Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:46–52
7:46Page 156
وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ ٤٦
And between them will be a partition [i.e., wall], and on [its] elevations are men1 who recognize all2 by their mark. And they call out to the companions of Paradise, "Peace be upon you." They have not [yet] entered it, but they long intensely.
﴿وبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ أيْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾ أوْ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ حِجابٌ عَظِيمٌ لِيُمْنَعَ وصُولُ أثَرِ إحْداهُما إلى الأُخْرى وإنْ لَمْ يُمْنَعْ وصُولُ النِّداءِ وأُمُورُ الآخِرَةِ لا تُقاسُ بِأُمُورِ الدُّنْيا.
﴿وعَلى الأعْرافِ﴾ أيْ أعْرافِ الحِجابِ أيْ أعالِيهِ وهو السُّورُ المَضْرُوبُ بَيْنَهُما جَمْعُ عُرْفٍ مُسْتَعارٌ مِن عُرْفِ الدّابَّةِ والدِّيكِ وقِيلَ: العُرْفُ ما ارْتَفَعَ مِنَ الشَّيْءِ أيْ أعْلى مَوْضِعٍ مِنهُ لِأنَّهُ أشْرَفُ وأعْرَفُ ما فِيهِ مِمّا انْخَفَضَ مِنهُ وقِيلَ: ذاكَ جَبَلُ أُحُدٍ.
فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ «أُحُدٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ» وإنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يَمْثُلُ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ يُحْبَسُ عَلَيْهِ أقْوامٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهم وهم إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن أهْلِ الجَنَّةِ وقِيلَ: هو الصِّراطُ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ المُفَضَّلِ وحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ لَمْ يُفَسِّرِ الأعْرافَ بِمَكانٍ وأنَّهُ قالَ: المَعْنى وعَلى مَعْرِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ رِجالٌ والحَقُّ أنَّهُ مَكانٌ والرِّجالُ طائِفَةٌ مِنَ المُوَحِّدِينَ قَصُرَتْ بِهِمْ سَيِّئاتُهم عَنِ الجَنَّةِ وتَجاوَزَتْ
صفحة 124
بِهَمْ حَسَناتُهم عَنِ النّارِ جُعِلُوا هُناكَ حَتّى يَقْضِيَ بَيْنَ النّاسِ فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم فَقالَ لَهم: قُومُوا ادْخُلُوا الجَنَّةَ فَإنِّي غَفَرْتُ لَكم أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ حُذَيْفَةَ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ يَجْمَعُ اللَّهُ تَعالى النّاسَ ثُمَّ يَقُولُ لِأصْحابِ الأعْرافِ ما تَنْتَظِرُونَ قالُوا: نَنْتَظِرُ أمْرَكَ فَيُقالُ: إنَّ حَسَناتِكم تَجاوَزَتْ بِكُمُ النّارَ أنْ تَدْخُلُوها وحالَتْ بَيْنَكم وبَيْنَ الجَنَّةِ خَطاياكم فادْخُلُوها بِمَغْفِرَتِي ورَحْمَتِي وإلى ذا ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أجَلَسُهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى أعالِي ذَلِكَ السُّورِ تَمْيِيزًا لَهم عَلى سائِرِ أهْلِ القِيامَةِ وإظْهارًا لِشَرَفِهِمْ وعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِمْ.
ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُمُ العَبّاسُ وحَمْزَةُ وعَلِيٌّ وجَعْفَرٌ ذُو الجَناحَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم يَجْلِسُونَ عَلى مَوْضِعٍ مِنَ الصِّراطِ يَعْرِفُونَ مُحِبِّيهِمْ بِبَياضِ الوُجُوهِ ومُبْغَضِيهِمْ بِسَوادِها وقِيلَ: إنَّهم عُدُولُ القِيامَةِ الشّاهِدُونَ عَلى النّاسِ بِأعْمالِهِمْ وهم مِن كُلِّ أُمَّةٍ حَكاهُ الزُّهْرِيُّ وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ وأبُو الشَّيْخِ والطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهم «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ أصْحابِ الأعْرافِ فَقالَ هم أُناسٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِمَعْصِيَةِ آبائِهِمْ فَمَنَعَهم مِن دُخُولِ الجَنَّةِ مَعْصِيَةُ آبائِهِمْ ومَنَعَهم مِن دُخُولِ النّارِ قَتْلُهم في سَبِيلِ اللَّهِ» وقِيلَ: هم أُناسٌ رَضِيَ عَنْهم أحَدُ أبَوَيْهِمْ دُونَ الآخَرِ.
وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّهم قَوْمٌ كانَ فِيهِمْ عُجْبٌ وقالَ مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ: هم قَوْمٌ كانَ عَلَيْهِمْ دَيْنٌ وقِيلَ: هم أهْلُ الفَتْرَةِ وقِيلَ: أوْلادُ المُشْرِكِينَ وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم أوْلادُ الزِّنا وعَنْهُ أيْضًا أنَّهم مَساكِينُ أهْلِ الجَنَّةِ.
وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ أنَّهم مَلائِكَةٌ يُرَوْنَ في صُورَةِ الرِّجالِ لا أنَّهم رِجالٌ حَقِيقَةً لِأنَّ المَلائِكَةَ لا يُوصَفُونَ بِذُكُورَةٍ ولا أُنُوثَةٍ وقِيلَ وقِيلَ وأرْجَحُ الأقْوالِ كَما قالَ القُرْطُبِيُّ الأوَّلُ وجَمَعَ بَعْضُهم بَيْنَها بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَجْلِسَ الجَمِيعُ مِمَّنْ ورَدَ فِيهِمْ أنَّهم أصْحابُ الأعْرافِ هُناكَ مَعَ تَفاوُتِ مَراتِبِهِمْ عَلى أنَّ مِن هَذِهِ الأقْوالِ ما يَخْفى تَداخُلُهُ.
ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَظْهَرَ القَوْلَ بِأنَّ أصْحابَ الأعْرافِ قَوْمٌ عَلَتْ دَرَجاتُهم لِأنَّ المَقالاتِ الآتِيَةَ وما تَتَفَرَّعُ هي عَلَيْهِ لا تَلِيقُ بِغَيْرِهِمْ ﴿يَعْرِفُونَ كُلا﴾ مِن أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ ﴿بِسِيماهُمْ﴾ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي أعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِها كَبَياضِ الوُجُوهِ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الجَنَّةِ وسَوادِها بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ النّارِ.
ووَزْنُهُ فَعْلى مِن سامَ إبِلَهُ إذا أرْسَلَها في المَرْعى مُعَلَّمَةً أوْ مِن وسَمَ عَلى القَلْبِ كالجاهِ مِنَ الوَجْهِ فَوَزْنُهُ عَقْلى ويُقالُ سِيماءُ بِالمَدِّ وسِيمِياءُ كَكِبْرِياءَ قالَ الشّاعِرُ:
لَهُ سِيماءُ ما تَشُقُّ عَلى البَصَرِ
ومَعْرِفَتُهم أنَّ كَذا عَلامَةُ الجَنَّةِ وكَذا عَلامَةُ النّارِ تَكُونُ بِالإلْهامِ أوْ بِتَعْلِيمِ المَلائِكَةِ وهَذا كَما رُوِيَ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهْلُ النّارِ النّارَ واسْتَظْهَرَهُ بَعْضُهم إذْ لا حاجَةَ بَعْدَ الدُّخُولِ لِلْعَلامَةِ ويُشْعِرُ كَلامُ آخَرِينَ أنَّهُ بَعْدَهُ والباءُ لِلْمُلابَسَةِ ﴿ونادَوْا﴾ أيْ رِجالُ الأعْرافِ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ حِينَ رَأوْهم وعَرَفُوهم ﴿أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بِطَرِيقِ الدُّعاءِ والتَّحِيَّةِ أوْ بِطَرِيقِ الإخْبارِ بِنَجاتِهِمْ مِنَ المَكارِهِ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿نادُوا﴾ أوْ مَفْعُولِهِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهم يَطْمَعُونَ﴾ (46) حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَدْخُلُوها﴾ أيْ نادَوْهم وهم لَمْ يَدْخُلُوها حالَ كَوْنِهِمْ
صفحة 125
طامِعِينَ في دُخُولِها مُتَرَقِّبِينَ لَهُ أيْ لَمْ يَدْخُلُوها وهم في وقْتِ عَدَمِ الدُّخُولِ طامِعُونَ قالَهُ بَعْضُهم.
وفَسَّرَ الطَّمَعَ بِاليَقِينِ الحَسَنُ وأبُو عَلِيٍّ وبِهِ فُسِّرَ في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ وفي الكَشّافِ أنَّ جُمْلَةَ ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ .. إلَخْ. لا مَحَلَّ لَها لِأنَّها اسْتِئْنافٌ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَنْ حالِ أصْحابِ الأعْرافِ فَقِيلَ: ﴿لَمْ يَدْخُلُوها وهم يَطْمَعُونَ﴾ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ صِفَةً لِرِجالٍ وضُعِّفَ بِالفَصْلِ.
7:47Page 156
۞ وَإِذَا صُرِفَتۡ أَبۡصَٰرُهُمۡ تِلۡقَآءَ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧
And when their eyes are turned toward the companions of the Fire, they say, "Our Lord, do not place us with the wrongdoing people."
﴿وإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ إلى جِهَتِهِمْ وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ ولَيْسَ في المَصادِرِ وما هو عَلى وزْنِ تِفْعالٍ بِكَسْرِ التّاءِ غَيْرُهُ وغَيْرُ تِبْيانٍ وزِلْزالٍ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ ظَرْفَ مَكانٍ بِمَعْنى جِهَةِ اللِّقاءِ والمُقابَلَةِ ويَجُوزُ عِنْدَ السَّبْعَةِ إثْباتُ هَمْزَتِهِ وهَمْزَةِ ( أصْحابَ ) وحَذْفُ الأُولى وإثْباتُ الثّانِيَةِ وفي عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِتَعَلُّقِ أنْظارِهِمْ بِأصْحابِ الجَنَّةِ والتَّعْبِيرِ عَنْ تَعَلُّقِ أبْصارِهِمْ بِأصْحابِ النّارِ بِالصَّرْفِ إشْعارٌ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ بِأنَّ التَّعَلُّقَ الأوَّلَ بِطَرِيقِ الرَّغْبَةِ والمَيْلِ والثّانِي بِخِلافِهِ فَمَن زَعَمَ أنَّ في الكَلامِ الأوَّلِ شَرْطًا مَحْذُوفًا لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ قالُوا مُتَعَوِّذِينَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن سُوءِ ما رَأوْا مِن حالِهِمْ ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (47) أيْ لا تَجْمَعْنا وإيّاهم في النّارِ وفي وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ دُونَ ما هم عَلَيْهِ حِينَئِذٍ مِنَ العَذابِ وسُوءِ الحالِ الَّذِي هو المُوجِبُ لِلدُّعاءِ إشْعارٌ بِأنَّ المَحْذُورَ عِنْدَهم لَيْسَ نَفْسَ العَذابِ فَقَطْ بَلْ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ وفي الآيَةِ عَلى ما قِيلَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ فِيها الدُّعاءَ بَلْ مُجَرَّدُ اسْتِعْظامِ حالِ الظّالِمِينَ وقَرَأ الأعْمَشُ ( وإذا قُلِّبَتْ أبْصارُهم ) وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وسالِمٍ مِثْلُ ذَلِكَ.
7:48Page 156
وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٨
And the companions of the Elevations will call to men [within Hell] whom they recognize by their mark, saying, "Of no avail to you was your gathering1 and [the fact] that you were arrogant."
﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ﴾ كَرَّرَ ذِكْرَهم مَعَ كِفايَةِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وقِيلَ: لَمْ يَكْتَفِ بِالإضْمارِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المُرادِ مِنهم هُنا والمُرادِ مِنهم فِيما تَقَدَّمَ فَإنَّ المُنادِيَ هُناكَ الكُلُّ وهُنا البَعْضُ وفي إطْلاقِ أصْحابِ الأعْرافِ عَلى أُولَئِكَ الرِّجالِ بِناءً عَلى أنَّ مَآلَهم إلى الجَنَّةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عُنْوانَ الصُّحْبَةِ لِلشَّيْءِ لا يَسْتَدْعِي المُلازِمَةَ لَهُ كَما زَعَمَهُ البَعْضُ ﴿رِجالا﴾ مِن رُؤَساءِ الكَفَرَةِ كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ والعاصِ بْنِ وائِلٍ حَتّى رَأوْهم فِيما بَيْنَ أصْحابِ النّارِ ﴿يَعْرِفُونَهم بِسِيماهُمْ﴾ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي أعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِها مِن سَوادِ الوَجْهِ وتَشْوِيهِ الخَلْقِ وزُرْقَةِ العَيْنِ كَما قالَ الجُبّائِيُّ أوْ بِصُوَرِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْرِفُونَهم بِها في الدُّنْيا كَما قالَ أبُو مُسْلِمٍ أوْ بِعَلامَتِهِمُ الدّالَّةِ عَلى سُوءِ حالِهِمْ يَوْمَئِذٍ وعَلى رِياسَتِهِمْ في الدُّنْيا كَما قِيلَ ولَعَلَّهُ الأوْلى وأيًّا ما كانَ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ وفِيهِ بُعْدٌ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِنادى والمَعْنى نادَوْا رِجالًا يَعْرِفُونَهم في الدُّنْيا بِأسْمائِهِمْ وكُناهم وما يُدْعَوْنَ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ.
﴿قالُوا﴾ بَيانٌ لِنادى أوْ بَدَلٌ مِنهُ ﴿ما أغْنى عَنْكُمْ﴾ اسْتِفْهامٌ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ النَّفْيُ أيْ ما كَفاكم ما أنْتُمْ فِيهِ ﴿جَمْعُكُمْ﴾ أتْباعُكم وأشْياعُكم أوْ جَمْعُكُمُ المالَ فَهو مَصْدَرٌ مَفْعُولُهُ مُقَدَّرٌ ﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (48) أيْ واسْتِكْبارُكُمُ المُسْتَمِرُّ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ أوْ عَلى الخَلْقِ وهو الأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ.
وقُرِئَ ( تَسْتَكْثِرُونَ ) مِنَ الكَثْرَةِ و( ما ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اسْمَ مَوْصُولٍ عَلى مَعْنى ما أغْنى عَنْكم أتْباعُكم والَّذِي كُنْتُمْ تَسْتَكْثِرُونَهُ مِنَ الأمْوالِ.
ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ في القِراءَةِ السَّبْعِيَّةِ كَذَلِكَ والمُرادُ بِها حِينَئِذِ الأصْنامُ ومَعْنى اسْتِكْبارِهِمْ
صفحة 126
إيّاها اعْتِقادُهم عِظَمَها وكِبَرَها أيْ ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وأصْنامُكُمُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْتَقِدُونَ كِبَرَها وعِظَمَها.
7:49Page 156
أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٤٩
[Allāh will say], "Are these1 the ones whom you [inhabitants of Hell] swore that Allāh would never offer them mercy? Enter Paradise, [O people of the Elevations]. No fear will there be concerning you, nor will you grieve."
﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ مِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِمْ لِلرِّجالِ فَهو في مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولُ القَوْلِ أيْضًا أيْ قالُوا ما أغْنى وقالُوا: أهَؤُلاءِ والإشارَةُ إلى ضُعَفاءِ أهْلِ الجَنَّةِ الَّذِينَ كانَ الكَفَرَةُ يَحْتَقِرُونَهم في الدُّنْيا ويَحْلِفُونَ أنَّهم لا يُصِيبُهُمُ اللَّهُ تَعالى بِرَحْمَةٍ وخَيْرٍ ولا يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ كَسَلْمانَ وصُهَيْبٍ وبِلالٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أوْ يَفْعَلُونَ ما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ كَما قِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ .
﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (49) مِن كَلامِ أصْحابِ الأعْرافِ أيْضًا أيْ فالتَفَتُوا إلى أُولَئِكَ المُشارِ إلَيْهِمْ مِن أهْلِ الجَنَّةِ وقالُوا لَهم: دُومُوا في الجَنَّةِ غَيْرَ خائِفِينَ ولا مَحْزُونِينَ عَلى أكْمَلِ سُرُورٍ وأتَمِّ كَرامَةٍ.
وقِيلَ: هو أمْرٌ بِأصْلِ الدُّخُولِ بِناءً عَلى أنْ يَكُونَ كَوْنُهم عَلى الأعْرافِ وقَوْلُهم هَذا قَبْلَ دُخُولِ بَعْضِ أهْلِ الجَنَّةِ الجَنَّةَ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿أهَؤُلاءِ﴾ .. إلَخْ. اسْتِئْنافٌ ولَيْسَ مِن تَتِمَّةِ قَوْلِ أصْحابِ الأعْرافِ والمُشارُ إلَيْهِمْ أهْلُ الجَنَّةِ والقائِلُ هو اللَّهُ تَعالى أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ والمَقُولُ لَهُ أهْلُ النّارِ في قَوْلٍ وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِمْ هم أهْلُ الأعْرافِ وهُمُ القائِلُونَ أيْضًا والمَقُولُ لَهم أهْلُ النّارِ و﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ مِن قَوْلِ أهْلِ الأعْرافِ أيْضًا أيْ يَرْجِعُونَ فَيُخاطِبُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَقُولُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ وقِيلَ: لَمّا عَيَّرَ أصْحابُ الأعْرافِ أصْحابَ النّارِ أقْسَمَ أصْحابُ النّارِ أنَّ أصْحابَ الأعْرافِ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ خِطابًا لِأهْلِ النّارِ أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مُشِيرًا إلى أصْحابِ الأعْرافِ ثُمَّ وجَّهَ الخِطابَ إلَيْهِمْ فَقِيلَ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ .. إلَخْ. وقُرِئَ ( ادْخُلُوا. ودَخَلُوا ) بِالمَزِيدِ المَجْهُولِ وبِالمُجَرَّدِ المَعْلُومِ وعَلَيْهِما فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ .. إلَخْ. مَقُولًا لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا لِيَتَّجِهَ الخِطابُ ويَرْتَبِطَ الكَلامُ أيِ ادْخُلُوا أوْ دَخَلُوا الجَنَّةَ مَقُولًا لَهم لا خَوْفٌ .. إلَخْ.
وقُرِئَ أيْضًا أدْخِلُوا بِأمْرِ المَزِيدِ لِلْمَلائِكَةِ والظّاهِرُ أنَّها تَحْتاجُ إلى زِيادَةِ تَقْدِيرٍ.
7:50Page 156
وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠
And the companions of the Fire will call to the companions of Paradise, "Pour upon us some water or from whatever Allāh has provided you." They will say, "Indeed, Allāh has forbidden them both to the disbelievers
﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ بَعْدَ أنِ اسْتَقَرَّ بِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ القَرارُ واطْمَأنَّتْ بِهِ الدّارُ: ﴿أنْ أفِيضُوا﴾ أيْ صُبُّوا ﴿عَلَيْنا﴾ شَيْئًا ﴿مِنَ الماءِ﴾ نَسْتَعِينُ بِهِ عَلى ما نَحْنُ فِيهِ وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ فَوْقَ النّارِ ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ أوْ مِنَ الَّذِي رَزَقَكُمُوهُ اللَّهُ تَعالى مِن سائِرِ الأشْرِبَةِ لِيُلائِمَ الإفاضَةَ أوْ مِنَ الأطْعِمَةِ كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ وابْنِ زَيْدٍ ويُقَدَّرُ في المَعْطُوفِ عامِلٌ يُناسِبُهُ أوْ يُؤَوَّلُ العامِلُ الأوَّلُ بِما يُلائِمُ المُتَعاطِفَيْنِ أوْ يُضَمَّنُ ما يَعْمَلُ في الثّانِي أوْ يُجْعَلُ ذَلِكَ مِنَ المُشاكَلَةِ ويَكُونُ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى نِهايَةِ عَطَشِهِمْ وشَدَّةِ جُوعِهِمْ وأنَّ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ لا يَمْنَعُهم عَنْ طَلَبِ أكْلٍ وشُرْبٍ وبِهَذا رَدَّ مُوسى الكاظِمُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيما يُرْوى عَلى هارُونَ الرَّشِيدِ إنْكارَهُ أكْلَ أهْلِ المَحْشَرِ مُحْتَجًّا بِأنَّ ما هم فِيهِ أقْوى مانِعٍ لَهم عَنْ ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ هَذا السُّؤالَ هَلْ كانَ مَعَ رَجاءِ الحُصُولِ أوْ مَعَ اليَأْسِ مِنهُ حَيْثُ عَرَفُوا دَوامَ ما هم فِيهِ وإلى كُلٍّ ذَهَبَ بَعْضٌ ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا فَقِيلَ قالُوا في جَوابِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾ (50) أيْ مَنَعَ كُلًّا مِنهُما أوْ مَنَعَهُما مَنعَ المُحَرَّمِ عَنِ المُكَلَّفِ فَلا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ قَطْعًا ولا يُحْتَمَلُ التَّحْرِيمُ عَلى مَعْناهُ الشّائِعِ لِأنَّ الدّارَ لَيْسَتْ بِدارِ تَكْلِيفٍ
7:51Page 156
ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ٥١
Who took their religion as distraction and amusement and whom the worldly life deluded." So today We will forget them just as they forgot the meeting of this Day of theirs and for having rejected Our verses.
﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ الَّذِي أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ أوِ الَّذِي يَلْزَمُهُمُ التَّدَيُّنُ بِهِ ﴿لَهْوًا ولَعِبًا﴾ فَلَمْ يَتَدَيَّنُوا بِهِ أوْ فَحَرَّمُوا ما شاءُوا واسْتَحَلُّوا
صفحة 127
ما شاءُوا واللَّهْوُ كَما قِيلَ صَرْفُ الهَمِّ إلى ما لا يَحْسُنُ أنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ واللَّعِبُ طَلَبُ الفَرَحِ بِما لا يَحْسُنُ أنْ يُطْلَبَ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الكَلامِ فِيهِما فَتَذَكَّرْ ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ شَغَلَتْهم بِزَخارِفِها العاجِلَةِ ومَواعِيدِها الباطِلَةِ وهَذا شَأْنُها مَعَ أهْلِها قاتَلَها اللَّهُ تَعالى تَغُرُّ وتَضُرُّ وتَمُرُّ ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ نَفْعَلُ بِهِمْ فِعْلَ النّاسِي بِالمَنسِيِّ مِن عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ وتَرْكِهِمْ في النّارِ تَرْكًا كُلِّيًّا فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ وقَدْ جاءَ النِّسْيانُ بِمَعْنى التَّرْكِ كَثِيرًا ويَصِحُّ أنْ يُفَسَّرَ بِهِ هُنا فَيَكُونُ اسْتِعارَةً أوْ مَجازًا مُرْسَلًا وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: المَعْنى نُؤَخِّرُهم في النّارِ وعَلَيْهِ فالظّاهِرُ أنْ نَنْساهم مِنَ النَّسْءِ لا مِنَ النِّسْيانِ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ﴾ فَصِيحَةٌ وقَوْلُهُ عَزَّ وعَلا ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ قِيلَ: في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ نَنْساهم نِسْيانًا مِثْلَ نِسْيانِهِمْ لِقاءَ هَذا اليَوْمِ العَظِيمِ الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يُنْسى ولَيْسَ الكَلامُ عَلى حَقِيقَتِهِ أيْضًا لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا ذاكِرِي ذَلِكَ حَتّى يَنْسَوْهُ بَلْ شَبَّهَ عَدَمَ إخْطارِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ بِبالِهِمْ وعَدَمَ اسْتِعْدادِهِمْ لَهُ بِحالِ مَن عَرَفَ شَيْئًا ثُمَّ نَسِيَهُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ أنَّ المَعْنى كَما نَسُوا العَمَلَ لِلِقاءِ يَوْمِهِمْ هَذا ولَيْسَ هَذا التَّقْدِيرُ ضَرُورِيًّا كَما لا يَخْفى وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ الكافَ لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ لا لِلتَّشْبِيهِ إذْ يَمْنَعُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ (51) لِأنَّهُ عَطْفٌ عَلى ( ما نَسُوا ) وهو يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ مُشَبَّهًا بِهِ النِّسْيانُ مِثْلُهُ.
وتَشْبِيهُ النِّسْيانِ بِالجُحُودِ غَيْرُ ظاهِرٍ ومَنِ ادَّعاهُ قالَ: المُرادُ نَتْرُكُهم في النّارِ تَرْكًا مُسْتَمِرًّا كَما كانُوا مُنْكِرِينَ أنَّ الآياتِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى إنْكارًا مُسْتَمِرًّا قالَ القُطْبُ: الجُحُودُ في مَعْنى النِّسْيانِ وظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ كَلامَ أهْلِ الجَنَّةِ إلى وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا لا أنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ فَقَطْ وقالَ بَعْضُهم إنَّهُ ذَلِكَ لا غَيْرَ وعَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( الَّذِينَ ) مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ( اليَوْمَ نَنْساهم ) خَبَرَهُ والفاءُ فِيهِ مِثْلُها في قَوْلِكَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ كَما قِيلَ.
7:52Page 157
وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢
And We had certainly brought them a Book which We detailed by knowledge - as guidance and mercy to a people who believe.
﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ﴾ بَيَّنّا مَعانِيَهُ مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ والمَواعِظِ مُفَصَّلَةً والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ قاطِبَةً وقِيلَ: لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ وقِيلَ: لِلْمُعاصِرِينَ مِنَ الكَفَرَةِ أوْ مِنهم ومِنَ المُؤْمِنِينَ والكِتابُ هو القُرْآنُ وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ وقَدْ نَظَمَ بَعْضُهم ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأنْواعِ بِقَوْلِهِ.
حَلالٌ حَرامٌ مُحْكَمٌ مُتَشابِهٌ بَشِيرٌ نَذِيرٌ قِصَّةٌ عِظَةٌ مَثَلُ
والمُرادُ مَنعُ الخُلُوِّ كَما لا يَخْفى ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ مِنّاِ بِوَجْهِ تَفْصِيلِهِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( فَصَّلْناهُ ) وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ عالِمِينَ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ بِذَلِكَ حَتّى جاءَ حَكِيمًا مُتْقَنًا وفي هَذا كَما قِيلَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ بِصِفَةٍ زائِدَةٍ عَلى الذّاتِ وهي صِفَةُ العِلْمِ ولَيْسَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ عَيْنَ ذاتِهِ كَما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ ومَن ضاهاهم ولِلْمُناقَشَةِ فِيهِ مَجالٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ أيْ مُشْتَمِلًا عَلى عِلْمٍ كَثِيرٍ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ( فَضَّلْناهُ ) بِالضّادِ المَعْجَمَةِ وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ ولا يُجْعَلُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْ فَضَّلْناهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ عالَمِينَ بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِذَلِكَ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يُجْعَلَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ وقِيلَ: إنَّ ( عَلى ) لِلتَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِفَضَّلْناهُ أيْ فَضَّلْناهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ لِأجْلِ عِلْمٍ فِيهِ أيْ لِاشْتِمالِهِ عَلى عِلْمٍ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنها وقِيلَ: إنَّ ( عَلى ) في القِراءَتَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِ ﴿جِئْناهُمْ﴾ أيْ جِئْناهم بِذَلِكَ حالَ كَوْنِهِمْ مِن ذَوِي العِلْمِ
صفحة 128
القابِلِينَ لِفَهْمِ ما جِئْناهم بِهِ فَتَأمَّلْ.
﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( فَصَّلْناهُ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ لِتَخْصِيصِهِ بِالوَصْفِ والكَلامُ في وُقُوعِ مِثْلِ ذَلِكَ حالًا مَشْهُورٌ وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ( عِلْمٍ ) وبِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ أيْ هو هُدًى عَظِيمٌ ورَحْمَةٌ كَذَلِكَ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (52) لِأنَّهُمُ المُقْتَبِسُونَ مِن أنْوارِهِ المُنْتَفِعُونَ بِنَوارِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences