Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:146–149
6:146Page 147
وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٖۖ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ وَٱلۡغَنَمِ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلۡحَوَايَآ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمٖۚ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِبَغۡيِهِمۡۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ١٤٦
And to those who are Jews We prohibited every animal of uncloven hoof; and of the cattle and the sheep We prohibited to them their fat, except what adheres to their backs or the entrails or what is joined with bone. [By] that We repaid them for their transgression. And indeed, We are truthful.
﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ أيِ اليَهُودُ خاصَّةً لا عَلى مَن عَداهم مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ أيْ لَيْسَ مُنْفَرِجِ الأصابِعِ كالإبِلِ والنَّعامِ والأوِزِّ والبَطِّ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جَرِيرٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ الإبِلُ فَقَطْ وقالَ الجُبّائِيُّ: يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ السِّباعِ والكِلابِ والسَّنانِيرِ وما يَصْطادُ بِظُفُرِهِ وعَنِ القُتَبِيِّ والبَلْخِيِّ أنَّهُ ذُو المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ وذُو الحافِرِ مِنَ الدَّوابِّ وسُمِّي الحافِرُ ظُفُرًا مَجازًا واسْتَبْعَدَ ذَلِكَ الإمامُ ولَعَلَّ المُسَبَّبَ عَنِ الظُّلْمِ هو تَعْمِيمُ التَّحْرِيمِ لِأنَّ البَعْضَ كانَ حَرامًا قَبْلَهُ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ كُلُّ ذِي ظُفُرٍ حَلالٍ بِقَرِينَةِ ﴿حَرَّمْنا﴾ وهَذا كَما قِيلَ تَحْقِيقٌ لِما سَلَفَ مِن حَصْرِ المُحَرَّماتِ فِيما فَصَّلَ بِإبْطالِ ما يُخالِفُهُ مِن فِرْيَةِ اليَهُودِ وتَكْذِيبِهِمْ في ذَلِكَ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَسْنا أوَّلَ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُما عَلَيْهِما السَّلامُ حَتّى انْتَهى التَّحْرِيمُ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ ذَلِكَ تَتْمِيمٌ لِما قَبْلَهُ لِأنَّ فِيهِ رَفْعٌ أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ فَكَذَلِكَ حَرَّمَ البُحَيْرَةَ والسّائِبَةَ ونَحْوَهُما بِأنَّ ذَلِكَ كانَ عَلى اليَهُودِ خاصَّةً غَضَبًا عَلَيْهِمْ: وقَرَأ الحَسَنُ ( ظِفْرٍ ) بِكَسْرِ الظّاءِ وسُكُونِ الفاءِ وقَرَأ أبُو السِّماكِ بِكَسْرِهِما وقُرِئَ كَما قالَ أبُو البَقاءِ ( ظُفْرٍ ) بِضَمِّ الظّاءِ وسُكُونِ الفاءِ.
﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ لا لُحُومَهُما فَإنَّها باقِيَةٌ عَلى الحِلِّ والمُرادُ بِالشُّحُومِ ما يَكُونُ عَلى الأمْعاءِ والكِرْشِ مِنَ الشَّحْمِ الرَّقِيقِ وشُحُومُ الكُلى وقِيلَ: هو عامٌّ اسْتُثْنِيَ مِنهُ ما سَيَأْتِي و( مِنَ البَقَرِ ) مُتَعَلِّقٌ بِحَرَّمْنا بَعْدَهُ وكانَ يَكْفِي حِينَئِذٍ أنْ يُقالَ: الشُّحُومُ لَكِنَّهُ أُضِيفَ لِزِيادَةِ الرَّبْطِ والتَّأْكِيدِ كَما يُقالُ: أخَذْتُ مِن زَيْدٍ مالَهُ وهو مُتَعارَفٌ في كَلامِهِمْ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وظاهِرُ صَنِيعِهِ اخْتِيارُهُ مَعَ أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ أنَّ ( مِنَ البَقَرِ ) عُطِفَ عَلى ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ عَلى مَعْنى وبَعْضَ البَقَرِ وجَعَلَ ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ تَبْيِينًا لِلْمُحَرَّمِ مِن ذَلِكَ وحِينَئِذٍ الإضافَةُ لِلرَّبْطِ المُحْتاجِ إلَيْهِ.
﴿إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ أيْ ما عَلِقَ بِظُهُورِهِما والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ مِنَ الشُّحُومِ وإلى الِانْقِطاعِ ذَهَبَ الإمامُ الأعْظَمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ لَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلَ شَحْمًا يَحْنَثُ بِشَحْمِ البَطْنِ فَقَطْ وخالَفَهُ في ذَلِكَ صاحِباهُ فَقالا يَحْنَثُ بِشَحْمِ الظَّهْرِ أيْضًا لِأنَّهُ شَحْمٌ وفِيهِ خاصِّيَّةُ الذَّوْبِ بِالنّارِ وأيَّدَ ذَلِكَ بِهَذا الِاسْتِثْناءِ بِناءً عَلى أنَّ الأصْلَ فِيهِ الِاتِّصالُ ولِلْإمامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ لَحْمٌ حَقِيقَةً لِأنَّهُ يَنْشَأُ مِنَ الدَّمِ ويُسْتَعْمَلُ كاللَّحْمِ في اتِّخاذِ الطَّعامِ والقَلايا ويُؤْكَلُ كاللَّحْمِ ولا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِالشَّحْمِ ولِهَذا يَحْنَثُ بِأكْلِهِ لَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا وبائِعُهُ يُسَمّى لَحّامًا لا شَحّامًا والِاتِّصالُ وإنْ كانَ أصْلًا في الِاسْتِثْناءِ إلّا أنَّ هُنا ما يَدُلُّ عَلى الِانْقِطاعِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوِ الحَوايا﴾ فَإنَّهُ عُطِفَ عَلى المُسْتَثْنى ولَيْسَ بِشَحْمٍ بَلْ هو بِمَعْنى المَباعِرِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِما أوِ المَرابِضِ وهي نَباتُ اللَّبَنِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أوِ المَصارِينُ والأمْعاءُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ ولِلْقائِلِ بِالِاتِّصالِ أنْ يَقُولَ العَطْفُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ شُحُومُ الحَوايا أوْ يُؤَوَّلُ ذَلِكَ بِما حَمَلَهُ ( الحَوايا ) مِن شَحْمٍ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُفَسَّرَ ( الحَوايا ) بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الأمْعاءُ لِأنَّهُ مِن حَواهُ بِمَعْنى اشْتَمَلَ عَلَيْهِ فَيُطْلَقُ عَلى الشَّحْمِ المُلْتَفِّ
صفحة 48
عَلى الأمْعاءِ وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ﴿ظُهُورُهُما﴾ وأنْ يَكُونَ عَلى ﴿شُحُومَهُما﴾ وحِينَئِذٍ يَكُونُ ما ذُكِرَ مُحَرَّمًا وإلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ وهو يَعْطِفُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ وهي شَحْمُ الإلْيَةِ لِاتِّصالِها بِالعُصْعُصِ وقِيلَ هو المُخُّ ولا يَقُولُ أحَدٌ إنَّهُ شَحْمٌ عَلَيْهِ ويَقُولُ بِتَحْرِيمِهِ أيْضًا و( الحَوايا ) قِيلَ جَمْعُ حاوِيَةٍ كَزاوِيَةٍ وزَوايا ووَزْنُهُ فَواعِلُ وأصْلُهُ حَواوى فَقُلِبَتِ الواوُ الَّتِي هي عَيْنُ الكَلِمَةِ هَمْزَةً لِأنَّها ثانِي حَرْفَيْ لِينٍ اكْتَنَفا مَدَّةَ مَفاعِلَ ثُمَّ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ المَكْسُورَةُ ياءً ثُمَّ فُتِحَتْ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ عَلى الياءِ فَقُلِبَتِ الياءُ الأخِيرَةُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها بَعْدَ فَتْحَةٍ فَصارَتْ حَوايا أوْ قُلِبَتِ الواوُ هَمْزَةً مَفْتُوحَةً ثُمَّ الياءُ الأخِيرَةُ ألِفًا ثُمَّ الهَمْزَةُ ياءً لِوُقُوعِها بَيْنَ ألِفَيْنِ كَما فُعِلَ بِخَطايا وقِيلَ: جَمْعُ حاوِياءَ كَقاصِعاءَ وقَواصِعَ ووَزْنُهُ فَواعِلُ أيْضًا وإعْلالُهُ كَما عَلِمْتَ وقِيلَ: جَمْعُ حَوِيَّةٍ كَظَرِيفَةٍ وظَرائِفَ ووَزْنُهُ فَعائِلُ وأصْلُهُ حَوائِيُ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً مَفْتُوحَةً والياءُ الَّتِي هي لامٌ ألِفًا فَصارَ حَوايا.
وجَوَّزَ الفارِسِيُّ أنْ يَكُونَ جَمْعًا لِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ وقَدْ سُمِعَ في مُفْرَدِهِ أيْضًا و( أوْ ) بِمَعْنى الواوِ.
وقالَ أبُو البَقاءِ لِتَفْصِيلِ مَذاهِبِهِمْ نَظِيرُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ وقالَ الزَّجّاجُ: هي فِيما إذا كانَ العَطْفُ عَلى الشُّحُومِ لِلْإباحَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ أيْ كُلُّ هَؤُلاءِ أهْلٌ أنْ يُعْصى فاعْصِ هَذا أوِ اعْصِ هَذا و( أوْ ) بَلِيغَةٌ في هَذا المَعْنى لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا فَجائِزٌ أنْ تَكُونَ نُهِيتَ عَنْ طاعَتِهِما مَعًا فَإنْ أُطِيعَ زَيْدٌ عَلى حِدَّتِهِ لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً فَإذا قُلْتَ لا تُطِعْ زَيْدًا أوْ عَمْرًا أوْ خالِدًا كانَ المَعْنى هَؤُلاءِ كُلُّهم أهْلٌ أنْ يُطاعَ فَلا تُطِعْ واحِدًا مِنهم ولا تُطِعِ الجَماعَةَ ومِنهُ جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ أوِ الشَّعْبِيَّ فَلَيْسَ المَعْنى الأمْرَ بِمُجالَسَةِ واحِدٍ مِنهم بَلِ المَعْنى كُلُّهم أهْلٌ أنْ يُجالَسَ فَإنْ جالَسْتَ واحِدًا مِنهم فَأنْتَ مُصِيبٌ وإنْ جالَسْتَ الجَماعَةَ فَأنْتَ مُصِيبٌ واخْتارَهُ العَلّامَةُ الثّانِي وقالَ الوَجْهُ أنْ يُقالَ إنَّ كَلِمَةَ ( أوْ ) في العَطْفِ عَلى المُسْتَثْنى مِن قَبِيلِ جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ كَما في العَطْفِ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ يَعْنِي أنَّها لِإفادَةِ التَّساوِي في الكُلِّ فَيَحْرُمُ الكُلُّ وتَحْقِيقُهُ أنَّ مَرْجِعَ التَّحْرِيمِ إلى النَّهْيِ كَأنَّهُ قِيلَ لا تَأْكُلُوا أحَدَ الثَّلاثَةِ وهو مَعْنى العُمُومِ وهَذا مُرادُ الزَّمَخْشَرِيِّ فِيما نُقِلَ عَنْهُ مِن أنَّ الجُمْلَةَ في حُكْمِ التَّحْرِيمِ فَوَجْهُ العَطْفِ بِحَرْفِ التَّخْيِيرِ أنَّها بَلِيغَةٌ بِهَذا المَعْنى ثُمَّ قالَ وبِهَذا يَتَبَيَّنُ فَسادُ ما يُتَوَهَّمُ أنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ العَطْفِ عَلى المُسْتَثْنى مِنهُ يَكُونُ المَعْنى حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما أوْ حَرَّمْنا عَلَيْهِمُ الحَوايا أوْ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ فَيَجُوزُ لَهم تَرْكُ أيِّها كانَ وأكْلُ الآخَرَيْنِ وادَّعى أنَّ الظّاهِرَ أنَّ مِثْلَ هَذا وإنْ كانَ جائِزًا فَلَيْسَ مِنَ الشَّرْعِ أنْ يُحَرَّمَ أوْ يُحَلَّلَ واحِدٌ مُبْهَمٌ مِن أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ وإنَّما ذَلِكَ في الواجِبِ فَقَطْ وهَذِهِ الدَّعْوى مِنَ العَجَبِ فَإنَّ الحَرامَ المُخَيَّرَ والمُباحَ المُخَيَّرَ مِمّا صَرَّحَ بِهِ الفُقَهاءُ وأهْلُ الأُصُولِ قاطِبَةً ويَحْتاجُ إلى إمْعانِ نَظَرٍ فَلْيُمْعِنْ وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ في حاصِلِ كَلامِ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ في أوْ هُنا أنَّكَ إذا عَطَفْتَ عَلى الشُّحُومِ دَخَلَتِ الثَّلاثَةُ تَحْتَ حُكْمِ النَّفْيِ فَيَحْرُمُ الكُلُّ سِوى ما اسْتُثْنِيَ مِنهُ وإذا عَطَفْتَ عَلى المُسْتَثْنى لَمْ يَحْرُمْ سِوى الشُّحُومِ و( أوْ ) عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِلْإباحَةِ وعَلى الثّانِي لِلتَّنْوِيعِ ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الجَزاءِ أوِ التَّحْرِيمِ: فَهو عَلى الأوَّلِ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما بَعْدَهُ وعَلى الثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ أيْ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ وجَزى يَتَعَدّى بِالباءِ وبِنَفْسِهِ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ وغَيْرُهُ وما نُقِلَ عَنِ ابْنِ مالِكٍ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ لا يَنْتَصِبُ مُشارًا بِهِ إلى المَصْدَرِ إلّا ويُتْبَعُ بِالمَصْدَرِ نَحْوَ قُمْتُ هَذا القِيامَ وقَعَدْتُ ذَلِكَ القُعُودَ ولا يَجُوزُ قُمْتُ هَذا ولا قَعَدْتُ ذَلِكَ ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ والجَلَبِيُّ وصَحَّحا وُرُودَ اسْمِ الإشارَةِ مُشارًا بِهِ إلى المَصْدَرِ غَيْرَ مَتْبُوعٍ بِهِ.
صفحة 49
وجُوِّزَ كَوْنُ ذَلِكَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ أيِ الأمْرُ ذَلِكَ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ جَزَيْناهم إيّاهُ ﴿بِبَغْيِهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وهو قَتْلُهُمُ الأنْبِياءُ بِغَيْرِ حَقٍّ وأكْلُهُمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ وأكْلُهم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ وكانُوا كُلَّما أتَوْا بِمَعْصِيَةٍ عُوقِبُوا بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ مِمّا أُحِلَّ لَهم وهم يُنْكِرُونَ ذَلِكَ ويَدَّعُونَ أنَّها لَمْ تَزَلْ مُحَرَّمَةً عَلى الأُمَمِ وقِيلَ: المُرادُ بِبَغْيِهِمْ عَلى فُقَرائِهِمْ بِناءً عَلى ما نَقَلَ عَلِيُّ بْنُ إبْراهِيمَ في تَفْسِيرِهِ أنَّ مُلُوكَ بَنِيَ إسْرائِيلَ كانُوا يَمْنَعُونَ فُقَراءَهم مِن أكْلِ لُحُومِ الطَّيْرِ والشُّحُومِ فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِسَبَبِ هَذا المَنعِ وهو تابِعٌ لِلْمَصْلَحَةِ أيْضًا ولا بُعْدَ في أنْ يَكُونَ المَنعُ مِنَ الِانْتِفاعِ لِمَزِيدِ اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ وأنْ يَكُونَ لِجُرْمٍ مُتَقَدِّمٍ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ (146) في جَمِيعِ أخْبارِنا الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإخْبارُ بِالتَّحْرِيمِ وبِالبَغْيِ وعُدَّ مِنها واقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمُ الوَعْدُ والوَعِيدُ.
وقَوّى الإمامُ بِهَذِهِ الآيَةِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الإمامُ مالِكٌ وكَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ وهو القَوْلُ بِما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ السّابِقَةِ مِن حِلِّ ما عَدا الأرْبَعَةَ المَذْكُورَةَ فِيها وذَلِكَ أنَّهُ أوْجَبَ حَمْلَ الظُّفُرِ عَلى المِخْلَبِ لِبُعْدِ حَمْلِهِ عَلى الحافِرِ لِوَجْهَيْنِ الأوَّلُ أنَّ الحافِرَ لا يَكادُ يُسَمّى ظُفُرًا والثّانِي أنَّ الأمْرَ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى حَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ حَيَوانٍ لَهُ حافِرٌ وهو باطِلٌ لِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الغَنَمَ والبَقَرَ مُباحانِ لَهم مَعَ حُصُولِ الحافِرِ لَهم وإذًا وجَبَ حَمْلُهُ عَلى المِخْلَبِ والآيَةُ تُفِيدُ تَخْصِيصَ هَذِهِ الحُرْمَةِ بِاليَهُودِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ مِن وجْهَيْنِ الأوَّلُ إفادَةُ التَّرْكِيبِ الحَصْرَ لُغَةً والثّانِي أنَّها لَوْ كانَتْ ثابِتَةً في حَقِّ الكُلِّ لَمْ يَبْقَ لِلِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِهِمْ فائِدَةٌ ووَجَبَ أنْ لا تَكُونَ السِّباعُ وذَواتُ المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ مُحَرَّمَةً عَلى المُسْلِمِينَ بَلْ يَكُونُ تَحْرِيمُها مُخْتَصًّا بِاليَهُودِ وحِينَئِذٍ فَما رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ حَرَّمَ كُلَّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ وذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» ضَعِيفٌ لِأنَّهُ خَبَرٌ واحِدٌ عَلى خِلافِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى فَلا يَكُونُ مَقْبُولًا فَيَتَقَرَّرُ قَوْلُ الجَماعَةِ السّابِقُ وفِيهِ نَظَرٌ لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ
6:147Page 148
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمۡ ذُو رَحۡمَةٖ وَٰسِعَةٖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُهُۥ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٤٧
So if they deny you, [O Muḥammad], say, "Your Lord is the possessor of vast mercy; but His punishment cannot be repelled from the people who are criminals."
﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ أيِ اليَهُودُ كَما قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ لِأنَّهم أقْرَبُ ذِكْرًا ولِذِكْرِ المُشْرِكِينَ بَعْدُ بِعُنْوانِ الإشْراكِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ إنْ كَذَّبَكَ اليَهُودُ في الحُكْمِ المَذْكُورِ وأصَرُّوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ ادِّعاءٍ قُدِّمَ التَّحْرِيمُ ﴿فَقُلْ﴾ لَهم ﴿رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ﴾ عَظِيمَةٍ ﴿واسِعَةٍ﴾ لا يُؤاخِذُكم بِكُلِّ ما تَأْتُونَهُ مِنَ المَعاصِي ويُمْهِلُكم عَلى بَعْضِها ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ أيْ لا يُدْفَعُ عَذابُهُ بِالكُلِّيَّةِ ﴿عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ (147) فَلا تُنْكِرُوا ما وقَعَ مِنهُ تَعالى مِن تَحْرِيمِ بَعْضِ الطَّيِّباتِ عَلَيْكم عُقُوبَةً وتَشْدِيدًا وعَلى الثّانِي فَإنَّ كَذَّبَكَ المُشْرِكُونَ فِيما فُصِّلَ مِن أحْكامِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ فَقُلْ لَهم رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ ولا يُعالِجُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى تَكْذِيبِكم فَلا تَغْتَرُّوا بِذَلِكَ فَإنَّهُ إمْهالٌ لا إهْمالٌ.
وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ فَهو يَرْحَمُنِي بِتَوْفِيقٍ كَثِيرٍ لِتَصْدِيقِي فَلا يَضُرُّنِي تَكْذِيبُكم ويَضُرُّكم لِأنَّهُ لا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ المُجْرِمِينَ المُكَذِّبِينَ أوْ سَيَرْحَمُنِي بِالِانْتِقامِ مِنكم ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنْكم وفِيهِ بُعْدٌ وقِيلَ: المُرادُ ذُو رَحْمَةٍ لِلْمُطِيعِينَ وذُو بَأْسٍ شَدِيدٍ عَلى المُجْرِمِينَ فَأُقِيمَ مَقامَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا يُرَدُّ﴾ .. إلَخْ. لِتَضَمُّنِهِ التَّنْبِيهَ عَلى إنْزالِ البَأْسِ عَلَيْهِمْ مَعَ الدَّلالَةِ أنَّهُ لاحِقٌ بِهِمُ البَتَّةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَصْرِفُهُ عَنْهم أصْلًا.
6:148Page 148
سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكۡنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأۡسَنَاۗ قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمٖ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَآۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَخۡرُصُونَ ١٤٨
Those who associated [others] with Allāh will say, "If Allāh had willed, we would not have associated [anything] and neither would our fathers, nor would we have prohibited anything." Likewise did those before deny until they tasted Our punishment. Say, "Do you have any knowledge that you can produce for us? You follow not except assumption, and you are not but misjudging."
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ حِكايَةٌ لِفَنٍّ آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ والإخْبارُ قَبْلَ وُقُوعِهِ ثُمَّ وُقُوعُهُ حَسْبَما أُخْبِرُكُما يَحْكِيهِ قَوْلُهُ تَعالى عِنْدَ وُقُوعِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ مِن
صفحة 50
عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وقَدْ نَصَّ غَيْرُ واحِدٍ عَلى أنَّ وُقُوعَ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ المُغَيَّباتِ مِن وُجُوهِ الإعْجازِ لِكَلامِهِ وإنْ لَمْ يَكُنِ الإعْجازُ بِهِ فَقَطْ كَما في قَوْلٍ مُضَعَّفٍ لَوْ شاءَ اللَّهُ عَدَمَ إشْراكِنا وعَدَمَ تَحْرِيمِنا شَيْئًا ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ لَمْ يُرِيدُوا بِهَذا الكَلامِ الِاعْتِذارَ عَنِ ارْتِكابِ القَبِيحِ إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا قُبْحَ أفْعالِهِمْ وهي أفْعى لَهم بَلْ هم كَما نَطَقَتْ بِهِ الآياتُ ﴿يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ وأنَّهم إنَّما يَعْبُدُونَ الأصْنامَ لِيُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ زُلْفى وأنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما كانَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَما مُرادُهم بِذَلِكَ إلّا الِاحْتِجاجُ عَلى أنَّ ما ارْتَكَبُوهُ حَقٌّ ومَشْرُوعٌ ومَرَضِيٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِناءً عَلى أنَّ المَشِيئَةَ والإرادَةَ تُساوِقُ الأمْرَ وتَسْتَلْزِمُ الرِّضا كَما زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ فَيَكُونُ حاصِلُ كَلامِهِمْ إنَّ ما نَرْتَكِبُهُ مِنَ الشِّرْكِ والتَّحْرِيمِ وغَيْرِهِما تَعَلَّقَتْ بِهِ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى وإرادَتُهُ وكُلُّ ما تَعَلَّقَ بِهِ مَشِيئَتُهُ سُبْحانَهُ وإرادَتُهُ فَهو مَشْرُوعٌ ومَرَضِيٌّ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ فَيَنْتِجُ أنَّ ما نَرْتَكِبُهُ مِنَ الشِّرْكِ والتَّحْرِيمِ مَشْرُوعٌ ومَرَضِيٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وبَعْدَ أنْ حَكى سُبْحانَهُ ذَلِكَ عَنْهم رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ما كَذَبَ هَؤُلاءِ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ وهم أسْلافُهُمُ المُشْرِكُونَ وحاصِلُهُ أنَّ كَلامَهم يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقَدْ دَلَّتِ المُعْجِزَةُ عَلى صِدْقِهِمْ ولا يَخْفى أنَّ المُقَدِّمَةَ الأُولى لا تَكْذِيبَ فِيها نَفْسُها بَلْ هي مُتَضَمِّنَةٌ لِتَصْدِيقِ ما تَطابَقَ فِيهِ العَقْلُ والشَّرْعُ مِن كَوْنِ كُلِّ كائِنٍ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وامْتِناعِ أنْ يَجْرِيَ في مُلْكِهِ خِلافُ ما يَشاءُ فَمَنشَأُ التَّكْذِيبِ هو المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ لِأنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَدْعُونَهم إلى التَّوْحِيدِ ويَقُولُونَ لَهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ دِينًا ولا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ فَيَكُونُ قَوْلُهم: إنَّ ما نَرْتَكِبُهُ مَشْرُوعٌ ومَرَضِيٌّ عِنْدَهُ تَعالى تَكْذِيبٌ لِهَذا القَوْلِ وحَيْثُ كانَ فَسادُ هَذِهِ الحُجَّةِ بِاعْتِبارِ المُقَدِّمَةِ الثّانِيَةِ تَعَيَّنَ أنَّها لَيْسَتْ بِصادِقَةٍ وحِينَئِذٍ يَصْدُقُ نَقِيضُها وهي أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ المَشِيئَةُ والإرادَةُ بِمَشْرُوعِ ومَرَضِيٍّ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ بِناءً عَلى أنَّ الإرادَةَ لا تُساوِقُ الأمْرَ والرِّضا عَلى ما هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ إذِ المَشِيئَةُ تُرَجِّحُ بَعْضَ المُمَكِناتِ عَلى بَعْضٍ مَأْمُورًا كانَ أوْ مَنهِيًّا حَسَنًا كانَ أوْ قَبِيحًا وعَلى هَذا فَلا حُجَّةَ في الآيَةِ لِلْمُعْتَزِلَةِ بَلْ قَدِ انْقَلَبَ الأمْرُ فَصارَتِ الآيَةُ حُجَّةً لَنا عَلَيْهِمْ لِأنَّهم لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ المَأْمُورِ والمُرادِ واعْتَقَدُوا كالمُشْرِكِينَ بِأنَّ كُلَّ مُرادٍ مَأْمُورٌ ومَرَضِيٌّ ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ مَقْصُودُ المُشْرِكِينَ مِن قَوْلِهِمْ ذَلِكَ رَدُّ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ورَفْعُ البَعْثَةِ والتَّكْلِيفِ وهو المَذْكُورُ في كَثِيرٍ مِنَ الكُتُبِ الكَلامِيَّةِ وحاصِلُهُ حِينَئِذٍ أنَّ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى يَجِبُ وما لَمْ يَشَأْ يَمْتَنِعُ وكُلُّ ما هَذا شَأْنُهُ فَلا يُكَلَّفُ بِهِ لِكَوْنِهِ مَشْرُوطًا بِالِاسْتِطاعَةِ فَيَنْتُجُ أنَّ ما نَرْتَكِبُهُ مِنَ الشِّرْكِ وغَيْرِهِ لَمْ نُكَلَّفْ بِتَرْكِهِ ولَمْ يُبْعَثْ لَهُ نَبِيٌّ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِأنَّ هَذِهِ كَلِمَةُ صِدْقٍ أُرِيدَ بِها باطِلٌ لِأنَّهم أرادُوا بِها أنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في دَعْواهُمُ البَعْثَةَ والتَّكْلِيفَ كاذِبُونَ وقَدْ ثَبَتَ صِدْقُهم بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ ولِكَوْنِ ذَلِكَ صِدْقًا أُرِيدَ بِهِ باطِلٌ ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالتَّكْذِيبِ ووُجُوبُ وُقُوعِ مُتَعَلِّقٍ بِالمَشِيئَةِ لا يُنافِي صِدْقَ دَعْوى البَعْثَةِ والتَّكْلِيفِ لِأنَّهُما لِإظْهارِ المَحَجَّةِ وإبْلاغِ الحُجَّةِ وسَيَأْتِي تَوْجِيهٌ آخَرُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا لِلْآيَةِ.
وعُطِفَ ﴿آباؤُنا﴾ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ في ﴿أشْرَكْنا﴾ وساغَ ذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وإنْ لَمْ يُؤَكَّدِ الضَّمِيرُ لِأنَّهُ يَكْفِي عِنْدَهم أيُّ فاصِلٍ كانَ وقَدْ فُصِلَ بِلا ها هُنا والكُوفِيُّونَ لا يَشْتَرِطُونَ في ذَلِكَ شَيْئًا ويَسْتَدِلُّونَ بِما هُنا ولا يَعْتَبِرُونَ هَذا الفَصْلَ لِأنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَتَقَدَّمَ حَرْفُ العَطْفِ لِيَدْفَعَ الهُجْنَةَ ولا يَكْفِيَ عِنْدَهُمُ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وتَوَقَّفَ أبُو عَلِيٍّ في كِفايَةِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَفْصِلْ
صفحة 51
حَرْفُ العَطْفِ وادَّعى الإمامُ أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيرًا لِأنَّ النَّفْيَ لا يُصْرَفُ إلى ذَواتِ الآباءِ بَلْ يَجِبُ صَرْفُهُ إلى فِعْلٍ صَدَرَ مِنهم وذَلِكَ هو الإشْراكُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ ما أشْرَكْنا ولا أشْرَكَ آباؤُنا وحِينَئِذٍ فَلا إشْكالَ.
﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ أيْ نالُوا عَذابَنا الَّذِي أنْزَلْناهُ عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ وفِيهِ عَلى ما قِيلَ إيماءٌ إلى أنَّ لَهم عَذابًا مُدَّخَرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ الذَّوْقَ أوَّلُ إدْراكِ الشَّيْءِ.
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ﴾ أيْ مِن أمْرٍ مَعْلُومٍ يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ عَلى زَعْمِكم ﴿فَتُخْرِجُوهُ﴾ أيْ فَتُظْهِرُوهُ ﴿لَنا﴾ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأوْضَحِ بَيانٍ وقِيلَ: المُرادُ هَلْ لَكم مِنَ اعْتِقادٍ ثابِتٍ مُطابِقٍ فِيما ادَّعَيْتُمْ أنَّ الإشْراكَ وسائِرَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مَرْضِيٌّ لِلَّهِ تَعالى فَتُظْهِرُوهُ لَنا بِالبُرْهانِ وجَعَلَ إمامُ الحَرَمَيْنِ في الإرْشادِ هَذا وما بَعْدَهُ دَلِيلًا عَلى أنَّ المُشْرِكِينَ إنَّما اسْتَوْجَبُوا التَّوْبِيخَ عَلى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَهْزَؤُنَ بِالدِّينِ ويَبْغُونَ رَدَّ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حَيْثُ قَرَعَ مَسامِعَهم مِن شَرائِعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ تَفْوِيضُ الأُمُورِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَحِينَ طالَبُوهم بِالإسْلامِ والتِزامِ الأحْكامِ احْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِما أخَذُوهُ مِن كَلامِهِمْ مُسْتَهْزِئِينَ بِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهم ذِكْرَ ما يَنْطَوِي عَلَيْهِ عَقْدُهم كَيْفَ لا والإيمانُ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى فَرْعُ الإيمانِ بِهِ عَزَّ شَأْنُهُ وهو عَنْهم مَناطُ العَيُّوقِ.
﴿إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ أيْ ما تَتَّبِعُونَ في ذَلِكَ ﴿إلا الظَّنَّ﴾ الباطِلَ الَّذِي لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا أوِ المُرادُ إنَّ عادَتَكم وجُلَّ أمْرِكم أنَّكم لا تَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ ﴿وإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ (148) تَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في حُكْمِ اتِّباعِ الظَّنِّ عَلى التَّفْصِيلِ فَتَذْكَّرْ
6:149Page 148
قُلۡ فَلِلَّهِ ٱلۡحُجَّةُ ٱلۡبَٰلِغَةُۖ فَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٤٩
Say, "With Allāh is the far-reaching [i.e., conclusive] argument. If He had willed, He would have guided you all."
﴿قُلْ فَلِلَّهِ﴾ خاصَّةً ﴿الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ أيِ البَيِّنَةُ الواضِحَةُ الَّتِي بَلَغَتْ غايَةَ المَتانَةِ والقُوَّةِ عَلى الإثْباتِ أوْ بَلَغَ بِها صاحِبُها صِحَّةَ دَعَواهُ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ والمُرادُ بِها في المَشْهُورِ الكِتابُ والرَّسُولُ والبَيانُ وقالَ شَيْخُ مَشايِخِنا الكُورانِيُّ: ﴿الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ العِلْمَ تابِعٌ لِلْمَعْلُومِ وأنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى مُتَعَلِّقَةٌ بِإظْهارِ ما اقْتَضاهُ اسْتِعْدادُ المَعْلُومِ في نَفْسِهِ مُراعاةً لِلْحِكْمَةِ جُودًا ورَحْمَةً لا وُجُوبًا وهي مِنَ الحَجِّ بِمَعْنى القَصْدِ كَأنَّها يُقْصَدُ بِها إثْباتُ الحُكْمِ وتَطَلُّبُهُ أوْ بِمَعْنى الغَلَبَةِ وهو المَشْهُورُ والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ أيْ إذا ظَهَرَ أنْ لا حُجَّةَ لَكم قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ ﴿فَلَوْ شاءَ﴾ هِدايَتَكم جَمِيعًا ﴿لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ (149) بِالتَّوْفِيقِ لَها والحَمْلِ عَلَيْها ولَكِنْ شاءَ هِدايَةَ البَعْضِ الصّارِفِينَ اخْتِيارَهم إلى سُلُوكِ طَرِيقِ الحَقِّ وضَلالَ آخَرِينَ صَرَفُوهُ إلى خِلافِ ذَلِكَ.
وقالَ الكُورانِيُّ: المُرادُ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ إذْ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ لَكم هِدايَةً يَقْتَضِيها اسْتِعْدادُكم بَلِ المَعْلُومُ لَهُ عَدَمُ هِدايَتِكم وهو مُقْتَضى اسْتِعْدادِكُمُ الأزَلِيِّ الغَيْرِ المَجْعُولِ وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ ولا يُنافِي ما في صَدْرِ الآيَةِ لِما عَلِمْتَ مِن مُرادِهِمْ بِهِ وفائِدَةُ إرْسالِ الرُّسُلِ عَلى القَوْلِ بِالِاسْتِعْدادِ تَحْرِيكُ الدَّواعِيَ لِلْفِعْلِ والتَّرْكُ بِاخْتِيارِ المُكَلَّفِ النّاشِئِ مِن ذَلِكَ الِاسْتِعْدادِ وقَطْعُ اعْتِذارِ الظّالِمِينَ وقَدْ أشَرْنا إلى ذَلِكَ مِن قَبْلُ فَتَذَكَّرْ وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ وجْهًا آخَرَ في تَوْجِيهِ ما في الآيَةِ وهو أنَّ الرَّدَّ عَلَيْهِمُ إنَّما كانَ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّهم مَسْلُوبُونَ اخْتِيارَهم وقُدْرَتَهم وأنَّ إشْراكَهم إنَّما صَدَرَ مِنهم عَلى وجْهِ الِاضْطِرارِ وزَعَمُوا أنَّهم يُقِيمُونَ الحُجَّةَ عَلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهم في دَعْواهم عَدَمَ الِاخْتِيارِ لِأنْفُسِهِمْ وشُبْهَتُهم بِمَنِ اغْتَرَّ قَبْلَهم بِهَذا
صفحة 52
الخَيالِ فَكَذَّبَ الرُّسُلَ وأشْرَكَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ واعْتَمَدَ عَلى أنَّهُ إنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى ورامَ إفْحامَ الرُّسُلِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم لا حُجَّةَ لَهم في ذَلِكَ وأنَّ الحُجَّةَ البالِغَةَ لَهُ جَلَّ وعَلا لا لَهم ثُمَّ أوْضَحَ سُبْحانَهُ أنَّ كُلَّ واقِعٍ واقِعٌ بِمَشِيئَتِهِ وأنَّهُ لَمْ يَشَأْ مِنهُمُ إلّا ما صَدَرَ عَنْهم وأنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ مِنهُمُ الهِدايَةَ لاهْتَدَوْا أجْمَعُونَ.
والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ أنْ يَتَمَحَّضَ وجْهُ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ ويَتَخَلَّصَ عَقِيدَةُ نُفُوذِ المَشِيئَةِ وعُمُومُ تَعَلُّقِها بِكُلِّ كائِنٍ عَنِ الرَّدِّ ويَنْصَرِفَ الرَّدُّ إلى دَعْواهم سَلْبَ الِاخْتِيارِ لِأنْفُسِهِمْ وأنَّ إقامَتَهُمُ الحُجَّةَ بِذَلِكَ خاصَّةٌ وإذا تَدَبَّرْتَ الآيَةَ وجَدْتَ صَدْرَها دافِعًا بِصُدُورِ الجَبْرِيَّةِ وعَجْزَها مُعْجِزًا لِلْمُعْتَزِلَةِ إذِ الأوَّلُ مُثْبِتٌ أنَّ لِلْعَبْدِ اخْتِيارًا وقُدْرَةً عَلى وجْهٍ يَقْطَعُ حُجَّتَهُ وعُذْرَهُ في المُخالَفَةِ والعِصْيانِ والثّانِي مُثْبِتٌ نُفُوذَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى في العَبْدِ وأنَّ جَمِيعَ أفْعالِهِ عَلى وفْقِ المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ وبِذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ البالِغَةُ لِأهْلِ السُّنَّةِ عَلى المُعْتَزِلَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
ووَجَّهَ القُطْبُ الآيَةَ بِأنَّ مُرادَهم رَدُّ دَعْوَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى شاءَ شِرْكَنا وأرادَهُ مِنّا وأنْتُمْ تُخالِفُونَ إرادَتَهُ حَيْثُ تَدْعُونا إلى الإيمانِ فَوَبَّخَهم سُبْحانَهُ بِوُجُوهٍ عَدَّ مِنها قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ فَإنَّهُ بِتَقْدِيرِ الشَّرْطِ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَوْ شاءَ﴾ .. إلَخْ. بَدَلٌ مِنهُ عَلى سَبِيلِ البَيانِ أيْ لَوْ شاءَ لَدَلَّ كُلًّا مِنكم ومِن مُخالِفِيكم عَلى دِينِهِ فَلَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ لَكانَ الإسْلامُ أيْضًا بِالمَشِيئَةِ فَيَجِبُ أنْ لا تَمْنَعُوا المُسْلِمِينَ مِنَ الإسْلامِ كَما وجَبَ بِزَعْمِكم أنْ لا يَمْنَعَكُمُ الأنْبِياءُ عَنِ الشِّرْكِ فَيَلْزَمَكم أنْ لا يَكُونَ بَيْنَكم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ مُخالَفَةٌ ومُعاداةٌ بَلْ مُوافَقَةٌ ومُوالاةٌ ثُمَّ قالَ: ورُبَّما يُوَجَّهُ هَذا الِاحْتِجاجُ بِأنَّ ما خالَفَ مَذْهَبَكم مِنَ النِّحَلِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عِنْدَكم حَقًّا لِأنَّهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى فَيَلْزَمُ تَصْحِيحُ الأدْيانِ المُتَناقِضَةِ وفِيهِ مَنعٌ لِأنَّ الصِّحَّةَ إنَّما تَكُونُ بِالجَرَيانِ عَلى مَنهَجِ الشَّرْعِ ولا يَلْزَمُ مِن تَعْلِيقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِشَيْءٍ جَرَيانُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ولا يَخْفى أنَّ التَّوْجِيهَ الأوَّلَ كَهَذا التَّوْجِيهِ لا يَخْلُو عَنْ دَغْدَغَةٍ فَتَدَبَّرْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences