Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:40–45
7:40Page 155
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٤٠
Indeed, those who deny Our verses and are arrogant toward them - the gates of Heaven will not be opened for them, nor will they enter Paradise until a camel enters into the eye of a needle [i.e., never]. And thus do We recompense the criminals.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الدّالَّةِ عَلى أُصُولِ الدِّينِ وأحْكامِ الشَّرْعِ كالأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ والدّالَّةِ عَلى النُّبُوَّةِ والمُعادِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ أيْ بالَغُوا في احْتِقارِها وعَدَمِ الِاعْتِناءِ بِها ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها وضَمُّوا أعْيُنَهم عَنْها ونَبَذُوها وراءَ ظُهُورِهِمْ ولَمْ يَكْتَسُوا بِحُلَلٍ مُقْتَضاها ولَمْ يَعْمَلُوا بِهِ ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ﴾ أيْ لِأرْواحِهِمْ إذا ماتُوا ﴿أبْوابُ السَّماءِ﴾ كَما تُفَتَّحُ لِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ أخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ المَيِّتُ تَحْضُرُهُ المَلائِكَةُ فَإذا كانَ الرَّجُلُ صالِحًا قالَ: اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كانَتْ في الجَسَدِ الطَّيِّبِ اخْرُجِي حَمِيدَةً وأبْشِرِي بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ ورَبٍّ راضٍ غَيْرِ غَضْبانَ فَلا تَزالُ يُقالُ لَها ذَلِكَ حَتّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِها إلى السَّماءِ فَيُسْتَفْتَحُ لَها فَيُقالُ مَن هَذا فَيَقُولُونَ: فُلانُ بْنُ فُلانٍ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ كانَتْ في الجَسَدِ الطَّيِّبِ ادْخُلِي حَمِيدَةً وأبْشِرِي بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ ورَبٍّ راضٍ غَيْرِ غَضْبانَ فَلا تَزالُ يُقالُ لَها ذَلِكَ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ وإذا كانَ الرَّجُلُ سُوءًا قالَ اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ كانَتْ في الجَسَدِ الخَبِيثِ اخْرُجِي ذَمِيمَةً وأبْشِرِي بِحَمِيمٍ وغَسّاقٍ وآخَرَ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ فَلا تَزالُ يُقالُ لَها ذَلِكَ حَتّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِها إلى السَّماءِ فَيُسْتَفْتَحُ لَها فَيُقالُ: مَن هَذا فَيَقُولُونَ فُلانُ بْنُ فُلانٍ فَيُقالُ: لا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الخَبِيثَةِ كانَتْ في الجَسَدِ الخَبِيثِ ارْجِعِي ذَمِيمَةً لا تُفَتَّحُ لَكِ أبْوابُ السَّماءِ فَتُرْسَلُ مِنَ السَّماءِ ثُمَّ تَصِيرُ في القَبْرِ والأخْبارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وقِيلَ: لا تُفَتَّحُ لِأعْمالِهِمْ ولا لِدُعائِهِمْ أبْوابُ السَّماءِ».
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقِيلَ: لا تُفَتَّحُ لِأرْواحِهِمْ ولا لِأعْمالِهِمْ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وقِيلَ: المُرادُ لا يَصْعَدُ لَهم عَمَلٌ ولا تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ البَرَكَةُ وكَوْنُ السَّماءِ لَها أبْوابٌ تُفَتَّحُ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ والأرْواحِ الطَّيِّبَةِ قَدْ تَفَتَّحَتْ لَهُ أبْوابُ القَبُولِ لِلنُّصُوصِ الوارِدَةِ فِيهِ وهو أمْرٌ مُمْكِنٌ أخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِهِ وكَوْنُ السَّماءِ كُرَوِيَّةً لا تَقْبَلُ الخَرْقَ والِالتِئامَ مِمّا لا يَتِمُّ لَهُ دَلِيلٌ عِنْدَنا وظاهِرُ كَلامِ أهْلِ الهَيْئَةِ الجَدِيدَةِ جَوازُ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى الأفْلاكِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ القَوْلَ بِالأبْوابِ لا يُنافِي القَوْلَ بِامْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ وفِيهِ نَظَرٌ كَما لا يَخْفى والتّاءُ في ﴿تُفَتَّحُ﴾ لِتَأْنِيثِ الأبْوابِ والتَّشْدِيدُ لِكَثْرَةِ الفِعْلِ لِعَدَمِ مُناسِبَةِ المَقامِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهِ وبِالياءِ التَّحْتِيَّةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ والفِعْلَ مُقَدَّمٌ مَعَ وُجُودِ الفاصِلِ.
وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ الأبْوابِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى الآياتِ مَجازًا لِأنَّها سَبَبٌ لِذَلِكَ وبِالياءِ عَلى أنَّهُ مُسْنَدٌ إلى اللَّهِ تَعالى ﴿ولا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿حَتّى يَلِجَ﴾ أيْ يَدْخُلَ ﴿الجَمَلُ﴾ هو البَعِيرُ إذا بَزَلَ وجَمْعُهُ جِمالٌ وأجْمالٌ ويُجْمَعُ الأخِيرُ عَلى جِمالاتٍ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الجَمَلِ فَقالَ: هو زَوْجُ النّاقَةِ.
وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ ابْنُ النّاقَةِ الَّذِي يَقُومُ في المِرْبَدِ عَلى أرْبَعِ قَوائِمَ وفي ذَلِكَ اسْتِجْهالٌ لِلسّائِلِ وإشارَةٌ
صفحة 119
إلى أنَّ طَلَبَ مَعْنًى آخَرَ تَكَلُّفٌ والعَرَبُ تَضْرِبُ بِهِ المَثَلَ في عِظَمِ الخِلْقَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: حَتّى يَدْخُلَ ما هو مَثَلٌ في عِظَمِ الجِرْمِ ﴿فِي سَمِّ الخِياطِ﴾ أيْ ثُقْبَةِ الإبْرَةِ وهو مَثَلٌ عِنْدَهم أيْضًا في ضِيقِ المَسْلَكِ وذَلِكَ مِمّا لا يَكُونُ فَكَذا ما تَوَقَّفَ عَلَيْهِ بَلْ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ القُدْرَةُ لِعَدَمِ إمْكانِهِ ما دامَ العَظِيمُ عَلى عِظَمِهِ والضَّيِّقُ عَلى ضِيقِهِ وهي إنَّما تَتَعَلَّقُ بِالمُمَكِناتِ الصِّرْفَةِ والمُمْكِنُ الوُلُوجُ بِتَصْغِيرِ العَظِيمِ أوْ تَوْسِيعِ الضَّيِّقِ وقَدْ كَثُرَ في كَلامِهِمْ مِثْلُ هَذِهِ الغايَةِ فَيَقُولُونَ لا أفْعَلُ كَذا حَتّى يَشِيبَ الغُرابُ وحَتّى يَبْيَضَّ القارُ وحَتّى يَؤُوبَ القارِظانِ ومُرادُهم لا أفْعَلُ كَذا أبَدًا وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ ( الجُمَّلُ ) بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المِيمِ المُشَدَّدَةِ كالقُمَّلِ.
وقَرَأ عَبْدُ الكَرِيمِ وحَنْظَلَةُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ أُخْرى ( الجُمَلُ ) بِالضَّمِّ والفَتْحِ مَعَ التَّخْفِيفِ كَنُغَرٍ.
وفِي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قَرَأ ( الجُمْلُ ) بِضَمِّ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ كالقُفْلِ و( الجُمُلُ ) بِضَمَّتَيْنِ كالنُّصُبِ وقَرَأأبُو السَّمالِ ( الجَمْلُ ) بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ المِيمِ كالحَبْلِ وفُسِّرَ في جَمِيعِ ذَلِكَ بِالحَبْلِ الغَلِيظِ مِنَ القُنَّبِ وقِيلَ: هو حَبْلُ السَّفِينَةِ وقُرِئَ ( في سُمِّ ) بِضَمِّ السِّينِ وكَسْرِها وهُما لُغَتانِ فِيهِ والفَتْحُ أشْهَرُ ومَعْناهُ الثُّقْبُ الصَّغِيرُ مُطْلَقًا وقِيلَ: أصْلُهُ ما كانَ في عُضْوٍ كَأنْفٍ وأُذُنٍ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ ( في سَمِّ المِخْيَطِ ) بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها وهو والخِياطُ ما يُخاطُ بِهِ كالحِزامِ والمِحْزَمِ والقِناعِ والمِقْنَعِ ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ ﴿نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾ (40) أيْ جِنْسَهم وأُولَئِكَ داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وأصْلُ الجِرْمِ قَطْعُ الثَّمَرَةِ عَنِ الشَّجَرَةِ ويُقالُ: أجْرَمَ صارَ ذا جِرْمٍ كَأتْمَرَ وأثْمَرَ ويُسْتَعْمَلُ في كَلامِهِمْ لِاكْتِسابِ المَكْرُوهِ ولا يَكادُ يُقالُ لِلْكَسْبِ المَحْمُودِ.
7:41Page 155
لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٞ وَمِن فَوۡقِهِمۡ غَوَاشٖۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١
They will have from Hell a bed and over them coverings [of fire]. And thus do We recompense the wrongdoers.
﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ أيْ فِراشٍ مِن تَحْتِهِمْ وتَنْوِيهٌ لِلتَّفْخِيمِ وهو فاعِلُ الظَّرْفِ أوْ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ و( مِن ) تَجْرِيدِيَّةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ﴿مِهادٌ﴾ لِتَقَدُّمِهِ ﴿ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ أيْ أغْطِيَةٌ جَمْعُ غاشِيَةٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّها اللُّحُفُ والآيَةُ عَلى ما قِيلَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِن النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ والمُرادُ أنَّ النّارَ مُحِيطَةٌ بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قالَ: هي طَبَقاتٌ مِن فَوْقِهِ وطَبَقاتٌ مِن تَحْتِهِ لا يَدْرِي ما فَوْقَهُ أكْثَرُ أوْ تَحْتَهُ غَيْرَ أنَّهُ تَرْفَعُهُ الطَّبَقاتُ السُّفْلى وتَضَعُهُ الطَّبَقاتُ العُلْيا ويَضِيقُ فِيما بَيْنَهُما حَتّى يَكُونَ بِمَنزِلَةِ الزُّجِّ في القَدَحِ» وتَنْوِينُ ﴿غَواشٍ﴾ عِوَضٌ عَنِ الحَرْفِ المَحْذُوفِ أوْ حَرَكَتُهُ والكَسْرَةُ لَيْسَتْ لِلْإعْرابِ وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِأنَّهُ عَلى صِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ وبَعْضُ العَرَبِ يُعْرِبُهُ بِالحَرَكاتِ الظّاهِرَةِ عَلى ما قَبْلَ الياءِ لِجَعْلِها مَحْذُوفَةَ ﴿نَسْيًا مَنسِيًّا﴾ ولِذا قُرِئَ ( غَواشٌ ) بِالرَّفْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ﴾ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ.
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الشَّدِيدِ ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ (41) عَبَّرَ عَنْهم بِالمُجْرِمِينَ تارَةً وبِالظّالِمِينَ أُخْرى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم بِتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ واسْتِكْبارِهِمْ عَنْها جَمَعُوا الصِّفَتَيْنِ وذَكَرَ الجُرْمَ مَعَ الحِرْمانِ مِنَ الجَنَّةِ والظُّلْمَ مَعَ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ الإجْرامِ ولا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ في لَطائِفِ القُرْآنِ العَظِيمِ ما في إعْدادِ المِهادِ والغَواشِي لِهَؤُلاءِ المُسْتَكْبِرِينَ عَنِ الآياتِ ومَنعِهِمْ مِنَ العُرُوجِ إلى المَلَكُوتِ وتَقْيِيدِ عَدَمِ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ بِدُخُولِ البَعِيرِ بِخَرْقِ الإبْرَةِ مِنَ اللَّطافَةِ فَلْيُتَأمَّلْ
7:42Page 155
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٤٢
But those who believed and did righteous deeds - We charge no soul except [within] its capacity. Those are the companions of Paradise; they will abide therein eternally.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِآياتِنا ولَمْ يُكَذِّبُوا بِها ﴿وعَمِلُوا﴾ الأعْمالَ ﴿الصّالِحاتِ﴾ ولَمْ يَسْتَكْبِرُوا عَنْها ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ أيْ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ
صفحة 120
بِسُهُولَةٍ دُونَ ما تَضِيقُ بِهِ ذَرْعًا والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وهو المَوْصُولُ والخَبَرِ الَّذِي هو جُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ لِلتَّرْغِيبِ في اكْتِسابِ ما يُؤَدِّي إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ بِبَيانِ سُهُولَةِ مَنالِهِ وتَيَسُّرِ تَحْصِيلِهِ وقِيلَ: المَعْنى لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا ما يُثْمِرُ لَها السِّعَةَ أيْ جَنَّةً عَرْضُها السَّمَواتُ والأرْضُ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وإنْ كانَتِ الآيَةُ عَلَيْهِ لا تَخْلُو عَنْ تَرْغِيبٍ أيْضًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْمُ الإشارَةِ بَدَلًا مِنَ المَوْصُولِ وما بَعْدَهُ خَبَرَ المُبْتَدَأِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ والشَّرَفِ.
وجُوِّزَ أيْضًا أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ( لا نُكَلِّفُ ) .. إلَخْ. خَبَرَ المُبْتَدَأِ بِتَقْدِيرِ العائِدِ أيْ مِنهم وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ (42) حالٌ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ وجُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ ( الجَنَّةِ ) لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرِها أيْضًا والعامِلُ فِيها مَعْنى الإضافَةِ أوِ اللّامُ المُقَدَّرَةُ وقِيلَ: خَبَرٌ لِأُولَئِكَ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَهُ و( فِيها ) مُتَعَلِّقٌ بِخالِدُونَ قُدِّمَ عَلَيْهِ رِعايَةً لِلْفاصِلَةِ.
7:43Page 155
وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٤٣
And We will have removed whatever is within their breasts of resentment,1 [while] flowing beneath them are rivers. And they will say, "Praise to Allāh, who has guided us to this; and we would never have been guided if Allāh had not guided us. Certainly the messengers of our Lord had come with the truth." And they will be called, "This is Paradise, which you have been made to inherit for what you used to do."
﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ أيْ قَلَعْنا ما في قُلُوبِهِمْ مِن حِقْدٍ مَخْفِيٍّ فِيها وعَداوَةٍ كانَتْ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ لِأُمُورٍ جَرَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا سِيقُوا إلى الجَنَّةِ فَبَلَغُوها وجَدُوا عِنْدَ بابِها شَجَرَةً في أصْلِ ساقِها عَيْنانِ فَيَشْرَبُونَ مِن إحْداهُما فَيُنْزَعُ ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ فَهو الشَّرابُ الطَّهُورُ ويَغْتَسِلُونَ مِنَ الأُخْرى فَتَجْرِي عَلَيْهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ فَلَنْ يَشْعَثُوا ولَنْ يَشْحُبُوا بَعْدَها أبَدًا وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ بَلَغَنِي «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ يُحْبَسُ أهْلُ الجَنَّةِ بَعْدَما يَجُوزُونَ الصِّراطَ حَتّى يُؤْخَذَ لِبَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ ظِلاماتُهم في الدُّنْيا فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولَيْسَ في قُلُوبِ بَعْضٍ عَلى بَعْضٍ غِلٌّ وقِيلَ المُرادُ طَهَّرْنا قُلُوبَهم وحَفِظْناها مِنَ التَّحاسُدِ عَلى دَرَجاتِ الجَنَّةِ ومَراتِبِ القُرْبِ بِحَيْثُ لا يَحْسُدُ صاحِبُ الدَّرَجَةِ النّازِلَةِ صاحِبَ الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ وهَذا في مُقابَلَةِ ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ مِن لَعْنِ أهْلِ النّارِ بَعْضُهم بَعْضًا» وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ نَنْزِعُ لِأنَّهُ في الآخِرَةِ إلّا أنَّ صِيغَةَ الماضِي لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِهِ.
وقِيلَ إنَّ هَذا النَّزْعَ إنَّما كانَ في الدُّنْيا والمُرادُ عَدَمُ اتِّصافِهِمْ بِذَلِكَ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ الِاتِّصافِ بِهِ مَعَ وُجُودِ ما يَقْتَضِيهِ حَسَبَ البَشَرِيَّةِ أحْيانًا بِالنَّزْعِ مَجازًا ولَعَلَّ هَذا بِالنَّظَرِ إلى كُمَّلِ المُؤْمِنِينَ كَأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّهم رُحَماءُ بَيْنَهم يُحِبُّ بَعْضُهم بَعْضًا كَمَحَبَّتِهِ لِنَفْسِهِ أوِ المُرادُ إزالَتُهُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ المَوْتِ بَعْدَ أنْ كانَ بِمُقْتَضى الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَخْرُجَ عَلى الوَجْهَيْنِ ما أخْرَجَهُ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ إنِّي لَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وعُثْمانُ وطَلْحَةُ والزُّبَيْرُ مِنهم ويُقالُ عَلى الثّانِي فِيما وقَعَ مِمّا يُنْبِئُ بِظاهِرِهِ عَنِ الغِلِّ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا عَنِ اجْتِهادٍ إعْلاءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعالى ولا يَخْفى بُعْدُ هَذا المَعْنى وإنْ ساعَدَهُ ظاهِرُ الصِّيغَةِ و( مِن غِلٍّ ) عَلى سائِرِ الِاحْتِمالاتِ حالٌ مِن ( ما ) وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ( تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ ) حالٌ أيْضًا إمّا مِنَ الضَّمِيرِ ( في صُدُورِهِمْ ) لِأنَّ المُضافَ جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ والعامِلُ مَعْنى الإضافَةِ أوِ العامِلُ في المُضافِ وإمّا مِن ضَمِيرِ ( نَزَعْنا ) عَلى ما قِيلَ والعامِلُ الفِعْلُ واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ عَنْ صِفَةِ أحْوالِهِمْ والمُرادُ تَجْرِي مِن تَحْتِ غُرَفِها مِياهُ الأنْهارِ زِيادَةً في لَذَّتِهِمْ وسُرُورِهِمْ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ الفَوْزِ العَظِيمِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ والمُرادُ الهِدايَةُ لِما أدّى إلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةُ مَجازًا وذَلِكَ بِالتَّوْفِيقِ لَها وصَرْفِ المَوانِعِ عَنِ الِاتِّصافِ بِها
صفحة 121
وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ لِما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ مُجاوَزَةُ الصِّراطِ إلى أنْ وصَلُوا إلَيْهِ ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الإشارَةَ إلى نَزْعِ الغِلِّ مِنَ الصُّدُورِ ولا أراهُ شَيْئًا ﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ﴾ أيْ لِهَذا أوْ لِمَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ الَّتِي هَذا مِن جُمْلَتِها ﴿لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ وفَّقَنا لَهُ واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وهي المُسَمّاةُ بِلامِ الجُحُودِ وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ ولَيْسَ إيّاهُ لِامْتِناعِ تَقَدُّمِ الجَوابِ عَلى الصَّحِيحِ ومَفْعُولُ ( نَهْتَدِي ) و( هَدانا ) الثّانِي مَحْذُوفٌ لِظُهُورِ المُرادِ أوْ لِإرادَةِ التَّعْمِيمِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ وفي مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ ( ما كُنّا ) بِدُونِ واوٍ وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ فالجُمْلَةُ كالتَّفْسِيرِ لِلْأُولى وهَذا كَما تَرى مَن رُزِقَ خَيْرًا في الدُّنْيا يَتَكَلَّمُ بِنَحْوِ هَذا ولا يَتَمالَكُ أنْ لا يَقُولَهُ لِلْفَرَحِ ولا لِلْقُرْبَةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ لَمْ يُقْصَدْ بِها التَّقَرُّبُ أيْضًا وهي بَيانٌ لِصِدْقِ وعْدِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إيّاهم بِالجَنَّةِ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الفُضَلاءِ وقِيلَ: تَعْلِيلٌ لِهِدايَتِهِمْ.
والباءُ إمّا لِلتَّعْدِيَةِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِجاءَتْ أوْ لِلْمُلابَسَةِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا مِنَ الرُّسُلِ ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الرَّدِّ الواضِحِ عَلى القَدَرِيَّةِ الزّاعِمِينَ أنَّ كُلَّ مُهْتَدٍ خَلَقَ لِنَفْسِهِ الهُدى ولَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ تَعالى لَهُ ذَلِكَ ودُونَكَ فاعْرِضْ قَوْلَ المُعْتَزِلَةِ في الدُّنْيا المُهْتَدِي مَنِ اهْتَدى بِنَفْسِهِ عَلى قَوْلِ اللَّهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ قَوْلِ المُوَحِّدِينَ في مَقْعَدِ صِدْقٍ ﴿وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ واخْتَرْ لِنَفْسِكَ أيَّ الفَرْقَيْنِ تَقْتَدِي بِهِ ولا أراكَ أيُّها العاقِلُ تَعْدِلُ بِما نَوَّهَ اللَّهُ تَعالى بِهِ قَوْلَ ضالٍّ يَتَذَبْذَبُ مَعَ هَواهُ وتَعَصُّبَهَ ولَمّا رَأى الزَّمَخْشَرِيُّ هَذِهِ الآيَةَ كافِحَةً في وُجُوهِ قَوْمِهِ فَسَّرَ الهُدى بِاللُّطْفِ الَّذِي بِسَبَبِهِ يَخْلُقُ العَبْدُ الِاهْتِداءَ لِنَفْسِهِ وهو لَعَمْرِي كَلامُ مَن حُرِمَ اللُّطْفَ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفُوَّ والعافِيَةَ ﴿ونُودُوا﴾ أيْ نادَتْهُمُ المَلائِكَةُ وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ احْتِمالَ أنَّ المُنادِيَ هو اللَّهُ والآثارُ تُؤَيِّدُ الأوَّلَ.
﴿أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ أيْ أيْ تِلْكم عَلى أنَّ ( أنْ ) مُفَسِّرَةٌ لِما في النِّداءِ مِن مَعْنى القَوْلِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِن أنَّ وحَرْفُ الجَرِّ مُقَدَّرٌ واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ أيْ بِأنَّها أوْ بِأنَّهُ تِلْكم وأوْجَبَ البَعْضُ الثّانِيَ بِناءً عَلى أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُؤَنَّثَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ إذا كانَ المُسْنَدُ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ المُفَسِّرَةِ مُؤَنَّثًا والصَّحِيحُ عَدَمُ الوُجُوبِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الحاجِبِ وابْنُ مالِكٍ ومَعْنى البُعْدِ في اسْمِ الإشارَةِ إمّا لِرَفْعِ مَنزِلَتِها وبُعْدِ مَرْتَبَتِها وإمّا لِأنَّهم نُودُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاها مِن مَكانٍ بِعِيدٍ وإمّا لِلْإشْعارِ بِأنَّها تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدُوها في الدُّنْيا وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الزَّجّاجِ.
والظّاهِرُ أنَّ ﴿تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أُورِثْتُمُوها﴾ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿الجَنَّةُ﴾ نَعْتًا لِتِلْكم أوْ بَدَلًا و﴿أُورِثْتُمُوها﴾ الخَبَرَ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المُبْتَدَأِ ولا مِن كَمْ كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ وهو ظاهِرٌ والتَزَمَ بَعْضُهم في تَوْجِيهِ البُعْدِ أنَّ ﴿تِلْكُمُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هَذِهِ تَلْكُمُ الجَنَّةُ المَوْعُودَةُ لَكم قَبْلُ أوْ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ أيْ تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُخْبِرْتُمْ عَنْها أوْ وُعِدْتُمْ بِها في الدُّنْيا هي هَذِهِ ولا حاجَةَ إلَيْهِ.
والمُنادى لَهُ أوَّلًا وبِالذّاتِ كَوْنُها مَوْرُوثَةً لَهم وما قَبْلَهُ تَوْطِئَةٌ لَهُ والمِيراثُ مَجازٌ عَنِ الإعْطاءِ أيْ أُعْطِيتُمُوها ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (43) في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وتَجُوزُ بِذَلِكَ عَنِ الإعْطاءِ إشارَةً إلى أنَّ السَّبَبَ فِيهِ لَيْسَ مُوجِبًا وإنْ كانَ سَبَبًا بِحَسَبِ الظّاهِرِ كَما أنَّ الإرْثَ مُلْكٌ بِدُونِ كَسْبٍ وإنْ كانَ النَّسَبُ مَثَلًا
صفحة 122
سَبَبًا لَهُ والباءُ في قَوْلِهِ ﷺ عَلى ما في بَعْضِ الكُتُبِ: «لَنْ يَدْخُلَ أحَدُكُمُ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» وكَذا في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وجابِرٍ «لَنْ يَنْجُوَ أحَدٌ مِنكم بِعَمَلِهِ» لِلسَّبَبِ التّامِّ فَلا تَعارُضَ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الباءُ فِيما نَحْنُ فِيهِ لِلْعِوَضِ أيْ بِمُقابَلَةِ أعْمالِكم وقِيلَ: تِلْكَ الإشارَةُ إلى مَنازِلَ في الجَنَّةِ هي لِأهْلِ النّارِ لَوْ كانُوا أطاعُوا جَعَلَها اللَّهُ تَعالى إرْثًا لِلْمُؤْمِنِينَ: فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ما مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ إلّا ولَهُ في الجَنَّةِ والنّارِ مَنزِلٌ مَبَيَّنٌ فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ ودَخَلُوا مَنازِلَهم رُفِعَتِ الجَنَّةُ لِأهْلِ النّارِ فَنَظَرُوا إلى مَنازِلِهِمْ فِيها فَقِيلَ هَذِهِ مَنازِلُكم لَوْ عَمِلْتُمْ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ يُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ رِثُوهم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَيَقْتَسِمُ أهْلُ الجَنَّةِ مُنازِلَهم وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ القَوْلَ بِهَذا الإرْثِ الغَرِيبِ لا يَدْفَعُ الحاجَةَ إلى المَجازِ.
وزَعَمَ المُعْتَزِلَةُ أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ بِسَبَبِ الأعْمالِ لا بِالتَّفْضِيلِ لِهَذِهِ الآيَةِ ولا يَخْفى أنَّهُ لا مَحِيصَ لِمُؤْمِنٍ عَنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ اقْتِضاءَ الأعْمالِ لِذاتِها دُخُولُ الجَنَّةِ أوِ إدْخالُ اللَّهِ تَعالى ذَوِيها فِيها مِمّا لا يَكادُ يُعْقَلُ وقُصارى ما يُعْقَلُ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَفَضَّلَ فَرَتَّبَ عَلَيْها دُخُولَ الجَنَّةِ فَلَوْلا فَضْلُهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ وأنا لا أرى أكْثَرَ جُرْأةً مِنَ المُعْتَزِلَةِ في هَذا البابِ كَكَثِيرٍ مِنَ الأبْوابِ فَإنَّ مَآلَ كَلامِهِمْ فِيهِ أنَّ الجَنَّةَ ونَعِيمَها الَّذِي لا يَتَناهى إقْطاعُهم بِحَقٍّ مُسْتَحِقٍّ عَلى اللَّهِ تَعالى الَّذِي لا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ ولا يَتَضَرَّرُ بِشَيْءٍ لا تَفَضُّلَ لَهُ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ بَلْ هو بِمَثابَةِ دَيْنٍ أدِّيَ إلى صاحِبِهِ سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ وتَكْذِيبٌ لِغَيْرِ ما خَبَرٍ صَحِيحٍ.
7:44Page 156
وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّٗا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقّٗاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَيۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤
And the companions of Paradise will call out to the companions of the Fire, "We have already found what our Lord promised us to be true. Have you found what your Lord promised to be true?" They will say, "Yes." Then an announcer will announce among them, "The curse of Allāh shall be upon the wrongdoers
﴿ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ بَعْدَ الِاسْتِقْرارِ فِيها كَما هو الظّاهِرُ وصِيغَةُ الماضِي لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ والمَعْنى يُنادِي ولا بُدَّ كُلُّ فَرِيقٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ ﴿أصْحابَ النّارِ﴾ أيْ مَن كانَ يَعْرِفُهُ في الدُّنْيا مِن أهْلِها تَبَجُّحًا بِحالِهِمْ وشَماتَةً بِأعْدائِهِمْ وتَحْسِيرًا لَهم لا لِمُجَرَّدِ الإخْبارِ والِاسْتِخْبارِ ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا﴾ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ النَّعِيمِ والكَرامَةِ ﴿حَقًّا﴾ حَيْثُ نِلْنا ذَلِكَ ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكُمْ﴾ أيْ ما وعَدَكم مِنَ الخِزْيِ والهَوانِ والعَذابِ ﴿حَقًّا﴾ وحُذِفَ المَفْعُولُ تَخْفِيفًا وإيجازًا واسْتِغْناءً بِالأوَّلِ وقِيلَ: لِأنَّ ما ساءَهم مِنَ الوُعُودِ لَمْ يَكُنْ بِأسْرِهِ مَخْصُوصًا بِهِمْ وعْدَهُ كالبَعْثِ والحِسابِ ونَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ فَإنَّهم قَدْ وجَدُوا جَمِيعَ ذَلِكَ حَقًّا وإنْ لَمْ يَكُنْ وعْدُهُ مَخْصُوصًا بِهِمْ.
وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ لا خَفاءَ في كَوْنِ أصْحابِ الجَنَّةِ مُصَدِّقِينَ بِالكُلِّ والكُلُّ مِمّا يَسُرُّهم فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُطْلَقَ وعْدُهم أيْضًا فالوَجْهُ الحَمْلُ عَلى ما تَقَدَّمَ ونُصِبَ ( حَقًّا ) في المَوْضِعَيْنِ عَلى الحالِيَّةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ ويَكُونُ ( وجَدَ ) بِمَعْنى عَلِمَ والتَّعْبِيرُ بِالوَعْدِ قِيلَ: لِلْمُشاكَلَةِ وقِيلَ: لِلتَّهَكُّمِ ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ ( وعَدَ ) المَحْذُوفُ ( نا ) وحِينَئِذٍ فَلا مُشاكَلَةَ ولا تَهَكُّمَ وأيًّا ما كانَ لا يُسْتَبْعَدُ هَذا النِّداءُ هُناكَ وإنْ بَعُدَ ما بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ مِنَ المَسافَةِ كَما لا يَخْفى.
﴿قالُوا﴾ في جَوابِ أصْحابِ الجَنَّةِ ﴿نَعَمْ﴾ قَدْ وجَدْنا ذَلِكَ حَقًّا وقَرَأ الكِسائِيُّ ( نَعِمْ ) بِكَسْرِ العَيْنِ وهي لُغَةٌ فِيهِ نُسِبَتْ إلى كِنانَةَ وهُذَيْلٍ ولا عِبْرَةَ بِمَن أنْكَرَهُ مَعَ القِراءَةِ بِهِ وإثْباتِ أهْلِ اللَّغْوِ لَهُ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ.
نَعَمْ ما رُوِيَ مِن أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَألَ قَوْمًا عَنْ شَيْءٍ فَقالُوا: نَعِمْ فَقالَ عُمَرُ أمّا النَّعِمُ فالإبِلُ قُولُوا:
صفحة 123
نَعَمْ لا أراهُ صَحِيحًا لِما فِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِأصَحِّ الفَصِيحِ ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ هو عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ صاحِبُ الصُّوَرِ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: مالِكٌ خازِنُ النّارِ وقِيلَ: مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ غَيْرُهُما يَأْمُرُهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ ورِوايَةُ الإمامِيَّةِ عَنِ الرِّضا وابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مِمّا لَمْ يَثْبُتْ مِن طَرِيقِ أهْلِ السُّنَّةِ وبَعِيدٌ عَنْ هَذا الإمامِ أنْ يَكُونَ مُؤَذِّنًا وهو إذْ ذاكَ في حَظائِرِ القُدُسِ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيِ الفَرِيقَيْنِ لا بَيْنَ القائِلِينَ نَعَمْ كَما قِيلَ ولا يُرَدُّ أنَّ الظّاهِرَ أنْ يُقالَ بَيْنَهُما لِأنَّهُ غَيْرُهُ مُتَعَيِّنٌ ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ (44) بِأنِ المُخَفَّفَةِ أوِ المُفَسِّرَةِ والمُرادُ الإعْلامُ بِلَعْنَةِ اللَّهِ تَعالى لَهم زِيادَةً لِسُرُورِ أصْحابِ الجَنَّةِ وحُزْنِ أصْحابِ النّارِ أوِ ابْتِداءُ لَعْنٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ ) بِالتَّشْدِيدِ والنَّصْبِ: وقَرَأ الأعْمَشُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ بِالتَّضْمِينِ أوِ التَّقْدِيرِ أوْ عَلى الحِكايَةِ بِأذَّنَ لِأنَّهُ في مَعْنى القَوْلِ فَيَجْرِي مَجْراهُ.
7:45Page 156
ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ كَٰفِرُونَ ٤٥
Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they were, concerning the Hereafter, disbelievers."
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ يَصُدُّونَ بِأنْفُسِهِمْ عَنْ دِينِهِ سُبْحانَهُ ويُعْرِضُونَ عَنْهُ فالمَوْصُولُ صِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِلظّالِمِينَ لِأنَّ هَذا الإعْراضَ لازِمٌ لِكُلِّ ظالِمٍ وجُوِّزَ القَطْعُ بِالرَّفْعِ أوِ النَّصْبِ وكِلاهُما عَلى الذَّمِّ وأمْرُ الوَقْفِ ظاهِرٌ وفَسَّرَ الإمامُ النَّسَفِيُّ الصَّدَّ هُنا بِمَنعِ الغَيْرِ وعَلَيْهِ فَلا تَقْرِيرَ والمَعْنى يَمْنَعُونَ النّاسَ عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعالى بِالنَّهْيِ عَنْهُ وإدْخالِ الشُّبَهِ في دَلائِلِهِ ﴿ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ يَطْلُبُونَ اعْوِجاجَها ويَذُمُّونَها فَلا يُؤْمِنُونَ بِها أوْ يَطْلُبُونَ لَها تَأْوِيلًا وإمالَةً إلى الباطِلِ فالعِوَجُ إمّا عَلى أصْلِهِ وهو المَيْلُ وإمّا بِمَعْنى التَّعْوِيجِ والإمالَةِ ونَصْبُهُ قِيلَ عَلى الحالِيَّةِ وقِيلَ: عَلى المَفْعُولِيَّةِ وجَوَّزَ الطَّبَرْسِيُّ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَصْدَرِ كَرَجَعَ القَهْقَرى واشْتَمَلَ الصَّمّاءَ وذَكَرَ أنَّ العِوَجَ بِالكَسْرِ يَكُونُ في الدِّينِ والطَّرِيقِ وبِالفَتْحِ في الخِلْقَةِ فَيُقالُ في ساقِهِ عَوَجٌ بِالفَتْحِ وفي دِينِهِ عِوَجٌ بِالكَسْرِ وقالَ الرّاغِبُ: العِوَجُ يُقالُ فِيما يُدْرَكُ بِالبَصَرِ كالخَشَبِ المُنْتَصِبِ ونَحْوِهِ والعَوَجُ يُقالُ فِيما يُدْرَكُ بِفِكْرَةٍ وبَصِيرَةٍ كَما يَكُونُ في أرْضٍ بَسِيطٍ وكالدِّينِ والمَعاشِ وسَيَأْتِي لِذَلِكَ تَتِمَّةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
﴿وهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ (45) أيْ غَيْرُ مُعْتَرِفِينَ بِالقِيامَةِ وما فِيها والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ والتَّقْدِيمُ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ والعُدُولُ عَنِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ إشارَةً إلى رُسُوخِ الكُفْرِ فِيهِمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences