Al-AlusiAl‑An'am · 6:8–9

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:8–9

6:8Page 128

وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ مَلَكٞۖ وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكٗا لَّقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ٨

And they say, "Why was there not sent down to him an angel?"1 But if We had sent down an angel, the matter would have been decided;2 then they would not be reprieved.

﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ قَدْحِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما هو أصْرَحُ مِنَ الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ (لَوْ) ويُغْتَفَرُ في الثَّوانِي ما يُغْتَفَرُ في الأوائِلِ واعْتُرِضَ بِأنَّ تِلْكَ المَقالَةَ الشَّنْعاءَ لَيْسَتْ مِمّا يُقَدَّرُ صُدُورُهُ عَنْهم عَلى تَقْدِيرُ تَنْزِيلُ الكِتابِ المَذْكُورِ بَلْ هي مِن أباطِيلِهِمُ المُحَقَّقَةِ وخُرافاتِهِمُ المُلَفَّقَةِ الَّتِي يَتَعَلَّلُونَ بِها كُلَّما ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ وعَيَتْ بِهِمُ العِلَلُ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا بُعْدَ في تَقْدِيرِ صُدُورِ هَذِهِ المَقالَةِ عَلى تَقْدِيرِ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ لِأنَّهُ مِمّا يُوقِعُ الكافِرَ المُعانِدَ في حَيْصَ بَيْصَ فَلا يَدْرِي بِماذا يُقابِلُهُ، وأيَّ شَيْءٍ يَتَشَبَّثُ بِهِ، وكَلِمَةُ (لَوْلا) هُنا لِلتَّحْضِيضِ، والمَقْصُودُ بِهِ التَّوْبِيخُ عَلى عَدَمِ الإتْيانِ بِمَلَكٍ يُشاهَدُ مَعَهُ حَتّى تَنْتَفِيَ الشُّبْهَةُ بِزَعْمِهِمْ

أخْرَجَ أبُو المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمَهُ إلى الإسْلامِ وكَلَّمَهم فَأبْلَغَ إلَيْهِمْ فِيما بَلَّغَنِي فَقالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ والنَّضِرُ بْنُ الحارِثِ بْنِ كَلْدَةَ وعَبَدَةُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ وابْنُ أبِي خَلَفِ بْنُ وهْبٍ والعاصُ بْنُ وائِلِ بْنِ هِشامٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النّاسَ ويُرى

صفحة 97

مَعَكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ﴾ إلَخْ» أيْ هَلّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يَكُونُ مَعَهُ يُحَدِّثُ النّاسَ عَنْهُ ويُخْبِرُهم أنَّهُ رَسُولٌ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ إلَيْهِمْ، ولَعَلَّ هَذا نَظِيرُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ولَمّا كانَ مَدارُ هَذا الِاقْتِراحِ عَلى شَيْئَيْنِ إنْزالِ المَلَكِ عَلى صُورَتِهِ وجَعْلِهِ مَعَهُ ﷺ يُحَدِّثُ النّاسَ عَنْهُ ويُنْذِرُهم أُجِيبُ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُوجَدُ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُتَبايِنَيْنِ فَإنَّ إنْزالَ المَلَكِ عَلى صُورَتِهِ يَقْتَضِي انْتِفاءَ جَعْلِهِ مُحَدِّثًا ونَذِيرًا وجَعْلِهِ مُحَدِّثًا ونَذِيرًا يَسْتَدْعِي عَدَمَ إنْزالِهِ عَلى صُورَتِهِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا﴾ عَلَيْهِ مَلَكًا عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ فَشاهَدُوهُ بِأعْيُنِهِمْ: لَقُضِيَ الأمْرُ أيْ لَأُتِمَّ أمْرُ هَلاكِهِمْ بِسَبَبِ مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ لِمَزِيدِ هَوْلِ المَنظَرِ مَعَ ما هم فِيهِ مِن ضَعْفِ القُوى وعَدَمِ اللِّياقَةِ

وقَدْ قِيلَ: إنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهم هم إنَّما رَأوُا المَلَكَ في صُورَةِ البَشَرِ ولَمْ يَرَهُ أحَدٌ مِنهم عَلى صُورَتِهِ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ رَآهُ كَذَلِكَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً في الأرْضِ بِجِيادٍ ومَرَّةً في السَّماءِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا مُحْتاجٌ إلى نَقْلٍ عَنِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ والَّذِي صَحَّ مِن رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَرَّتَيْنِ كَما ذُكِرَ عَلى صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ أحَدٌ أنَّ أحَدًا مِن إخْوانِهِ الأنْبِياءِ غَيْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَرَهُ كَذَلِكَ، ولَمْ يَرِدْ هَذا -كَما قالَ ابْنُ حَجَرٍ وناهِيكَ بِهِ حافِظًا في شَيْءٍ- مِن كُتُبِ الآثارِ، وأمّا رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ وكَذا رُؤْيَةُ غَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ غَيْرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الصُّورَةِ الأصْلِيَّةِ فَهي جائِزَةٌ بِلا رَيْبٍ، وظاهِرُ الأخْبارِ وُقُوعُها أيْضًا لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا وُقُوعُ رُؤْيَةِ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَمْ أقِفْ فِيها عَلى شَيْءٍ لا نَفْيًا ولا إثْباتًا، وعَدَمُ وُقُوعِ رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ صَحَّ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ رُؤْيَةِ غَيْرِهِ إذْ لَيْسَتْ صُوَرُ المَلائِكَةِ كُلُّهم كَصُورَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في العِظَمِ، وخَبَرُ الخَصْمَيْنِ والأضْيافِ لِإبْراهِيمَ ولُوطٍ وداوُدَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةً عَلى أكْثَرِ مِن رُؤْيَةِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ لِلْمَلائِكَةِ بِصُورَةِ الآدَمِيِّينَ وهي لا تَسْتَلْزِمُ أنَّهم لا يَرَوْنَهم إلّا كَذَلِكَ وإلّا لاسْتَلْزَمَتْ رُؤْيَةُ نَبِيِّنا ﷺ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصُورَةِ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الكَلْبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَثَلًا عَدَمَ رُؤْيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهم إلّا بِالصُّورَةِ الآدَمِيَّةِ وهو خِلافُ ما تَفْهَمُهُ الأخْبارُ، وبِناءُ الفِعْلِ الأوَّلِ في الجَوابِ لِلْفاعِلِ مُسْنَدًا إلى نُونِ العَظَمَةِ مَعَ كَوْنِهِ في السُّؤالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وبِناءُ الثّانِي لِلْمَفْعُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ. وكَلِمَةُ (ثُمَّ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾

8

- أيْ لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ إنْزالِهِ ومُشاهَدَتِهِمْ لَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَضْلًا عَنْ أنْ يَحْظَوْا مِنهُ بِكَلِمَةٍ أوْ يُزِيلُوا بِهِ بِزَعْمِهِمْ شُبْهَةً لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ ما بَيْنَ الأمْرَيْنِ قَضاءُ الأمْرِ وعَدَمُ الإنْظارِ فَإنَّ مُفاجَأةَ الشِّدَّةِ أشَدُّ مِن نَفْسِ الشِّدَّةِ، وقِيلَ: إنَّها لِلْإشارَةِ إلى أنَّ لَهم مُهْلَةً قُدِّرَ أنْ يَتَأمَّلُوا

واعْتُرِضَ بَأنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: (لَقُضِيَ) ولا يُمْهِلُ لِلتَّأمُّلِ بَعْدَ قَضاءِ الأمْرِ

وقِيلَ في سَبَبِ إهْلاكِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ إنْزالِ المَلَكِ حَسْبَما اقْتَرَحُوهُ: إنَّهم إذا عايَنُوهُ قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ وهي آية لا شَيْءَ أبْيَنُ مِنها ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن إهْلاكِهِمْ فَإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى قَدْ جَرَتْ بِذَلِكَ فِيمَن قَبْلَهم مِمَّنْ كَفَرَ بَعْدَ نُزُولِ ما اقْتَرَحَ. ورُوِيَ هَذا عَنْ قَتادَةَ، وقِيلَ: إنَّهُ يَزُولُ

صفحة 98

اخْتِيارُ الَّذِي هو قاعِدَةُ التَّكْلِيفِ عِنْدَ نُزُولِهِ لِأنَّ هَذِهِ آيَةٌ مُلْجِئَةٌ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ فَيَجِبُ إهْلاكُهم لِئَلّا يَبْقى وجُودُهم عارِيًا عَنِ الحِكْمَةِ إذْ ما خُلِقُوا إلّا لِلِابْتِلاءِ بِالتَّكْلِيفِ وهو يَبْقى مَعَ الإلْجاءِ، وفِيهِ أنَّهُ مُخالِفٌ لِقَواعِدِ أهْلِ السُّنَّةِ ولا يَتَسَنّى إلّا عَلى قَواعِدِ المُعْتَزِلَةِ وهي أوْهَنُ مِن بَيْتِ العَنْكَبُوتِ ومَعَ هَذا هو غَيْرُ صافٍ عَنِ الأشْكالِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، وذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ أنَّ هَذا الوَجْهَ يُنافِي ما قَبْلَهُ لِدَلالَةِ ما قَبْلُ عَلى بَقاءِ الِاخْتِيارِ وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ إذا عايَنُوا المَلَكَ قَدْ نَزَلَ ودَلالَةُ هَذا عَلى سَلْبِ الِاخْتِيارِ وزَوالِهِ وأنَّ الإيمانَ إيمانُ يَأْسٍ

وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: لا يُحْسُنُ أنْ يُجْعَلَ سَبَبُ مُناجَزَتِهِمْ بِالهَلَكِ وُضُوحَ الآيَةِ في نُزُولِ المَلَكِ فَإنَّهُ رُبَّما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ أنَّ الآياتِ الَّتِي لَزِمَهُمُ الإيمانُ بِها دُونَ نُزُولِ المَلَكِ في الوُضُوحِ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالوَجْهُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ تَعْجِيلِ عُقُوبَتِهِمْ بِتَقْدِيرِ نُزُولِ المَلَكِ وعَدَمِ إيمانِهِمْ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا ما يَتَوَقَّفُ وُجُوبُ الإيمانِ عَلَيْهِ إذِ الَّذِي يَتَوَقَّفُ الوُجُوبُ عَلَيْهِ المُعْجِزُ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مُعْجِزًا لا المُعْجِزُ الخاصُّ فَإذا أُجِيبُوا عَلى وفْقِ مُقْتَرَحِهِمْ فَلَمْ يَنْجَعْ فِيهِمْ كانُوا حِينَئِذٍ عَلى غايَةٍ مِنَ الرُّسُوخِ في العِنادِ المُناسِبِ لِعَدَمِ النَّظْرَةِ، ولَعَلَّ الوَجْهَ الَّذِي عَوَّلْنا عَلَيْهِ هو الأوْلى وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والِاعْتِراضُ عَلَيْهِ بِأنَّ ﴿لا يُنْظَرُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى إهْلاكِهِمْ لا عَلى هَلاكِهِمْ بِرُؤْيَةِ المَلَكِ يَنْدَفِعُ بِما أشَرْنا إلَيْهِ كَما لا يَخْفى، ولَيْسَ بِتَكَلُّفٍ يُتْرَكُ لَهُ كَلامُ تُرْجُمانِ القُرْآنِ، وقَدْ أُشِيرَ إلى الثّانِي بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ لِلنَّذِيرِ المُحَدِّثِ لِلنّاسِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَفْهُومُ مِن فَحْوى الكَلامِ بِمَعُونَةِ المَقامِ، والضَّمِيرَ الثّانِيَ لِلْمَلَكِ لا لِما رَجَعَ إلَيْهِ الأوَّلُ أيْ: ولَوْ جَعَلَنا النَّذِيرَ الَّذِي اقْتَرَحْتُمْ إنْزالَهُ مَلَكًا لَمَثَّلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا لِعَدَمِ اسْتِطاعَتِهِمْ مُعايَنَةَ المَلَكِ عَلى هَيْكَلِهِ الأصْلِيِّ، وفي إيثارِ (رَجُلًا) عَلى (بَشَرًا) إيذانٌ عَلى ما قِيلَ بِأنَّ الجَعْلَ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ لا بِطْرِيقَ قَلْبِ الحَقِيقَةِ وتَعْيِينٌ لِما يَقَعُ بِهِ التَّمْثِيلُ، وفِيهِ إشْعارٌ كَما قالَ عِصامُ الدِّينِ وغَيْرُهُ بِأنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ امْرَأةً وهو مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وإنَّما الِاخْتِلافُ في نُبُوَّتِها

والعُدُولُ عَنْ (ولَوْ أنْزَلْناهُ مَلَكًا) إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ يُعْلَمُ سِرُّهُ مِمّا تَقَدَّمَ في بَيانِ المُرادِ وقِيلَ: العُدُولُ لِرِعايَةِ المُشاكَلَةِ لِما بَعْدُ، ووَجَّهَ شَيْخُ الإسْلامِ عَدَمَ جَعْلِ الضَّمِيرِ الأوَّلِ لِلْمَلَكِ المَذْكُورِ قَبِلَ بِأنْ يُعْكَسَ تَرْتِيبُ المَفْعُولَيْنِ، ويُقالَ: ولَوْ جَعَلْناهُ نَذِيرًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا مَعَ فَهْمِ المُرادِ مِنهُ أيْضًا بِأنَّهُ لِتَحْقِيقِ أنَّ مَناطَ إبْرازِ الجَعْلِ الأوَّلِ في مَعْرِضِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، ومَدارُ اسْتِلْزامِهِ الثّانِي إنَّما هو مَلَكِيَّةُ النَّذِيرِ لا نَذِيرِيَّةُ المَلَكِ وذَلِكَ لِأنَّ الجَعْلَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ مُبْتَدَأً والثّانِي خَبَرًا لِكَوْنِهِ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ المَنقُولِ مِن صارَ الدّاخِلُ عَلى المُبْتَدَإ والخَبَرِ، ولا رَيْبَ في أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ ومَدارَ اللُّزُومِ بَيْنَ طَرَفَيِ الشَّرْطِيَّةِ هو مَحْمُولُ المُقَدَّمِ لا مَوْضُوعُهُ فَحَيْثُ كانَتْ (لَوِ) امْتِناعِيَّةً أُرِيدَ بَيانُ انْتِفاءِ الجَعْلِ الأوَّلِ لِاسْتِلْزامِهِ المَحْذُورَ الَّذِي هو الجَعْلُ الثّانِي وجَبَ أنْ يَجْعَلَ مَدارَ الِاسْتِلْزامِ في الأوَّلِ مَفْعُولًا ثانِيًا لا مَحالَةَ، ولِذَلِكَ جَعَلَ مُقابِلَهُ في الجَعْلِ الثّانِي كَذَلِكَ إبْرازًا لِكَمالِ التَّنافِي بَيْنَهُما المُوجِبِ لِانْتِفاءِ المَلْزُومِ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وجَوَّزَ غَيْرُ واحِدٍ كَوْنَ

6:9Page 129

وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ ٩

And if We had made him [i.e., the messenger] an angel, We would have made him [appear as] a man, and We would have covered them with that in which they cover themselves [i.e., confusion and doubt].

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ﴾ إلَخْ جَوابَ اقْتِراحٍ ثانٍ وذَلِكَ لِأنَّ لِلْكَفَرَةِ اقْتِراحَيْنِ أحَدُهُما أنْ يَنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَلَكٌ في صُورَتِهِ الأصْلِيَّةِ بِحَيْثُ يُعايِنُهُ القَوْمُ، والآخَرُ أنْ يَنْزِلَ إلى القَوْمِ ويُرْسِلَ إلَيْهِمْ مَكانَ الرَّسُولِ البَشَرِ مَلَكٌ فَإنَّهم كَما كانُوا يَقُولُونَ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلى

صفحة 99

مُحَمَّدٍ ﷺ مَلَكٌ فَيَكُونُ مَعَهُ نَذِيرًا، كانُوا يَقُولُونَ: ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ فَأُجِيبُوا عَنْ قَوْلِهِمُ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا﴾ إلَخْ وعَنْ قَوْلِهِمُ الأخِيرِ بِما ذُكِرَ، فَضَمِيرُ (جَعَلْناهُ) لِلرَّسُولِ المُنَزَّلِ إلى القَوْمِ، ولا يَخْفى أنَّ جَعْلَهُ جَوابًا عَنِ اقْتِراحٍ آخَرَ غَيْرُ ظاهِرٍ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ ولا داعِيَ إلَيْهِ أصْلًا

وبَعْضُهم جَعَلَهُ جَوابًا آخَرَ، وجَعَلَ الضَّمِيرَ لِلْمَطْلُوبِ واعْتُرِضَ بِأنَّ المَطْلُوبَ أيْضًا مَلَكٌ ولا مَعْنى لِقَوْلِنا: لَوْ جَعَلْنا المَلَكَ مَلَكًا إلّا أنْ يُقالَ: المُرادُ لَوْ جَعَلْنا المَطْلُوبَ مَلَكِيَّتَهُ مَلَكًا، وتُعُقِّبَ بِأنَّ المَطْلُوبَ هو النّازِلُ المُقارِنُ لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وحِينَئِذٍ لا غُبارَ في الكَلامِ خَلا أنَّ لُزُومَ جَعْلِ المَلَكِ النّازِلِ رَجُلًا لِجَعْلِهِ مَلَكًا كَما هو مَفْهُومُ الآيَةِ الثّانِيَةِ يُنافِي لُزُومَ هَلاكِهِمْ لَهُ كَما هو مَفْهُومُ الآيَةِ الأُولى لِتَوَقُّفِ الثّانِي عَلى عَدَمِ الأوَّلِ لِأنَّ مَبْناهُ عَلى نُزُولِهِ في صُورَتِهِ لا في صُورَةِ رَجُلٍ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ جَوابًا عَنِ اقْتِراحٍ آخَرَ لا جَوابًا آخَرَ عَنِ الِاقْتِراحِ الأوَّلِ حَتّى لا يَلْزَمَ المُنافاةَ

وأُجِيبَ بِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ جَوابًا آخَرَ يَكُونُ جَوابًا عَلى طَرِيقِ التَّنَزُّلِ، والمَعْنى لَوْ أنْزَلْناهُ كَما اقْتَرَحُوا لَهَلَكُوا، ولَوْ فَرَضْنا عَدَمَ هَلاكِهِمْ فَلا بُدَّ مَن تُمَثُّلِهِ بَشَرًا لِأنَّهم لا يُطِيقُونَ رُؤْيَتَهُ عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ فَيَكُونُ الإرْسالُ لَغْوًا لا فائِدَةَ فِيهِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ما عَوَّلْنا عَلَيْهِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ حَبْرِ الأُمَّةِ سالِمٌ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الِاعْتِراضاتِ، نَعَمْ ذَكَرَ بَعْضُ الفُضَلاءِ إشْكالًا وهو أنَّ المُقَرَّرَ عِنْدَ أهْلِ المِيزانِ أنَّ صِدْقَ العَكْسِ لازِمٌ لِصِدْقِ الأصْلِ فَعَلى هَذا يَلْزَمُ مِن كَذِبِ اللّازِمِ كَذِبُ المَلْزُومِ فَهَهُنا عَكْسُ القَضِيَّةِ الصّادِقَةِ وهي لَوْ جَعَلْناهُ مَلِكًا لَجَعَلَناهُ رَجُلًا غَيْرَ صادِقٍ إذْ هو لَوْ جَعَلْناهُ رَجُلًا لَجَعَلَناهُ مَلَكًا، ولا خَفاءَ في عَدَمِ تَحَقُّقِهِ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَعَلَهُ رَجُلًا ولَمْ يَجْعَلْهُ مَلَكًا، والجَوابُ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ أهْلُ المِيزانِ اصْطِلاحٌ جارٍ فَلا يَجِبُ مُوافَقَةُ قاعِدَتِهِمْ لِقاعِدَةِ أهْلِ اللِّسانِ غَيْرُ مُرْضى فَإنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ تِلْكَ القاعِدَةَ غَيْرُ مُخالِفَةٍ لِقاعِدَةِ اللُّغَةِ وأنَّها مِمّا لا خِلافَ فِيهِ

وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ تَمْهِيدِ مُقَدِّمَةٍ وهي أنَّ لِـ (لَوِ) الشَّرْطِيَّةِ اسْتِعْمالَيْنِ لُغَوِيًّا وهي فِيهِ لِانْتِفاءِ الثّانِي لِانْتِفاءِ الأوَّلِ كَما في لَوْ جِئْتَنِي أكْرَمْتُكَ ومَفْهُومُ القَضِيَّةِ عَلَيْهِ الإخْبارُ بِأنَّ شَيْئًا لَمْ يَتَحَقَّقْ بِسَبَبِ عَدَمِ تَحَقُّقِ شَيْءٍ آخَرَ، وعُرْفِيًّا تَعارَفَهُ المِيزانِيُّونَ فِيما بَيْنَهم وذَلِكَ أنَّهم جَعَلُوها مِن أدَواتِ الِاتِّصالِ لُزُومِيًّا واتِّفاقِيًّا وصِدْقُ القَضِيَّةِ الَّتِي هي فِيها بِمُطابَقَةِ الحُكْمِ بِاللُّزُومِ لِلْواقِعِ وكَذِبُها بِعَدَمِها، ويَحْكُمُونَ بِكَذِبِها وإنْ تَحَقَّقَ طَرَفاها إذا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما لُزُومٌ، وقَدِ اسْتَعْمَلَها اللُّغَوِيُّونَ أيْضًا في هَذا المَعْنى إمّا بِالِاشْتِراكِ أوْ بِالمَجازِ كَما يُقالُ: لَوْ كانَ زَيْدٌ في البَلَدِ لَرَآهُ أحَدٌ، وفي بَعْضِ الآثارِ: لَوْ كانَ الخَضِرُ حَيًّا لَزارَنِي ومِنَ البَيْنِ أنَّ المَقْصُودَ الِاسْتِدْلالُ بِالعَدَمِ عَلى العَدَمِ لا الدَّلالَةُ عَلى أنَّ انْتِفاءَ الثّانِي سَبَبُ انْتِفاءِ الأوَّلِ وجَعَلُوا مِن هَذا الِاسْتِعْمالِ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾

وقَدِ اشْتَبَهَ هَذانِ الِاسْتِعْمالانِ عَلى ابْنِ الحاجِبِ حَتّى قالَ ما قالَ بِأنَّ قَوْلَ المُسْتَشْكِلِ: أنَّ عَكْسَ القَضِيَّةِ الصّادِقَةِ إلَخْ إنْ أرادَ بِهِ أنَّ القَضِيَّةَ الصّادِقَةَ هي المَأْخُوذَةُ بِاعْتِبارِ الِاسْتِعْمالِ الأوَّلِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ عَكْسَهُ ما ذُكِرَ فَإنَّ عَكْسَ:لَوْ جِئْتَنِي أكْرَمْتُكَ لَيْسَ: لَوْ أكْرَمْتُكَ لَجِئْتَنِي، وإنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ كانَ الحُكْمُ في هَذا الِاسْتِعْمالِ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ بِالِاتِّصالِ ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ القَضِيَّةُ هي الجُمْلَةُ الجَزائِيَّةُ والشَّرْطُ قَيْدٌ لَها كَما صَرَّحَ بِهِ السَّكّاكِيُّ عَلى أنَّ بَعْضَ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ قالُوا: المُرادُ مِنَ الآيَةِ ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ﴾ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ، وأنَّ المَقْصُودَ

صفحة 100

بَيانُ انْتِقاضِ غَرَضِهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، يَعْنِي أنَّ نُزُولَ المَلَكِ لا يُجْدِيهِمْ لِأنَّهم وهم هم لا يَقْدِرُونَ عَلى مُشاهَدَةِ المَلَكِ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي هو عَلَيْها إلّا أنْ يَجْعَلَهُ مُتَمَثِّلًا عَلى صُورَةِ البَشَرِ في مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبِ التَّنَزُّلِ حَتّى تَحْصُلَ لَهم مَعَهُ مُناسَبَةٌ فَيَرَوْهُ فَتَكُونُ الآيَةُ عَلى هَذا بِمَراحِلَ عَنْ أنْ يُبْحَثَ فِيها عَنْ أنَّ عَكْسَها ماذا أوْ كَيْفَ حالُها في الصِّدْقِ والكَذِبِ، فَإنَّها لَمْ تُسَقْ لِبَيانِ لُزُومِ الجَعْلِ الثّانِي لِلْجَعْلِ الأوَّلِ حَتّى يُسْتَدَلَّ بِالعَدَمِ عَلى العَدَمِ أوْ بِالوُجُودِ عَلى الوُجُودِ، فَنِسْبَةُ هَذا البَحْثِ إلى الآيَةِ كَنِسْبَةِ السَّمَكِ إلى السَّمّاكِ، وإنْ أرادَ بِهِ أنَّ القَضِيَّةَ الصّادِقَةَ هي المَأْخُوذَةُ بِاعْتِبارِ الِاسْتِعْمالِ العُرْفِيِّ المَنطِقِيِّ فَمُسَلَّمٌ أنَّهُ لا بُدَّ مِن صِدْقِ عَكْسِها عَلى تَقْدِيرِ صِدْقِ أصْلِها لَكِنْ لا نُسَلِّمُ كَذِبَ العَكْسِ هُنا عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ، فَإنَّهُ إذا فُرِضَ لُزُومُ الجَعْلِ رَجُلًا لِلْجَعْلِ الأوَّلِ كُلِّيًّا عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ يَصْدُقُ لُزُومُ الجَعْلِ مَلَكًا لِلْجَعْلِ رَجُلًا عَلى بَعْضِ الأوْضاعِ والتَّقادِيرِ وهو اللّازِمُ المُقَرَّرُ في قَواعِدِهِمْ عَلى أنَّ قَوْلَهُ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَعَلَهُ رَجُلًا ولَمْ يَجْعَلْهُ مَلَكًا لا يَلِيقُ أنْ يَصْدُرَ مِثْلُهُ مِن مِثْلِهِ لِأنَّهُ اسْتِدْلالٌ بِعَدَمِ اللّازِمِ مَعَ وُجُودِ المَلْزُومِ عَلى بُطْلانِ اللُّزُومِ، وهو كَما لَوْ قالَ قائِلٌ: إذا قُلْنا إنْ كانَ زَيْدٌ صاهِلًا كانَ حَيْوانًا لا يَصْدُقُ عَكْسُهُ وهو قَدْ يَكُونُ إذا كانَ زَيْدٌ حَيْوانًا كانَ صاهِلًا لِأنَّهُ لَيْسَ بِصاهِلٍ في الواقِعِ، ومَنشَأُ هَذا هو ظَنُّ أنَّ عَدَمَ تَحَقُّقٍ أحَدِ الطَّرَفَيْنِ أوْ كِلَيْهِما يُنافِي اللُّزُومَ

وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ صِدْقَ اللُّزُومِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى تَحَقُّقِ الطَّرَفَيْنِ ولا تَحَقُّقِ المُقَدَّمِ اهـ، وبَحَثَ فِيهِ المَوْلى العَلائِيُّ أمّا أوَّلًا فَبِأنَّ كَوْنَ القَضِيَّةِ هي الجُمْلَةُ الجَزائِيَّةُ، والشَّرْطُ قَيْدٌ لَها، كَلامٌ ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ ورَدَّهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ وحَقَّقَ اتِّفاقَ الفَرِيقَيْنِ عَلى كَوْنِ الجُمْلَةِ هي المَجْمُوعَ، وحِينَئِذٍ كَيْفَ يَصِحُّ بِناءُ الجَوابِ عَلى ذَلِكَ

وأُمًّا ثانِيًا فَبِأنَّ المُسْتَشْكِلَ لَمْ يَسْتَدِلْ بِعَدَمِ اللّازِمِ مَعَ وُجُودِ المَلْزُومِ عَلى بُطْلانِ اللُّزُومِ كَما لا يَخْفى عَلى النّاظِرِ في عِبارَتِهِ فالصَّوابُ أنْ يُقالَ: أكْثَرُ اسْتِعْمالِ (لَوْ) عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ لِمَعْنَيَيْنِ، الأوَّلُ ما ذَكَرَهُ المُجِيبُ مِنِ انْتِفاءِ الثّانِي لِانْتِفاءِ الأوَّلِ، والثّانِي الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الجَزاءَ لازِمُ الوُجُودِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ في قَصْدِ المُتَكَلِّمِ وذَلِكَ إذا كانَ الشَّرْطُ يُسْتَبْعَدُ اسْتِلْزامُهُ لِذَلِكَ الجَزاءِ، ويَكُونُ نَقِيضُ ذَلِكَ الشَّرْطِ أنْسَبَ وألْيَقَ بِاسْتِلْزامِ ذَلِكَ الجَزاءِ فَيَلْزَمُ اسْتِمْرارُ وُجُودِ الجَزاءِ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الشَّرْطِ وعَدَمِهِ كَما في «نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَعْصِهْ،» وقَدْ صَرَّحَ المُحَقِّقُونَ أنَّ الآيَةَ إمّا مِن قَبِيلِ الأوَّلِ: أيْ لَوْ جَعَلْناهُ قَرِينًا لَكَ مَلَكًا يُعايِنُونَهُ أوِ الرَّسُولَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلَكًا لَجَعَلَناهُ ذَلِكَ المَلَكَ في صُورَةِ رَجُلٍ، وما جَعَلَنا ذَلِكَ المَلَكَ في صُورَةِ رَجُلٍ لِأنّا لَمْ نَجْعَلِ القَرِينَ أوِ الرَّسُولَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلَكًا وإمّا مِن قَبِيلِ الثّانِي: أيْ ولَوْ جَعَلْنا الرَّسُولَ مَلَكًا لَكانَ في صُورَةِ رَجُلٍ فَكَيْفَ إذا كانَ إنْسانًا وكُلٌّ مِنهُما لا يَقْبَلُ العَكْسَ المَذْكُورَ ولا ثالِثَ فَلا إشْكالَ فَتَدَبَّرْ فالبَحْثُ بَعْدُ مُحْتاجٌ إلى بَسْطِ كَلامٍ، ولَوْ بَسَطْناهُ لَأمَلَّ النّاظِرِينَ

﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾

9

- جَعَلَهُ بَعْضُهم جَوابَ مَحْذُوفٍ أيْ: ولَوْ جَعَلْناهُ رَجُلًا لَلَبَسْنا إلَخْ، وكَأنَّ الدّاعِيَ إلَيْهِ إعادَةُ لامِ الجَوابِ فَإنَّهُ يَقْتَضِي اسْتِقْلالَهُ، وأنَّهُ لا مُلازَمَةَ بَيْنَ إرْسالِ المَلَكِ واللَّبْسِ عَلَيْهِمْ فَإنَّهُ لَيْسَ سَبَبًا لَهُ بَلْ لِعَكْسِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُ عَطْفًا عَلى جَوابِ (لَوْ) المَذْكُورِ ولا ضَيْرَ في عَطْفِ لازِمِ الجَوابِ عَلَيْهِ، ونُكْتَةُ إعادَةِ اللّامِ أنَّ لازِمَ الشَّيْءِ بِمُنْزِلَتِهِ فَكَأنَّهُ جِلْبابٌ واللَّبْسُ في الأصْلِ السَّتْرُ بِالثَّوْبِ، ويُطْلَقُ عَلى مَنعِ النَّفْسِ مِن إدْراكِ الشَّيْءِ بِما هو كالسَّتْرِ لَهُ يُقالُ: لَبِسْتُ الأمْرَ عَلى القَوْمِ ألْبَسُهُ إذا شَبَّهْتُ عَلَيْهِمْ

صفحة 101

وجَعَلْتُهُ مُشْكِلًا، قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ لَبِسْتُ عَلَيْهِ الأمْرَ إذا خَلَطْتُهُ عَلَيْهِ حَتّى لا يَعْرِفَ جِهَتَهُ أيْ لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ بِتَمْثِيلِهِ رَجُلًا ما يَخْلِطُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ بِأنْ يَقُولُوا لَهُ: إنَّما أنْتَ بَشَرٌ ولَسْتَ بِمَلَكٍ، ولَوِ اسْتَدَلَّ عَلى مَلَكِيَّتِهِ بِالمُعْجِزِ كالقُرْآنِ ونَحْوَهُ كَذَّبُوهُ كَما كَذَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ وإسْنادُ اللَّبْسِ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ بِخَلْقِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ لِلُزُومِهِ لِجَعْلِهِ رَجُلًا

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ ما يَلْبِسُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ السّاعَةَ في تَكْذِيبِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ، ونِسْبَةُ آياتِهِ البَيِّناتِ إلى السِّحْرِ، و (ما) عَلى ما اخْتارَهُ في الكَشْفِ عَلى الأوَّلِ مَوْصُولَةٌ، وعَلى الثّانِي يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وهو الأظْهَرُ لِاسْتِمْرارِ حَذْفِ المَثَلِ في نَحْوِ ضَرَبْتُ ضَرْبَ الأمِيرِ، وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيْ مِثْلَ الَّذِي يَلْبِسُونَهُ. ومُتَعَلِّقُ (يَلْبِسُونَ) عَلى الوَجْهَيْنِ عَلى أنْفُسِهِمْ. ويُفْهَمُ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ أنَّهُ عَلى ضُعَفائِهِمْ حَيْثُ قالَ: كانُوا يَلْبِسُونَ عَلى ضُعَفائِهِمْ في أمْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيَقُولُونَ: إنَّما هَذا بَشَرٌ مِثْلُكم فَأخَبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ لَوْ جَعَلْنا المُرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلَكًا لَأرَيْناهم إيّاهُ في صُورَةِ الرَّجُلِ وحِينَئِذٍ يَلْحَقُهم فِيهِ مِنَ اللَّبْسِ مِثْلَ ما لَحِقَ ضُعَفاءَهم مِنهُ

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ (ولَبَّسْنا) بِلامٍ واحِدَةٍ. والزُّهْرِيُّ ﴿ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وهَذا وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ الرّازِيُّ في بَيانِ وجْهِ الحِكْمَةِ في جَعْلِ المَلَكِ عَلى تَقْدِيرِ إنْزالِهِ في صُورَةِ البَشَرِ أُمُورًا: الأوَّلُ أنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمْيَلُ. الثّانِي أنَّ البَشَرَ لا يُطِيقُ رُؤْيَةَ المَلَكِ. الثّالِثُ أنَّ طاعاتِ المَلَكِ قَوِيَّةٌ فَيَسْتَحْقِرُونَ طاعاتِ البَشَرِ ورُبَّما لا يَعْذُرُونَهم في الإقْدامِ عَلى المَعاصِي. الرّابِعُ أنَّ النُّبُوَّةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَيَخْتَصُّ بِها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ سَواءً كانَ مَلَكًا أوْ بَشَرًا. ولا يَخْفى أنَّهُ يَرُدُّ عَلى الوَجْهِ الثّالِثِ أنَّهُ إنَّما يَتِمُّ إذا تَبَدَّلَتْ حَقِيقَةُ المَلَكِ المُقَدَّرِ نُزُولُهُ بِحَقِيقَةِ البَشَرِ وهو مَعَ كَوْنِهِ مِنِ انْقِلابِ الحَقائِقِ خِلافُ ما يُفْهَمُ مِن كُتُبِ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ مِن أنَّ التَّبَدُّلَ صُورِيٌّ لا حَقِيقِيٌّ، وأنَّ الوَجْهَ الرّابِعَ لا يُظْهِرُ وجْهَ كَوْنِهِ حِكْمَةً لِتَصْوِيرِ المَلَكِ بِصُورَةِ البَشَرِ

وقَوْلُ العَلائِيِّ: لَعَلَّ وجْهَهُأنَّ المُصَوَّرَ الَّذِي قُدِّرَ كَوْنُهُ نَبِيًّا لَمّا اشْتَمَلَ عَلى جِهَتَيْنِ: البَشَرِيَّةِ صُورَةً والمَلَكِيَّةِ حَقِيقَةً لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى أنَّ النُّبُوَّةَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَخْتَصُّ بِها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ سَواءٌ كانَ مَلَكًا كَهَذا المُصَوَّرِ بِاعْتِبارِ حَقِيقَتِهِ أوْ بَشَرًا مِثْلَهُ بِاعْتِبارِ صُورَتِهِ مِمّا لا يَتَبَلَّجُ لَهُ وجْهُ القَبُولِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском