Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Qalam 68:28–47
68:28–29Page 565
قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ ٢٨
The most moderate of them said, "Did I not say to you, 'Why do you not exalt [Allāh]?'"1
قَالُواْ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٩
They said, "Exalted is our Lord! Indeed, we were wrongdoers."
﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ أيْ أحْسَنُهم وأرْجَحُهم عَقْلًا ورَأيا أوْ أوْسَطُهم سِنًّا ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ أيْ لَوْلا تَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى وتَتُوبُونَ إلَيْهِ مِن خُبْثِ نِيَّتِكم وقَدْ كانَ قالَ لَهم حِينَ عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ اذْكُرُوا اللَّهَ تَعالى وتُوبُوا إلَيْهِ عَنْ هَذِهِ النِّيَّةِ الخَبِيثَةِ مِن فَوْرِكم وسارِعُوا إلى حَسْمِ شَرِّهًا قَبْلَ حُلُولِ النِّقْمَةِ فَعَصَوْهُ فَعَيَّرَهم ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ لِأنَّ التَّسْبِيحَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعالى ( وإنّا كُنّا ) إلَخِ نَدامَةٌ واعْتِرافٌ بِالذَّنَبِ فَهو تَوْبَةٌ، والظّاهِرُ أنَّهم إنَّما تَكَلَّمُوا بِما كانَ يَدْعُوهم إلى التَّكَلُّمِ بِهِ عَلى أثَرِ مُقارَفَةِ الخَطِيئَةِ ولَكِنْ بَعْدَ خَرابِ البَصْرَةِ، وقِيلَ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الِاسْتِثْناءُ لِالتِقائِهِما في مَعْنى التَّعْظِيمِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ تَفْوِيضٌ إلَيْهِ سُبْحانَهُ والتَّسْبِيحَ تَنْزِيهٌ لَهُ تَعالى وكُلُّ واحِدٍ مِنَ التَّفْوِيضِ والتَّنْزِيهِ تَعْظِيمٌ فَكَأنَّهُ قِيلَ ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تَسْتَثْنُونَ أيْ تَقُولُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وحَكاهُ في البَحْرِ عَنْ مُجاهِدٍ وأبِي صالِحٍ أنَّهُما قالا كانَ اسْتِثْناؤُهم في ذَلِكَ الزَّمانِ التَّسْبِيحَ كَما نَقُولُ نَحْنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وجَعَلَهُ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ اسْتِثْناءَ اليَوْمِ فَعِنْدَهُ لَوْ قالَ لِزَوْجَتِهِ أنْتَ طالِقٌ سُبْحانَ اللَّهِ لا تُطَلَّقُ، ونَسَبَ إلى الإمامِ ابْنِ الهُمامِ وادَّعى أنَّهُ قالَهُ في فَتاوِيهِ، ووُجِهَ بِأنَّ المُرادَ بِسُبْحانَ اللَّهِ فِيما ذَكَرَ أُنَزِّهُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مِن أنْ يَخْلُقَ البَغِيضَ إلَيْهِ وهو الطَّلاقُ فَإنَّهُ قَدْ ورَدَ أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ تَعالى الطَّلاقُ وأنْكَرَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ نِسْبَتَهُ إلى ذَلِكَ الإمامِ المُتَقَدِّمِ ونَفى أنْ يَكُونَ لَهُ فَتاوى.
واعْتَرَضَ التَّوْجِيهَ المَذْكُورَ بِما اعْتَرَضَ وهو لَعَمْرِي أدْنى مِن أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ. وأنا أقُولُ أوْلى مِنهُ قَوْلُ النَّحّاسِ في تَوْجِيهِ جَعْلِ التَّسْبِيحِ مَوْضِعَ الِاسْتِثْناءِ أنَّ المَعْنى تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ شَيْءٌ إلّا بِمَشِيئَتِهِ وقَدْ يُقالُ: لَعَلَّ مَن قالَ ذَلِكَ بَنى الأمْرَ عَلى صِحَّةِ ما رُوِيَ وإنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا إذا قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ ﷺ عَلَيْنا مِن غَيْرِ نَكِيرٍ وهَذا عَلى عِلّاتِهِ أحْسَنُ مِمّا قِيلَ في تَوْجِيهِهِ كَما لا يَخْفى. وقِيلَ: المَعْنى لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ ووَجْهُ التَّجَوُّزِ يُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ.
68:30–31Page 565
فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَلَٰوَمُونَ ٣٠
Then they approached one another, blaming each other.
قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ ٣١
They said, "O woe to us; indeed we were transgressors.
﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا فَإنَّ مِنهم عَلى ما قِيلَ مَن أشارَ بِذَلِكَ ومِنهم مَنِ اسْتَصْوَبَهُ ومِنهم مَن سَكَتَ راضِيًا بِهِ ومِنهم مَن أنْكَرَهُ ولا يَأْبى ذَلِكَ إسْنادُ الأفْعالِ فِيما سَبَقَ إلى جَمِيعِهِمْ لِما عُلِمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ مُتَجاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ تَعالى.
68:32Page 565
عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبۡدِلَنَا خَيۡرٗا مِّنۡهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ ٣٢
Perhaps our Lord will substitute for us [one] better than it. Indeed, we are toward our Lord desirous."1
﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا﴾ أيْ يُعْطِيَنا بَدَلًا مِنها بِبَرَكَةِ التَّوْبَةِ والِاعْتِرافِ بِالخَطِيئَةِ ﴿خَيْرًا مِنها﴾ أيْ مِن تِلْكَ الجَنَّةِ ﴿إنّا إلى رَبِّنا﴾ لا إلى غَيْرِهِ سُبْحانَهُ ﴿راغِبُونَ﴾ راجُونَ العَفْوَ طالِبُونَ الخَيْرَ ( وإلى ) لِانْتِهاءِ الرَّغْبَةِ أوْ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الرُّجُوعِ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم تابُوا فَأُبْدِلُوا خَيْرًا مِنها ورُوِيَ أنَّهم تَعاقَدُوا وقالُوا إنْ أبْدَلَنا اللَّهُ تَعالى خَيْرًا مِنها لَنَصْنَعَنَّ كَما صَنَعَ أبُونا فَدَعَوا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وتَضَرَّعُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ فَأبْدَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن لَيْلَتِهِمْ ما هو خَيْرٌ مِنها وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بَلَغَنِي أنَّ القَوْمَ دَعَوُا اللَّهَ تَعالى وأخْلَصُوا وعَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِنهُمُ الصِّدْقَ فَأبْدَلَهم بِها جَنَّةً يُقالُ لَها الحَيَوانُ فِيها عِنَبٌ يُحْمَلُ عَلى البَغْلِ مِنها عُنْقُودٌ وقالَ أبُو خالِدٍ اليَمانِيُّ رَأيْتُ تِلْكَ الجَنَّةَ وكُلُّ عُنْقُودٍ مِنها كالرَّجُلِ الأسْوَدِ القائِمِ واسْتَظْهَرَ أبُو حَيّانٍ أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ أصابُوا مَعْصِيَةً وتابُوا، وحُكِيَ عَنْ بَعْضٍ أنَّهم كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ وعَنِ التَّسَتُّرِي أنَّ المُعْظَمَ يَقُولُونَ إنَّهم تابُوا وأخْلَصُوا وتَوَقَّفَ الحَسَنُ في إيمانِهِمْ فَقالَ: لا أدْرِي أكانَ قَوْلُهم ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ إيمانًا أوْ عَلى حَدِّ ما يَكُونُ مِنَ المُشْرِكِينَ إذا أصابَتْهُمُ الشِّدَّةُ. .
وسُئِلَ قَتادَةُ عَنْهم أهَمْ مِن
صفحة 33
أهْلِ الجَنَّةِ أمْ مِن أهْلِ النّارِ؟ فَقالَ لِلسّائِلِ: لَقَدْ كَلَّفْتَنِي تَعَنُّتًا وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو «يُبَدِّلُنا» مُشَدَّدًا.
68:33Page 565
كَذَٰلِكَ ٱلۡعَذَابُۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٣٣
Such is the punishment [of this world]. And the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.
﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مُقَدَّمٍ لِإفادَةِ القَصْرِ وألْ لِلْعَهْدِ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي بَلَوْنا بِهِ أهْلَ مَكَّةَ مِنَ الجَدَبِ الشَّدِيدِ وأصْحابَ الجَنَّةِ مِمّا قَصَّ عَذابُ الدُّنْيا، والكَلامُ قِيلَ وارِدٌ تَحْذِيرًا لَهم كَأنَّهُ لَمّا نَهاهُ سُبْحانَهُ عَنْ طاعَةِ الكُفّارِ وخاصَّةَ رُؤَسائِهِمْ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ تَمَرُّدَهم لِما أتَوْهُ مِنَ المالِ والبَنِينَ وعَقَّبَ جَلَّ وعَلا بِأنَّهُما إذا لَمْ يَشْكُرا المُنْعِمَ عَلَيْهِما يَؤُولُ حالُ صاحِبِهِما إلى حالِ أصْحابِ الجَنَّةِ مُدْمَجًا فِيهِ أنَّ خُبْثَ النِّيَّةِ والزَّوَّيَ عَنِ المَساكِينِ إذا أفْضى بِهِمْ إلى ما ذَكَرَ فَمُعانَدَةُ الحَقِّ تَعالى بِعِنادِ مَن هو عَلى خَلْقِهِ وأشْرَفُ المَوْجُوداتِ وقَطْعُ رَحِمِهِ أوْلى بِأنْ يُفْضِيَ بِأهْلِ مَكَّةَ إلى البَوارِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ أيْ أعْظَمُ وأشَدُّ تَحْذِيرٍ عَنِ العِنادِ بِوَجْهٍ أبْلَغَ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ نَعى عَلَيْهِمْ بِالغَفْلَةِ أيْ لَوْ كانُوا مِن أهْلِ العِلْمِ لَعَلِمُوا أنَّهُ أكْبَرُ ولَأخَذُوا مِنهُ حِذْرَهم.
68:34Page 565
إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٣٤
Indeed, for the righteous with their Lord are the Gardens of Pleasure.
﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ مِنَ الكُفْرِ كَما في البَحْرِ أوْ مِنهُ ومِنَ المَعاصِي كَما في الإرْشادِ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ في الآخِرَةِ فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ بِهِ عَزَّ وجَلَّ إذْ لا يَتَصَرَّفُ فِيها غَيْرُهُ جَلَّ جَلالُهُ أوْ في جِوارٍ قَدَّسَهُ ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ جَنّاتٍ لَيْسَ فِيها إلّا النَّعِيمُ الخالِصُ عَنْ شائِبَةِ ما يُنَغِّصُهُ مِنَ الكُدُوراتِ وخَوْفِ الزَّوالِ وأخَذَ الحَصْرَ مِنَ الإضافَةِ إلى ﴿النَّعِيمِ﴾ لِإفادَتِها التَّمَيُّزَ مِن جَنّاتِ الدُّنْيا والتَّعْرِيضِ بِأنَّ جَنّاتِ الدُّنْيا لغالِبٌ عَلَيْها النَّغَصُ:
طُبِعَتْ عَلى كَدَرٍ وأنْتَ تُرِيدُها صَفْوًا مِنَ الأقْذارِ والأكْدارِ
68:35–36Page 565
أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥
Then will We treat the Muslims like the criminals?
مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٦
What is [the matter] with you? How do you judge?
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن فَوْزِ المُتَّقِينَ ورَدٌّ لِما يَقُولُهُ الكَفَرَةُ عِنْدَ سَماعِهِمْ بِحَدِيثِ الآخِرَةِ وما وعَدَ اللَّهُ تَعالى إنْ صَحَّ أنّا نُبْعَثُ كَما يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ﷺ ومَن مَعَهُ لَمْ يَكُنْ حالُنا وحالُهم إلّا مِثْلَ ما هي في الدُّنْيا ( وإلّا ) لَمْ يَزِيدُوا عَلَيْنا ولَمْ يَفْضِلُونا، وأقْصى أمْرِهِمْ أنْ يُساوُونا والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ والعَطْفُ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقالُ أيْ فَيَحِيفُ في الحُكْمِ الحَكَمُ فَيَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالكافِرِينَ ثُمَّ قِيلَ لَهم بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَأْكِيدِ الرَّدِّ وتَشْدِيدِهِ ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَعَجُّبًا مِن حُكْمِهِمْ واسْتِبْعادًا لَهُ وإيذانًا بِأنَّهُ لا يَصْدُرُ مِن عاقِلٍ إذْ مَعْنى ما ( لَكم ) أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَكم مِن خَلَلِ الفِكْرِ وفَسادِ الرَّأْيِ.
68:37–38Page 565
أَمۡ لَكُمۡ كِتَٰبٞ فِيهِ تَدۡرُسُونَ ٣٧
Or do you have a scripture in which you learn
إِنَّ لَكُمۡ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ٣٨
That indeed for you is whatever you choose?
﴿أمْ لَكم كِتابٌ﴾ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ ( فِيهِ ) أيْ في الكِتابِ والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿تَدْرُسُونَ﴾ أيْ تَقْرَءُونَ فِيهِ والجُمْلَةُ صِفَةُ كِتابٍ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ فِيهِ مُتَعَلِّقًا بِمُتَعَلِّقِ الخَبَرِ أوْ هو الصِّفَةُ والضَّمِيرُ لِلْحُكْمِ أوِ الأمْرِ ( وتَدْرُسُونَ ) مُسْتَأْنِفٌ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ أيْ لِلَّذِي تَخْتارُونَهُ وتَشْتَهُونَهُ يُقالُ: تَخَيَّرَ الشَّيْءَ واخْتارَهُ أخَذَ خَيِّرَهُ وشاعَ في أخْذِ ما يُرِيدُهُ مُطْلَقًا مَفْعُولُ ﴿تَدْرُسُونَ﴾ إذْ هو المَدْرُوسُ فَهو واقِعُ مَوْقِعٍ المُفْرَدِ وأصْلُهُ أنَّ لَكم فِيهِ ما تَخَيَّرُونَ بِفَتْحِ هَمْزَةِ «أنَّ» وتَرْكِ اللّامِ في خَبَرِها فَلَمّا جِيءَ بِاللّامِ كَسَرَتِ الهَمْزَةَ وعُلِّقَ الفِعْلُ عَنِ العَمَلِ ومِن هُنا قِيلَ إنَّهُ لا بُدَّ مِن تَضْمِينِ ﴿تَدْرُسُونَ﴾ مَعْنى العِلْمِ لِيَجْرِيَ فِيهِ العَمَلُ في الجُمَلِ والتَّعْلِيقِ.
وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هَذا حِكايَةً لِلْمَدْرُوسِ كَما هو عَلَيْهِ فَيَكُونُ بِعَيْنِهِ لَفْظَ الكِتابِ مِن غَيْرِ تَحْوِيلٍ مِنَ الفَتْحِ لِلْكَسْرِ وضَمِيرُ ( فِيهِ ) عَلى الأوَّلِ لِلْكِتابِ وأُعِيدَ لِلتَّأْكِيدِ وعَلى هَذا يَعُودُ لِأمْرِهِمْ أوْ لِلْحُكْمِ فَيَكُونُ مُحَصِّلُ ما خَطَّ في الكِتابِ أوِ الحُكْمِ أوِ الأمْرِ مُفَوَّضًا لَهم فَسَقَطَ قَوْلُ صاحِبِ التَّقْرِيبِ أنَّ لَفْظَ ( فِيهِ ) لا يُساعِدُهُ لِلِاسْتِغْناءِ بِفِيهِ أوَّلًا مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى جَعْلِ ضَمِيرِ ( فِيهِ ) لِيَوْمِ القِيامَةِ بِقَرِينَةِ المَقامِ أوْ لِلْمَكانِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وعَلى الِاسْتِئْنافِ هو لِلْحُكْمِ أيْضًا وجَوَّزَ الوَقْفَ عَلى ﴿تَدْرُسُونَ﴾ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنَّ لَكُمْ﴾ إلَخِ اسْتِئْنافٌ عَلى مَعْنى إنْ كانَ لَكم كِتابٌ فَلَكم فِيهِ ما تَتَخَيَّرُونَ وهو كَما تَرى. .
والظّاهِرُ أنَّ ﴿أمْ لَكُمْ﴾ إلَخِ مُقابِلٌ لِما قَبْلَهُ نَظَرًا لِحاصِلِ المَعْنى إذْ مُحَصِّلُهُ أفَسَدَ عَقْلُكم حَتّى حَكَّمْتُكم بِهَذا أمْ جاءَكم كِتابٌ
صفحة 34
فِيهِ تَخْيِيرُكم وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْكم وقَرَأ طَلْحَةُ والضَّحاكُ «أنْ لَكُمْ» بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامُ في ﴿لَما﴾ زائِدَةٌ كَقِراءَةِ مَن قَرَأ «ألا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ» بِفَتْحِ هَمْزَةِ أنَّهم وقَرَأ الأعْرَجُ «أنْ لَكُمْ» بِالِاسْتِفْهامِ عَلى الِاسْتِئْنافِ.
68:39Page 565
أَمۡ لَكُمۡ أَيۡمَٰنٌ عَلَيۡنَا بَٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّ لَكُمۡ لَمَا تَحۡكُمُونَ ٣٩
Or do you have oaths [binding] upon Us, extending until the Day of Resurrection, that indeed for you is whatever you judge?
﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ أيْ إقْسامٌ، وفُسِّرَتْ بِالعُهُودِ وإطْلاقُ الإيمانِ عَلَيْها مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ أوِ اللّازِمِ عَلى المَلْزُومِ ﴿بالِغَةٌ﴾ أيْ أقْصى ما يُمْكِنُ، والمُرادُ مُتَناهِيَةٌ في التَّوْكِيدِ. وقَرَأ الحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ «بالِغَةً» بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في ( عَلَيْنا ) أوْ ( لَكم ) وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن إيمانٍ لِتَخْصِيصِها بِالوَصْفِ وفِيهِ بُعْدٌ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالمُقَدَّرِ في ( لَكم ) أيْ ثابِتَةٌ لَكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا نَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِها إلّا يَوْمَئِذٍ إذا حَكَمْناكم وأعْطَيْناكم ما تَحْكُمُونَ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِبالِغَةٍ أيْ إيمانٍ تَبْلُغُ ذَلِكَ اليَوْمَ وتَنْتَهِي إلَيْهِ وافِرَةٍ لَمْ يَبْطُلْ مِنها يَمِينٌ فَإلى عَلى الأوَّلِ لِغايَةِ الثُّبُوتِ المُقَدَّرِ في الظَّرْفِ فَهو كَأجَلِ الدَّيْنِ وعَلى الثّانِي لِغايَةِ البُلُوغِ فَهي قَيْدُ اليَمِينِ أيْ يَمِينًا مُؤَكَّدًا لا يَنْحَلُّ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ ولَيْسَ مِن تَأْجِيلِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ في شَيْءٍ إذْ لا مَدْخَلَ لِبالِغَةٍ في المُقْسَمِ عَلَيْهِ فَتَأمَّلْ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ لِأنَّ مَعْنى أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا أمْ أقْسَمْنا لَكم وهو جارٍ عَلى تَفْسِيرِ الأيْمانِ بِمَعْنى العُهُودِ لِأنَّ العَهْدَ كاليَمِينِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ فَيُجابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ وقَرَأ الأعْرَجُ «آنَ لَكُمْ» بِالِاسْتِفْهامِ أيْضًا.
68:40–41Page 565
سَلۡهُمۡ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ ٤٠
Ask them which of them, for that [claim], is responsible.
أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَآءُ فَلۡيَأۡتُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٤١
Or do they have partners?1 Then let them bring their partners, if they should be truthful.
﴿سَلْهُمْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِإسْقاطِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ أيْ سَلْهم مُبَكِّتًا لَهم ﴿أيُّهم بِذَلِكَ﴾ الحُكْمِ الخارِجِيِّ عَنْ دائِرَةِ العُقُولِ ﴿زَعِيمٌ﴾ قائِمٌ يَتَصَدّى لِتَصْحِيحِهِ، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَعْمُولِ الثّانِي لِسَلْ والفِعْلُ عِنْدَ أبِي حَيّانٍ وجَماعَةٍ مُعَلَّقٌ عَنْها لِمَكانِ الِاسْتِفْهامِ، وكَوْنُ السُّؤال مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ العِلْمِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِحُصُولِهِ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ يُشارِكُونَهم في هَذا القَوْلِ ويَذْهَبُونَ مَذْهَبَهم ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ في دَعْواهم إذْ لا أقَلَّ مِنَ التَّقْلِيدِ، وقَدْ نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذِهِ الآياتِ عَلى نَفْيِ جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقُوا بِهِ في تَحْقِيقِ دَعْواهم حَيْثُ نَبَّهَ جَلَّ شَأْنُهُ عَلى نَفْيِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ وعَلى نَفْيِ الدَّلِيلِ النَّقْلِيِّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿أمْ لَكم كِتابٌ﴾ إلَخِ وعَلى نَفْيِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى وعَدَهم بِذَلِكَ ووَعْدُ الكَرِيمِ دَيْنٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ إلَخِ وعَلى نَفْيِ التَّقْلِيدِ الَّذِي هو أوْهَنُ مِن حِبالِ القَمَرِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ وقِيلَ المَعْنى أمْ لَهم آلِهَةٌ عَدُّوها شُرَكاءَ في الأُلُوهِيَّةِ تَجْعَلُهم كالمُسْلِمِينَ في الآخِرَةِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ «فَلْيَأْتُوا بِشِرْكِهِمْ» والمُرادُ بِهِ ما أُرِيدَ بِشُرَكائِهِمْ.
68:42Page 565
يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ وَيُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٤٢
The Day the shin will be uncovered1 and they are invited to prostration but they [i.e., the disbelievers] will not be able,
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلْيَأْتُوا﴾ عَلى الوَجْهَيْنِ ويَجُوزَ تَعَلُّقُهُ بِمُقَدَّرٍ كاذْكُرْ أوْ يَكُونُ كَيْتَ وكَيْتَ وقِيلَ بِخاشِعَةٍ وقِيلَ بِتَرْهَقُهم ( وأيًّا ) ما كانَ فالمُرادُ بِذَلِكَ اليَوْمِ عِنْدَ الجُمْهُورِ يَوْمُ القِيامَةِ، والسّاقُ ما فَوْقَ القَدَمِ وكَشْفُها والتَّشْمِيرُ عَنْها مَثَلٌ في شِدَّةِ الأمْرِ وصُعُوبَةِ الخَطْبِ حَتّى أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِحَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ ساقٌ بِوَجْهٍ كَما في قَوْلِ حاتِمٍ:
أخُو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّها وإنْ شَمَّرَتْ عَنْ ساقِها الحَرْبُ شَمَّرا
وقَوْلِ الرّاجِزِ:
عَجِبْتُ مِن نَفْسِي ومِن إشْفاقِها ∗∗∗ ومِن طِواءِ الخَيْلِ عَنْ أرْزاقِها
فِي سَنَةٍ كَشَفَتْ عَنْ ساقِها ∗∗∗ حَمْراءَ تَبِرِي اللَّحْمَ عَنْ عِراقِها
وأصْلُهُ تَشْمِيرُ المُخَدِّراتِ عَنْ سُوقِهِنَّ في الهَرَبِ فَإنَّهُنَّ لا يَفْعَلْنَ ذَلِكَ إلّا إذا عَظُمَ الخَطْبُ واشْتَدَّ الأمْرُ فَيُذْهَلْنَ عَنِ السَّتْرِ بِذَيْلِ الصِّيانَةِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ مُجاهِدٌ وإبْراهِيمُ النَّخْعِيُّ وعِكْرِمَةُ وجَماعَةٌ وقَدْ رُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: إذا خَفِيَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ فابْتَغُوهُ في
صفحة 35
الشِّعْرِ فَإنَّهُ دِيوانُ العَرَبِ أما سَمِعْتُمْ قَوْلَ الشّاعِرِ:
صَبْرًا عَناقُ إنَّهُ شَرٌّ باقِ ∗∗∗ قَدْ سَنَّ لِي قَوْمُكِ ضَرْبَ الأعْناقِ
وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقِ والرِّواياتُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ وقِيلَ: ساقُ الشَّيْءِ أصْلُهُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ كَساقِ الشَّجَرِ وساقِ الإنْسانِ والمُرادُ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ أصْلِ الأمْرِ فَتَظْهَرُ حَقائِقُ الأُمُورِ وأُصُولُها بِحَيْثُ تَصِيرُ عِيانًا وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في ذَلِكَ يَوْمَ يُكْشَفُ الغِطاءُ وكَذا ما أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا قالَ حِينَ يُكْشَفُ الأمْرُ وتَبْدُو الأعْمالُ وفي السّاقِ عَلى هَذا المَعْنى اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ وفي الكَشْفِ تَجَوُّزٌ آخَرُ أوْ هو تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ وتَنْكِيرُ ﴿ساقٍ﴾ قِيلَ لِلتَّهْوِيلِ عَلى الأوَّلِ ولِلتَّعْظِيمِ عَلى الثّانِي. .
وقِيلَ لا يُنْظَرُ إلى شَيْءٍ مِنهُما عَلى الأوَّلِ لِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ تَمْثِيلٌ وهو لا يُنْظَرُ فِيهِ لِلْمُفْرِداتِ أصْلًا وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ بِالسّاقِ ساقُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وأنَّ الآيَةَ مِنَ المُتَشابِهِ. واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما
أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنِّسائِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ««يَكْشِفُ رَبُّنا عَنْ ساقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ ويَبْقى مَن كانَ يَسْجُدُ في الدُّنْيا رِياءً وسُمْعَةً فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا واحِدًا»» .
وأنْكَرَ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الآيَةِ فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وقالَ: «إنَّ أقْوامًا يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَكْشِفُ عَنْ ساقِهِ وإنَّما يَكْشِفُ عَنِ الأمْرِ الشَّدِيدِ» وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما في الحَدِيثِ عَلى الأمْرِ الشَّدِيدِ أيْضًا وإضافَتُهُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِتَهْوِيلِ أمْرِهِ وأنَّهُ أمْرٌ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ عَزَّ وجَلَّ وأرْبابُ الباطِنِ مِنَ الصُّوفِيَّةِ يَقُولُونَ بِالظّاهِرِ ويَدَّعُونَ أنَّ ذَلِكَ عِنْدَ التَّجَلِّي الصُّورِيِّ.
وعَلَيْهِ حَمَلُوا أيْضًا ما أخْرَجَهُ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ في الرُّؤْيَةِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««يَجْمَعُ اللَّهُ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ ويَنْزِلُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ فَيُنادِي مُنادٍ يا أيُّها النّاسُ ألَمْ تَرْضُوا مِن رَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم وصَوَّرَكم ورَزَقَكم أنْ يُوَلِّيَ كُلَّ إنْسانٍ مِنكم ما كانَ يَعْبُدُ في الدُّنْيا ويَتَوَلّى ألَيْسَ ذَلِكَ عَدْلًا مِن رَبِّكم قالُوا: بَلى قالَ: «فَلْيَنْطَلِقْ كُلُّ إنْسانٍ مِنكم إلى ما كانَ يَتَوَلّى في الدُّنْيا ويَتَمَثَّلُ لَهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ في الدُّنْيا ويُمَثَّلُ لِمَن كانَ يَعْبُدُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْطانُ عِيسى وكَذا يُمَثَّلُ لِمَن كانَ يَعْبُدُ عُزَيْرًا حَتّى تُمَثَّلَ لَهُمُ الشَّجَرَةُ والعُودُ والحَجَرُ ويَبْقى أهْلُ الإسْلامِ جُثُومًا فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ فَيُقالُ لَهم ما لَكم لَمْ تَنْطَلِقُوا كَما انْطَلَقَ النّاسُ فَيَقُولُونَ: إنَّ لَنا رَبًّا ما رَأيْناهُ بَعْدُ فَيَقُولُ فَبِمَ تَعْرِفُونَ رَبَّكم إنْ رَأيْتُمُوهُ؟ قالُوا: بَيْنَنا وبَيْنَهُ عَلامَةٌ إنْ رَأيْناهُ عَرَفْناهُ، قالَ: وما هِيَ؟ قالُوا يَكْشِفُ عَنْ ساقٍ فَيَكْشِفُ عِنْدَ ذَلِكَ»» الحَدِيثُ.
وهُوَ ونَظائِرُهُ مِنَ المُتَشابِهِ عِنْدَ السَّلَفِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ يُكْشَفُ بِفَتْحِ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ وهي رِوايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ «نَكْشِفُ» بِالنُّونِ وقُرِئَ «يُكْشِفُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ مَضْمُومَةً وكَسْرِ الشِّينِ مِن أكْشِفُ إذا دَخَلَ في الكَشْفِ ومِنهُ اكْشِفِ الرِّجْلَ فَهو مُكَشَّفٌ انْقَلَبَتْ شَفَتُهُ العُلْيا. .
وقُرِئَ «تَكْشِفُ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والبِناءِ لِلْفاعِلِ وهو ضَمِيرُ السّاعَةِ المَعْلُومَةِ مِن ذِكْرِ يَوْمِ القِيامَةِ أوِ الحالُ المَعْلُومَةُ مِن دَلالَةِ الحالِ وبِها، والبِناءُ لِلْمَفْعُولِ وجَعْلُ الضَّمِيرِ لِلسّاعَةِ أوِ الحالِ أيْضًا وتُعْقِّبَ بِأنَّهُ يَكُونُ الأصْلُ حِينَئِذٍ يَكْشِفُ اللَّهُ السّاعَةَ عَنْ ساقِها مَثَلًا ولَوْ قِيلَ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَقِمْ لِاسْتِدْعائِهِ إبْداءَ السّاقِ وإذْهابَ السّاعَةِ كَما تَقُولُ: كَشَفَتْ عَنْ وجْهِها القِناعَ والسّاعَةُ لَيْسَتْ سِتْرًا عَلى السّاقِ حَتّى تَكْشِفَ، وأُجِيبَ أنَّها جُعِلَتْ سِتْرا مُبالَغَةً لِأنَّ المُخَدِّرَةَ تُبالِغُ في السَّتْرِ جُهْدَها فَكَأنَّها نَفْسُ السِّتْرِ فَقِيلَ تَكْشِفُ السّاعَةُ وهَذا كَما تَقُولُ كَشَفْتُ زَيْدًا عَنْ جَهْلِهِ إذا بالَغْتَ في إظْهارِ جَهْلِهِ لِأنَّهُ كانَ سِتْرًا عَلى جَهْلِهِ يَسْتُرُ مَعايِبَهُ فَأبَنْتَهُ وأظْهَرْتَهُ إظْهارًا لَمْ يُخْفَ عَلى أحَدٍ. وقِيلَ عَلَيْهِ إنَّ الإذْهابَ حِينَئِذٍ ادِّعائِيٌّ
صفحة 36
ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ ولا عِبْرَةَ بِما ذَكَرَ مِنَ المِثالِ المَصْنُوعِ وأقَلُّ تَكَلُّفًا مِنهُ جَعْلُ ﴿عَنْ ساقٍ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الفِعْلِ بَعْدَ نَزْعِ الخافِضِ مِنهُ.
والأصْلُ يَكْشِفُ عَنْها أيْ عَنِ السّاعَةِ أوِ الحالِ فَنَزَعَ الخافِضَ واسْتَتَرَ الضَّمِيرُ وتُعُقِّبَ بِأنَّ إبْدالَ الجارِّ والمَجْرُورِ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ لا يَصِحُّ بِحَسْبِ قَواعِدِ العَرَبِيَّةِ فَهو ضِغْثٌ عَلى إبالَةٍ وتَكَلُّفٌ عَلى تَكَلُّفٍ وقِيلَ إنَّ ﴿عَنْ ساقٍ﴾ نائِبُ الفاعِلِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ حَقَّ الفِعْلِ التَّذْكِيرُ كَصَرَفَ عَنْ هِنْدٍ ومُرَّ بِدَعْدٍ ﴿ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ تَوْبِيخًا وتَعْنِيفًا عَلى تَرْكِهِمْ إيّاهُ في الدُّنْيا وتَحْسِيرًا لَهم عَلى تَفْرِيطِهِمْ في ذَلِكَ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لِزَوالِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم يَقْصِدُونَهُ فَلا يَتَأتّى مِنهُمْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ تُعَقَّمُ أصْلابُهم أيْ تُرَدُّ عِظامًا بِلا مَفاصِلَ لا تَنْثَنِي عِنْدَ الرَّفْعِ والخَفْضِ وتَقَدَّمَ في حَدِيثِ البُخارِيِّ ومَن مَعَهُ ما سَمِعَتْ وفي حَدِيثٍ تَصِيرُ أصْلابُ المُنافِقِينَ والكُفّارِ كَصَياصِيِّ البَقَرِ عَظْمًا واحِدًا. .
والظّاهِرُ أنَّ الدّاعِيَ اللَّهُ تَعالى أوِ المَلِكُ وقِيلَ هو ما يَرَوْنَهُ مِن سُجُودِ المُؤْمِنِينَ واسْتَدَلَّ أبُو مُسْلِمٍ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ يَوْمَ الكَشْفِ في الدُّنْيا قالَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ ويُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ ويَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ فِيهِ تَعَبُّدٌ ولا تَكْلِيفٌ فَيُرادُ مِنهُ إمّا آخِرُ أيّامِ الشَّخْصِ في دُنْياهُ حِينَ يَرى المَلائِكَةَ وإمّا وقْتَ المَرَضِ والهَرَمِ والمُعْجِزَةِ ويُدْفَعُ بِما أشَرْنا إلَيْهِ.
68:43Page 566
خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ وَقَدۡ كَانُواْ يُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمۡ سَٰلِمُونَ ٤٣
Their eyes humbled, humiliation will cover them. And they used to be invited to prostration while they were sound.1
﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ حالٌ مِن مَرْفُوعٍ ﴿يُدْعَوْنَ﴾ عَلى أنَّ أبْصارَهم مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ ونْسْبَةُ الخُشُوعِ إلى الأبْصارِ لِظُهُورِ أثَرِهِ فِيها (تَرْهَقُهم ) تَلْحَقُهم وتَغْشاهم (ذِلَّةٌ) شَدِيدَةٌ ﴿وقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ﴾ في الدُّنْيا والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الصَّلَواتُ المَكْتُوبَةُ كَما قالَ النَّخْعِيُّ والشَّعْبِيُّ أوْ جَمِيعُ الطّاعاتِ كَما قِيلَ. والدَّعْوَةُ دَعْوَةُ التَّكْلِيفِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: كانُوا يَسْمَعُونَ الأذانَ والنِّداءَ لِلصَّلاةِ فَلا يُجِيبُونَ ﴿وهم سالِمُونَ﴾ مُتَمَكِّنُونَ مِنهُ أقْوى تَمَكُّنٍ أيْ فَلا يُجِيبُونَ إلَيْهِ ويَأْبَوْنَهُ وتَرَكَ ذِكْرَ هَذا ثِقَةً بِظُهُورِهِ.
68:44Page 566
فَذَرۡنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِۖ سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٤
So leave Me, [O Muḥammad], with [the matter of] whoever denies this statement [i.e., the Qur’ān]. We will progressively lead them [to punishment] from where they do not know.1
﴿فَذَرْنِي ومَن يُكَذِّبُ بِهَذا الحَدِيثِ﴾ أيْ إذا كانَ حالُهم ما سَمِعْتَ فَكُلُّ مَن يُكَذِّبُ بِالقُرْآنِ إلَيَّ واسْتَكْفِنِيهِ فَإنَّ فِيَّ ما يُفْرِغُ بالَكَ ويُخَلِّي هَمَّكَ وهو مِن بَلِيغِ الكَلامِ يُفِيدُ أنَّ المُتَكَلِّمَ واثِقٌ بِأنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنَ الوَفاءِ بِأقْصى ما يَدُورُ حَوْلَ أُمْنِيَةِ المُخاطَبِ وبِما يَزِيدُ عَلَيْهِ، وقَدْ حَقَّقَهُ جارُ اللَّهِ بِما حاصِلُهُ أنَّ مَنِ اسْتَكْفى أحَدًا تَرَكَ الأمْرَ إلَيْهِ وإلّا كانَ اسْتِعانَةً لا اسْتِكْفاءً فَأُقِيمَ الرّادِفُ أعْنِي التَّخْلِيَةَ وإنْ يَذْرُهُ وإيّاهُ مَقامَ الِاسْتِكْفاءِ مُبالَغَةً وإنْباءً عَنِ الكِفايَةِ البالِغَةِ كَيْفَ وهَذا الكافِي طَلَبَ الِاسْتِكْفاءَ وقِيلَ: قَوْلُهُ (ذَرْنِي وأبْرَزَ تَرْكَ الِاسْتِكْفاءِ في صُورَةِ المَنعِ مُبالَغَةً عَلى مُبالَغَةٍ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ شَدِيدَ الوُثُوقِ بِتَمَكُّنِهِ مِنَ الوَفاءِ أقْصى التَّمَكُّنِ وفَوْقَ ما يَحُومُ حَوْلَ خاطِرِ المُسْتَكْفِي لَما كانَ لِلطَّلَبِ عَلى هَذا الوَجْهِ ألْأبْلَغِ وجْهٌ ( ومَن ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ إمّا عَطْفًا عَلى المَنصُوبِ في (ذَرْنِي أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ وقَوْلُهُ تَعالى ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ التَّعْذِيبِ المُسْتَفادِ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ إجْمالًا والضَّمِيرُ لِمَن والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في ﴿يُكَذِّبُ﴾ بِاعْتِبارِ لَفْظِها أيْ سَنَسْتَنْزِلُهم إلى العَذابِ دَرَجَةً فَدَرَجَةً بِالإمْهالِ وإدامَةِ الصِّحَّةِ وازْدِيادِ النِّعْمَةِ ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ اسْتِدْراجٌ بَلْ يَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ إيثارٌ لَهم وتَفَضُّلٌ عَلى المُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّهُ سَبَبٌ لِهَلاكِهِمْ.
68:45Page 566
وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ٤٥
And I will give them time. Indeed, My plan is firm.
﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ وأُمْهِلُهم لِيَزْدادُوا إثْمًا وهم يَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ لِإرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ لا يُدْفَعُ بِشَيْءٍ وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ كَيْدًا وهو ضَرْبٌ مِنَ الِاحْتِيالِ لِكَوْنِهِ في صُورَتِهِ حَيْثُ إنَّهُ سُبْحانَهُ يَفْعَلُ مَعَهم ما هو نَفْعٌ لَهم ظاهِرًا ومُرادُهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ الضَّرَرُ لِما عَلِمَ مِن خُبْثِ جِبِلَّتِهِمْ وتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ والكُفْرانِ.
68:46Page 566
أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ ٤٦
Or do you ask of them a payment, so they are by debt burdened down?
﴿أمْ تَسْألُهُمْ﴾ عَلى الإبْلاغِ والإرْشادِ ﴿أجْرًا﴾ دُنْيَوِيًّا ﴿فَهُمْ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ ﴿مِن مَغْرَمٍ﴾ أيْ غَرامَةٍ مالِيَّةٍ ﴿مُثْقَلُونَ﴾ مُكَلَّفُونَ حِمْلًا ثَقِيلًا فَيُعْرِضُونَ عَنْكَ وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى ما قالَهُ
صفحة 37
ابْنُ الشَّيْخِ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ .
68:47Page 566
أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ ٤٧
Or have they [knowledge of] the unseen, so they write [it] down?
﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ﴾ أيِ المُغَيَّباتُ أوْ لِلَّوْحِ وأُطْلِقَ ﴿الغَيْبُ﴾ عَلَيْهِ مَجازًا لِأنَّهُ مَحَلٌّ لِكِتابَةِ المُغَيَّباتِ أوْ لِظُهُورِ صُوَرِها بِناءً عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ فِيهِ والقَرِينَةُ ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ ما يَحْكُمُونَ بِهِ ويَسْتَغْنُونَ بِذَلِكَ عَنْ عِلْمِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences