَعَمْ قِيلَ: المُرادُ سائِرُ أنْواعِ التَّناوُلاتِ

صفحة 44

مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ ولَعَلَّ إرادَةَ غَيْرِ الأكْلِ فِيهِ بِطَرِيقِ القِياسِ وكَذا حُمِلَ الطّاعِمُ عَلى الواجِدِ مِن قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ طاعِمٌ أيْ حَسَنُ الحالِ مَرْزُوقٌ وإبْقاءُ ( يَطْعَمُهُ ) عَلى ظاهِرِهِ أيْ عَلى واجِدٍ يَأْكُلُهُ فَلا يَكُونُ الوَصْفُ حِينَئِذٍ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ.

﴿إلا أنْ يَكُونَ﴾ ذَلِكَ الطَّعامُ أوِ الشَّيْءُ المُحَرَّمُ ﴿مَيْتَةً﴾ المُرادُ بِها ما لَمْ يُذْبَحْ ذَبْحًا شَرْعِيًّا فَيَتَناوَلُ المُنْخَنِقَةَ ونَحْوَها وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ ( تَكُونَ ) بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ﴿يَكُونَ مَيْتَةً﴾ بِالياءِ ورَفْعِ مَيْتَةٍ وأبُو جَعْفَرٍ يُشَدِّدُ أيْضًا عَلى أنَّ كانَ هي التّامَّةُ ﴿أوْ دَمًا﴾ عُطِفَ عَلى ﴿مَيْتَةً﴾ أوْ عَلى ما في حَيِّزِهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَسْفُوحًا﴾ أيْ مَصْبُوبًا سائِلًا كالدَّمِ في العُرُوقِ صِفَةٌ لَهُ خَرَجَ بِهِ الدَّمُ الجامِدُ كالكَبِدِ والطِّحالِ وفي الحَدِيثِ «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ السَّمَكُ والجَرادُ ودَمانِ الكَبِدُ والطِّحالُ» وقَدْ رُخِّصَ في دَمِ العُرُوقِ بَعْدَ الذَّبْحِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَهاءِ وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: لَوْلا هَذا القَيْدُ لاتَّبَعَ المُسْلِمُونَ مِنَ العُرُوقِ ما اتَّبَعَ اليَهُودُ.

﴿أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ﴾ أيِ اللَّحْمُ كَما قِيلَ لِأنَّهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ أوِ الخِنْزِيرُ لِأنَّهُ الأقْرَبُ ذِكْرًا وذُكِرَ اللَّحْمُ لِأنَّهُ أعْظَمُ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِنهُ فَإذا حَرُمَ فَغَيْرُهُ بِطَرِيقِ الأوْلى وقِيلَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ: الضَّمِيرُ لِكُلٍّ مِنَ المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ عَلى مَعْنى فَإنَّ المَذْكُورَ ﴿رِجْسٌ﴾ أيْ قَذِرٌ أوْ خَبِيثٌ مُخْبَثٌ ﴿أوْ فِسْقًا﴾ عُطِفَ عَلى ﴿لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ عَلى ما اخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُعْرِبِينَ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِلْحُرْمَةِ ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ صِفَةٌ لَهُ مُوَضِّحَةٌ وأصْلُ الإهْلالِ رَفْعُ الصَّوْتِ والمُرادُ الذَّبْحُ عَلى اسْمِ الأصْنامِ وإنَّما سُمِّيَ ذَلِكَ فِسْقًا لِتَوَغُّلِهِ في الفِسْقِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( فِسْقًا ) مَفْعُولًا لَهُ لِأُهِلَّ وهو عُطِفَ عَلى ( يَكُونَ ) و( بِهِ ) قائِمٌ مَقامَ الفاعِلِ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ المُسْتَكِنُ في ( يَكُونَ ) .

قالَ أبُو حَيّانَ: وهَذا إعْرابٌ مُتَكَلَّفٌ جِدًّا والنَّظْمُ عَلَيْهِ خارِجٌ عَنِ الفَصاحَةِ وغَيْرُ جائِزٍ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ ( إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةٌ ) بِالرَّفْعِ لِأنَّ ضَمِيرَ ( بِهِ ) لَيْسَ لَهُ ما يَعُودُ عَلَيْهِ ولا يَجُوزُ أنْ يُتَكَلَّفَ لَهُ مَوْصُوفٌ مَحْذُوفٌ يَعُودُ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ أيْ شَيْءٌ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لا يَجُوزُ إلّا في ضَرُورَةِ الشُّعَراءِ. اهـ. وعَنى بِذَلِكَ كَما قالَ الحَلَبِيُّ إنَّهُ لا يُحْذَفُ المَوْصُوفُ والصِّفَةُ جُمْلَةً إلّا إذا كانَ في الكَلامِ مِنِ التَّبْعِيضِيَّةُ نَحْوَ مِنّا أقامَ ومِنّا ظَعَنَ أيْ فَرِيقٌ أقامَ وفَرِيقٌ ظَعَنَ فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِن كانَ ضَرُورَةً كَقَوْلِهِ.

تَرْمِي بِكَفِّي كانَ مِن أرَمى البَشَرِ

أرادَ بِكَفَّيْ رَجُلٍ كانَ .. إلَخْ. وهَذا كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ رَأْيُ بَعْضٍ وأمّا غَيْرُهُ فَيَقُولُ: مَتى دَلَّ دَلِيلٌ عَلى المَوْصُوفِ حُذِفَ مُطْلَقًا فَيَجُوزُ أنْ يَرى المُجَوِّزُ هَذا الرَّأْيَ ومَنَعَهُ مِن حَيْثُ رَفْعِ المَيْتَةِ كَما قالَ السَّفاقِسِيُّ فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى ما يَعُودُ عَلَيْهِ بِتَقْدِيرِ النَّصْبِ والرَّفْعُ لا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ نَعَمِ الإعْرابُ الأوَّلُ أوْلى كَما لا يَخْفى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أيْ أصابَتْهُ الضَّرُورَةُ الدّاعِيَةُ إلى تَناوُلِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ أيْ طالِبٍ ما لَيْسَ لَهُ طَلَبُهُ بِأنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِن مُضْطَرٍّ آخَرَ مِثْلِهِ وإلى هَذا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ الحَسَنُ: أيْ غَيْرُ مُتَناوِلٍ لِلَّذَّةِ وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ عَلى إمامٍ ﴿ولا عادٍ﴾ أيْ مُتَجاوِزٌ قَدْرَ

صفحة 45

الضَّرُورَةِ ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (145) مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لا يُؤاخِذُهُ بِذَلِكَ وهَذا جَزاءُ الشَّرْطِ لَكِنْ بِاعْتِبارِ لازِمِ مَعْناهُ وهو عَدَمُ المُؤاخَذَةِ وبَعْضُهم قالَ بِتَقْدِيرِ جَزاءٍ يَكُونُ هَذا تَعْلِيلًا لَهُ ولا حاجَةَ إلَيْهِ.

ونُصِبَ ( غَيْرَ ) عَلى أنَّهُ حالٌ وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ ولَيْسَ التَّقْيِيدُ بِالحالِ الأُولى لِبَيانِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدِ القَيْدُ بِالمَعْنى السّابِقِ لَتَحَقَّقَتِ الحُرْمَةُ المَبْحُوثُ عَنْها بَلْ لِلتَّحْذِيرِ مِن حَرامٍ آخَرَ وهو أخْذُهُ حَقَّ مُضْطَرٍّ آخَرَ فَإنَّ مَن أخَذَ لَحْمَ مَيْتَةٍ مَثَلًا مِن مُضْطَرٍّ آخَرَ فَأكَلَهُ فَإنَّ حُرْمَتَهُ لَيْسَتْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ لَحْمَ المَيْتَةِ بَلْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ حَقًّا لِلْمُضْطَرِّ الآخَرِ وأمّا الحالُ الثّانِيَةُ فَلِتَحْقِيقِ زَوالِ الحُرْمَةِ المَبْحُوثِ عَنْها قَطْعًا فَإنَّ التَّجاوُزَ عَنِ القَدْرِ الَّذِي يَسُدُّ بِهِ الرَّمَقَ حَرامٌ مِن حَيْثُ أنَّهُ لَحْمُ المَيْتَةِ.

وفِي التَّعَرُّضِ لِوَصْفَيِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إيذانٌ بِأنَّ المَعْصِيَةَ باقِيَةٌ لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى يَغْفِرُ لَهُ ويَرْحَمُهُ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ فَتَذَكَّرْ ولا تَغْفُلْ واسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِأنَّها حَصَرَتِ المُحَرَّماتِ مِنَ المَطْعُوَماتِ في أرْبَعَةٍ المَيْتَةِ والدَّمِ المَسْفُوحِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ والفِسْقِ الَّذِي أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى بِهِ ولا شَكَّ أنَّها أكْثَرُ مِن ذَلِكَ وأُجِيبَ بِأنَّ المَعْنى لا أجِدُ مُحَرَّمًا مِمّا كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَهُ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ اسْتِثْناءُ الأرْبَعَةِ مِنهُ مُنْقَطِعًا أيْ لا أجِدُ ما حَرَّمُوهُ لَكِنْ أجِدُ الأرْبَعَةَ مُحَرَّمَةً وهَذا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى الحَصْرِ والِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ لَيْسَ كالمُتَّصِلِ في الحَصْرِ كَما نَبَّهُوا عَلَيْهِ وهو مِمّا يَنْبَغِي التَّنَبُّهُ لَهُ.

فَإنْ قُلْتَ: المُسْتَثْنى لَيْسَ مَيْتَةً بَلْ كَوْنُهُ مَيْتَةً وذَلِكَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الطَّعامِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا لا مَحالَةَ فَلا حاجَةَ إلى ذَلِكَ التَّقْيِيدِ قالَ القُطْبُ: نَعَمْ كَذَلِكَ إلّا أنَّ المَقْصُودَ إخْراجُ المَيْتَةِ مِنَ الطَّعامِ المُحَرَّمِ يَعْنِي لا أجِدُ مُحَرَّمًا إلّا المَيْتَةَ فَلَوْلا التَّقْيِيدُ كانَ في الحَقِيقَةِ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا ووَرَدَ الإشْكالُ وضَعُفَ ذَلِكَ الجَوابُ بِأوْجُهٍ مِنها أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وإنَّما تُفِيدُ الحَصْرَ وقالَ سُبْحانَهُ في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وأمّا المُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ وغَيْرُهُما فَهي أقْسامُ المَيْتَةِ وإنَّما أُعِيدَتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم كانُوا يَحْكُمُونَ عَلَيْها بِالتَّحْلِيلِ فالآيَتانِ تَدُلّانِ عَلى أنْ لا مُحَرَّمَ إلّا لِأرْبَعَةٍ وحِينَئِذٍ يَجِبُ القَوْلُ بِدَلالَةِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها عَلى الحَصْرِ لِتُطابِقَ ذَلِكَ وأنْ لا تَقْيِيدَ مَعَ أنَّ الأصْلَ عَدَمُ التَّقْيِيدِ.

وأُجِيبَ عَنِ الإشْكالِ بِأنَّ الآيَةَ إنَّما تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَجِدْ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ إلى تِلْكَ الغايَةِ مُحَرَّمًا غَيْرَ ما نُصَّ عَلَيْهِ فِيها وذَلِكَ لا يُنافِي وُرُودَ التَّحْرِيمِ في شَيْءٍ آخَرَ قِيلَ: وحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ أوْ أعَمِّ الأحْوالِ مُفَرَّغًا بِمَعْنى لا أجِدُ شَيْئًا مِنَ المَطاعِمِ مُحَرَّمًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أوْ حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في وقْتِ أوْ حالِ كَوْنِ الطَّعامِ أحَدَ الأرْبَعَةِ فَإنِّي أجِدُ حِينَئِذٍ مُحَرَّمًا فالمَصْدَرُ المُتَحَصَّلُ مِن أنْ يَكُونَ لِلزَّمانِ أوِ الهَيْئَةِ واعْتَرَضَ الإمامُ هَذا الجَوابَ بِأنَّ ما يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ مِنَ الآياتِ نَزَلَ بَعْدَ اسْتِقْرارِ الشَّرِيعَةِ فَيَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ الثّابِتَ في الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها لَيْسَ إلّا حَصْرَ

صفحة 46

المُحَرَّماتِ في هَذِهِ الأشْياءِ وبِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِمُقْتَضى ذَلِكَ حَصْرُ المُحَرَّماتِ في الأرْبَعَةِ كانَ هَذا اعْتِرافًا بِحِلِّ ما سِواها والقَوْلُ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ خامِسٍ يَكُونُ نَسْخًا ولا شَكَّ أنَّ مَدارَ الشَّرِيعَةِ عَلى أنَّ الأصْلَ عَدَمُ النَّسْخِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ احْتِمالُ طَرِيّانِ النَّسْخِ مُعادِلًا لِاحْتِمالِ بَقاءِ الحُكْمِ عَلى ما كانَ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ مِنَ النُّصُوصِ في إثْباتِ شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ وإنْ كانَ ثابِتًا إلّا أنَّهُ زالَ وما قِيلَ في الِاسْتِثْناءِ يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ مِن أنْ والفِعْلِ لا يُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ولا يَقَعُ حالًا لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ وبَعْضُهم قالَ لِاتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ: إنَّ التَّقْدِيرَ إلّا المَوْصُوفَ بِأنْ يَكُونَ أحَدَ الأرْبَعَةِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿مُحَرَّمًا﴾ وفِيهِ تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ وقِيلَ التَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ إلّا وُجُودَ مَيْتَةٍ والإضافَةُ فِيهِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيْ مَيْتَةٌ مَوْجُودَةٌ.

وأُجِيبَ أيْضًا عَنِ الإشْكالِ بِأنَّ الآيَةَ وإنْ دَلَّتْ عَلى الحَصْرِ إلّا أنّا نُخَصِّصُها بِالإخْبارِ وتَعَقَّبَهُ الإمامُ أيْضًا بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن بابِ التَّخْصِيصِ بَلْ هو صَرِيحُ النَّسْخِ لِأنَّها لَمّا كانَ مَعْناها أنْ لا مُحَرَّمَ سِوى الأرْبَعَةِ فِإثْباتُ مُحَرَّمٍ آخَرَ قَوْلٌ بِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ وهو رَفْعٌ لِلْحَصْرِ ونَسْخُ القُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ غَيْرُ جائِزٍ وأجابَ ذَلِكَ عَنِ القُطْبِ الرّازِيِّ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْحَصْرِ ها هُنا إلّا أنَّ الأرْبَعَةَ مُحَرَّمَةٌ وما عَداها لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وهَذا عامٌّ فَإثْباتُ مُحَرَّمٍ آخَرَ تَخْصِيصٌ لِهَذا العامِّ وتَخْصِيصُ العامِّ بِخَبَرِ الواحِدِ جائِزٌ وقَدِ احْتَجَّ بِظاهِرِ الآيَةِ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ فَأباحُوا ما عَدا المَذْكُورَ فِيها فَمِن ذَلِكَ الحُمُرُ الأهْلِيَّةُ أخْرَجَ البُخارِيُّ «عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: إنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ فَقالَ: قَدْ كانَ يَقُولُ ذَلِكَ الحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَكِنْ أبى ذَلِكَ البَحْرُ يَعْنِي ابْنَ عَبّاسٍ وقَرَأ ﴿قُلْ لا أجِدُ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ الآيَةَ».

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ سُئِلَ عَنْ أكْلِ القُنْفُذِ فَقَرَأ الآيَةَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها كانَتْ إذا سُئِلَتْ عَنْ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ ومِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ قالَتْ ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ .. إلَخْ. وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ لَيْسَ مِنَ الدَّوابِّ شَيْءٌ حَرامٌ إلّا ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ ﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ الآيَةَ وقَوّى الإمامُ الرّازِيُّ القَوْلَ بِالظّاهِرِ فَإنَّهُ قالَ بَعْدَ كَلامٍ فَثَبَتَ بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ قُوَّةُ هَذا الكَلامِ وصِحَّةُ هَذا المَذْهَبِ وهو الَّذِي كانَ يَقُولُ بِهِ مالِكُ بْنُ أنَسٍ ثُمَّ قالَ ومِنَ السُّؤالاتِ الصَّعْبَةِ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الفُقَهاءِ خَصُّوا عُمُومَ هَذِهِ الآيَةِ بِما نُقِلَ أنَّهُ ﷺ قالَ: «ما اسْتَخْبَثَتْهُ العَرَبُ فَهو حَرامٌ» وقَدْ عُلِمَ أنَّ الَّذِي تَسْتَخْبِثُهُ غَيْرُ مَضْبُوطٍ فَسَيِّدُ العَرَبِ بَلْ سَيِّدُ العالِمِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لَمّا رَآهم يَأْكُلُونَ الضَّبَّ قالَ: يَعافُهُ طَبْعِي» ولَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِتَحْرِيمِهِ وأمّا سائِرُ العَرَبِ فَفِيهِمْ مَن لا يَسْتَقْذِرُ شَيْئًا وقَدْ يَخْتَلِفُونَ في بَعْضِ الأشْياءِ فَيَسْتَقْذِرُها قَوْمٌ ويَسْتَطِيبُها آخَرُونَ فَعُلِمَ أنَّ أمْرَ الِاسْتِقْذارِ غَيْرُ مَضْبُوطٍ بَلْ هو مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ والأحْوالِ فَكَيْفَ يَجُوزُ نَسْخُ هَذا النَّصِّ القاطِعِ بِذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ضابِطٌ مُعَيَّنٌ ولا قانُونٌ مَعْلُومٌ. انْتَهى. ولا يَخْفى ما فِيهِ.

واسْتَدَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ عَلى أنَّهُ إنَّما حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ أكْلُها وأنَّ جِلْدَها يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ أخْرَجَ أحْمَدُ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «ماتَتْ شاةٌ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ أخَذْتُمْ مَسْكَها فَقالَتْ نَأْخُذُ مَسْكَ شاةٍ قَدْ ماتَتْ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ لا أجِدُ

صفحة 47

فِي ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ وإنَّكم لا تَطْعَمُونَهُ أنْ تَدْبُغُوهُ تَنْتَفِعُوا بِهِ» .

واسْتَدَلَّ الشّافِعِيَّةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ﴾ عَلى نَجاسَةِ الخِنْزِيرِ بِناءً عَلى عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى خِنْزِيرٍ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском