Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:12–15
7:12Page 152
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ١٢
[Allāh] said, "What prevented you from prostrating when I commanded you?" [Satan] said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay [i.e., earth]."
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْجَوابِ عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ عَدَمِ سُجُودِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى
صفحة 88
حِينَئِذٍ وبِهِ كَما قِيلَ يَظْهَرُ وجْهُ الِالتِفاتِ إلى الغِيبَةِ إذْ لا وجْهَ لِتَقْدِيرِ السُّؤالِ عَلى وجْهِ المُخاطَبَةِ وفِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى هي الإشْعارُ بِعَدَمِ تَعَلُّقِ المَحْكِيِّ بِالمُخاطَبِينَ كَما في حِكايَةِ الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ أيْ قالَ اللَّهُ تَعالى لِإبْلِيسَ حِينَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ المَشْهُورُ أنَّ لا مَزِيدَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في آيَةٍ أُخْرى ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾ وقَدْ جاءَتْ كَذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ أيْ لِيَعْلَمَ وهي في ذَلِكَ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الفِعْلِ الَّذِي تَدْخُلُ عَلَيْهِ وتَحْقِيقِهِ.
واسْتُشْكِلَ بِأنَّها كَيْفَ تُؤَكِّدُ ثُبُوتَ الفِعْلِ مَعَ إيهامِ نَفْيِهِ قالَ الشِّهابُ: والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّها لا تُؤَكِّدُهُ مُطْلَقًا بَلْ إذا صَحِبَ نَفْيًا مُقَدَّمًا أوْ مُؤَخَّرًا صَرِيحًا أوْ غَيْرَ صَرِيحٍ كَما في ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ وكَما هُنا فَإنَّها تُؤَكِّدُ تَعَلُّقَ المَنعِ بِهِ ومِن هُنا قالُوا: إنَّها مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ المُوَبَّخَ عَلَيْهِ تَرْكُ السُّجُودِ وقِيلَ: إنَّها غَيْرُ زائِدَةٍ بِأنْ يَكُونَ المَنعُ مَجازًا عَنِ الإلْجاءِ والِاضْطِرارِ فالمَعْنى ما اضْطَرَّكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ وجَعَلَهُ السَّكّاكِيُّ مَجازًا عَلى الحَمْلِ ولا قَرِينَةَ لِلْمَجازِ أيْ ما حَمَلَكَ ودَعاكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ ولَيْسَ بَيْنَ الجَعْلَيْنِ كَثِيرُ فَرْقٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ التَّضْمِينِ وقالَ الرّاغِبُ المَنعُ يُقالُ في ضِدِّ العَطِيَّةِ كَرَجُلٍ مانِعٍ ومَنّاعٍ أيْ بَخِيلٍ ويُقالُ في الحِمايَةِ ومِنهُ مَكانٌ مَنِيعٌ وقَدْ مَنَعَ وفُلانٌ ذُو مَنَعَةٍ أيْ عَزِيزٌ مُمْتَنِعٌ عَلى مَن يَرُومُهُ والمَنعُ في الآيَةِ مِنَ الثّانِي أيْ ما حَماكَ عَنْ عَدَمِ السُّجُودِ ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ بِالسُّجُودِ و( إذْ ) ظَرْفٌ لِتَسْجُدَ وهَذِهِ الآيَةُ أحَدُ أدِلَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ لِأنَّهُ ذَمٌّ عَلى تَرْكِ المُبادَرَةِ ولَوْلا أنَّ الأمْرَ لِلْفَوْرِ لَمْ يَتَوَجَّهِ الذَّمُّ عَلَيْهِ وكانَ لَهُ أنْ يُجِيبُ بِأنَّكَ ما أمَرْتَنِي بِالبِدارِ وسَوْفَ أسْجُدُ وأُجِيبَ بِأنَّ الفَوْرَ إنَّما هو مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ولَيْسَ مِن صِيغَةِ الأمْرِ إلّا أنَّ بَعْضَهم مَنَعَ دَلالَةَ الفاءِ الجَزائِيَّةِ عَلى التَّعْقِيبِ مِن غَيْرِ تَراخٍ وقالَ آخَرُونَ إنَّ الِاسْتِدْلالَ إنَّما هو بِتَرَتُّبِ اللَّوْمِ عَلى مُخالَفَةِ الأمْرِ المُطْلَقِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ ولَمْ يَقُلْ جَلَّ شَأْنُهُ إذْ قُلْتُ فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فَتَدَبَّرْ وفي حِكايَةِ التَّوْبِيخِ ها هُنا بِهَذِهِ العِبارَةِ وفي سُورَةِ الحِجْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ وفي سُورَةِ ص بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّعِينَ أدْمَجَ في مَعْصِيَةٍ واحِدَةٍ غَيْرَ واحِدَةٍ مِن هاتِيكَ المَعاصِي كافِيَةً في التَّوْبِيخِ وبُطْلانِ ما ارْتَكَبَهُ وقَدْ تُرِكَتْ حِكايَةُ التَّوْبِيخِ رَأْسًا في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ وسُورَةِ الكَهْفِ وسُورَةِ طَهَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحِكْمَةِ كُلٍّ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما تَقَدَّمَ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ التَّوْبِيخِ كَأنَّهُ قِيلَ فَماذا قالَ اللَّعِينُ عِنْدَ ذَلِكَ فَقِيلَ: قالَ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ هو مِنَ الأُسْلُوبِ الأحْمَقِ فَإنَّ الجَوابَ المُطابِقَ لِلسُّؤالِ مَنَعَنِي كَذا وهَذا جَوابٌ عَنْ أيِّكُما خَيْرٌ وفِيهِ دَعْوى شَيْءٍ بَيْنَ الِاسْتِلْزامِ لِلْمَقْصُودِ بِزَعْمِهِ ومُشْعِرٌ بِأنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ لا يَحْسُنُ أنْ يَسْجُدَ لِمَن دُونَهُ فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يُؤْمَرَ بِهِ فاللَّعِينُ أوَّلُ مَن أسَّسَ بُنْيانَ التَّكَبُّرِ واخْتَرَعَ القَوْلَ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العِلِّيَّيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (12) تَعْلِيلٌ لِما ادَّعاهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ مِن فَضْلِهِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وحاصِلُهُ أنِّي مَخْلُوقٌ مِن عُنْصُرٍ أشْرَفَ مِن عُنْصُرِهِ لِأنَّ عُنْصُرِي عُلْوِيٌّ نَيِّرٌ قَوِيُّ التَّأْثِيرِ مُناسِبٌ لِمادَّةِ
صفحة 89
الحَياةِ وعُنْصُرَهُ بِضِدِّ ذَلِكَ والمَخْلُوقُ مِنَ الأشْرَفِ أشْرَفُ لِأنَّ شَرَفَ الأصْلِ يُوجِبُ شَرَفَ الفَرْعِ فَأنا كَذَلِكَ والأشْرَفُ لا يَلِيقُ بِهِ الِانْقِيادُ لِمَن هو دُونَهُ وقَدْ أخْطَأ اللَّعِينُ فَإنَّ كَوْنَ النّارِ أشْرَفُ مِنَ التُّرابِ مَمْنُوعٌ فَإنَّ كُلَّ عُنْصُرٍ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ يَخْتَصُّ بِفَوائِدَ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ وكُلٌّ مِنها ضَرُورِيٌّ في هَذِهِ النَّشْأةِ ولِكُلٍّ فَضِيلَةٌ في مَقامِهِ وحالِهِ فَتَرْجِيحُ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ تَطْوِيلٌ بِلا طائِلٍ عَلى مَن نَظَرَ إلى أنَّ الأرْضَ أكْثَرُ مَنافِعَ لِلْخَلْقِ لِأنَّها مُسْتَقَرُّهم وفِيها مَعايِشُهم وأنَّها مُتَّصِفَةٌ بِالرَّزانَةِ الَّتِي هي مِن مُقْتَضَياتِ الحِلْمِ والوَقارِ وإلى أنَّ النّارَ دُونَها في المَنافِعِ وأنَّها مُتَّصِفَةٌ بِالخِفَّةِ الَّتِي هي مِن مُقْتَضَياتِ الطَّيْشِ والِاسْتِكْبارِ والتَّرَفُعِ عُلِمَ ما في كَلامِ اللَّعِينِ وأيْضًا شَرَفُ الأصْلِ لا يُوجِبُ شَرَفَ الفَرْعِ.
إنَّما الوَرْدُ مِنَ الشَّوْكِ ولا يَنْبُتُ النَّرْجِسُ إلّا مِن بَصَلِ
ويَكْفِي في ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ الكافِرُ مِنَ المُؤْمِنِ وأيْضًا قَدْ خَصَّ الشَّرَفَ بِما هو مِن جِهَةِ المادَّةِ والعُنْصُرِ مَعَ أنَّ الشَّيْءَ كَما يَشْرُفُ بِمادَّتِهِ وعُنْصُرِهِ يَشْرُفُ بِفاعِلِهِ وغايَتِهِ وصُورَتِهِ وهَذا الشَّرَفُ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَهُ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وجَعَلَهُ خَلِيفَةً في الأرْضِ كَما قَصَّ سُبْحانَهُ لِما أوْدَعَهُ فِيهِ وأيْضًا أيُّ قُبْحٍ في خِدْمَةِ الفاضِلِ لِلْمَفْضُولِ تَواضُعًا وإسْقاطًا لِحَظِّ النَّفْسِ عَلى أنَّ الخِدْمَةَ في الحَقِيقَةِ إنَّما كانَتْ لِلَّهِ تَعالى وإلى هَذا أشارَ ظافِرٌ الإسْكَنْدَرِيُّ بِقَوْلِهِ.
أنْتَ المُرادُ بِنَظْمِ كُلِّ قَصِيدَةٍ ∗∗∗ بُنِيَتْ عَلى الإفْهامِ في تَبْجِيلِهِ
كَسُجُودِ أمَلاكِ السَّماءِ لِآدَمَ ∗∗∗ وسُجُودُهم لِلَّهِ في تَأْوِيلِهِ
ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ هَذا الجَوابَ مِنَ اللَّعِينِ كانَ مَعَ تَسْلِيمِ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِالسُّجُودِ وحِينَئِذٍ فَخَطَؤُهُ أظْهَرُ مِن نارٍ عَلى عَلَمٍ إذْ يَعُودُ ذَلِكَ إلى الِاعْتِراضِ عَلى المالِكِ الحَكِيمِ وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ لَمْ يُسَلَّمْ أنَّهُ كانَ مَأْمُورًا بَلْ أخْرَجَ نَفْسَهُ مِنَ العُمُومِ بِالقِياسِ واسْتَدَلَّ أهْلُ هَذا القَوْلِ بِهَذا التَّوْبِيخِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَخْصِيصُ النَّصِّ بِالقِياسِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ التَّخْصِيصِ بَلْ هو إبْطالٌ لِلنَّصِّ ورَفْعٌ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ وفِيهِ تَأمُّلٌ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «أوَّلُ مَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيِهِ إبْلِيسُ قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: اسْجُدْ لِآدَمَ فَقالَ: أنا خَيْرٌ مِنهُ» إلَخْ قالَ جَعْفَرٌ: فَمَن قاسَ أمْرَ الدِّينِ بِرَأْيِهِ قَرَنَهُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ بِإبْلِيسَ لِأنَّهُ اتَّبَعَهُ بِالقِياسِ واسْتَدَلَّ بِهَذا ونَحْوِهِ مَن مَنَعَ القِياسَ مُطْلَقًا.
وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ المَذْمُومَ هو القِياسُ والرَّأْيُ في مُقابَلَةِ النَّصِّ أوِ الَّذِي يُعْدَمُ فِيهِ شَرْطٌ مِنَ الشُّرُوطِ المُعْتَبَرَةِ وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في مَحَلِّهِ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى الكَوْنِ والفَسادِ لِدَلالَتِها عَلى خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ وإيجادِهِما وعَلى اسْتِحالَةِ الطِّينِ والنّارِ عَمّا كانا عَلَيْهِ مِنَ الطِّينِيَّةِ والنّارِ لِما تَرَكَّبَ مِنهُما ما تَرَكَّبَ وعَلى أنَّ إبْلِيسَ ونَحْوَهُ أجْسامٌ حادِثَةٌ لا أرْواحَ قَدِيمَةٌ قِيلَ: لَعَلَّ إضافَةَ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الطِّينِ وخَلْقِهِ إلى النّارِ بِاعْتِبارِ الجُزْءِ الغالِبِ وإلّا فَقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ الأجْسامَ مِنَ العَناصِرِ الأرْبَعَةِ وبَعْضُ النّاسِ مِن وراءِ المَنعِ.
7:13Page 152
قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ١٣
[Allāh] said, "Descend from it [i.e., Paradise], for it is not for you to be arrogant therein. So get out; indeed, you are of the debased."
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما ظَهَرَ مِنهُ مِنَ
صفحة 90
الباطِلِ وضَمِيرُ ﴿مِنها﴾ قِيلَ لِلْجَنَّةِ وكَوْنُهُ مِن سُكّانِها مَشْهُورٌ والمُرادُ بِها عِنْدَ بَعْضٍ الجَنَّةُ الَّتِي يَسْكُنُها المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها رَوْضَةٌ بِعَدْنٍ وفِيها خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتْ عَلى نَشَزٍ مِنَ الأرْضِ في قَوْلٍ وأصْلُ الهُبُوطِ الِانْحِدارُ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ كَما في هُبُوطِ الحَجَرِ وإذا اسْتُعْمِلَ في الإنْسانِ ونَحْوِهِ فَعَلى سَبِيلِ الِاسْتِخْفافِ كَما قالَهُ الرّاغِبُ.
ولَمْ يَشْتَرِطْ بَعْضُهم فِيهِ سِوى الِانْتِقالِ مِن شَرِيفٍ إلى ما دُونَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ والأمْرُ عَلَيْهِ واضِحٌ وإنْ لَمْ نَقُلْ: إنَّ تِلْكَ الجَنَّةَ كانَتْ عَلى نَشَزٍ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِزُمْرَةِ المَلائِكَةِ أيِ اخْرُجْ مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُعَزَّزِينَ فَإنَّ الخُرُوجَ مِن زُمْرَتِهِمْ هُبُوطٌ وأيَّ هُبُوطٍ وفي سُورَةِ الحِجْرِ ﴿فاخْرُجْ مِنها﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلسَّماءِ وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ ورُدَّ بِأنَّ وسْوَسَتَهُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ بَعْدَ هَذا الطَّرْدِ فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ السّابِقَيْنِ قَطْعًا ويَكُونُ وسْوَسَتُهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِطَرِيقِ النِّداءِ مِن بابِ الجَنَّةِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وأُجِيبَ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ الجَنَّةَ أوْ زُمْرَةَ المَلائِكَةِ أيْضًا بِناءً عَلى أنَّ الأُولى ومُعْظَمَ الثّانِيَةِ في السَّماءِ أوْ يُقالُ: إنَّ القِصَّةَ وقَعَتْ في الأرْضِ وكانَتِ الجَنَّةُ فِيها وبَعْدَ العِصْيانِ حُجِبَ اللَّعِينُ مِنَ السَّماءِ الَّتِي هي مَقَرُّهُ ومَعْبَدُهُ ومَعْنى أمْرِهِ بِالخُرُوجِ مِنها أمْرُهُ بِقَطْعِ عَلائِقِهِ عَنْها واتِّخاذِها مَأْوًى لَهُ بَعْدُ وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن غَصَبَ دارَكَ مَثَلًا عِنْدَ نَحْوِ القاضِي: اخْرُجْ مِن دارِي مَعَ أنَّهُ إذْ ذاكَ لَيْسَ فِيها تُرِيدُ لا تَدْخُلْها واقْطَعْ عَلائِقَكَ عَنْها وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأرْضِ.
فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ أُخْرِجَ مِنها إلى الجَزائِرِ وأُمِرَ أنْ لا يَدْخُلَها إلّا خِفْيَةً ويُبْعِدُهُ أنَّهُ لا يَظْهَرُ لِلتَّخْصِيصِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ﴾ أيْ فَما يَصِحُّ ولا يَسْتَقِيمُ ولا يَلِيقُ بِشَأْنِكَ ﴿أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ عَلى هَذا وجْهٌ إلّا عَلى بُعْدٍ.
وأمّا عَلى الأوْجُهِ السّابِقَةِ فالوَجْهُ ظاهِرٌ وهو مَزِيدُ شَرافَةِ المُخْرَجِ مِنهُ وعُلُوُّ شَأْنِهِ وتَقَدُّسُ ساحَتِهِ ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّهُ لا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى جَوازِ التَّكَبُّرِ في غَيْرِ ذَلِكَ عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالهُبُوطِ ولا يَخْفى لَطافَةُ التَّعْبِيرِ بِهِ دُونَ الخُرُوجِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ﴾ المُشِيرُ إلى ارْتِفاعِ عُنْصُرِهِ وعُلُوِّ مَحَلِّهِ والتَّكَبُّرُ عَلى ما قِيلَ كالكِبْرِ وهو الحالَةُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الشَّخْصُ مِن إعْجابِهِ بِنَفْسِهِ وذَلِكَ أنْ يَرى نَفْسَهُ أكْبَرَ مِن غَيْرِهِ وأعْظَمَ والمُرادُ بِالتَّكَبُّرِ ها هُنا إمّا التَّكَبُّرُ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو أعْظَمُ التَّكَبُّرِ ويَكُونُ بِالِامْتِناعِ مِن قَبُولِ الحَقِّ والإذْعانِ لَهُ بِالعِبادَةِ.
وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالمَعْصِيَةِ وإمّا التَّكَبُّرُ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِزَعْمِهِ أنَّهُ خَيْرٌ مِنهُ وأكْبَرُ قَدْرًا وقِيلَ المُرادُ ما هو أعَمُّ مِنهُ ومِنَ التَّكَبُّرِ عَلى المَلائِكَةِ حَيْثُ زَعَمَ أنَّ لَهُ خُصُوصِيَّةً مَيَّزَتْهُ عَلَيْهِمْ وأخْرَجَتْهُ مِن عُمُومِهِمْ وفِيهِ تَأمُّلٌ وزَعَمَ البَعْضُ أنَّ في الآيَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ التَّكَبُّرَ لا يَلِيقُ بِأهْلِ الجَنَّةِ فَكَما يُمْنَعُ مِنَ القَرارِ فِيها يُمْنَعُ مِن دُخُولِها بَعْدَ ذَلِكَ وأنَّهُ تَعالى إنَّما طَرَدَهُ لِتَكَبُّرِهِ لا لِمُجَرَّدِ عِصْيانِهِ وهو ظاهِرٌ عَلى أحَدِ الِاحْتِمالاتِ كَما لا يَخْفى والظَّرْفُ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاخْرُجْ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالهُبُوطِ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ (13) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالخُرُوجِ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ لِتَكَبُّرِهِ أيْ إنَّكَ مِن أهْلِ الصَّغارِ والهَوانِ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى أوْلِيائِهِ لِتَكَبُّرِكَ.
أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
صفحة 91
«مَن تَواضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى ومَن تَكَبَّرَ وضَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ» ومِن حَدِيثِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَن تَواضَعَ لِلَّهِ تَعالى رَفَعَ اللَّهُ تَعالى حِكْمَتَهُ وقالَ: انْتَعِشْ نَعَشَكَ اللَّهُ ومَن تَكَبَّرَ وعَدا طَوْرَهُ وهَصَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الأرْضِ وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الأذِلّاءِ في الدُّنْيا بِالذَّمِّ واللَّعْنِ وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ بِسَبَبِ ما ارْتَكَبَهُ مِنَ المَعْصِيَةِ والتَّكَبُّرِ وإذْلالُ اللَّهِ تَعالى المُتَكَبِّرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ مِمّا نَطَقَتْ بِهِ الأخْبارُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ جَدِّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ أمْثالَ الذَّرِّ في صُوَرِ الرِّجالِ يَغْشاهُمُ الذُّلُّ مِن كُلِّ مَكانٍ يُساقُونَ إلى السَّجْنِ في جَهَنَّمَ يُقالُ لَهُ: بُولَسُ يُسْقَوْنَ مِن طِينَةِ الخَبالِ عُصارَةِ أهْلِ النّارِ» وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الصّاغِرَ بِالرّاضِي بِالذُّلِّ كَما هو المَشْهُورُ فِيهِ والمُرادُ وصْفُهُ بِأنَّهُ خَسِيسُ الطَّبْعِ دَنِيءٌ وأنَّهُ رَأى نَفْسَهُ أكْبَرَ مِن غَيْرِهِ ولَيْسَ بِالكَبِيرِ ولَقَدْ أبْدَعَ أبُو نُواسٍ بِقَوْلِهِ خِطابًا لَهُ.
سَوْأةٌ بِالعَيْنِ أنْتَ اخْتَلَسْتَ النّاسَ غَيْظًا عَلَيْهِمْ أجَمْعِينا
تِهْتَ لَمّا أمَرْتَ في سالِفِ الدَّهْـ ∗∗∗ رِ وفارَقْتَ زُمْرَةَ السّاجِدِينا
عِنْدَما قُلْتَ لا أُطِيقُ سُجُودًا ∗∗∗ لِمِثالٍ خَلَقْتَهُ رَبِّ طِينا
حَسَدًا إذْ خُلِقْتَ مِن مارِجِ النَّـ ∗∗∗ ارِ لِمَن كانَ مُبْتَدا العالَمِينا
ثُمَّ صُيِّرْتَ في القِيادَةِ تَسْعى ∗∗∗ يا مُجِيرَ الزُّناةِ واللّائِطِينا
ولَهُ أيْضًا مِن أبْياتٍ فِيهِ:
تاهَ عَلى آدَمَ في سَجْدَةٍ ∗∗∗ وصارَ قَوّادًا لِذَرِّيَّتِهِ
7:14Page 152
قَالَ أَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٤
[Satan] said, "Reprieve me until the Day they are resurrected."
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّعِينُ بَعْدَ ما سَمِعَ ما سَمِعَ فَقِيلَ: قالَ ﴿أنْظِرْنِي﴾ أيْ أمْهِلْنِي ولا تُمِتْنِي ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (14) أيْ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّتُهُ وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ وأرادَ بِذَلِكَ أنْ يَجِدَ فُسْحَةً في الإغْواءِ وأخْذِ الثَّأْرِ ونَجاةً مِنَ المَوْتِ إذْ لا مَوْتَ بَعْدَ البَعْثِ
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ (15) ظاهِرُهُ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ حَيْثُ وقَعَ في مُقابَلَةِ كَلامِهِ لَكِنْ في سُورَةِ الحِجْرِ و ﴿ص﴾ التَّقْيِيدُ بِيَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ واخْتُلِفَ في المُرادِ مِنهُ فالمَشْهُورُ أنَّهُ يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى دُونَ يَوْمِ البَعْثِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِيَوْمِ مَوْتٍ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ يَوْمَ البَعْثِ ولا يَلْزَمُ أنْ لا يَمُوتَ فَلَعَلَّهُ يَمُوتُ أوَّلَ اليَوْمِ ويُبْعَثُ مَعَ الخَلْقِ في تَضاعِيفِهِ: وفي كِتابِ العَرائِسِ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّ إبْلِيسَ إنَّما يَذُوقُ طَعْمَ المَوْتِ يَوْمَ الحَشْرِ وذَكَرَ في كَيْفِيَّةِ مَوْتِهِ وقَبْضِ عِزْرائِيلَ رُوحَهُ ما يَقْضِي مِنهُ العَجَبُ ولَمْ يَرْتَضِ ذَلِكَ الفاضِلُ السَّفارِينِيُّ وقالَ في كِتابِهِ ( البُحُورُ الزّاخِرَةُ ) أخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في الفِتَنِ والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ لا يَلْبَثُونَ يَعْنِي النّاسَ بَعْدَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها فَتَجِفُّ الأقْلامُ وتُطْوى الصُّحُفُ فَلا يُقْبَلُ مِن أحَدً تَوْبَةٌ ويَخِرُّ إبْلِيسُ ساجِدًا يُنادِي إلَهِي مُرْنِي أنْ أسْجُدَ لِمَن شِئْتَ وتَجْتَمِعُ إلَيْهِ الشَّياطِينُ فَتَقُولُ يا سَيِّدَنا إلى مَن تَفْزَعُ فَيَقُولُ: إنَّما سَألْتُ رَبِّي أنْ يُنْظِرَنِي إلى يَوْمِ البَعْثِ فَأنْظَرَنِي إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ وقَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها وهَذا يَوْمُ الوَقْتِ المَعْلُومِ وتَصِيرُ الشَّياطِينُ ظاهِرَةً في الأرْضِ حَتّى يَقُولَ الرَّجُلُ هَذا
صفحة 92
قَرِينِي الَّذِي كانَ فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أخْزاهُ ولا يَزالُ إبْلِيسُ ساجِدًا باكِيًا حَتّى تَخْرُجَ الدّابَّةُ فَتَقْتُلُهُ وهو ساجِدٌ. انْتَهى.
ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ المُرادَ بِاليَوْمِ المَعْلُومِ ما صَرَّحَ بِهِ اللَّعِينُ وهو قَبْلَ يَوْمِ النَّفْخَةِ الأُولى بِكَثِيرٍ وهَذا قَوْلٌ لَمْ نَرَ أحَدًا مِنَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرَهُ وهو الَّذِي ارْتَضاهُ هَذا الفاضِلُ وقالَ: إنَّ الخَبَرَ في حُكْمِ المَرْفُوعِ لِأنَّهُ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ ولَيْسَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَكَعْبِ الأحْبارِ مِمَّنْ يَتَلَقّى مِن كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ إنْ صَحَّتْ نِسْبَةُ هَذا الخَبَرِ إلى ابْنِ مَسْعُودٍ يَنْبَغِي أنْ لا يُعْدَلَ إلى القَوْلِ بِما يُخالِفُهُ ولَكِنْ في صِحَّةِ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدِي تَرَدُّدٌ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ وقْتٌ يَعْلَمُ اللَّهُ تَعالى انْتِهاءَ أجَلِهِ فِيهِ وقَدْ أخْفى عَنّا وكَذا عَنِ اللَّعِينِ وأوْجَبَ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ قَبْلَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ واسْتَدَلَّ لَهُ بَعْضُهم بِأنَّ اللَّعِينَ كانَ مُكَلَّفًا والمُكَلَّفُ لا يَجُوزُ أنْ يَعْلَمَ أجَلَهُ لِأنَّهُ يُقْدِمُ عَلى المَعْصِيَةِ بِقَلْبٍ فارِغٍ حَتّى إذا قَرُبَ أجَلُهُ تابَ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وهَذا كالإغْراءِ عَلى المَعاصِي فَيَكُونُ قَبِيحًا وأُجِيبَ بِأنَّ مَن عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِهِ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الطَّهارَةِ والعِصْمَةِ كالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي كَإبْلِيسَ وأشْياعِهِ فَإنَّ إعْلامَهُ بِوَقْتِ أجَلِهِ لا يَكُونُ إغْراءً عَلى المَعْصِيَةِ لِأنَّهُ لا يَتَفاوَتُ حالُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ والإعْلامِ وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ هَذِهِ إجابَةٌ لِدُعائِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ لِمَن قالَ: إنَّ دُعاءَ الكافِرِ قَدْ يُسْتَجابُ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الدَّبُّوسِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الفُقَهاءِ خِلافًا لِما نَقَلَهُ في البَزّازِيَّةِ عَنِ البَعْضِ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالُ: إنَّ دُعاءَ الكافِرِ مُسْتَجابٌ لِأنَّهُ لا يَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى لِيَدْعُوَهُ والفَتْوى عَلى الأوَّلِ لِلظّاهِرِ ولِقَوْلِهِ ﷺ: «دَعْوَةُ المَظْلُومِ مُسْتَجابَةٌ وإنْ كانَ كافِرًا» .
وحَمْلُ الكُفْرِ عَلى كُفْرانِ النِّعْمَةِ لا كُفْرانِ الدِّينِ خِلافُ الظّاهِرِ ولا يَلْزَمُ مِنَ الِاسْتِجابَةِ المَحَبَّةُ والإكْرامُ فَإنَّها قَدْ تَكُونُ لِلِاسْتِدْراجِ وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: الجُمْلَةُ إخْبارٌ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ المَنظَرِينَ في قَضاءِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَرَتُّبٍ عَلى دُعائِهِ وادُّعِيَ أنَّ وُرُودَها اسْمِيَّةً مَعَ التَّعَرُّضِ لِشُمُولِ ما سَألَهُ اللَّعِينُ الآخَرِينَ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِأنَّ السّائِلَ تَبَعٌ لَهم في ذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ بِأنَّ الإنْظارَ المَذْكُورَ لَهم أزَلًا لا إنْشاءَ لِإنْظارٍ خاصٍّ بِهِ إجابَةً لِدُعائِهِ ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ أيْضًا أنَّ اسْتِنْظارَهُ كانَ طَلَبًا لِتَأْخِيرِ المَوْتِ إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ مِن جُمْلَتِهِمْ لا لِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما قِيلَ ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ والحِكْمَةُ في إنْظارِهِ ذَلِكَ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ مَعَ ما هو عَلَيْهِ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ مِنَ الإفْسادِ مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُفَوَّضَ عِلْمُها إلى خالِقِ العِبادِ.
وقَدْ ذَكَرَ الشِّهْرِسْتانِيُّ عَنْ شارِحِ الأناجِيلِ الأرْبَعَةِ صُورَةَ مُناظَرَةٍ جَرَتْ بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ إبْلِيسَ بَعْدَ هَذِهِ الحادِثَةِ وقَدْ ذُكِرَتْ في التَّوْراةِ وهي أنَّ اللَّعِينَ قالَ لِلْمَلائِكَةِ: إنِّي أُسَلِّمُ أنَّ لِي إلَهًا هو خالِقِي ومُوجِدِي وهو خالِقُ الخَلْقِ لَكِنْ لِي عَلى حُكْمِهِ أسْئِلَةٌ الأوَّلُ ما الحِكْمَةُ في الخَلْقِ لا سِيَّما وقَدْ كانَ عالِمًا أنَّ الكافِرَ لا يَسْتَوْجِبُ عِنْدَ خَلْقِهِ إلّا النّارَ الثّانِي ما الفائِدَةُ في التَّكْلِيفِ مَعَ أنَّهُ لا يَعُودُ إلَيْهِ مِنهُ نَفْعٌ ولا ضَرَرٌ وكُلُّ ما يَعُودُ إلى المُكَلَّفِينَ فَهو قادِرٌ عَلى تَحْصِيلِهِ لَهم مِن غَيْرِ واسِطَةِ التَّكْلِيفِ الثّالِثُ هَبْ أنَّهُ كَلَّفَنِي بِمَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ فَلِماذا كَلَّفَنِي بِالسُّجُودِلِآدَمَ الرّابِعُ لَمّا عَصَيْتُهُ في تَرْكِ السُّجُودِ فَلِمَ لَعَنَنِي وأوْجَبَ عِقابِي مَعَ أنَّهُ لا فائِدَةَ لَهُ ولا لِغَيْرِهِ فِيهِ ولِي فِيهِ أعْظَمُ الضَّرَرِ الخامِسُ أنَّهُ لَمّا فَعَلَ ذَلِكَ لِمَ سَلَّطَنِي عَلى أوْلادِهِ ومَكَّنَنِي مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمُ السّادِسُ لَمّا اسْتَمْهَلْتُهُ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ في ذَلِكَ فَلِمَ أمْهَلَنِي ومَعْلُومٌ أنَّ العالَمَ لَوْ كانَ خالِيًا مِنَ الشَّرِّ لَكانَ ذَلِكَ خَيْرًا قالَ شارِحُ الأناجِيلِ: فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ مِن سُرادِقِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ يا إبْلِيسُ أنْتَ ما عَرَفْتَنِي ولَوْ عَرَفْتَنِي لَعَلِمْتَ أنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلَيَّ في شَيْءٍ مِن أفْعالِي فَإنِّي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا لا أُسْألُ عَمّا أفْعَلُ. انْتَهى.
صفحة 93
وفِي السُّؤالِ السّادِسِ ما يُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ في الجُمْلَةِ ولا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الشُّبَهاتِ يَصْعُبُ عَلى القائِلِينَ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ الجَوابُ عَنْها بَلْ قالَ الإمامُ: إنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ مِنَ الخَلائِقِ وحَكَمُوا بِتَحْسِينِ العَقْلِ وتَقْبِيحِهِ لَمْ يَجِدُوا مِن هَذِهِ الشُّبَهاتِ مُخَلِّصًا وكانَ الكُلُّ لازِمًا ويُعْجِبُنِي ما يُحْكى أنَّ سَيْفَ الدَّوْلَةِ بْنَ حَمَدانَ خَرَجَ يَوْمًا عَلى جَماعَتِهِ فَقالَ: قَدْ عَمِلْتُ بَيْتًا ما أحْسَبُ أنَّ أحَدًا يَعْمَلُ لَهُ ثانِيًا إلّا إنْ كانَ أبا فِراسٍ وكانَ أبُو فِراسٍ جالِسًا فَقِيلَ لَهُ: ما هو فَقالَ قَوْلِي.
لَكَ جِسْمِي تُعِلُّهُ فَدَمِيَ لَمْ تَطُلْهُ
فابْتَدَرَ أبُو فَراسٍ قائِلًا.
قالَ إنْ كُنْتَ مالِكًا ∗∗∗ فَلِيَ الأمْرُ كُلُّهُ
وعَلَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ إجابَتَهُ إلى اسْتِنْظارِهِ بِأنَّ في ذَلِكَ ابْتِلاءَ العِبادِ وفي مُخالَفَتِهِ أعْظَمَ الثَّوابِ وحُكْمُهُ حُكْمُ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا مِن صُنُوفِ الزَّخارِفِ وأنْواعِ المَلاهِي والمَلاذِّ وما رَكَّبَ في الأنْفُسِ مِنَ الشَّهَواتِ لِيَمْتَحِنَ بِها عِبادَهُ وتَعَقَّبَهُ العَلّامَةُ الثّانِي كَغَيْرِهِ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَعْلِيلِ أفْعالِهِ تَعالى بِالأغْراضِ وعَدَمُ إسْنادِ خَلْقِ القَبائِحِ والشُّرُورِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ حَقِيقَةَ الِابْتِلاءِ في حَقِّهِ تَعالى مَحالٌ ومَجازُهُ لا يَدْفَعُ السُّؤالَ ولِأنَّ ما في مُتابَعَتِهِ مِن ألِيمِ العِقابِ أضْعافُ ما في مُخالَفَتِهِ مِن عَظِيمِ الثَّوابِ بَلْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ الإنْظارُ والتَّمْكِينُ لَمْ يَكُنْ مِنَ العِبادِ إلّا الطّاعاتُ وتَرْكُ المَعاصِي فَلَمْ يَكُنْ إلّا الثَّوابُ كالمَلائِكَةِ ولا يَخْفى ما فِيهِ إلّا أنَّ قَوْلَهُ بَعْدُ: والأوْلى أنْ لا يَخُوضَ العَبْدُ في أمْثالِ هَذِهِ الأسْرارِ ويُفَوِّضَ حَقِيقَتَها إلى الحَكِيمِ المُخْتارِ مِمّا نَقُولُ بِهِ لِأنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ عَلى أرْبابِ القالِ وأهْلِ الجِدالِ هَذا وإنَّما تَرَكَ التَّوْقِيتَ في هَذِهِ الآيَةِ ثِقَةً بِما وقَعَ في سُورَةِ الحِجْرِ و﴿ص﴾ كَما تَرَكَ ذِكْرَ النِّداءِ والفاءِ في الِاسْتِنْظارِ والإنْظارِ تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ فِيهِما.
فَإنْ قُلْتَ: لا رَيْبَ في أنَّ الكَلامَ المَحْكِيَّ لَهُ عِنْدَ صُدُورِهِ عَنِ المُتَكَلِّمِ حالَةٌ مَخْصُوصَةٌ تَقْتَضِي وُرُودَهُ عَلى وجْهٍ خاصٍّ مِن وُجُوهِ النَّظْمِ بِحَيْثُ لَوْ أخَلَّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ سَقَطَ الكَلامُ عَنْ رُتْبَةِ البَلاغَةِ البَتَّةَ فالكَلامُ الواحِدُ المَحْكِيُّ عَلى وُجُوهٍ شَتّى إنِ اقْتَضى الحالُ وُرُودَهُ عَلى وجْهٍ مُعَيَّنٍ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ الوارِدَةِ عِنْدَ تِلْكَ الحِكايَةِ فَذَلِكَ الوَجْهُ هو المُطابِقُ لِمُقْتَضى الحالِ والبالِغُ إلى رُتْبَةِ البَلاغَةِ دُونَ ماعَداهُ مِنَ الوُجُوهِ ونَقُولُ حِينَئِذٍ: لا يَخْفى أنَّ اسْتِنْظارَ اللَّعِينِ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ مَرَّةً واحِدَةً لا غَيْرَ فَمَقامُهُ أنِ اقْتَضى إظْهارَ الضَّراعَةِ وتَرْتِيبِ الِاسْتِنْظارِ عَلى ما حاقَ بِهِ مِنَ اللَّعْنِ والطَّرْدِ عَلى نَهْجِ اسْتِدْعاءِ الجَبْرِ في مُقابَلَةِ الكَسْرِ كَما هو المُتَبادَرُ مِن قَوْلِهِ: ( رَبِّ أنْظِرْنِي ) حَسْبَما حُكِيَ عَنْهُ في السُّورَتَيْنِ فَما حُكِيَ عَنْهُ ها هُنا يَكُونُ بِمَعْزِلٍ مِنَ المُطابَقَةِ لِمُقْتَضى الحالِ فَضْلًا عَنِ العُرُوجِ إلى مَعارِجِ الإعْجازِ.
قُلْتُ: أجابَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ عَنْ هَذا السُّؤالِ بَعْدَ أنْ ساقَهُ بِأنَّ مَقامَ اسْتِنْظارِهِ مُقْتَضٍ لِما ذُكِرَ مِن إظْهارِ الضَّراعَةِ وتَرْتِيبِ الِاسْتِنْظارِ عَلى الحِرْمانِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالطَّرْدِ والرَّجْمِ وكَذا مَقامُ الإنْظارِ مُقْتَضٍ لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ بِالإنْظارِ عَلى الِاسْتِنْظارِ وقَدْ طُبِّقَ الكَلامُ عَلَيْهِ في تِينَكَ السُّورَتَيْنِ ووُفِّيَ كُلٌّ مِن مَقامَيِ الحِكايَةِ والمَحْكِيِّ جَمِيعًا حَظُّهُ وأمّا ها هُنا فَحَيْثُ اقْتَضى مَقامُ الحِكايَةِ مُجَرَّدَ الإخْبارِ بِالِاسْتِنْظارِ والإنْظارِ سِيقَتِ الحِكايَةُ عَلى نَهْجِ الإيجازِ والِاخْتِصارِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكَيْفِيَّةِ كُلٍّ مِنهُما عِنْدَ المُخاطَبَةِ والجَوابِ ولا يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ نَقْلًا لِلْكَلامِ عَلى ما هو عَلَيْهِ ولا مُطابِقًا لِمُقْتَضى المَقامِ فالَّذِي يَجِبُ اعْتِبارُهُ في نَقْلِ الكَلامِ إنَّما هو أصْلُ مَعْناهُ ونَفْسُ مَدْلُولِهِ وأمّا كَيْفِيَّةُ الإفادَةِ فَقَدْ تُراعى وقَدْ لا تُراعى حَسَبَ الِاقْتِضاءِ ولا يَقْدَحُ في أصْلِ الكَلامِ تَجْرِيدُهُ عَنْها
صفحة 94
بَلْ تُراعى عِنْدَ نَقْلِهِ كَيْفِيّاتٌ لَمْ يُراعِها المُتَكَلِّمُ أصْلًا بَلْ قَدْ لا يَقْدِرُ عَلى مُراعاتِها وجَمِيعُ المَقالاتِ المَحْكِيَّةِ في الآياتِ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ وإلّا لَما كانَ الكَثِيرُ مِنها مُعْجِزًا ومَلاكُ الأمْرِ في المُطابَقَةِ مَقامُ الحِكايَةِ وأمّا مَقامُ المَحْكِيِّ فَإنْ كانَ مُقْتَضاهُ مُوافِقًا لِذَلِكَ وُفِّي كُلٌّ مِنهُما حَقَّهُ كَما في السُّورَتَيْنِ وإلّا لا كَما فِيما هُنا فَلْيُفْهَمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences