Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:182–186
7:182Page 174
وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٢
But those who deny Our signs - We will progressively lead them [to destruction]1 from where they do not know.
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ولَمْ تَنْفَعْهم هِدايَةُ الهادِينَ كَأهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى الأوَّلِينَ، والعُمُومُ أوْلى، وإضافَةُ الآياتِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ لِتَشْرِيفِها واسْتِعْظامِ الإقْدامِ عَلى تَكْذِيبِها، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ أيْ: سَنَسْتَدْنِيهِمُ البَتَّةَ إلى الهَلاكِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، والِاسْتِدْراجُ اسْتِفْعالٌ مِنَ الدَّرَجَةِ بِمَعْنى النَّقْلِ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ فَيَكُونُ اسْتِصْعادًا أوْ بِالعَكْسِ فَيَكُونُ اسْتِنْزالًا وقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الأعْشى في قَوْلِهِ:
فَلَوْ كُنْتَ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ورُقِّيتَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ
لَيَسْتَدْرِجَنَّكَ القَوْلُ حَتّى تَهِرَّهُ ∗∗∗ وتَعْلَمَ أنِّي عَنْكُمُ غَيْرُ مُفْحَمِ
فِي مُطْلَقِ مَعْناهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو اسْتِفْعالٌ مِن دَرَجَ إمّا بِمَعْنى صَعِدَ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ في كُلِّ نَقْلٍ تَدْرِيجِيٍّ سَواءٌ كانَ بِطَرِيقِ الصُّعُودِ أوِ الهُبُوطِ أوِ الِاسْتِقامَةِ، وإمّا بِمَعْنى مَشى مَشْيًا ضَعِيفًا ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ وإمّا بِمَعْنى طَوى ومِنهُ أدْرَجَ الكِتابَ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِطَلَبِ كُلِّ نَقْلٍ تَدْرِيجِيٍّ مِن حالٍ إلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ المُلائِمَةِ لِلْمُنْتَقِلِ المُوافِقَةِ لِهَواهُ، واسْتِدْراجُهُ تَعالى إيّاهم بِإدْرارِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ مَعَ انْهِماكِهِمْ في الغَيِّ، ولِذا قِيلَ: إذا رَأيْتَ اللَّهَ تَعالى أنْعَمَ عَلى عَبْدٍ وهو مُقِيمٌ عَلى مَعْصِيَتِهِ فاعْلَمْ أنَّهُ مُسْتَدْرَجٌ، وهَذا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِصْعادِ بِاعْتِبارِ نَظَرِهِمْ وزَعْمِهِمْ أنَّ مُتَواتِرَةَ النِّعَمِ أثَرَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو الظّاهِرُ، وعَلى الِاسْتِنْزالِ بِاعْتِبارِ الحَقِيقَةِ فَإنَّ الجِبِلَّةَ الإنْسانِيَّةَ في أصْلِ الفِطْرَةِ سَلِيمَةٌ مُتَهَيِّئَةٌ لِقَبُولِ الحَقِّ لِقَضِيَّةِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ». فَهو في بِقاعِ التَّمَكُّنُ عَلى الهُدى والدِّينِ
صفحة 127
فَإذا أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ الشَّهَواتِ وارْتَكَبَ المَعاصِيَ والسَّيِّئاتِ يَنْزِلُ دَرَجَةً دَرَجَةً إلى أنْ يَصِيرَ أسْفَلَ السّافِلِينَ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المَطْلُوبُ إلّا تَدَرُّجَهم في مِدْراجِ المَعاصِي إلى أنْ يَحِقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ أوِ الدُّنْيَوِيِّ عَلى ما قِيلَ عَلى أفْظَعِ حالٍ وأشْنَعِها، وإدْرارُ النِّعَمِ وسِيلَةٌ إلى ذَلِكَ ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ كَذَلِكَ بَلْ يَحْسَبُونَ أنَّهُ أثَرَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ ما يُرادُ بِهِمْ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ أيْ: سَنَسْتَدْرِجُهم كائِنًا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ.
7:183Page 174
وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ١٨٣
And I will give them time. Indeed, My plan is firm.
﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ: أُمْهِلُهم والواوُ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى سَنَسْتَدْرِجُهم غَيْرُ داخِلٍ في حُكْمِ السِّينِ لِما أنَّ الإمْهالَ لَيْسَ مِنَ الأُمُورِ التَّدْرِيجِيَّةِ كالِاسْتِدْراكِ الحاصِلِ في نَفْسِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، بَلْ هو مِمّا يَحْصُلُ دُفْعَةً، والحاصِلُ بِطَرِيقِ التَّدْرِيجِ آثارُهُ وأحْكامُهُ لَيْسَ إلّا، ويَلُوحُ بِذَلِكَ تَغْيِيرُ التَّعْبِيرِ بِتَوْحِيدِ الضَّمِيرِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الِافْتِنانِ المُنْبِئِ عَنْ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الكَلامِ لِابْتِنائِهِ عَلى تَجْدِيدِ القِصَّةِ والعَزِيمَةِ، وجَعْلِهِ غَيْرَ واحِدٍ داخِلًا في حُكْمِها، ولا يَخْفى التَّوْحِيدُ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: إنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: وأنا أُمْلِي لَهُمْ، والخُرُوجُ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُفْرَدِ شَبِيهُ الِالتِفاتِ، واسْتُظْهِرَ أنَّهُ مِنَ التَّلْوِينِ.
وما قِيلَ: إنَّ هَذا لِلْإشْعارِ بِأنَّ الإمْهالَ بِمَحْضِ التَّقْدِيرِ الإلَهِيِّ وذاكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الِاسْتِدْراجَ بِتَوَسُّطِ المُدَبَّراتِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِمَكانِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾ ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ وتَأْكِيدٌ لَهُ، والمَتِينُ مِنَ المَتانَةِ بِمَعْنى الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، ومِنهُ المَتْنُ لِلظَّهْرِ أوِ اللَّحْمِ الغَلِيظِ في جانِبَيِ الصُّلْبِ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الكَيْدَ بِالمَكْرِ. وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالِاسْتِدْراجِ والإمْلاءِ مَعَ نَتِيجَتِهِما، وتَسْمِيَتُهُ كَيْدًا لِما أنَّ ظاهِرَهُ لُطْفٌ وباطِنَهُ قَهْرٌ، وبَعْضُهم بِنَفْسِ الأخْذِ فَقَطْ فَتَسْمِيَتُهُ حِينَئِذٍ بِذَلِكَ قِيلَ: لِكَوْنِ مُقَدِّماتِهِ كَذَلِكَ، وقِيلَ: لِنُزُولِهِ بِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى أنَّ كَيْدِي قَوِيٌّ لا يُدافَعُ بِقُوَّةٍ ولا بِحِيلَةٍ، والآيَةُ حُجَّةٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ. وادَّعى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّها نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ مِن قُرَيْشٍ أمْهَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ أخَذَهم في يَوْمِ بَدْرٍ،
7:184Page 174
أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ ١٨٤
Then do they not give thought? There is in their companion [i.e., Muḥammad (ﷺ)] no madness. He is not but a clear warner.
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بالَغَ في تَهْدِيدِ المُلْحِدِينَ المُعْرِضِينَ الغافِلِينَ عَنْ آياتِهِ والإيمانِ بِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَقَّبَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ بِالجَوابِ عَنْ شُبْهَتِهِمْ وإنْكارِ عَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ .
فالهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ السِّياقُ والسِّباقُ، والخِلافُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ مَشْهُورٌ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.
و(ما) قالَ أبُو البَقاءِ: تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً إنْكارِيَّةً في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ بِصاحِبِهِمْ، وأنْ تَكُونَ نافِيَةً اسْمُها (جِنَّةٍ) وخَبَرُها (بِصاحِبِهِمْ). وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وفِيهِ بُعْدٌ. والجِنَّةُ مَصْدَرٌ كالجِلْسَةِ بِمَعْنى الجُنُونِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الجِنَّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: مَسُّ جِنَّةٍ أوْ تَخَبُّطُها، والتَّنْكِيرُ لِلتَّقْلِيلِ والتَّحْقِيرِ، والتَّفَكُّرُ: التَّأمُّلُ وإعْمالُ الخاطِرِ في الأمْرِ، وهو مِن أفْعالِ القُلُوبِ فَحُكْمُهُ حُكْمُها في أمْرِ التَّعْلِيقِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ عَلى الوَجْهَيْنِ النَّصْبُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ نَصْبٌ عَلى ذَلِكَ في الوَجْهِ الأخِيرِ، أيْ: أكَذَّبُوا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في أيِّ شَيْءٍ مِن جُنُونٍ ما كائِنٍ بِصاحِبِهِمُ الَّذِي هو أعْظَمُ الهادِينَ الحَقَّ وعَلَيْهِ أُنْزِلَتِ الآياتُ، أوْ في أنَّهُ لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِن جِنَّةٍ حَتّى يُؤَدِّيَهُمُ التَّفَكُّرُ في ذَلِكَ إلى الوُقُوفِ
صفحة 128
عَلى صِدْقِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ فَيُؤْمِنُوا بِهِ وبِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ أوْ في الَّذِي بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ بِزَعْمِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الجِنَّةِ في شَيْءٍ فَيُؤْمِنُوا، واخْتارَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ أيْ: أكَذَّبُوا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، أوْ: أوَلَمْ يَفْعَلُوا التَّفَكُّرَ، ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ: أيُّ شَيْءٍ بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ ما؟ عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ والتَّبْكِيتِ، أوْ قِيلَ: لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِنها. والمُرادُ بِصاحِبِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَشْدِيدِهِ؛ لِأنَّ الصُّحْبَةَ مِمّا يُطْلِعُهم عَلى نَزاهَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ شائِبَةٍ مِمّا ذُكِرَ، والتَّعَرُّضُ لِنَفْيِ الجُنُونِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ وُضُوحِ اسْتِحالَةِ ثُبُوتِهِ لَهُ لِما أنَّ التَّكَلُّمَ بِما هو خارِقٌ لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ بِهِ مَسٌّ مِنَ الجِنَّةِ كَيْفَما اتَّفَقَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ أوْ عَمَّنْ لَهُ تَأْيِيدٌ إلَهِيٌّ يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الغُيُوبِ، وإذْ لَيْسَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَيْءٌ مِنَ الأوَّلِ تَعَيَّنَ الثّانِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قامَ عَلى الصَّفا فَدَعا قُرَيْشًا فَخِذًا فَخِذًا، يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم بَأْسَ اللَّهِ تَعالى ووَقائِعَهُ إلى الصَّباحِ حَتّى قالَ قائِلُهُمْ: إنَّ صاحِبَكم هَذا المَجْنُونَ باتَ يُهَوِّتُ حَتّى أصْبَحَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ».
وعَلَيْهِ فالتَّصْرِيحُ بِنَفْيِ الجُنُونِ لِلرَّدِّ عَلى عَظِيمَتِهِمُ الشَّنْعاءِ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ، والتَّعْبِيرُ بِصاحِبِهِمْ وارِدٌ عَلى مُشاكَلَةِ كَلامِهِمْ مَعَ ما فِيهِ مِنَ النُّكْتَةِ السّالِفَةِ. وذَكَرَ بَعْضُهم في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّهم كانُوا إذا رَأوْا ما يَعْرِضُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن بُرَحاءِ الوَحْيِ قالُوا: جُنَّ. فَنَزَلَتْ: ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ وتَكْذِيبٌ لَهم فِيما يَزْعُمُونَهُ حَيْثُ تَبَيَّنَ فِيهِ حَقِيقَةُ حالِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أيْ ما هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا مَبالِغٌ في الإنْذارِ مُظْهِرٌ لَهُ غايَةَ الإظْهارِ،
7:185Page 174
أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ وَأَنۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ ١٨٥
Do they not look into the realm of the heavens and the earth and everything that Allāh has created and [think] that perhaps their appointed time has come near? So in what statement [i.e., message] hereafter will they believe?
ثُمَّ لَمّا كانَ أمْرُ النُّبُوَّةِ مُفَرَّعًا عَلى التَّوْحِيدِ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو مَسُوقٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ بِإخْلالِهِمْ بِالتَّأمُّلِ بِالآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ إثْرَ ما نَعى عَلَيْهِمْ ما نَعى، والهَمْزَةُ هُنا كالهَمْزَةِ فِيما قَبْلُ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما تَقَدَّمَ أوْ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ بِلَمْ، والمَلَكُوتُ المُلْكُ العَظِيمُ، أيْ: أكَذَّبُوا، أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما ذُكِرَ ولَمْ يَنْظُرُوا نَظَرَ تَأمُّلٍ واسْتِدْلالٍ فِيما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ ووَحْدَةِ المُبْدِعِ وعَظِيمِ شَأْنِ المالِكِ لِيَظْهَرَ لَهم صِحَّةُ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ ذاكَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَأنَّ التَّعْبِيرَ بِالنَّظَرِ هُنا دُونَ التَّفَكُّرِ الَّذِي عُبِّرَ بِهِ فِيما قَبْلُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الدَّلِيلَ هُنا أوْضَحُ مِنهُ فِيما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى (مَلَكُوتِ) وتَخْصِيصُهُ بِالسَّماواتِ والأرْضِ لِكَمالِ ظُهُورِ عِظَمِ المُلْكِ فِيهِما، وأنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى المُضافِ هو إلَيْهِ فَيَكُونُ مُنْسَحِبًا عَلى الجَمِيعِ، والتَّعْمِيمُ لِاشْتِراكِ الكُلِّ في عِظَمِ المُلْكِ في الحَقِيقَةِ، و( مِن شَيْءٍ ) بَيانٌ (لِما)، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الدَّلالَةَ عَلى التَّوْحِيدِ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى السَّمَواتِ والأرْضِ، بَلْ كُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ العالَمِ دَلِيلٌ عَلى تَوْحِيدِهِ:
وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ
وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ العُقَلاءِ. نَعَمْ مِنهم مَن جَعَلَ وجْهَ الدَّلالَةِ الحُدُوثَ وهو الَّذِي عَلَيْهِ مُعْظَمُ المُتَكَلِّمِينَ، ومِنهم مَن جَعَلَ وجْهَها الإمْكانَ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الفَلاسِفَةُ واخْتارَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ، ورَجَّحَ الأوَّلَ قُطْبُ عَصْرِهِ الشَّيْخُ خالِدٌ المُجَدِّدِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في تَعْلِيقاتِهِ عَلى حَواشِي عَبْدِ الحَكِيمِ عَلى الخَيالِيِّ فارْجِعْ إلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى:
صفحة 129
﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (مَلَكُوتِ) فَهو مَعْمُولٌ لِيَنْظُرُوا لَكِنْ لا يُعْتَبَرُ فِيهِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ أنَّهُ لِلِاسْتِدْلالِ بِناءً عَلى ما قالُوا: إنَّ قَيْدَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لا يَلْزَمُ مُلاحَظَتُهُ في المَعْطُوفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُها عَسى مَعَ فاعِلِها الَّذِي هو (أنْ يَكُونَ)، وخَبَرُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ الخَبَرِيَّةُ ولا يَحْتاجُ إلى التَّأْوِيلِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ فَلا مَعْنى لِلْمُناقَشَةِ في ذَلِكَ، واسْمُ يَكُونُ أيْضًا ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والخَبَرُ: (قَدِ اقْتَرَبَ أجْلُهُمْ)، ولَمْ يَجْعَلُوا هَذا مِن بابِ التَّنازُعِ لِأنَّ تَنازُعَ كانَ وخَبَرِها مِمّا لَمْ يُعْهَدُ لا لِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ الأصْلِ لِما فِيهِ مِنَ الإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ لِأنَّ ذَلِكَ لازِمٌ عَلى جَعْلِ الِاسْمِ ضَمِيرَ الشَّأْنِ ولا ضَيْرَ في كُلٍّ، وأمْرُ التَّكْرارِ فِيما ذَكَرْنا سَهْلٌ فَلا يُرْتَكَبُ لَهُ خِلافَ المَعْهُودِ خِلافًا لِلْقُطْبِ الرّازِيِّ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وتُعُقِّبَ بِأنَّها لا تُوصَلُ إلّا بِالفِعْلِ المُتَصَرِّفِ، وعَسى لَيْسَتْ كَذَلِكَ، والمَعْنى: أوَلَمْ يَنْظُرُوا في اقْتِرابِ آجالِهِمْ وتَوَقُّعِ حُلُولِها فَيُسارِعُوا إلى طَلَبِ الحَقِّ والتَّوَجُّهِ إلى ما يُنْجِيهِمْ قَبْلَ مُغافَصَةِ المَوْتِ ومُفاجَأتِهِ ونُزُولِ العَذابِ، فالمُرادُ بِأجَلِهِمْ أجَلُ مَوْتِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ السّاعَةِ، والإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِمْ لِمُلابَسَتِهِمْ لَها مِن جِهَةِ إنْكارِهِمْ إيّاها وبَحْثِهِمْ عَنْها، وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ قَطْعٌ لِاحْتِمالِ إيمانِهِمْ رَأْسًا ونَفْيٌ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ والإرْشادِ إلى النَّظَرِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِ يُؤْمِنُونَ، وضَمِيرُ (بَعْدَهُ) لِلْقُرْآنِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ غالِبُ المُفَسِّرِينَ وهو مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ، والحَدِيثُ بِمَعْنى الكَلامِ فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ لِمَن يَزْعُمُ حُدُوثَ القُرْآنِ، وقِيلَ: ولَئِنْ سَلَّمْنا كَوْنَهُ دَلِيلًا يُرادُ مِنَ القُرْآنِ الألْفاظُ وهي مُحْدَثَةٌ عَلى المَشْهُورِ، والمَعْنى: إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِالقُرْآنِ وهو النِّهايَةُ في البَيانِ فَبِأيِّ كَلامٍ يُؤْمِنُونَ بَعْدَهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْآياتِ عَلى حَذْفِ المُضافِ المَفْهُومِ مِن كَذَّبُوا، والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ كَوْنِها قُرْآنًا أوْ بِتَأْوِيلِها بِالمَذْكُورِ أوْ إجْراءِ الضَّمِيرِ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ.
والمَعْنى: أكَذَّبُوا بِالآياتِ ولَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما يُوجِبُ تَصْدِيقَها مِن أحْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأحْوالِ المَصْنُوعاتِ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ تَكْذِيبِها يُؤْمِنُونَ، وفِيهِ بُعْدٌ، وقِيلَ: إنَّهُ يَعُودُ عَلى الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْضًا أيْ: بَعْدَ حَدِيثِهِ يُؤْمِنُونَ وهو أصْدَقُ النّاسِ، وقِيلَ: المُرادُ بَعْدَ هَذا الحَدِيثِ، وقِيلَ: بَعْدَ الأجَلِ؛ أيْ: كَيْفَ يُؤْمِنُونَ بَعْدَ انْقِضاءِ أجَلِهِمْ؟، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ذَلِكَ مُرْتَبِطًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ عَسى﴾ إلَخِ ارْتِباطَ التَّسَبُّبِ عَنْهُ، والضَّمِيرُ لِلْقُرْآنِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَعَلَّ أجَلَهم قَدِ اقْتَرَبَ فَما بالُهم لا يُبادِرُونَ الإيمانَ بِالقُرْآنِ قَبْلَ المَوْتِ؟ وماذا يَنْظُرُونَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ؟ وبِأيِّ حَدِيثٍ أحَقَّ مِنهُ يُرِيدُونَ أنْ يُؤْمِنُوا؟ وتَقْدِيرُ ما قُدِّرَ عِنْدَ صاحِبِ الكَشْفِ لَيْسَ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ لِيَسْتَقِيمَ الكَلامُ بَلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَعْنى الِاسْتِبْطاءِ الَّذِي في ضِمْنِ (أيِّ)، وأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ هَذا البَيانِ الواضِحِ أمْرٌ مُنْتَظَرٌ، وقَوْلُهُ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مَبْنِيٌّ عَلى الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، والمُرادُ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ لا نَفْيَ الِاسْتِمْرارِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ﴾ بِالياءِ والرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ: وهو يَذَرُهُمْ، وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ أيْ: ونَحْنُ نَذَرُهُمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ والجَزْمِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الواقِعَةِ جَوابَ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ لا يَهْدِهِ أحَدٌ ويَذَرُهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَسْكِينًا لِلتَّخْفِيفِ كَما قُرِئَ: يُشْعِرْكم ويَنْصُرْكُمْ، وقَدْ رُوِيَ الجَزْمُ مَعَ النُّونِ عَنْ
صفحة 130
نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو في الشَّواذِّ، وتَخْرِيجُهُ عَلى أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ يَذَرُهُمْ، والعَمَهُ: التَّرَدُّدُ في الضَّلالِ والتَّحَيُّرُ، أوْ أنْ لا يَعْرِفَ حُجَّةً، وإفْرادُ الضَّمِيرِ في حَيِّزِ النَّفْيِ رِعايَةً لِلَفْظِ (مِن) وجَمْعُهُ في حَيِّزِ الإثْباتِ رِعايَةً لِمَعْناها لِلتَّنْصِيصِ عَلى شُمُولِ النَّفْيِ والإثْباتِ لِلْكُلِّ كَما قِيلَ هَذا.
* * *
(ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾ إشارَةٌ إلى مَنِ ابْتُلِيَ بِالحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ بِأنْ سَلَكَ حَتّى ظَهَرَ لَهُ ما ظَهَرَ ثُمَّ رَجَعَ مِنَ الطَّرِيقِ لِسُوءِ اسْتِعْدادِهِ وغَلَبَةِ الشَّقاوَةِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وفي التَّعْبِيرِ بِانْسَلَخَ ما لا يَخْفى.
﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ إلى حَظِيرَةِ القُدُسِ ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ أيْ: مالَ إلى أرْضِ الطَّبِيعَةِ السُّفْلِيَّةِ ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ في إيثارِ السُّوءِ ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾ في أخَسِّ أحْوالِهِ ﴿إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ﴾ بِالزَّجْرِ ﴿يَلْهَثْ﴾ يُدْلِعُ لِسانَهُ مَعَ التَّنَفُّسِ الشَّدِيدِ.
﴿أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ أيْضًا. والمُرادُ أنَّهُ يَلْهَثُ دائِمًا وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذا المُنْسَلِخَ لا يَزالُ يُطْلِقُ لِسانَهُ في أهْلِ الكَمالِ سَواءٌ زُجِرَ عَنْ ذَلِكَ أوْ لَمْ يُزْجَرْ.
﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وهم مَظاهِرُ القَهْرِ.
﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ الأسْرارَ.
﴿ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ الحُجَجَ الكَوْنِيَّةَ.
﴿ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ؛ فَهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ.
﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ لَيْسَ لَهم هَمٌّ إلّا الأكْلُ والشُّرْبُ.
﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ مِنها لِأنَّهم لا يَنْزَجِرُونَ إذا زُجِرُوا ولا يَهْتَدُونَ إذا أُرْشِدُوا.
ومِمّا يُسْتَبْعَدُ مِن طَرِيقِ العَقْلِ ما نَقَلَهُ الإمامُ الشَّعَرانِيُّ عَنْ شَيْخِهِ عَلِيٍّ الخَوّاصِ -قُدِّسَ سِرُّهُ- أنَّ البَهائِمَ مُكَلَّفُونَ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ وبِما ورَدَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّهُ لَيُؤْخَذُ لِلشّاةِ الجَمّاءِ مِنَ الشّاةِ القَرْناءِ»».
وهَذا وإنْ كانَ في الشّاةِ لَكِنْ لا قائِلَ بِالفَرْقِ، ونُقِلَ عَنْهُ القَوْلُ بِأنَّ كُلَّ ما في الوُجُودِ مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ وجَمادٍ حَيٌّ دِراكٌ، ثُمَّ قالَ: فَقُلْتُ لَهُ: فَهَلْ تَشْبِيهُ الحَقِّ تَعالى مَن ضَلَّ مِن عِبادِهِ بِالأنْعامِ بَيانٌ لِنَقْصِ الأنْعامِ عَنِ الإنْسانِ أمْ لِكَمالِها في العِلْمِ بِاللَّهِ تَعالى؟ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لا أعْلَمُ، ولَكِنِّي سَمِعْتُ بَعْضَهم يَقُولُ: لَيْسَ تَشْبِيهُهم بِالأنْعامِ نَقْصًا وإنَّما هُوَ: لِبَيانِ كَمالِ مَرْتَبَتِها في العِلْمِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَتّى حارَتْ فِيهِ، فالتَّشْبِيهُ في الحَقِيقَةِ واقِعٌ في الحَيْرَةِ لا في المُحارِ فِيهِ، فَلا أشَدَّ حَيْرَةً مِنَ العُلَماءِ بِاللَّهِ تَعالى، فَأعْلى ما يَصِلُ إلَيْهِ العُلَماءُ في العِلْمِ بِرَبِّهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى مُبْتَدَأُ البَهائِمِ الَّذِي لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْ أصْلِهِ وإنْ كانَتْ مُنْتَقِلَةً في شُؤُونِهِ بِتَنَقُّلِ الشُّؤُونِ الإلَهِيَّةِ لِأنَّها لا تَثْبُتُ عَلى حالٍ، ولِذَلِكَ كانَ مَن وصَفَهم سُبْحانَهُ وتَعالى مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ أضَلَّ سَبِيلًا مِنَ الأنْعامِ لِأنَّهم يُرِيدُونَ الخُرُوجَ مِنَ الحَيْرَةِ مِن طَرِيقِ فِكْرِهِمْ ونَظَرِهِمْ ولا يُمْكِنُ لَهم ذَلِكَ، والبَهائِمُ عَلِمَتْ ذَلِكَ ووَقَفَتْ عِنْدَهُ ولَمْ تَطْلُبِ الخُرُوجَ عَنْهُ لِشِدَّةِ عِلْمِها بِاللَّهِ تَعالى، وذُكِرَ أنَّها ما سُمِّيَتْ بَهائِمَ إلّا لِأنَّ أمْرَها قَدْ أُبْهِمَ عَلى غالِبِ الخَلْقِ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ كَما عَرَفَهُ أهْلُ الكَشْفِ. انْتَهى.
وهُوَ كَلامٌ يُورِثُ المُؤْمِنَ بِهِ حَسَدًا لِلْبَهائِمِ، نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِها وأعاذَنا مِنَ الحَسَدِ.
﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ الَّتِي يُدَبَّرُ كُلُّ أمْرٍ بِاسْمٍ مِنها.
﴿فادْعُوهُ بِها﴾ حَسْبَ المَراتِبِ وأعْلاها الدُّعاءُ بِلِسانِ الفِعْلِ وهو التَّحَلِّي بِمَعانِيها بِقَدْرِ ما يُتَصَوَّرُ في حَقِّ العَبْدِ وذَلِكَ حَظُّ المُقَرَّبِينَ مِنها، وذَكَرَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ أنَّ حُظُوظَهم مِن مَعانِي أسْمائِهِ تَعالى ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ مَعْرِفَتُها عَلى سَبِيلِ المُكاشَفَةِ والمُشاهَدَةِ حَتّى يَتَّضِحَ لَهم حَقائِقُها بِالبُرْهانِ الَّذِي لا يَجُوزُ فِيهِ الخَطَأُ ويَنْكَشِفَ لَهُمُ اتِّصافُ اللَّهِ تَعالى بِها انْكِشافًا يُجْرِي الوُضُوحَ والبَيانَ مَجْرى اليَقِينِ الحاصِلِ لِلْإنْسانِ بِصِفاتِهِ الباطِنَةِ الَّتِي يُدْرِكُها بِمُشاهَدَةٍ باطِنَةٍ لا بِإحْساسِ ظاهِرِهِ، وكَمْ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ الِاعْتِقادِ المَأْخُوذِ مِنَ الآباءِ والمُعَلِّمِينَ
صفحة 131
تَقْلِيدًا والتَّصْمِيمِ عَلَيْهِ وإنْ كانَ مَقْرُونًا بِأدِلَّةٍ جَدَلِيَّةٍ كَلامِيَّةٍ.
الثّانِي: اسْتِعْظامُهم ما يُكْشَفُ لَهم مِن صِفاتِ الجَلالِ والكَمالِ عَلى وجْهٍ يَنْبَعِثُ مِنهُ شَوْقُهم إلى الِاتِّصافِ بِما يُمْكِنُهم مِن تِلْكَ الصِّفاتِ لِيَقْرُبُوا بِها مِنَ الحَقِّ قُرْبًا بِالصِّفَةِ لا بِالمَكانِ فَيَأْخُذُوا مِنَ الِاتِّصافِ بِها شَبَهًا بِالمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والخُلُوُّ مِن هَذا الشَّوْقِ لا يَكُونُ إلّا لِأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمّا لِضَعْفِ المَعْرِفَةِ، وإمّا لِكَوْنِ القَلْبِ مُمْتَلِئًا بِشَوْقٍ آخَرَ مُسْتَغْرِقًا بِهِ. والثّالِثُ السَّعْيُ في اكْتِسابِ المُمْكِنِ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ والتَّخَلُّقِ بِها والتَّحَلِّي بِمَحاسِنِها، وبِذَلِكَ يَصِيرُ العَبْدُ رَبّانِيًّا رَفِيقًا لِلْمَلَأِ الأعْلى مِنَ المَلائِكَةِ شَبِيهًا بِهِمْ، وحِينَئِذٍ لا يُؤَثِّرُ القُرْبُ والبُعْدُ في إدْراكِهِ بَلْ لا يَقْتَصِرُ إدْراكُهُ عَلى ما يُتَصَوَّرُ فِيهِ ذَلِكَ ويَكُونُ مُقَدَّسًا عَنِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ؛ فَلا تَكُونُ أفْعالُهُ بِمُقْتَضاها بَلِ الدّاعِي إلَيْها حِينَئِذٍ طَلَبُ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ تَعالى، ولا يَلْزَمُ مِن هَذا إثْباتُ المُماثَلَةِ بَيْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وبَيْنَ العَبْدِ، وقَدْ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لِأنَّ المُماثَلَةَ هي المُشارَكَةُ في النَّوْعِ والماهِيَّةِ لا مُطْلَقَ المُشارَكَةِ؛ فالفَرَسُ الكَيِّسُ وإنْ كانَ بالِغًا في الكِياسَةِ ما بَلَغَ لا يَكُونُ مُماثِلًا لِلْإنْسانِ لِمُخالَفَتِهِ لَهُ بِالنَّوْعِ وإنْ شابَهَهُ بِالكِياسَةِ الَّتِي هي عارِضَةٌ خارِجَةٌ عَنِ المُقَوِّماتِ الإنْسانِيَّةِ وأنْتَ تَعْلَمُ بِأدْنى التِفاتٍ أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الشَّرِكَةُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى الحَيِّ العَلِيمِ المُرِيدِ القادِرِ المُتَكَلِّمِ السَّمِيعِ البَصِيرِ وبَيْنَ العَبْدِ المُتَّصِفِ بِالحَياةِ والعِلْمِ والإرادَةِ والقُدْرَةِ والسَّمْعِ والبَصَرِ إلّا في إطْلاقِ الِاسْمِ لا غَيْرُ، والكَلامُ في خَبَرِ: ««لا زالَ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ»» إلَخْ.
يَسْتَدْعِي الخَوْضَ في بَحْرٍ لا ساحِلَ لَهُ، فَخُذْ ما آتَيْناكَ وذَرِ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ يَطْلُبُونَ مَعانِيَها مِن غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ويُضِيفُونَها إلَيْهِ وهَؤُلاءِ مِمّا ذَرَأهم سُبْحانَهُ وتَعالى لِجَهَنَّمَ ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الإلْحادِ ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ وهُمُ المُرْشَدُونَ الكامِلُونَ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ كالمُنْكِرِينَ عَلى هَؤُلاءِ الأُمَّةِ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ إنّا سَنَسْتَدْرِجُهم ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أُمْهِلُهم.
﴿إنَّ كَيْدِي﴾ أخْذِي ﴿مَتِينٌ﴾ شَدِيدٌ، وقَدْ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى في المُنْكِرِينَ عَلى أوْلِيائِهِ أنْ يَأْخُذَهم أشَدَّ أخْذٍ، وقَدْ شاهَدْنا ذَلِكَ كَثِيرًا نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن مَكْرِهِ، ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ وهي الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى المَلَكُوتِ وهو في مُصْطَلَحِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم عِبارَةٌ عَنْ عالَمِ الغَيْبِ المُخْتَصِّ بِالأرْواحِ والنُّفُوسِ، وفَسَّرُوا المُلْكَ بِعالَمِ الشَّهادَةِ مِنَ المَحْسُوساتِ الطَّبِيعِيَّةِ كالعَرْشِ والكُرْسِيِّ وغَيْرِهِما، وكُلُّ جِسْمٍ يَتَرَكَّبُ مِنَ الِاسْتِقْصاءاتِ.
7:186Page 174
مَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُۥۚ وَيَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٨٦
Whoever Allāh sends astray - there is no guide for him. And He leaves them in their transgression, wandering blindly.
﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ إذْ لا هادِيَ سِواهُ سُبْحانَهُ:
إلى الماءِ يَسْعى مَن يَغَصُّ بِلُقْمَةٍ إلى أيْنَ يَسْعى مَن يَغَصُّ بِماءِ
﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يَتَرَدَّدُونَ لِأنَّ اسْتِعْدادَهم يَقْتَضِي ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences