Al-AlusiAl‑An'am · 6:61–64

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:61–64

6:61Page 135

وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ ٦١

And He is the subjugator over His servants, and He sends over you guardian-angels until, when death comes to one of you, Our messengers [i.e., angels of death] take him, and they do not fail [in their duties].

﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ فَلا يُعْجِزُهُ أحَدٌ مِنهم ولا يَحُولُ بَيْنَهُ سُبْحانَهُ وبَيْنَ ما يُرِيدُهُ فِيها، و(فَوْقَ) نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ حالٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ مَبْسُوطًا فِيما لِلْعُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ مِنَ المَلائِكَةِ وهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ أوِ المُعَقِّباتُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: المُرادُ ما يَشْمَلُ الصِّنْفَيْنِ، ويُقَدَّرُ المَحْفُوظُ الأعْمالَ والأنْفُسَ والأعَمَّ. وعَنْ قَتادَةَ: يَحْفَظُونَ العَمَلَ والرِّزْقَ والأجَلَ

والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ المَعْنى الأوَّلَ في الحَفَظَةِ، وهم عِنْدَ بَعْضٍ يَكْتُبُونَ الطّاعاتِ والمَعاصِيَ والمُباحاتِ بِأسْرِها كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ: ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ وجاءَ في الأثَرِ تَفْسِيرُ الصَّغِيرَةِ بِالتَّبَسُّمِ؛ والكَبِيرَةِ بِالضَّحِكِ و﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ وقالَ آخَرُونَ: لا يَكْتُبُونَ المُباحاتِ إذْ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْها شَيْءٌ

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّ مَعَ كُلِّ إنْسانٍ مَلَكَيْنِ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ عَنْ يَسارِهِ؛ فَإذا تَكَلَّمَ الإنْسانُ بِحَسَنَةِ كَتَبَها مَن عَلى اليَمِينِ وإذا تَكَلَّمَ بِسَيِّئَةٍ قالَ مَن عَلى اليَمِينِ لِمَن عَلى اليَسارِ لِتَنْتَظِرْهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ مِنها فَإنْ لَمْ يَتُبْ كَتَبَ عَلَيْهِ، والمَشْهُورُ أنَّهُما عَلى الكَتِفَيْنِ، وقِيلَ: عَلى الذَّقَنِ، وقِيلَ: في الفَمِ يَمِينِهِ ويَسارِهِ. واللّازِمُ الإيمانُ بِهِما دُونَ تَعْيِينِ مَحَلِّهِما والبَحْثِ عَنْ كَيْفِيَّةِ كِتابَتِهِما، وظَواهِرُ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ اطِّلاعَ هَؤُلاءِ الحَفَظَةِ عَلى الأقْوالِ والأفْعالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ إلَخْ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ وأمّا عَلى صِفاتِ القُلُوبِ كالإيمانِ والكُفْرِ مَثَلًا فَلَيْسَ في الظَّواهِرِ ما يَدُلُّ عَلى اطِّلاعِهِمْ عَلَيْها، والأخْبارُ بَعْضُها يَدُلُّ عَلى الِاطِّلاعِ كَخَبَرِ «إذا هَمَّ العَبْدُ بِحَسَنَةٍ ولَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً» فَإنَّ الهَمَّ مِن أعْمالِ القَلْبِ كالإيمانِ والكُفْرِ، وبَعْضُها يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الِاطِّلاعِ كَخَبَرِ «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يُجاءُ بِالأعْمالِ في صُحُفٍ مُحْكَمَةٍ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى اقْبَلُوا هَذا ورُدُّوا هَذا فَتَقُولُ المَلائِكَةُ وعَزَّتِكَ ما كَتَبْنا إلّا ما عَمِلَ فَيَقُولُ سُبْحانَهُ: إنَّ عَمَلَهُ كانَ لِغَيْرِي وإنِّي لا أقْبَلُ اليَوْمَ إلّا ما كانَ لِوَجْهِي»، وفي رِوايَةٍ مُرْسَلَةٍ لِابْنِ المُبارَكِ «إنَّ المَلائِكَةَ يَرْفَعُونَ أعْمالَ العَبْدِ مِن عِبادِ اللَّهِ تَعالى فَيَسْتَكْثِرُونَهُ ويُزَكُّونَهُ حَتّى يَبْلُغُوا بِهِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن سُلْطانِهِ فَيُوحِي اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ إنَّكم حَفَظَةُ عَمَلِ عَبْدِي وأنا رَقِيبٌ عَلى ما في نَفْسِهِ إنَّ عَبْدِي هَذا لَمْ يُخْلِصْ في عَمَلِهِ فاجْعَلُوهُ في سِجِّينٍ» الحَدِيثَ. والقائِلُ بِأنَّهم لا يَكْتُبُونَ إلّا الأعْمالَ الظّاهِرَةَ يَقُولُ: مَعْنى –كُتِبَتْ- في حَدِيثِ الهَمِّ بِالحَسَنَةِ ثَبَتَتْ عِنْدَنا وتَحَقَّقَتْ لا كُتِبَتْ في صُحُفِ المَلائِكَةِ

والقائِلُ بِأنَّهم يَكْتُبُونَ الأعْمالَ القَلْبِيَّةَ يَقُولُ بِاسْتِثْناءِ الرِّياءِ فَيَكْتُبُونَ العَمَلَ دُونَهُ ويُخْفِيهِ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لِيُبْطِلَ سُبْحانَهُ عَمَلَ المُرائِي بَعْدَ كِتابَتِهِ إمّا في الآخِرَةِ أوْ في الدُّنْيا زِيادَةً في تَنْكِيلِهِ وتَفْظِيعِ حالِهِ، ولَعَلَّ هَذا كَما يُفْعَلُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ مَن رَدَّهُ إلى النّارِ بَعْدَ تَقْرِيبِهِ مِنَ الجَنَّةِ

فَقَدْ رَوى أبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ وابْنُ عَساكِرَ وابْنُ النَّجّارِ «أنَّهُ يُؤْمَرُ بِناسٍ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الجَنَّةِ حَتّى إذا دَنَوْا مِنها واسْتَنْشَقُوا رِيحَها ونَظَرُوا قُصُورَها وإلى ما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِأهْلِها نُودُوا أنِ اصْرِفُوهم عَنْها لا نَصِيبَ لَهم فِيها فَيَرْجِعُونَ بِحَسْرَةٍ ما رَجَعَ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ بِمِثْلِها فَيَقُولُونَ: رَبَّنا لَوْ أدْخَلْتَنا النّارَ قَبْلَ أنْ تُرِيَنا ما أرَيْتَنا مِن ثَوابِكَ وما أعْدَدْتَ فِيها لِأوْلِيائِكَ كانَ أهْوَنَ عَلَيْنا قالَ: ذَلِكَ أرَدْتُ بِكم يا أشْقِياءُ

صفحة 176

كُنْتُمْ إذا خَلَوْتُمْ بارَزْتُمُونِي بِالعَظائِمِ وإذا لَقِيتُمُ النّاسَ لَقِيتُمُوهم مُخْبِتِينَ تُراؤُونَ النّاسَ بِأعْمالِكم خِلافَ ما تُعْطُونِي مِن قُلُوبِكم هِبْتُمُ النّاسَ ولَمْ تَهابُونِي وأجْلَلْتُمُ النّاسَ ولَمْ تُجِلُّونِي وتَرَكْتُمْ لِلنّاسِ ولَمْ تَتَرُكُوا لِي فاليَوْمَ أُذِيقُكُمُ العَذابَ عَلى ما حُرِمْتُمْ مِنَ الثَّوابِ،» والكُلُّ ُعِنْدِي مُحْتَمَلٌ ولا قَطْعَ فَتَدَبَّرْ

واخْتَلَفُوا في أنَّ الحَفَظَةَ هَلْ يَتَجَدَّدُونَ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ أمْ لا؟ فَقِيلَ: إنَّهم يَتَجَدَّدُونَ ومَلائِكَةُ اللَّيْلِ غَيْرُ مَلائِكَةِ النَّهارِ دائِمًا إلى المَوْتِ، وقِيلَ: إنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ يَذْهَبُونَ فَتَأْتِي مَلائِكَةُ النَّهارِ ثُمَّ إذا جاءَ اللَّيْلُ ذَهَبُوا ونَزَلَ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ الأوَّلُونَ لا غَيْرُهم وهَكَذا، وقِيلَ: إنَّ مَلائِكَةَ الحَسَناتِ يَتَجَدَّدُونَ دُونَ مَلائِكَةِ السَّيِّئاتِ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعالى. واخْتُلِفَ في مَقَرِّهِمْ بَعْدَ مَوْتِ المُكَلَّفِ؛ فَقِيلَ: يَرْجِعُونَ مُطْلَقًا إلى مَعابِدِهِمْ في السَّماءِ، وقِيلَ: يَبْقَوْنَ حِذاءَ قَبْرِ المُؤْمِنِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتّى يَقُومَ مِن قَبْرِهِ. وصَحَّحَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ كاتِبَ الحَسَناتِ لا يَنْحَصِرُ في واحِدٍ لِحَدِيثِ " «رَأيْتُ كَذا وكَذا يَبْتَدِرُونَها أيُّهم يَكْتُبُها أوَّلُ» والحِكْمَةُ في هَؤُلاءِ الحَفَظَةِ أنَّ المُكَلَّفَ إذا عَلِمَ أنَّ أعْمالَهُ تُحْفَظُ عَلَيْهِ وتُعْرَضُ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ كانَ ذَلِكَ أزْجَرَ لَهُ عَنْ تَعاطِي المَعاصِي والقَبائِحِ إذا وثِقَ بِلُطْفِ سَيِّدِهِ واعْتَمَدَ عَلى سَتْرِهِ وعَفْوِهِ لَمْ يَحْتَشِمْ مِنهُ احْتِشامَهُ مِن خَدَمِهِ المُطَّلِعِينَ عَلَيْهِ، وقَوْلُ الإمامِ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الفائِدَةُ في الكِتابَةِ أنْ تُوزَنَ تِلْكَ الصَّحائِفُ يَوْمَ القِيامَةِ لِأنَّ وزْنَ الأعْمالِ غَيْرُ مُمْكِنٍ بِخِلافِ وزْنِ الصَّحائِفِ فَإنَّهُ مُمْكِنٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، والقَوْلُ بِوَزْنِ الصَّحائِفِ أنْفُسِها قَوْلٌ لِبَعْضِهِمْ، هَذا (ويُرْسِلُ) إمّا مُسْتَأْنَفٌ أوْ عَطْفٌ عَلى (القاهِرُ) لِأنَّهُ بِمَعْنى الَّذِي يَقْهَرُ، وعَطْفُهُ -كَما زَعَمَ أبُو البَقاءِ- عَلى (يَتَوَفّاكُمْ) وما بَعْدَهُ مِنَ الأفْعالِ المُضارَعَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كاحْتِمالِ جَعْلِهِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (القاهِرُ) أوْ في الظَّرْفِ لِأنَّ الواوَ الحالِيَّةَ كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا لا تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ، وتَقْدِيرُ المُبْتَدَإ لا يُخْرِجُهُ عَنِ الشُّذُوذِ عَلى الصَّحِيحِ، ﴿وعَلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُرْسِلُ) لِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِيلاءِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ﴿حَفَظَةً﴾ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً أيْ كائِنِينَ عَلَيْكُمْ

وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿حَفَظَةً﴾ وهو جَمْعُ حافِظٍ كَكَتَبَةٍ وكاتِبٍ و(حَتّى) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بِها الكَلامُ وهي مَعَ ذَلِكَ تَجْعَلُ ما بَعْدَها مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ غايَةً لِما قَبْلَها كَأنَّهُ قِيلَ: ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً يَحْفَظُونَ ما يَحْفَظُونَ مِنكم مُدَّةَ حَياتِكم حَتّى إذا انْتَهَتْ مُدَّةُ أحَدِكم وجاءَ أسْبابُ المَوْتِ ومَبادِيهِ ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ الآخَرُونَ المُفَوَّضُ إلَيْهِمْ ذَلِكَ وانْتَهى هُناكَ حِفْظُ الحَفَظَةِ، والمُرادُ بِالرُّسُلِ عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: أعْوانُ مَلَكِ المَوْتِ، ونَحْوُهُ ما أخْرَجْناهُ عَنْ قَتادَةَ، قالَ: إنَّ مَلَكَ المَوْتِ لَهُ رُسُلٌ يُباشِرُونَ قَبْضَ الأرْواحِ ثُمَّ يَدْفَعُونَها إلى مَلَكِ المَوْتِ

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ مَلَكَ المَوْتِ هو الَّذِي يَلِي ذَلِكَ ثُمَّ يَدْفَعُ الرُّوحَ إنْ كانَتْ مُؤْمِنَةً إلى مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ، وإنْ كانَتْ كافِرَةً إلى مَلائِكَةِ العَذابِ. والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المُباشِرَ مَلَكُ المَوْتِ ولَهُ أعْوانٌ مِنَ المَلائِكَةِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى المُباشِرِ والمُعاوِنِ مَعًا مَجازٌ كَما يُقالُ بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا قَتِيلًا والقاتِلُ واحِدٌ مِنهُمْ، وقَدْ جاءَ إسْنادُ الفِعْلِ إلى مَلَكِ المَوْتِ فَقَطْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ المُباشِرُ وإلى اللَّهِ تَعالى بِاعْتِبارِ أنَّهُ سُبْحانَهُ الآمِرُ الحَقِيقِيُّ. وقَدْ أشَرْنا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ بَعْضَ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم قالَ: أنَّ المُتَوَفِّيَ تارَةً يَكُونُ

صفحة 177

هُوَ اللَّهَ تَعالى بِلا واسِطَةٍ وتارَةً المَلَكُ وتارَةً الرُّسُلُ وغَيْرُهُ وذَلِكَ حَسَبَ اخْتِلافِ أحْوالِ المُتَوَفّى. وعَنِ الزَّجّاجِ وهو غَرِيبٌ أنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ هُنا الحَفَظَةُ فَيَكُونُ المَعْنى: يُرْسِلُهم لِلْحِفْظِ في الحَياةِ والتَّوَفِّي عِنْدَ مَجِيءِ المَماتِ. وقَرَأ حَمْزَةُ (تَوَفّاهُ) بِألِفٍ مُمالَةٍ. وقُرِئَ في الشَّواذِّ (تَتَوَفّاهُ ﴿وهُمْ﴾ أيِ الرُّسُلُ ﴿لا يُفَرِّطُونَ﴾

16

- بِالتَّوانِي والتَّأْخِيرِ

وقَرَأ الأعْرَجُ (يُفْرِطُونَ) بِالتَّخْفِيفِ مَنَ الإفْراطِ. وهو مُجاوَزَةُ الحَدِّ وتَكُونُ بِالزِّيادَةِ والنُّقْصانِ أيْ لا يُجاوِزُونَ ما حُدَّ لَهم بِزِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن (رُسُلُنا)، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ اعْتِنائِهِمْ بِما أُمِرُوا بِهِ.

6:62Page 135

ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ ٦٢

Then they [i.e., His servants] are returned to Allāh, their true Lord. Unquestionably, His is the judgement, and He is the swiftest of accountants.

﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿تَوَفَّتْهُ﴾ والضَّمِيرُ -كَما قِيلَ- لِلْكُلِّ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأحَدٍ وهو السِّرُّ في مَجِيئِهِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، والإفْرادُ أوَّلًا والجَمْعُ آخِرًا لِوُقُوعِ التَّوَفِّي عَلى الانْفِرادِ والرَّدِّ عَلى الِاجْتِماعِ

وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ فِيهِ التِفاتًا مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ ومِنَ المُتَكَلِّمِ إلَيْها لِأنَّ الرَّدَّ يُناسِبُهُ الغَيْبَةُ بِلا شُبْهَةٍ وإنْ لَمْ يَكُنِ الرَّدُّ حَقِيقَةً لِأنَّهم ما خَرَجُوا مِن قَبْضَةِ حُكْمِهِ سُبْحانَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، ونَقَلَ الإمامُ القَوْلَ بِعَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى الرُّسُلِ أيْ أنَّهم يَمُوتُونَ كَما يَمُوتُ بَنُو آدَمَ، والأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ غالِبُ المُفَسِّرِينَ، المُرادُ ﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ بَعْدَ البَعْثِ والحَشْرِ أوْ مِنَ البَرْزَخِ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيْ إلى حُكْمِهِ وجَزائِهِ أوْ إلى مَوْضِعِ العَرْضِ والسُّؤالِ ﴿مَوْلاهُمُ﴾ أيْ مالِكِهِمُ الَّذِي يَلِي أُمُورَهم عَلى الِإطْلاقِ، ولا يُنافِي ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ لِأنَّ المَوْلى فِيهِ بِمَعْنى النّاصِرِ (الحَقِّ) أيِ العَدْلِ أوْ مُظْهِرِ الحَقِّ أوِ الصّادِقِ الوَعْدِ

وذَكَرَ حُجَّةُ الإسْلامِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ أنَّ الحَقَّ مُقابِلُ الباطِلِ وكُلَّ ما يُخْبَرُ عَنْهُ فَإمّا باطِلٌ مُطْلَقًا وإمّا حَقٌّ مُطْلَقًا وإمّا حَقٌّ مِن وجْهٍ باطِلٌ مِن وجْهٍ، فالمُمْتَنِعُ بِذاتِهِ هو الباطِلُ مُطْلَقًا والواجِبُ بِذاتِهِ هو الحَقُّ مُطْلَقًا، والمُمْكِنُ بِذاتِهِ الواجِبُ بِغَيْرِهِ حَقٌّ مِن وجْهٍ باطِلٌ مَن وجْهٍ، فَمِن حَيْثُ ذاتِهِ لا وُجُودَ لَهُ فَهو باطِلٌ ومِن جِهَةِ غَيْرِهِ مُسْتَفِيدٌ لِلْوُجُودِ فَهو حَقٌّ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي يَلِي مُفِيدَ الوُجُودِ، فَمَعْنى الحَقَّ المُطْلَقِ هو المَوْجُودُ الحَقِيقِيُّ بِذاتِهِ الَّذِي مِنهُ يُؤْخَذُ كُلُّ حَقِيقَةٍ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهَذا هو مُرادُ القائِلِ إنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الباقِي الَّذِي لا فَناءَ لَهُ، وفي التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ أنَّ لَفْظَ المَوْلى والوَلِيِّ مُشْتَقّانِ مِنَ القُرْبِ وهو سُبْحانُهُ القَرِيبُ ويُطْلَقُ المَوْلى أيْضًا عَلى المُعَتَّقِ، وذَلِكَ كالمُشْعِرِ بِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ أعْتَقَهم مِنَ العَذابِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي“، وأيْضًا أضافَ نَفْسَهُ إلى العَبِيدِ وما أضافَهم إلى نَفْسِهِ وذَلِكَ نِهايَةُ الرَّحْمَةِ وأيْضًا قالَ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ والمَعْنى أنَّهم كانُوا في الدُّنْيا تَحْتَ تَصَرُّفاتِهِ المَوالِي الباطِلَةِ وهي النَّفْسُ والشَّهْوَةُ والغَضَبُ كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ فَلَمّا ماتَ الإنْسانُ تَخَلَّصَ مِن تَصَرُّفاتِ المَوالِي الباطِلَةِ وانْتَقَلَ إلى تَصَرُّفِ المَوْلى الحَقِّ انْتَهى، وهو كَما تَرى

وادَّعى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ عِبارَةً عَنْ مُجَرَّدِ هَذِهِ البِنْيَةِ لِأنَّ صَرِيحَها يَدُلُّ عَلى حُصُولِ المَوْتِ لِلْعَبْدِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ بَعْدَ المَوْتِ يُرَدُّ إلى اللَّهِ تَعالى، والمَيِّتُ مَعَ كَوْنِهِ مَيِّتًا لا يُمْكِنُ أنْ يُرَدَّ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّ ذَلِكَ الرَّدَّ لَيْسَ بِالمَكانِ والجِهَةِ لِتَعالِيهِ سُبْحانَهُ عَنْهُما بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُفَسَّرًا بِكَوْنِهِ مُنْقادًا لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى مُطِيعًا لِقَضائِهِ، وما لَمْ يَكُنْ حَيًّا لا يَصِحُّ هَذا المَعْنى فِيهِ فَثَبَتَ أنَّهُ حَصَلَ هَهُنا مَوْتٌ وحَياةٌ أمّا المَوْتُ

صفحة 178

فَنَصِيبُ البَدَنِ فَتَبْقى الحَياةُ نَصِيبَ الرُّوحِ، ولَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿رُدُّوا﴾ وثَبَتَ أنَّ المَرْدُودَ هو الرُّوحُ ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ إلّا هي وهو المَطْلُوبُ، وكَذا تُشْعِرُ بِكَوْنِ الرُّوحِ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ لِأنَّ الرَّدَّ مِن هَذا العالَمِ إلى حَضْرَةِ الجَلالِ إنَّما يَكُونُ لَوْ كانَتْ مَوْجُودَةً كَذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ، وقُرِئَ (الحَقَّ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَفْعُولِ المُطْلَقِ أيِ الرَّدِّ الحَقِّ فَلا يَكُونُ حِينَئِذٍ المُرادُ بِهِ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ والأوَّلُ أظْهَرُ، ﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ يَوْمَئِذٍ صُورَةً ومَعْنًى لا لِغَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، واسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الطّاعَةَ لا تُوجِبُ الثَّوابَ والمَعْصِيَةَ لا تُوجِبُ العِقابَ إذْ لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَثَبَتَ لِلْمُطِيعِ عَلى اللَّهِ تَعالى حُكْمٌ وهو أخْذُ الثَّوابِ وهو يُنافِي ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ مِنَ الحَصْرِ ﴿وهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾

26

- يُحاسِبُ جَمِيعَ الخَلائِقِ بِنَفْسِهِ في أسْرَعِ زَمانٍ وأقْصَرِهِ، ويَلْزَمُ هَذا أنْ لا يَشْغَلَهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ ولا شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وفي الحَدِيثِ أنَّهُ تَعالى يُحاسِبُ الكُلَّ في مِقْدارِ حَلْبِ شاةٍ، وفي بَعْضِ الأخْبارِ في مِقْدارِ نِصْفِ يَوْمٍ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ تَعالى لا يُحاسِبُ الخَلْقَ بِنَفْسِهِ بَلْ يَأْمُرُ سُبْحانَهُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَيُحاسِبُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم واحِدًا مِنَ العِبادِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ إنَّما يُحاسِبُ المُؤْمِنِينَ بِنَفْسِهِ وأمّا الكُفّارُ فَتُحاسِبُهُمُ المَلائِكَةُ لِأنَّهُ تَعالى لَوْ حاسَبَهم لَتَكَلَّمَ مَعَهم وذَلِكَ باطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَتِهِمْ: (ولا يُكَلِّمُهُمْ) وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا بِأنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّمُهم بِما يَنْفَعُهم فَإنَّ ظَواهِرَ الآياتِ ومِنها ما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ تَدَلُّ عَلى تَكْلِيمِهِ تَعالى لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ ثُمَّ أنَّ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ الحِسابِ مِمّا لا يُحِيطُ بِتَفْصِيلِها عُقُولُ البَشَرِ مِن طَرِيقِ الكُفْرِ أصْلًا، ولَيْسَ لَنا إلّا الإيمانُ بِهِ مَعَ تَفْوِيضِ الكَيْفِيَّةِ وتَفْصِيلِها إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وادَّعى الفَلاسِفَةُ أنَّ كَثْرَةَ الأفْعالِ وتَكَرُّرَها يُوجِبُ حُدُوثَ المَلَكاتِ الرّاسِخَةِ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ في حُصُولِ تِلْكَ المَلَكَةِ بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ العَمَلِ الواحِدِ أثَرٌ بِوَجْهٍ ما في ذَلِكَ، وحِينَئِذٍ يُقالُ إنَّ الأفْعالَ الصّادِرَةَ مِنَ اليَدِ هي المُؤَثِّرَةُ في حُصُولِ المَلَكَةِ المَخْصُوصَةِ وكَذَلِكَ الأفْعال الصّادِرَةِ مِنَ الرِّجِلِ فَتَكُونُ الأيْدِي والأرْجُلُ شاهِدَةً عَلى الإنْسانِ بِمَعْنى أنَّ تِلْكَ الآثارَ النَّفْسانِيَّةَ إنَّما حَصَلَتْ في جَواهِرِ النُّفُوسِ بِواسِطَةِ هَذِهِ الأفْعالِ الصّادِرَةِ عَنْ هَذِهِ الجَوارِحِ، فَكانَ ذَلِكَ الصُّدُورُ جارِيًا مَجْرى الشَّهادَةِ بِحُصُولِ تِلْكَ الآثارِ في جَواهِرِ النَّفْسِ، وأمّا الحِسابُ فالمَقْصُودُ مِنهُ اسْتِعْلامُ ما بَقِيَ مِنَ الدَّخْلِ والخَرْجِ، ولَمّا كانَ لِكُلِّ ذَرَّةٍ مِنَ الأعْمالِ أثَرٌ حَسَنٌ أوْ قَبِيحٌ حَسَبَ حُسْنِ العَمَلِ وقُبْحِهِ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ الأعْمالَ كانَتْ مُخْتَلِفَةً فَلا جَرَمَ كانَ بَعْضُها مُعارَضًا بِالبَعْضِ وبَعْدَ حُصُولِ المُعارَضَةِ يَبْقى في النَّفْسِ قَدْرٌ مَخْصُوصٌ مِنَ الخُلُقِ الحَمِيدِ وقَدْرٌ آخَرُ مِنَ الذَّمِيمِ فَإذا ماتَ الجَسَدُ ظَهَرَ مِقْدارُ ذَلِكَ، وهو إنَّما يَحْصُلُ في الآنِ الَّذِي لا يَنْقَسِمُ وهو الآنُ الَّذِي فِيهِ فَيُقْطَعُ فِيهِ تَعَلُّقُ النَّفْسِ مِنَ البَدَنِ فَعُبِّرَ عَنْ هَذِهِ الحالَةِ بِسُرْعَةِ الحِسابِ، وزَعَمَ مَن نَقَلَ عَنْهم أنَّهُ مِن تَطْبِيقِ الحِكْمَةِ النَّبَوِيَّةِ عَلى الحِكْمَةِ الفَلْسَفِيَّةِ، وأنا أقُولُ: راحَتْ مُشْرِقَةً ورُحْتَ مَغْرِبًا شَتّانَ بَيْنِ مَشْرِقٍ ومَغْرِبٍ.

6:63Page 135

قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٣

Say, "Who rescues you from the darknesses of the land and sea [when] you call upon Him imploring [aloud] and privately, 'If He should save us from this [crisis], we will surely be among the thankful.'"

صفحة 179

﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مَن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ قُلْ لَهم تَقْرِيرًا بِانْحِطاطِ شُرَكائِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الأُلُهِيَّةِ، والمُرادُ مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما شَدائِدُهُما وأهْوالُهُما الَّتِي تُبْطِلُ الحَواسَّ وتُدْهِشُ العُقُولَ، والعَرَبُ كَما قالَ الزَّجّاجُ تَقُولُ لِلْيَوْمِ الَّذِي يُلْقى فِيهِ شِدَّةٌ يَوْمٌ مُظْلِمٌ حَتّى أنَّهم يَقُولُونَ: يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أيْ أنَّهُ يَوْمٌ قَدِ اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ حَتّى صارَ كاللَّيْلِ في ظُلْمَتِهِ، وأُنْشِدَ:

بَنِي أُسْدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاءَنا إذا كانَ يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أشْهَبُ،

ومِنَ الأمْثالِ القَدِيمَةِ رَأى الكَواكِبَ ظُهْرًا أيْ أظْلَمَ عَلَيْهِ يَوْمُهُ لِاشْتِدادِ الأمْرِ فِيهِ حَتّى كَأنَّهُ أبْصَرَ النَّجْمَ نَهارًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ طُرْفَةَ:

إنْ تُنَوِّلْهُ فَقَدْ تَمْنَعُهُ ∗∗∗ وتَرَيْهِ النَّجْمَ يَجْرِي بِالظُّهُرِ،

وقِيلَ: المُرادُ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وظُلْمَةُ السَّحابِ وظُلْمَةُ البَحْرِ، وقِيلَ: ظُلْمَةُ البَرِّ بِالخَسْفِ فِيهِ وظُلْمَةُ البَحْرِ بِالغَرَقِ فِيهِ، والظُّلُماتُ عَلى الأوَّلِ كَما قِيلَ اسْتِعارَةٌ وعَلى الأخِيرَيْنِ حَقِيقَةً ومِنهم مَن جَعَلَها كِنايَةً عَنِ الخَسْفِ والغَرَقِ، والكَلامُ في الكِنايَةِ مَعْلُومٌ، ومَن جَوَّزَ جَمْعَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ فَسَّرَ الظُّلُماتِ بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ والغَيْمِ والبَحْرِ والتِّيهِ والخَوْفِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ وسَهْلٌ (يُنْجِيكُمْ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْجاءِ والمَعْنى واحِدٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَدْعُونَهُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ (يُنَجِّيكُمْ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ، والضَّمِيرُ لِمَن أيْ مِن يُنَجِّيكم مِنها حالَ كَوْنِكم داعِينَ لَهُ

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِهِ أيْ مِن يُنَجِّيكم مِنها حالَ كَوْنِهِ مَدْعُوًّا مِن جِهَتِكم ﴿تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ أيْ إعْلانًا وإسْرارًا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والحَسَنِ فَنَصَبَها عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وقِيلَ: بِنَزْعِ الخافِضِ، والإعْلانُ والإسْرارُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِما ما بِاللِّسانِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِما ما بِاللِّسانِ والقَلْبِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونا مَنصُوبَيْنِ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ تَدْعُونَ أيْ مُعْلِنِينَ ومُسِرِّينَ

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ خِفْيَةً بِكَسْرِ الخاءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ كالأُسْوَةِ والإسْوَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَئِنْ أنْجانا﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ تَدْعُونَ أيْضًا أيْ قائِلِينَ: لَئِنْ أنْجَيْتَنا والكُوفِيُّونَ يَحْكُونَ بِما يَدُلُّ عَلى مَعْنى القَوْلِ كَتَدْعُونَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ والصَّحِيحُ التَّقْدِيرُ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ تَفْسِيرٌ لِلدُّعاءِ فَلا مَحَلَّ لَها، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ ﴿أنْجانا﴾ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ مُراعاةً لِتَدْعُونَهُ دُونَ حِكايَةِ خِطابِهِمْ في حالَةِ الدُّعاءِ غَيْرَ أنَّ عاصِمًا قَرَأ بِالتَّفْخِيمِ والباقُونَ بِالإمالَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿مِن هَذِهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما هم فِيها المُعَبَّرِ عَنْها بِالظُّلُماتِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾

36

- أيِ الرّاسِخِينَ في الشُّكْرِ المُداوِمِينَ عَلَيْهِ لِأجْلِ هَذِهِ النِّعْمَةِ الجَلِيلَةِ أوْ جَمِيعِ النِّعَمِ الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها

6:64Page 135

قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٦٤

Say, "It is Allāh who saves you from it and from every distress; then you [still] associate others with Him."

﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ أيْ غَمٍّ يَأْخُذُ بِالنَّفْسِ. والمُرادُ بِهِ إمّا ما يَعُمُّ ما تَقَدَّمَ، والتَّعْمِيمُ بَعْدَ التَّخْصِيصِ كَثِيرٌ أوْ ما يَعْتَرِي المَرْءَ مِنَ العَوارِضِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي لا تَتَناهى كالأمْراضِ والأسْقامِ، وأُمِرَ ﷺ بِالجَوابِ مَعَ كَوْنِهِ مِن وظائِفِهِمْ لِلْإيذانِ بِظُهُورِهِ وتَعَيُّنِهِ أوْ لِلْإهانَةِ لَهم مَعَ بِناءِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾

46

- عَلَيْهِ أيِ اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ يُنْجِيكم مِمّا تَدْعُونَهُ إلى كَشْفِهِ ومِن غَيْرِهِ ثُمَّ أنْتُمْ بَعْدَ ما تُشاهِدُونَ هَذِهِ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ تَعُودُونَ إلى الشِّرْكِ في عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ ولا تُوفُونَ بِالعَهْدِ. ووَضَعَ (تُشْرِكُونَ) مَوْضِعَ لا تَشْكُرُونَ الَّذِي هو الظّاهِرُ المُناسِبُ لِوَعْدِهِمُ السّابِقِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى:

صفحة 180

﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾

180

- لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن أشْرَكَ في عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَكَأنَّهُ لَمْ يَعْبُدْهُ رَأْسًا إذِ التَّوْحِيدُ مَلاكُ الأمْرِ وأساسُ العِبادَةِ، وقِيلَ: لَعَلَّ المَقْصُودَ التَّوْبِيخُ بِأنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ لَمْ يُنْجِهِمْ إلّا اللَّهُ تَعالى كَما أفادَهُ تَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ أشْرَكُوا ولَمْ يَخُصُّوا اللَّهَ تَعالى بِالعِبادَةِ فَذَكَرَ الإشْراكَ في مَوْقِعِهِ، وكَلِمَةُ (ثُمَّ) لَيْسَ لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ بَلْ لِكَمالِ البُعْدِ بَيْنَ إحْسانِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وعِصْيانِهِمْ، ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الشِّرْكِ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِبْعادِ الشِّرْكِ نَفْسِهِ

وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ وأبُو جَعْفَرٍ وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (يُنَجِّيكُمْ) بِالتَّشْدِيدِ والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском