Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:65–69
6:65Page 135
قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ ٦٥
Say, "He is the [one] Able to send upon you affliction from above you or from beneath your feet or to confuse you [so you become] sects1 and make you taste the violence of one another." Look how We diversify the signs that they might understand.
﴿قُلْ﴾ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ ﴿هُوَ القادِرُ﴾ لا غَيْرُهُ سُبْحانَهُ ﴿عَلى أنْ يَبْعَثَ﴾ أيْ يُرْسِلُ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَبْعَثَ) وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ وهو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عَذابًا﴾ لِلِاعْتِناءِ بِهِ والمُسارَعَةِ إلى بَيانِ كَوْنِ المَبْعُوثِ مِمّا يَضُرُّهم ولِتَهْوِيلِ أمْرِ المُؤَخَّرِ، والكَلامُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى إلْقائِهِمْ في المَهالِكِ إثْرَ بَيانِ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُنَجِّي لَهم مِنها، وفِيهِ وعِيدٌ ضِمْنِيٌّ بِالعَذابِ لِإشْراكِهِمُ المَذْكُورُ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ أيْ عَذابًا عَظِيمًا ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ أيْ مِن جِهَةِ العُلُوِّ كالصَّيْحَةِ والحِجارَةِ والرِّيحِ وإرْسالِ السَّماءِ ﴿أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ أيْ مِن جِهَةِ السِّفْلِ كالرَّجْفَةِ والخَسْفِ والإغْراقِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: (مِن فَوْقِكُمْ) أيْ مِن قِبَلِ أُمَرائِكم وأشْرافِكم و(ومِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ) أيْ مِن قِبَلِ سَفَلَتِكم وعَبِيدِكُمْ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ تَفْسِيرُ الأوَّلِ بِأئِمَّةِ السُّوءِ والثّانِي بِخَدَمِ السُّوءِ، والمُتَبادَرُ ما قَدَّمْنا وهو المَرْوِيُّ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَبْعَثَ) أيْضًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِعَذابٍ. و(أوْ) لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ فَلا مَنعَ لِما كانَ مِنَ الجِهَتَيْنِ مَعًا كَما فَعَلَ بِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
﴿أوْ يَلْبِسَكُمْ﴾ أيْ يَخْلِطَ أمْرَكم عَلَيْكم فَفي الكَلامِ مُقَدَّرٌ، وخَلْطُ أمْرِهِمْ عَلَيْهِمْ يَجْعَلُهم مُخْتَلِفِي الأهْواءِ، وقِيلَ: المُرادُ اخْتِلاطُ النّاسِ في القِتالِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ فَلا تَقْدِيرَ، وعَلَيْهِ قَوْلُ السِّلْمِيِّ: وكَتِيبَةٍ لَبَّسْتُها بِكَتِيبَةٍ حَتّى إذا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَها يَدِي وقُرِئَ (يُلْبِسَكُمْ) بِضَمِّ الياءِ وهو عَطْفٌ عَلى (يَبْعَثَ)، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شِيَعًا﴾ جَمْعُ شِيعَةٍ كَسِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وهم قَوْمٌ اجْتَمَعُوا عَلى أمْرٍ، نُصِبَ عَلى الحالِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِـ ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ، وجُوِّزَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ حالًا أيْضًا أيْ مُخْتَلِفِينَ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ عُطِفَ عَلى (يَبْعَثَ) كَما نُقِلَ عَنِ السَّمِينِ، ويُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ أنَّهُ عُطِفَ عَلى (يَلْبِسَ) وهو مِن قَبِيلِ عَطْفِ التَّفْسِيرِ أوْ مِن عَطْفِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ. وقُرِئَ (نُذِيقَ) بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ والمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ. والبَعْضُ الأوَّلُ -عَلى ما قِيلَ- الكافِرُ والثّانِي المُؤْمِنُونَ فَفِيهِ حِينَئِذٍ وعْدٌ ووَعِيدٌ وقِيلَ: كِلا البَعْضَيْنِ مِنَ الكُفّارِ أيْ نُذِيقُ كُلًّا بَأْسَ الآخَرِ، وقِيلَ: البَعْضانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ هَذا لِلْمُشْرِكِينَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ﴾ إلَخْ هَذا لِلْمُسْلِمِينَ ولا يَخْفى أنَّهُ تَفْكِيكٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ، ولَعَلَّ مُرادَ الحَسَنِ أنَّ هَذا يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ ويَقَعُ فِيهِمْ دُونَ الأوَّلِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ
صفحة 181
الآيَةُ قامَ النَّبِيُّ ﷺ فَتَوَضَّأ فَسَألَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنْ لا يُرْسِلَ عَلَيْهِمْ عَذابًا مِن فَوْقِهِمْ أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ولا يَلْبِسَ أُمَّتَهُ شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ كَما أذاقَ بَنِي إسْرائِيلَ فَهَبَطَ إلَيْهِ ﷺ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّكَ سَألْتَ رَبَّكَ أرْبَعًا فَأعْطاكَ اثْنَتَيْنِ ومَنَعَكَ اثْنَتَيْنِ؛ لَنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ مِن فَوْقِهِمْ ولا مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ يَسْتَأْصِلُهم فَإنَّهُما عَذابانِ لِكُلِّ أُمَّةٍ اسْتَجْمَعَتْ عَلى تَكْذِيبِ نَبِيِّها ورَدِّ كِتابِ رَبِّها ولَكِنَّهم يُلْبَسُونَ شِيَعًا ويُذِيقُ بَعْضُهم بَأْسَ بَعْضٍ، وهَذانَ عَذابانِ لِأهْلِ الإقْرارِ بِالكُتُبِ والتَّصْدِيقِ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ» وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ واللَّفْظُ لَهُ عَنْ ثَوْبانَ «أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ”إنَّ رَبِّي زَوى لِيَ الأرْضَ حَتّى رَأيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها وأعْطانِي الكَنْزَيْنِ الأحْمَرَ والأبْيَضَ وإنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُها ما زُوِيَ لِي مِنها وإنِّي سَألْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أنَّهُ لا يُهْلِكُها بِسَنَةٍ عامَّةٍ فَأعْطانِيها، وسَألْتُهُ أنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِهِمْ فَأعْطانِيها وسَألْتُهُ أنْ لا يُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيها وقالَ: يا مُحَمَّدُ إنِّي إذا قَضَيْتُ قَضاءً لَمْ يُرَدُّ إنِّي أعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أنْ لا أُهْلِكَها بِسَنَةٍ عامَّةٍ ولا أُظْهِرُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِهِمْ فَيَسْتَبِيحَهم عامَّةً ولَوِ اجْتَمَعَ مَن بَيْنَ أقْطارِها حَتّى يَكُونَ بَعْضُهم هو يُهْلِكُ بَعْضًا وبَعْضُهم هو يَسْبِي بَعْضًا»“ الحَدِيثَ
وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي بَصْرَةَ الغِفارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «سَألْتُ رَبِّي أرْبَعًا فَأعْطانِي ثَلاثًا ومَنَعَنِي واحِدَةً سَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يَجْمَعَ أُمَّتِي عَلى ضَلالَةٍ فَأعْطانِيها وسَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِهِمْ فَأعْطانِيها وسَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يُهْلِكَهم بِالسِّنِينَ كَما أُهْلِكَتِ الأُمَمُ فَأعْطانِيها وسَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ لا يَلْبِسَهم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسَّ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيها» " والأخْبارُ في هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ. وفي بَعْضِها دَلالَةٌ عَلى عَدِّ اللَّبْسِ والإذاقَةِ أمْرًا واحِدًا وفي بَعْضِها دَلالَةٌ عَلى عَدِّ ذَلِكَ أمْرَيْنِ، ومِن هُنا نَشَأ الِاخْتِلافُ السّابِقُ في العَطْفِ، وأيَّدَ بَعْضُهُمُ العَطْفَ عَلى (يَلْبِسَ) لا عَلى (يَبْعَثَ) بِكَوْنِهِ بِالواوِ دُونَ أوْ.ولا يُعارِضُ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ مِن عَدَمِ وُقُوعِ الأوَّلَيْنِ في هَذِهِ الأُمَّةِ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ. أمّا أنَّها كائِنَةٌ ولَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُها بَعْدُ وكَذا ما أخْرَجَ الأوَّلُ في مُسْنَدِهِ مِن طَرِيقِ أبِي العالِيَةِ عَنِ ابْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هُنَّ أرْبَعٌ وكُلُّهُنَّ واقِعٌ لا مَحالَةَ؛ لِجَوازِ أنْ يُرادَ بِالوُقُوعِ وُقُوعٌ لا عَلى وجْهِ الِاسْتِئْصالِ وبِعَدَمِ الوُقُوعِ عَدَمُهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْصالِ وكَلامُ الحَسَنِ كالصَّرِيحِ في هَذا فافْهَمْ
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ نُحَوِّلُها مِن نَوْعٍ إلى آخَرٍ مِن أنْواعِ الكَلامِ تَقْرِيرًا لِلْمَعْنى وتَقْرِيبًا إلى الفَهْمِ أوْ نُصَرِّفُها بِالوَعْدِ والوَعِيدِ ﴿لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾
56
- أيْ كَيْ يَعْلَمُوا جَلِيَّةَ الأمْرِ فَيَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ أهْلِ السُّنَّةِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقٌ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، وقالَ بَعْضُ الحَشْوِيَّةِ والمُقَلِّدَةِ: إنَّها مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى المَنعِ مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ لِما أنَّ في ذَلِكَ فَتْحَ بابِ التَّفَرُّقِ والِاخْتِلافِ المَذْمُومِ بِحُكْمِ الآيَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى
6:66Page 135
وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوۡمُكَ وَهُوَ ٱلۡحَقُّۚ قُل لَّسۡتُ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ ٦٦
But your people have denied it while it is the truth. Say, "I am not over you a manager [i.e., authority]."
﴿وكَذَّبَ بِهِ﴾ أيِ القُرْآنِ كَما قالَ الأزْهَرِيُّ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِتَصْرِيفِ الآياتِ، واخْتارَهُ الجَبائِيُّ والبَلْخِيُّ، وقِيلَ: هو لِلْعَذابِ واخْتارَهُ غالِبُ المُفَسِّرِينَ ﴿قَوْمُكَ﴾ أيْ قُرَيْشٌ، وقِيلَ: هم وسائِرُ العَرَبِ. وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ المُعانِدُونَ مِنهُمْ، وقِيلَ:
صفحة 182
ولَعَلَّ إيرادَهم بِهَذا العُنْوانِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ سُوءِ حالِهِمْ فَإنَّ تَكْذِيبَهم بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ مِن قَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا يَقْضِي بِغايَةِ عُتُوُّهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ مِرارًا
﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ أيِ الكِتابُ الصّادِقُ في كُلِّ ما نَطَقَ بِهِ لا رَيْبَ فِيهِ أوِ المُتَحَقِّقُ الدَّلالَةِ أوِ الواقِعُ لا مَحالَةَ. والواوُ حالِيَّةٌ والجُمْلَةُ بَعْدَها في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، وقِيلَ: الواوُ اسْتِئْنافِيَّةٌ وبَعْدَها مُسْتَأْنَفَةٌ. وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى عِظَمِ جِنايَتِهِمْ ونِهايَةِ قُبْحِها ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾
66
- أيْ بِمُوَكَّلٍ فُوِّضَ أمْرُكم إلَيَّ أحْفَظُ أعْمالَكم لِأُجازِيَكم بِها ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾ ولَمْ آلُ جَهْدًا في الإنْذارِ واللَّهُ سُبْحانَهُ هو المُجازِي؛ قالَ الحَسَنُ
وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ إنِّي لَمْ أُومَرْ بِحَرْبِكم ومَنعِكم عَنِ التَّكْذِيبِ. وفي مَعْناهُ ما نُقِلَ عَنِ الجَبائِيِّ. والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ القِتالِ ولا بُعْدَ في ذَلِكَ عَلى المَعْنى الثّانِي
6:67Page 135
لِّكُلِّ نَبَإٖ مُّسۡتَقَرّٞۚ وَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٦٧
For every news [i.e., happening] is a finality;1 and you are going to know.
﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾ أيْ لِكُلٍّ يُنَبَّأُ بِهِ مِنَ الأنْباءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عَذابُكم أوْ لِكُلِّ خَبَرٍ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها خَبَرُ مَجِيئِهِ ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ أيْ وقْتُ اسْتِقْرارٍ ووُقُوعٍ البَتَّةَ أوْ وقْتُ اسْتِقْرارِهِ بِوُقُوعِ مَدْلُولِهِ ولَيْسَ مَصْدَرًا مِيمِيًا
وسَوْفَ تَعْلَمُونَ
76
- أيْ حال نَبَئِكم في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيها مَعًا وسَوْفَ لِلتَّأْكِيدِ
6:68Page 135
وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٦٨
And when you see those who engage in [offensive] discourse1 concerning Our verses, then turn away from them until they enter into another conversation. And if Satan should cause you to forget, then do not remain after the reminder with the wrongdoing people.
﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِها والطَّعْنِ فِيها كَما هو دَأْبُ قُرَيْشٍ ودَيْدَنُهم في أنْدِيَتِهِمْ وهُمُ المُرادُ بِالمَوْصُولِ، وعَنْ مُجاهِدِ أهْلِ الكِتابِ فَإنَّ دَيْدَنُهم ذَلِكَ أيْضًا ولِذا أُتِيَ بِإذا الدّالَّةِ عَلى التَّحْقِيقِ وهَذا بِخِلافِ النِّسْيانِ الآتِي، وأصْلُ الخَوْضِ مِن خاضَ القَوْمُ في الحَدِيثِ وتَخاوَضُوا إذا تَفاوَضُوا فِيهِ، وقالَ الطَّبَرْسِيُّ: الخَوْضُ التَّخْلِيطُ في المُفاوَضَةِ عَلى سَبِيلِ العَبَثِ واللَّعِبِ وتَرْكِ التَّفَهُّمِ والتَّبْيِينِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: أصْلُ مَعْنى الخَوْضِ عُبُورُ الماءِ اسْتُعِيرَ لِلتَّفاوُضِ في الأُمُورِ، وأكْثَرُ ما ورَدَ في القُرْآنِ لِلذَّمِّ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيِ اتْرُكْهم ولا تُجالِسْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ أيْ كَلامٍ غَيْرِهِ أيْ غَيْرِ آياتِنا، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ كَوْنِها حَدِيثًا فَإنَّ وصَفَ الحَدِيثِ بِمُغايَرَتِها مُشِيرٌ إلى اعْتِبارِها بِعُنْوانِ الحَدِيثِيَّةِ، وقِيلَ بِاعْتِبارِ كَوْنِها قُرْآنًا، والمُرادُ بِالخَوْضِ هُنا التَّفاوُضُ لا بِقَيْدِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ المَعْنى حَتّى يَشْتَغِلُوا بِحَدِيثٍ غَيْرِهِ وأنَّ ذِكْرَ (يَخُوضُوا) لِلْمُشاكَلَةِ واسْتَظْهَرَ عَوْدَ الضَّمِيرِ إلى الخَوْضِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ العُلَماءِ بِالآيَةِ عَلى أنَّ (إذا) تُفِيدُ التَّكْرارَ لِحُرْمَةِ القُعُودِ مَعَ الخائِضِ كُلَّما خاضَ ونُظِرَ فِيهِ بِأنَّ التَّكْرارَ لَيْسَ مِن (إذا) بَلْ مِن تَرَتُّبِ الحُكْمِ عَلى مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ
واسْتِدْلالُ بَعْضِ الحَشَوِيَّةِ بِها عَلى النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ والمُناظَرَةِ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ زاعِمًا أنَّ ذَلِكَ خَوْضٌ في آياتِ اللَّهِ تَعالى مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، ﴿وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ بِأنْ يَشْغَلَكَ فَتَنْسى الأمْرَ بِالإعْراضِ عَنْهم فَتُجالِسَهُمُ ابْتِداءً أوْ بَقاءً وهَذا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ إذْ لَمْ يَقَعْ وأنّى لِلشَّيْطانِ سَبِيلٌ إلى إشْغالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِذا عُبِّرَ بِـ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ المَزِيدَةِ ما بَعْدَها
وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ الخِطابَ هُنا وفِيما قَبْلُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والمُرادُ غَيْرُهُ، وقِيلَ: لِغَيْرِهِ ابْتِداءً أيْ إذا رَأيْتَ أيُّها السّامِعُ وإنْ أنْساكَ أيُّها السّامِعُ، والمَشْهُورُ عَنِ الرّافِضَةِ اخْتِيارُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ
صفحة 183
مُنَزَّهٌ عَنِ النِّسْيانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ وإنَّ غَيْرَهم ذَهَبَ إلى جَوازِهِ وعَلى نِسْبَةِ الأوَّلِ إلَيْهِمْ نَصَّ صاحِبُ الأحْكامِ والجَبائِيُّ وغَيْرُهُما، وقالَ الأخِيرُ: إنَّ الآيَةَ دَلِيلُ بُطْلانِ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، والَّذِي وقَفْتُ عَلَيْهِ في مُعْتَبَراتِ كُتُبِهِمْ أنَّهم لا يُجَوِّزُونَ النِّسْيانَ وكَذا السَّهْوَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وكَذا عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيما يُؤَدِّيهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى مِنَ القُرْآنِ والوَحْيِ وأمّا ما سِوى ذَلِكَ فَيُجَوِّزُونَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَنْساهُ ما لَمْ يُؤَدِّ إلى إخْلالٍ بِالدِّينِ
وأنا ما أرى أنَّ مَحَلَّ الخِلافِ النِّسْيانُ الَّذِي لا يَكُونُ مَنشَؤُهُ اشْتِغالَ السِّرِّ بِالوَساوِسِ والخَطَراتِ الشَّيْطانِيَّةِ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَرْتابُ مُؤْمِنٌ في اسْتِحالَتِهِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَفْصِيلُ الكَلامِ في ذَلِكَ عَلى ما في مُعْتَبَراتِ كُتُبِنا أنَّ مَذْهَبَ جُمْهُورِ العُلَماءِ جَوازُ النِّسْيانِ عَلَيْهِ ﷺ في أحْكامِ الشَّرْعِ وهو ظاهِرُ القُرْآنِ والأحادِيثِ لَكِنِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُقَرُّ عَلَيْهِ بَلْ يُعْلِمُهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ثُمَّ قالَ الأكْثَرُونَ يُشْتَرَطُ تَنَبُّهُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الفَوْرِ مُتَّصِلًا بِالحادِثَةِ ولا يَقَعُ فِيهِ تَأْخِيرٌ، وجَوَّزَتْ طائِفَةٌ تَأْخِيرَهُ مُدَّةَ حَيّاتِهِ ﷺ واخْتارَهُ إمامُ الحَرَمَيْنِ ومَنَعَتْ ذَلِكَ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ في الأفْعالِ البَلاغِيَّةِ والعِباداتِ كَما أجْمَعُوا عَلى مَنعِهِ واسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ ﷺ في الأقْوالِ البَلاغِيَّةِ وأجابُوا عَنِ الظَّواهِرِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ وإلَيْهِ مالَ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرائِينِيُّ وصَحَّحَ النَّوَوِيُّ الأوَّلَ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي النُّبُوَّةَ، وإذا لَمْ يُقَرُّ عَلَيْهِ لَمْ يَتَحَصَّلْ مِنهُ مَفْسَدَةٌ ولا يُنافِي الأمْرَ بِالِاتِّباعِ بَلْ يَحْصُلُ مِنهُ فائِدَةٌ وهو بَيانُ أحْكامِ النّاسِي وتَقَرُّرِ الأحْكامِ
وذَكَرَ القاضِي أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في جَوازِ السَّهْوِ عَلَيْهِ ﷺ في الأُمُورِ الَّتِي لا تَتَعَلَّقُ بِالبَلاغِ وبَيانِ أحْكامِ الشَّرْعِ مِن أفْعالِهِ وعاداتِهِ وأذْكارِ قَلْبِهِ فَجَوَّزَهُ الجُمْهُورُ، وأمّا السَّهْوُ في الأقْوالِ البَلاغِيَّةِ فَأجْمَعُوا عَلى مَنعِهِ كَما أجْمَعُوا عَلى امْتِناعِ تَعَمُّدِهِ، وأمّا السَّهْوُ في الأقْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ وفِيما لَيْسَ سَبِيلُهُ البَلاغَ مِنَ الكَلامِ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِالأحْكامِ ولا أخْبارِ القِيامَةِ وما يَتَعَلَّقُ بِها ولا يُضافُ إلى وحْيٍ فَجَوَّزَهُ قَوْمٌ إذْ لا مَفْسَدَةَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: والحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ تَرْجِيحُ قَوْلِ مَن قالَ: يَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في كُلِّ خَبَرٍ مِنَ الأخْبارِ كَما لا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ خُلْفٌ في خَبَرٍ لا عَمْدًا ولا سَهْوًا لا في صِحَّةٍ ولا مَرَضٍ ولا رِضًى ولا غَضَبٍ، وحَسْبُكَ في ذَلِكَ أنَّ سِيَرَهُ ﷺ وكَلامَهُ وأفْعالَهُ مَجْمُوعَةٌ يُعْتَنى بِها عَلى مَرِّ الزَّمانِ ويَتَناوَلُها المُوافِقُ والمُخالِفُ والمُؤْمِنُ والمُرْتابُ فَلَمْ يَأْتِ في شَيْءٍ مِنها اسْتِدْراكُ غَلَطٍ في قَوْلٍ ولا اعْتِرافٍ بِوَهْمٍ في كَلِمَةٍ ولَوْ كانَ لَنُقِلَ كَما نُقِلَ سَهْوُهُ في الصَّلاةِ ونَوْمُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْها واسْتِدْراكُهُ رَأْيَهُ في تَلْقِيحِ النَّخْلِ وفي نُزُولِهِ بِأدْنى مِياهِ بَدْرٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا جَوازُ السَّهْوِ في الِاعْتِقاداتِ في أُمُورِ الدُّنْيا فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةُ الكَلامِ عَلى هَذا المَبْحَثِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآيَةَ
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (يُنَسِّيَنَّكَ) بِتَشْدِيدِ السِّينِ ونَسّى بِمَعْنى أنْسى وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَسّى أبْلَغُ مَن أنْسى والنُّونُ في القِراءَتَيْنِ مُشَدَّدَةٌ وهي نُونُ التَّوْكِيدِ، والمَشْهُورُ أنَّها لازِمَةٌ في الفِعْلِ الواقِعِ بَعْدَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ المَصْحُوبَةِ بِما الزّائِدَةِ، وقِيلَ: لا يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ وعَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ دُرَيْدٍ:
أما تَرى رَأْسِي حاكى لَوْنُهُ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أذْيال الدُّجى
﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ أيْ بَعْدَ تَذَكُّرِ الأمْرِ بِالإعْراضِ كَما عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وقالَ
صفحة 184
أبُو مُسْلِمٍ: المَعْنى بَعْدَ أنْ تُذَكِّرَهم بِدُعائِكَ إيّاهم إلى الدِّينِ ونَهْيِكَ لَهم عَنِ الخَوْضِ في الآياتِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ
وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ الذِّكْرى بِمَعْنى تَذْكِيرِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، وأنَّ المَعْنى وإنْ كانَ الشَّيْطانُ يُنْسِيكَ قَبْلَ النَّهْيِ قُبْحَ مُجالَسَةِ المُسْتَهْزِئِينَ لِأنَّها مِمّا تُنْكِرُهُ العُقُولُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ أنْ ذَكَّرْناكَ قُبْحَها ونَبَّهْناكَ عَلَيْهِ، ولا يَخْفى أنَّهُ وجْهٌ بَعِيدٌ مَبْنِيٌّ عَلى قاعِدَةِ القُبْحِ والحُسْنِ الَّتِي هَدَمَتْها مَعاوِلُ أفْكارِ العُلَماءِ الرّاسِخِينَ، ثُمَّ إنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ مُجالَسَةَ المُسْتَهْزِئِينَ مِمّا يُنْكِرُهُ العُقُولُ مُطْلَقًا، وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ اللّائِقَ عَلى ما قالَ وإنْ أنْساكَ دُونَ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ عَلى أنَّ إنْساءَ الشَّيْطانِ إنْ صَحَّ فَعَنِ السِّمْعِيِّ أيْسَرُ، ولَيْسَ هَذا أوَّلَ خَوْضٍ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَأْوِيلِ الآياتِ بَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُ مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ
86
- أيْ مَعَهم فَوَضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ أنَّهم بِذَلِكَ الخَوْضِ ظالِمُونَ واضِعُونَ لِلتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ والتَّعْظِيمِ راسِخُونَ في ذَلِكَ، وفي الآيَةِ -كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ- إيذانٌ بِعَدَمِ تَكْلِيفِ النّاسِي، وهَذِهِ المَسائِلُ المُتَنازَعُ فِيها بَيْنَهم وعَنْوَنُوها بِمَسْألَةِ تَكْلِيفِ الغافِلِ وعَدُّوا مِنهُ النّاسِيَ. ولِلْأشْعَرِيِّ فِيها قَوْلانِ وصَوَّبَ عَدَمَ التَّكْلِيفِ لِعَدَمِ الفائِدَةِ فِيهِ أصْلًا بِخِلافِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ
ونَقَلَ ابْنُ بُرْهانَ في الأوْسَطِ عَنِ الفُقَهاءِ القَوْلَ بِصِحَّةِ تَكْلِيفِهِ عَلى مَعْنى ثُبُوتِ الفِعْلِ بِالذِّمَّةِ، وعَنِ المُتَكَلِّمِينَ المَنعُ إذْ لا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وقَدْ يُظَنُّ أنَّ الشّافِعِيَّ لِنَصِّهِ عَلى تَكْلِيفِ السَّكْرانِ يُرى تَكْلِيفُ الغافِلِ وهو مِن بَعْضِ الظَّنِّ فَإنَّهُ إنَّما كَلَّفَ السَّكْرانَ عُقُوبَةً لَهُ لِأنَّهُ تَسَبَّبَ بِمُحَرَّمٍ حَصَلَ بِاخْتِيارِهِ؛ ولِهَذا وجَبَ عَلَيْهِ الحَدُّ بِخِلافِ الغافِلِ. وأُورِدَ عَلى القَوْلِ بِالِامْتِناعِ أنَّ العَبْدَ مُكَلَّفٌ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى بِدُونِ العِلْمِ بِالأمْرِ وذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ بِمَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ وارِدٌ، فَلا جائِزَ أنْ يَكُونَ وارِدًا بَعْدَ حُصُولِها لِامْتِناعِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ فَيَكُونُ وارِدًا قَبْلَهُ فَيَسْتَحِيلُ الِإطْلاقُ عَلى هَذا الأمْرِ لِأنَّ مَعْرِفَةَ أمْرِهِ تَعالى بِدُونِ مَعْرِفَتِهِ سُبْحانَهُ مُسْتَحِيلٌ فَقَدْ كُلِّفَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَعالى مَعَ غَفْلَتِهِ عَنْ ذَلِكَ التَّكْلِيفِ
وأُجِيبَ: بِأنَّ المَعْرِفَةَ الإجْمالِيَّةَ كافِيَةٌ في انْتِفاءِ الغَفْلَةِ؛ والمُكَلَّفُ بِهِ هو المَعْرِفَةُ التَّفْصِيلِيَّةُ أوْ بِأنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ إنَّما هو فَهْمُ المُكَلَّفِ لَهُ بِأنْ يَفْهَمَ الخِطابَ قَدْرَ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الِامْتِثالُ لا بِأنَّ يُصَدِّقَ بِتَكْلِيفِهِ وإلّا لَزِمَ الدَّوْرُ وعَدَمُ تَكْلِيفِ الكُفّارِ، وهو هُنا قَدْ فُهِمَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يُصَدَّقْ بِهِ. وصاحِبُ المِنهاجِ تَبَعًا لِصاحِبِ الحاصِلِ أجابَ بِأنَّ التَّكْلِيفَ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى خارِجٌ عَنِ القاعِدَةِ بِالإجْماعِ؛ وتَمامُ البَحْثِ يُطْلَبُ مِن كُتُبِ الأُصُولَ
6:69Page 136
وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَلَٰكِن ذِكۡرَىٰ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٦٩
And those who fear Allāh are not held accountable for them [i.e., the disbelievers] at all, but [only for] a reminder - that perhaps they will fear Him.
﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ قالَ أبُو جَعْفَرٍ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ إلَخْ قالَ المُسْلِمُونَ لَئِنْ كُنّا نَقُومُ كُلَّما اسْتَهْزَأ المُشْرِكُونَ بِالقُرْآنِ لَمْ نَسْتَطِعْ أنْ نَجْلِسَ في المَسْجِدِ الحَرامِ ولا نَطُوفَ بِالبَيْتِ فَنَزَلَتْ: أيْ وما يَلْزَمُ الَّذِينَ يَتَّقُونَ قَبائِحَ أعْمالِ الخائِضِينَ وأحْوالِهِمْ
﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ أيْ مِمّا يُحاسَبُ الخائِضُونَ الظّالِمُونَ عَلَيْهِ مِنَ الجَرائِرِ (مِن شَيْءٍ) أيْ شَيْءٍ ما عَلى أنَّ (مِن) زائِدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ و(شَيْءٍ) في مَحَلِّ الرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ وما تَمِيمِيَّةٌ أوِ اسْمٌ لَها وهي حِجازِيَّةٌ و(مِن حِسابِهِمْ) -كَما قالَ أبُو البَقاءِ- حالٌ مِنهُ لِأنَّ نَعْتَ النَّكِرَةِ إذا قُدِّمَ عَلَيْها أُعْرِبَ حالًا. ولَيْسَتْ (مِن) بِمَعْنى الأجَلِ خِلافًا لِمَن تَكَلَّفَهُ
و﴿عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مَرْفُوعٍ وقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَإ أوْ لِـ (ما) الحِجازِيَّةِ عَلى رَأْيِ مَن لا يُجِيزُ إعْمالَها في الخَبَرِ المُقَدَّمِ مُطْلَقًا أوْ مَنصُوبٌ وقَعَ خَبَرًا لِـ (ما) عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ إعْمالَها في الخَبَرِ المُقَدَّمِ عِنْدَ كَوْنِهِ ظَرْفًا أوْ حَرْفَ جَرٍّ
صفحة 185
﴿ولَكِنْ ذِكْرى﴾ اسْتِدْراكٌ مِنَ النَّفْيِ السّابِقِ أيْ ولَكِنْ عَلَيْهِمْ أنْ يُذَكِّرُوهم ويَمْنَعُوهم عَمّا هم فِيهِ مِنَ القَبائِحِ بِما أمْكَنَ مِنَ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ ويُظْهِرُوا لَهُمُ الكَراهَةَ والنَّكِيرَ، ومَحَلُّ (ذِكْرى) عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ إمّا النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَحْذُوفِ أيْ عَلَيْهِمْ أنْ يُذَكِّرُوهم تَذْكِيرًا أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أيْ ولَكِنْ عَلَيْهِمْ ذِكْرى، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ النَّصْبَ والرَّفْعَ أيْضًا لَكِنْ قَدَّرَ في الأوَّلِ نُذَكِّرُهم ذِكْرى بِنُونِ العَظَمَةِ، وفي الثّانِي هَذِهِ ذِكْرى. وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ كَلامُ البَلْخِيِّ ولَمْ يُجَوِّزِ الزَّمَخْشَرِيُّ عَطْفَهُ عَلى مَحَلِّ (مِن شَيْءٍ) لِأنَّ (مِن حِسابِهِمْ) يَأْباهُ إذْ يَصِيرُ المَعْنى ولَكِنْ ذِكْرى مِن حِسابِهِمْ، وهو كَما تَرى
واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ العَطْفِ عَلى مُقَيَّدٍ اعْتِبارُ ذَلِكَ القَيْدِ في المَعْطُوفِ والعَلّامَةُ الثّانِي يَقُولُ: إنَّهُ إذا عُطِفَ مُفْرَدٌ عَلى مُفْرَدٍ لاسِيَّما بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ فالقُيُودُ المُعْتَبَرَةُ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ السّابِقَةُ في الذِّكْرى عَلَيْهِ مُعْتَبَرَةٌ في المَعْطُوفِ البَتَّةَ بِحُكْمِ الِاسْتِعْمالِ تَقُولُ: ما جاءَنِي يَوْمُ الجُمْعَةِ أوْ في الدّارِ أوْ راكِبًا أوْ مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ رَجُلٌ ولَكِنِ امْرَأةٌ فَيَلْزَمُ مَجِيءُ المَرْأةِ في يَوْمِ الجُمْعَةِ وفي الدّارِ وبِصِفَةِ الرُّكُوبِ وتَكُونُ مِنَ القَوْمِ البَتَّةَ، ولَمْ يَجِئِ الِاسْتِعْمالُ بِخِلافِهِ، ولا يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ سِواهُ بِخِلافِ ما جاءَنِي رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ ولَكِنِ امْرَأةٌ فَإنَّهُ لا يَبْعُدُ كَوْنُ المَرْأةِ مِن غَيْرِ العَرَبِ، قالُوا: والسِّرُّ فِيهِ أنَّ تَقَدُّمَ القُيُودِ يَدُلُّ عَلى أنَّها أمْرٌ مُسَلَّمٌ مَفْرُوغٌ عَنْهُ وأنَّها قَيْدٌ لِلْعامِلِ مُنْسَحِبٌ عَلى جَمِيعِ مَعْمُولاتِهِ، وأنَّ هَذِهِ القاعِدَةَ مَخْصُوصَةٌ بِالمُفْرَدِ لِذَلِكَ، وأمّا في الجُمَلِ فالقَيْدُ إنْ جُعِلَ جُزْءًا مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وإنْ سَبَقَ لَمْ يُشارِكْهُ فِيهِ المَعْطُوفُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ عَلى ما في شَرْحِ المِفْتاحِ، وهَذا إذا لَمْ تَقُمِ القَرِينَةُ عَلى خِلافِهِ كَما في قَوْلِكَ: جاءَنِي مِن تَمِيمٍ رَجُلٌ وامْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ
وتَخْصِيصُ هَذِهِ القاعِدَةِ بِتَقَدُّمِ القَيْدِ وادِّعاءِ اطِّرادِها كَما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِمّا يَقْتَضِيهِ الذَّوْقُ، ومِنهم مَن عَمَّها كَما قالَ الحَلَبِيُّ: إنَّ أهْلَ اللِّسانِ والأُصُولِيِّينَ يَقُولُونَ: إنَّ العَطْفَ لِلتَّشْرِيكِ في الظّاهِرِ فَإذا كانَ في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ قَيْدٌ فالظّاهِرُ تَقْيِيدُ المَعْطُوفِ بِذَلِكَ القَيْدِ إلّا أنْ تَجِيءَ قَرِينَةٌ صارِفَةٌ فَيُحالُ الأمْرُ عَلَيْها؛ فَإذا قُلْتَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا يَوْمَ الجُمْعَةِ وعَمْرًا، فالظّاهِرُ اشْتِراكُ زَيْدٍ وعَمْرٍو في الضَّرْبِ مُقَيَّدًا بِيَوْمِ الجُمْعَةِ، وإذا قُلْتَ: وعَمْرًا يَوْمَ السَّبْتِ لَمْ يُشارِكْهُ في قَيْدِهِ. والآيَةُ مِنَ القَبِيلِ الأوَّلِ. فالظّاهِرُ مُشارَكَتُهُ في قَيْدِهِ ويَكْفِي في المَنعِ. وبَحَثَ فِيهِ السَّفاقُسِيُّ وغَيْرُهُ. فَتَدَبَّرْ
ومَن مَنَعَ العَطْفَ عَلى مَحَلِّ (مِن شَيْءٍ) لِما تَقَدَّمَ مَنَعَ العَطْفَ عَلى (شَيْءٍ) لِذَلِكَ أيْضًا، ولِأنَّ (مِن) لا تُقَدَّرُ عامِلَةً بَعْدَ الإثْباتِ لِأنَّها إذا عَمِلَتْ كانَتْ في قُوَّةِ المَذْكُورَةِ المَزِيدَةِ وهي لا تُزادُ في الإثْباتِ في غَيْرِ الظُّرُوفِ أوْ مُطْلَقًا عِنْدَ الجُمْهُورِ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾
69
- أيْ يَجْتَنِبُونَ الخَوْضَ حَياءً أوْ كَراهَةً لِمَساءَتِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّذِينِ يَتَّقُونَ أيْ لَكِنْ يُذَكِّرُ المُتَّقُونَ الخائِضِينَ لِيَثْبُتَ المُتَّقُونَ عَلى تَقْواهم ولا يَأْثَمُوا بِتَرْكِ ما وجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ أوْ لِيَزْدادُوا تَقْوًى بِذَلِكَ. وهَذِهِ الآيَةُ -كَما أخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ جُبَيْرٍ- مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى النّازِلِ في المَدِينَةِ: ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها﴾ إلَخْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ البَلْخِيُّ والجَبائِيُّ. وفي الطَّوْدِ الرّاسِخِ في المَنسُوخِ والنّاسِخِ أنْ لا نَسْخَ
صفحة 186
عِنْدَ أهْلِ التَّحْقِيقِ في ذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وما عَلى الَّذِينَ﴾ إلَخْ خَبَرٌ ولا نَسْخَ في الأخْبارِ، فافْهَمْ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences