Al-AlusiAl‑An'am · 6:70–72

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:70–72

6:70Page 136

وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ وَذَكِّرۡ بِهِۦٓ أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ بِمَا كَسَبَتۡ لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ وَإِن تَعۡدِلۡ كُلَّ عَدۡلٖ لَّا يُؤۡخَذۡ مِنۡهَآۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْۖ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٧٠

And leave those who take their religion as amusement and diversion and whom the worldly life has deluded. But remind with it [i.e., the Qur’ān], lest a soul be given up to destruction for what it earned; it will have other than Allāh no protector and no intercessor. And if it should offer every compensation, it would not be taken from it [i.e., that soul]. Those are the ones who are given to destruction for what they have earned. For them will be a drink of scalding water and a painful punishment because they used to disbelieve.

﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ وكُلِّفُوهُ وأُمِرُوا بِإقامَةِ مَواجِبِهِ وهو الإسْلامُ، ﴿لَعِبًا ولَهْوًا﴾ حَيْثُ سَخِرُوا بِهِ واسْتَهْزَأُوا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى اتَّخَذُوا الدِّينَ الواجِبَ شَيْئًا مِن جِنْسِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ كَعِبادَةِ الأصْنامِ وتَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ ونَحْوِ ذَلِكَ، أوِ اتَّخَذُوا ما يَتَدَيَّنُونَ بِهِ ويَنْتَحِلُونَهُ بِمَنزِلَةِ الدِّينِ لِأهْلِ الأدْيانِ شَيْئًا مِنَ اللَّعِبِ واللَّهْوِ. وحاصِلُهُ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا اللَّعِبَ واللَّهْوَ دِينًا، وقِيلَ: المُرادُ بِالدِّينِ العِيدُ الَّذِي يُعادُ إلَيْهِ كُلَّ حِينٍ مَعْهُودٍ بِالوَجْهِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى كَعِيدِ المُسْلِمِينَ أوْ بِالوَجْهِ الَّذِي لَمْ يُشْرَعْ مِنَ اللَّعِبِ واللَّهْوِ كَأعْيادِ الكَفَرَةِ؛ لِأنَّ أصْلَ مَعْنى الدِّينِ العادَةُ، والعِيدُ مُعْتادٌ كُلَّ عامٍ. ونُسِبَ ذَلِكَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والمَعْنى عَلى سائِرِ الأقْوالِ: لا تُبالِ بِهَؤُلاءِ وامْضِ لِما أُمِرْتَ بِهِ

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ أنَّ المَعْنى عَلى التَّهْدِيدِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ و﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا﴾، وقِيلَ: المُرادُ الأمْرُ بِالكَفِّ عَنْهم وتَرَكُ التَّعَرُّضِ لَهم. والآيَةُ عَلَيْهِ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ. ونَصَبَ ﴿لَعِبًا﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ (اتَّخَذُوا) وهو اخْتِيارُ السَّفاقُسِيِّ، ويُفْهَمُ مِن ظاهِرِ كَلامِ البَعْضِ أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلٌ و(دِينَهُمْ) ثانٍ، وفِيهِ إخْبارٌ عَنِ النَّكِرَةِ بِالمَعْرِفَةِ. ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الإمامِ أنَّهُ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ (واتَّخَذَ) مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ فَإنَّهُ قالَ بَعْدَ سَرْدِ وُجُوهِ التَّفْسِيرِ في الآيَةِ: والخامِسُ وهو الأقْرَبُ أنَّ المُحِقَّ في الدِّينِ هو الَّذِي يَنْصُرُ الدِّينَ لِأجْلِ أنْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ حَقٌّ وصِدْقٌ وصَوابٌ فَأمّا الَّذِينَ يَنْصُرُونَهُ لِيَتَوَسَّلُوا بِهِ إلى أخْذِ المَناصِبِ والرِّياسَةِ وغَلَبَةِ الخَصْمِ وجَمْعِ الأمْوالِ فَهم نَصَرُوا الدِّينَ لِلدُّنْيا؛ وقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها في سائِرِ الآياتِ بِأنَّها لَعِبٌ ولَهْوٌ. فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ إلَخْ هو الإشارَةُ إلى مَن يَتَوَسَّلُ بِدِينِهِ إلى دُنْياهُ. وإذا تَأمَّلْتَ في حالِ أكْثَرِ الخَلْقِ وجَدْتَهم مَوْصُوفِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وداخِلِينَ تَحْتَ هَذِهِ الآيَةِ، اهـ

ولا يَخْفى أنَّهُ أبْعَدُ مِنَ العَيُّوقِ فَلا تَغْتَرَّ بِهِ وإنْ جَلَّ قائِلُهُ ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ خَدَعَتْهم وأطْمَعَتْهم بِالباطِلِ حَتّى أنْكَرُوا البَعْثَ وزَعَمُوا أنْ لا حَياةَ بَعْدَها واسْتَهْزَأُوا بِآياتِ اللَّهِ تَعالى. وجَعَلَ بَعْضُهم غَرَّ مِنَ الغَرِّ وهو مَلْءُ الفَمِ أيْ أشْبَعَتْهم لَذّاتُها حَتّى نَسُوا الآخِرَةَ. وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: ولَمّا التَقَيْنا بِالعَشِيَّةِ غَرَّنِي بِمَعْرُوفِهِ حَتّى خَرَجْتُ أفُوقُ ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ. وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ والقُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِحِسابِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ ضَمِيرٌ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ فَيَكُونُ بَدَلًا مِنهُ واخْتارَهُ أبُو حَيّانَ. وعَلى الأوْجُهِ الأُخَرِ هو مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أيْ لِئَلّا تُبْسَلَ أوْ مَخافَةَ أوْ كَراهَةَ أنْ تَبْسُلَ. ومِنهم مَن جَعَلَهُ مَفْعُولًا بِهِ لِـ (ذَكِّرْ) ومَعْنى ﴿تُبْسَلَ﴾ تُحْبَسَ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. وأنْشَدَ قَوْلَ زُهَيْرٍ:

وفارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لا فَكاكَ لَهُ يَوْمَ الوَداعِ وقَلْبِي مُبْسَلٌ عَلِقا

وفِي رِوايَةِ ابْنِ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ تُسَلَّمُ. ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ واخْتارَهُ الجَبائِيُّ والفَرّاءُ، وفي رِوايَةِ ابْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِهِ تُفْضَحُ، وقالَ الرّاغِبُ: ﴿تُبْسَلَ﴾ هُنا بِمَعْنى تُحْرَمُ الثَّوابَ.وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ

صفحة 187

أنَّ الإبْسالَ والبَسْلَ في الأصْلِ المَنعُ، ومِنهُ أسَدٌ باسِلٌ لِأنَّ فَرِيسَتَهُ لا تُفْلِتُ مِنهُ أوْ لِأنَّهُ مُتَمَنِّعٌ، والباسِلُ الشُّجاعُ لِامْتِناعِهِ مِن قَرْنِهِ، وجاءَ البَسْلُ بِمَعْنى الحَرامِ. وفَرَّقَ الرّاغِبُ بَيْنَهُما بِأنَّ الحَرامَ عامٌّ لِما مُنِعَ مِنهُ بِحُكْمٍ أوْ قَهْرٍ؛ والبَسْلُ المَمْنُوعُ بِالقَهْرِ ويَكُونُ بَسَلْ بِمَعْنى أجَلْ ونَعَمْ، واسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى اكْفُفْ، وتَنْكِيرُ نَفْسٍ لِلْعُمُومِ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ أيْ لِئَلّا تُحْبَسَ وتُرْهَنَ كُلُّ نَفْسٍ في الهَلاكِ أوْ في النّارِ أوْ تُسْلِمَ إلى ذَلِكَ أوْ تُفْضَحَ أوْ تُحْرَمَ الثَّوابَ بِسَبَبِ عَمَلِها السُّوءَ أوْ (ذَكِّرْ) بِحَبْسٍ أوْ حَبْسِ كُلِّ نَفْسٍ بِذَلِكَ، وحَمَلَ النَّكِرَةَ عَلى العُمُومِ مَعَ أنَّها في الإثْباتِ لِاقْتِضاءِ السِّياقِ لَهُ، وقِيلَ: أنَّها هُنا في النَّفْيِ مَعْنًى، وفِيما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ مِنَ التَّفْخِيمِ وزِيادَةِ التَّقْرِيرِ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَها﴾ أيِ النَّفْسُ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ إمّا اسْتِئْنافٌ لِلْإخْبارِ بِذَلِكَ أوْ في مَحَلِّ رَفْعِ صِفَةِ (نَفْسٌ) أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ (كَسَبَتْ) أوْ مِن (نَفْسٌ) فَإنَّهُ في قُوَّةِ نَفْسٍ كافِرَةٍ أوْ نُفُوسٍ كَثِيرَةٍ واسْتَظْهَرَ بَعْضٌ الحالِيَّةَ. و(مِن دُونِ اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (ولِيٌّ)، وقِيلَ: خَبَرًا لِـ (لَيْسَ) و (لَها) حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ عَلى البَيانِ و(مِن) جَعَلَها زائِدَةً لَمْ يُعَلِّقْها بِشَيْءٍ، والمُرادُ أنَّهُ لا يَحُولُ بَيْنَها وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَدْفَعَ عِقابَهُ سُبْحانَهُ عَنْها ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ، ﴿وإنْ تَعْدِلْ﴾ أيْ إنْ تَفْدِ تِلْكَ النَّفْسُ ﴿كُلَّ عَدْلٍ﴾ أيْ كُلَّ فِداءٍ و(كُلَّ) نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّهُ بِحَسْبِ ما يُضافُ إلَيْهِ لا مَفْعُولٌ بِهِ، وقِيلَ: أنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ وهو بِمَعْنى الكامِلِ كَقَوْلِكَ: هو رَجُلٌ كُلَّ رَجُلٍ أيْ كامِلٌ في الرُّجُولِيَّةِ، والتَّقْدِيرُ عَدْلًا كُلَّ عَدْلٍ، ورُدَّ بِأنَّ كُلًّا بِهَذا المَعْنى يَلْزَمُ التَّبَعِيَّةَ والإضافَةَ إلى مِثْلِ المَتْبُوعِ نَعْتًا لا تَوْكِيدًا كَما في التَّسْهِيلِ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ مَوْصُوفِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ كَسَيْرٍ مِنَ البَلَدِ لا إلى ضَمِيرِ العَدْلِ لِأنَّ العَدْلَ كَما عَلِمْتَ مَصْدَرٌ ولَيْسَ بِمَأْخُوذٍ بِخِلافِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ فَإنَّهُ فِيهِ بِمَعْنى المُفْدى بِهِ، وجُوِّزَ كَوْنُ الإسْنادِ إلى ضَمِيرِهِ مُرادًا بِهِ الفِدْيَةُ عَلى الِاسْتِخْدامِ إلّا أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ مَعَ صِحَّةِ الإسْنادِ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ وبِذَلِكَ يَسْتَغْنِي أيْضًا عَنِ القَوْلِ بِكَوْنِهِ راجِعًا إلى المَعْدُولِ بِهِ المَأْخُوذِ مِنَ السِّياقِ

وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ وإنْ تُقْسِطْ تِلْكَ النَّفْسُ كُلَّ قِسْطٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ لا يُقْبَلْ مِنها لِأنَّ التَّوْبَةَ هُناكَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وإنَّما تُقْبَلُ في الدُّنْيا ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ المُتَّخِذُونَ دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا المُغْتَرُّونَ بِالحَياةِ الدُّنْيا ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾ أيْ حُرِمُوا الثَّوابَ وسُلِّمُوا لِلْعَذابِ أوْ بِأحَدِ المَعانِي الباقِيَةِ لِلْإبْسالِ ﴿بِما كَسَبُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ وعَقائِدِهِمُ الزّائِغَةِ. واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِمْ في سُوءِ الحالِ، وخَبَرُهُ المَوْصُولُ بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ سِيقَ إثْرَ تَحْذِيرِ أُولَئِكَ مِنَ الإبْسالِ المَذْكُورِ لِبَيانِ أنَّهُمُ المُبْتَلَوْنَ بِذَلِكَ

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الإبْسالِ المَذْكُورِ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا لَهم حِينَ أُبْسِلُوا؟ فَقِيلَ: لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ أيْ ماءٍ حارٍّ يَتَجَرْجَرُ ويَتَرَدَّدُ في بُطُونِهِمْ ويَتَقَطَّعُ بِهِ أمْعاؤُهم ﴿وعَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِنارٍ تَشْتَعِلُ بِأبْدانِهِمْ كَما هو المُتَبادَرُ مِنَ العَذابِ ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾

70

- أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ المُسْتَمِرِّ في الدُّنْيا، ويُطْلَقُ الحَمِيمُ عَلى الماءِ البارِدِ فَهو ضِدٌّ كَما في القامُوسِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿لَهم شَرابٌ﴾ حالًا مِن ضَمِيرِ ﴿أُبْسِلُوا﴾ وأنْ تَكُونَ خَبَرًا لِاسْمِ

صفحة 188

الإشارَةِ ويَكُونُ الَّذِينَ نَعْتًا لَهُ أوْ بَدَلًا مِنهُ وأنْ تَكُونَ خَبَرًا ثانِيًا. واخْتارَ كَما يُشِيرُ كَلامُهُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى النُّفُوسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِنَفْسٍ، وجُعِلَتِ الجُمْلَةُ لِبَيانِ تَبِعَةِ الإبْسالِ. واخْتارَ كَثِيرٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ ما أشَرْنا إلَيْهِ

وتَرْتِيبُ ما ذُكِرَ مِنَ العَذابَيْنِ عَلى كُفْرِهِمْ مَعَ أنَّهم مُعَذَّبُونَ بِسائِرِ مَعاصِيهِمْ أيْضًا حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بِما كَسَبُوا﴾ لِأنَّهُ العُمْدَةُ في أسْبابِ العَذابِ والأهَمُّ في بابِ التَّحْذِيرِ أوْ أُرِيدَ -كَما قِيلَ-: بِكُفْرِهِمْ ما هو أعَمُّ مِنهُ ومِن مُسْتَتْبَعاتِهِ مِنَ المَعاصِي

6:71Page 136

قُلۡ أَنَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعۡقَابِنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسۡتَهۡوَتۡهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِي ٱلۡأَرۡضِ حَيۡرَانَ لَهُۥٓ أَصۡحَٰبٞ يَدۡعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلۡهُدَى ٱئۡتِنَاۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۖ وَأُمِرۡنَا لِنُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧١

Say, "Shall we invoke1 instead of Allāh that which neither benefits us nor harms us and be turned back on our heels after Allāh has guided us? [We would then be] like one whom the devils enticed [to wander] upon the earth confused, [while] he has companions inviting him to guidance, [calling], 'Come to us.'"2 Say, "Indeed, the guidance of Allāh is the [only] guidance; and we have been commanded to submit to the Lord of the worlds.

﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: اتَّبِعُوا سَبِيلَنا واتْرُكُوا دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: قُلْ إلَخْ

وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ دَعاهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ. وفي تَوْجِيهِ الأمْرِ إلَيْهِ ﷺ ما لا يَخْفى مِن تَعْظِيمِ شَأْنِ المُؤْمِنِينَ أوْ أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْ أنَعْبُدُ مُتَجاوِزِينَ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القُدْرَةُ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ ما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِنا إنْ عَبَدْناهُ ولا عَلى ضُرِّنا إذا تَرَكْناهُ، وأدْنى مَراتِبِ المَعْبُودِيَّةِ القُدْرَةُ عَلى ذَلِكَ. وفاعِلُ (نَدْعُوا) وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ عامٌّ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ ﷺ ولِغَيْرِهِ ولَيْسَ مَخْصُوصًا بِالصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِناءً عَلى أنَّهُ سَبَبُ النُّزُولِ. وفي الآيَةِ تَغْلِيبٌ إذْ لا يُتَصَوَّرُ الرَّدُّ عَلى العَقِبِ المُرادُ بِهِ الرُّجُوعُ إلى الشِّرْكِ مِنهُ ﷺ. والمَعْنى ألْيَقُ بِنا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ ذَلِكَ. والأعْقابُ جَمْعُ عَقِبٍ وهو مُؤَخَّرُ الرِّجْلِ، يُقالُ: رَجَعَ عَلى عَقِبِهِ إذا انْثَنى راجِعًا، ويُكَنّى بِهِ -كَما قِيلَ- عَنِ الذَّهابِ مِن غَيْرِ رُؤْيَةِ مَوْضِعِ القَدَمِ وهو ذَهابٌ بِلا عِلْمٍ بِخِلافِ الذَّهابِ مَعَ الإقْبالِ، وقِيلَ: الرَّدُّ عَلى الأعْقابِ بِمَعْنى الرُّجُوعِ إلى الضَّلالِ والجَهْلِ شِرْكًا أوْ غَيْرِهِ. والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ. والتَّعْبِيرُ عَنِ الرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ بِالرَّدِّ عَلى الأعْقابِ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِزِيادَةِ تَقْبِيحِهِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ ما هو عَلَمٌ في القُبْحِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى كَوْنِ الشِّرْكِ حالَةً قَدْ تُرِكَتْ ونُبِذَتْ وراءَ الظَّهْرِ. وإيثارُ (نُرَدُّ) عَلى نَرْتَدُّ لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى الِارْتِدادِ بَرَدِّ الغَيْرِ تَصْرِيحًا بِمُخالَفَةِ المُضِلِّينَ وقَطْعًا لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ وإيذانًا بِأنَّ الِارْتِدادَ مِن غَيْرِ رادٍّ لَيْسَ في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ لِيُحْتاجَ إلى نَفْيِهِ وإنْكارِهِ ﴿بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ إلى التَّوْحِيدِ والإسْلامِ أوْ إلى سائِرِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الفَوْزُ في الآخِرَةِ عَلى ما قِيلَ. والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (نُرَدُّ) مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ لا لِتَحْقِيقِ مَعْنى الرَّدِّ وتَصْوِيرِهِ فَقَطْ وإلّا لَكَفى أنْ يُقالَ: بَعْدَ إذِ اهْتَدَيْنا كَأنَّهُ قِيلَ: أنُرَدُّ إلى ذَلِكَ بِإضْلالِ المُضِلِّ بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ الَّذِي لا هادِيَ سِواهُ. ولَيْسَتِ الآيَةُ مِن بابِ التَّنازُعِ فِيما يَظْهَرُ ولا أنَّ جُمْلَةَ (نُرَدُّ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (نَدْعُو) أيْ ونَحْنُ نُرَدُّ وجَوَّزَهُ أبُو البَقاءِ

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ أنُرَدُّ رَدًّا مِثْلَ رَدِّ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ إلَخْ وقَدَّرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَدْعُوا دُعاءً مِثْلَ دُعاءِ الَّذِي إلَخْ ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ (نُرَدُّ) أيْ أنُرَدُّ عَلى أعْقابِنا مُشَبَّهِينَ بِذَلِكَ. واعْتَرَضَهُ صاحِبُ الفَرائِدِ بِأنَّ حاصِلَ الحالِيَّةِ أنُرَدُّ في حالِ مُشابَهَتِنا كَقَوْلِكَ: جاءَ زَيْدٌ راكِبًا أيْ في حالِ رُكُوبِهِ، والرَّدُّ لَيْسَ في حالِ المُشابَهَةِ كَما أنَّ المَجِيءَ في حالِ الرُّكُوبِ

وأجابَ عَنْهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ الحالَ مُؤَكِّدَةٌ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ فَلا يَلْزَمُ ذَلِكَ، ولا يَخْفى أنَّهُ في

صفحة 189

حَيِّزِ المَنعِ، والِاسْتِهْواءُ اسْتِفْعالٌ مِن هَوى في الأرْضِ يَهْوِي إذا ذَهَبَ كَما هو المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ كَأنَّها طَلَبَتْ هَوِيَّهُ وحَرَصَتْ عَلَيْهِ أيْ كالَّذِي ذَهَبَتْ بِهِ مَرَدَةُ الجِنِّ في المَهامَةِ والقِفارِ، والكَلامُ في المُرَكَّبِ العَقْلِيِّ أوْ مِنَ التَّمْثِيلِ حَيْثُ شُبِّهَ فِيهِ مَن خَلُصَ مِنَ الشِّرْكِ ثُمَّ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ بِحالِ مَن ذَهَبَتْ بِهِ الشَّياطِينُ في المُهِمَّةِ وأضَلَّتْهُ بَعْدَ ما كانَ عَلى الجادَّةِ المُسْتَقِيمَةِ، ولَيْسَ هَذا مَبْنِيًّا عَلى زَعَماتِ العَرَبِ كَما زَعَمَ مَنِ اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ اسْتَهْوى مِن هَوى بِمَعْنى سَقْطِهِ، يُقالُ: هَوى يَهْوِي هَوِيًّا بِفَتْحِ الهاءِ إذا سَقَطَ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، والمَقْصُودُ تَشْبِيهُ حالِ هَذا الضّالِّ بِحالِ مَن سَقَطَ مِنَ المَوْضِعِ العالِي إلى الوَهْدَةِ السّافِلَةِ العَمِيقَةِ لِأنَّهُ في غايَةِ الِاضْطِرابِ والضَّعْفِ والدَّهْشَةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ وفِيهِ بَعْدٌ وإنْ قالَ الإمامُ إنَّهُ أوْلى مِنَ المَعْنى الأوَّلِ مَعَ أنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلى وُرُودِ الِاسْتِفْعالِ مِن هَوى بِهَذِي المَعْنى، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ في (الَّذِي) أنْ يَكُونَ مُفْرَدًا أيْ كالرَّجُلِ أوْ كالفَرِيقِ الَّذِي وأنْ يَكُونَ جِنْسًا، والمُرادُ (الَّذِينَ)

وقَرَأ حَمْزَةُ (اسْتَهْواهُ) بِألِفٍ مُمالَةٍ مَعَ التَّذْكِيرِ (فِي الأرْضِ) أيْ جِنْسِها والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ أيْ كائِنًا في الأرْضِ، وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿حَيْرانَ﴾ حالٌ مِنهُ أيْضًا عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الأُولى أوْ حالٌ ثانِيَةٌ عِنْدَ مَن يُجِيزُها أوْ مِنَ (الَّذِي) أوْ مِنَ المُسْتِكُنِّ في الظَّرْفِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الجارُّ حالًا مِن (حَيْرانَ) وهو مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ ومُؤَنَّثُهُ حَيْرى أيْ تائِهًا ضالًّا عَنِ الجادَّةِ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ

﴿لَهُ﴾ أيْ لِلْمُسْتَهْوى ﴿أصْحابٌ﴾ أرى رُفْقَةً ﴿يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾ أيِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ مُبالَغَةً عَلى حَدِّ: زَيْدٌ عَدْلٌ، والجارُّ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا مُقَدَّمًا و (أصْحابٌ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ إمّا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِحَيْرانَ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ أوْ بَدَلٌ مِنَ الحالِ الَّتِي قَبْلَها وإمّا لا مَحَلَّ لَها عَلى أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ، وجُمْلَةُ (يَدْعُونَهُ) صِفَةٌ لِـ (أصْحابٌ)، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (ائْتِنا) يُقَدَّرُ فِيهِ قَوْلٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن (يَدْعُونَهُ) أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، وقِيلَ: مَحْكِيٌّ بِالدُّعاءِ لِأنَّهُ بِمَعْنى القَوْلِ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ بَيْنَ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ في أمْثالِ ذَلِكَ، والمَشْهُورُ التَّقْدِيرُ أيْ يَقُولُ ائْتِنا وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم مُهْتَدُونَ ثابِتُونَ عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ وإنَّ مَن يَدْعُونَهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ لِيُدْعى إلى إتْيانِهِ، وإنَّما يُدْرِكُ سَمْتَ الدّاعِي ومَوْرِدَ النَّعِيقِ

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي إسْحاقَ (ائْتِنا) عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الهُدى أيْ واضِحًا قُلْ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ إنَّ هُدى اللَّهِ الَّذِي هَدانا إلَيْهِ وهو الإسْلامُ هو الهُدى أيْ وحْدَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْرِيفُ الطَّرَفَيْنِ أوْ ضَمِيرُ الفَصْلِ، وما عَداهُ ضَلالٌ مَحْضٌ وغَيٌّ صِرْفٌ، وتَكْرِيرُ الأمْرِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ أوْ لِأنَّ ما سَبَقَ لِلزَّجْرِ عَنِ الشِّرْكِ، وهَذا حَثٌّ عَلى الإسْلامِ وهو تَوْطِئَةٌ لِما بَعْدَهُ، فَإنَّ اخْتِصاصَ الهُدى بِهُداهُ تَعالى مِمّا يُوجِبُ امْتِثالَ الأوامِرِ بَعْدَهُ ﴿وأُمِرْنا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ القَوْلِ، واللّامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِنُسْلِمَ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، ومَفْعُولُ (أُمِرْنا) الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ أُمِرْنا بِالإخْلاصِ لِكَيْ نَنْقادَ ونَسْتَسْلِمَ ﴿لِرَبِّ العالَمِينَ﴾

71

- وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ أيْ أُمِرْنا بِالإسْلامِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ غَرِيبٌ لا تَعْرِفُهُ النُّحاةُ، وقِيلَ: زائِدَةٌ أيْ أُمِرْنا أنْ نُسْلِمَ عَلى حَذْفِ الباءِ، وقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ ومَن

صفحة 190

تابَعَهُما: الفِعْلُ في هَذا وفي نَحْوِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ مُؤَوَّلٌ بِالمَصْدَرِ، وهو مُبْتَدَأٌ واللّامُ وما بَعْدَها خَبَرُهُ أيْ أُمِرْنا لِلْإسْلامِ، وهو نَظِيرُ -تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ- ولا يَخْفى بُعْدُهُ

وذَهَبَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ إلى أنَّ اللّامَ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ بِمَعْنى (أنْ) بَعْدَ أرَدْتُ وأُمِرْتُ خاصَّةً فَكَأنَّهُ قِيلَ: وأُمِرْنا أنْ نُسْلِمَ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ

6:72Page 136

وَأَنۡ أَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُۚ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٧٢

And to establish prayer and fear Him." And it is He to whom you will be gathered.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ﴾ أيِ الرَّبَّ في مُخالَفَةِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ بِتَقْدِيرِ حَرْفِ الجَرِّ وهو عَطْفٌ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ السّابِقِ، وقَدْ صَرَّحَ بِدُخُولِ (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ عَلى الأمْرِ سِيبَوَيْهِ وجَماعَةٌ، وجَوَّزَ أنْ يُعْطَفَ ﴿أنْ أقِيمُوا﴾ عَلى مَوْضِعِ لِنُسْلِمَ كَأنَّهُ قِيلَ: أُمِرْنا أنْ نُسْلِمَ وأنْ أقِيمُوا، وقِيلَ: العَطْفُ عَلى مَفْعُولِ الأمْرِ المُقَدَّرِ أيْ أُمِرْنا بِالإيمانِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، وقِيلَ: عَلى قَوْلِهِ تَعالى: إنَّ هُدى اللَّهِ إلَخْ أيْ قُلْ لَهم إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى وأنْ أقِيمُوا، وقِيلَ: عَلى ائْتِنا، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ

وذَكَرَ الإمامُ أنَّهُ كانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: أُمِرْنا لِنُسْلِمَ ولِأنْ نُقِيمَ إلّا أنَّهُ عُدِّلَ لِما ذُكِرَ لِلْإيذانِ بِأنَّ الكافِرَ ما دامَ كافِرًا كانَ كالغائِبِ الأجْنَبِيِّ فَخُوطِبَ بِما خُوطِبَ بِهِ الغَيْبُ، وإذا أسْلَمَ ودَخَلَ في زُمْرَةِ المُؤْمِنِينَ صارَ كالقَرِيبِ الحاضِرِ فَخُوطِبَ بِما يُخاطِبُ بِهِ الحاضِرُونَ

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

72

- جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُوجِبَةٌ لِلِامْتِثالِ بِما أمَرَ بِهِ سُبْحانَهُ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِإفادَةِ الحَصْرِ مَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ أيْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى غَيْرِهِ تُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском