Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:73–78
7:73Page 159
وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٧٣
And to the Thamūd [We sent] their brother Ṣāliḥ. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. This is the she-camel of Allāh [sent] to you as a sign. So leave her to eat within Allāh's land and do not touch her with harm, lest there seize you a painful punishment.
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ عَطْفٌ عَلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهُمْ﴾ مُوافِقٌ لَهُ في تَقْدِيمِ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ و( ثَمُودُ ) قَبِيلَةٌ مِنَ العَرَبِ كانَتْ مَساكِنُهُمُ الحِجْرَ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ إلى وادِي القِرى وسُمِّيَتْ بِاسْمِ أبِيهِمُ الأكْبَرِ ثَمُودَ بْنِ عامِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ وقِيلَ ابْنُ عادِ بْنِ عُوصِ بْنِ إرَمَ .. إلَخْ. وهو المَنقُولُ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ.
وقالَ عَمْرُو بْنُ العَلاءِ: إنَّما سُمُّوا بِذَلِكَ لِقِلَّةِ مائِهِمْ فَهو مِن ثَمَدَ الماءُ إذا قَلَّ والثَّمَدُ الماءُ القَلِيلُ ووَرَدَ فِيهِ الصَّرْفُ وعَدَمُهُ أمّا الأوَّلُ فَبِاعْتِبارِ الحَيِّ أوْ لِأنَّهُ لَمّا كانَ في الأصْلِ اسْمًا لِلْجَدِّ أوْ لِلْقَلِيلِ مِنَ الماءِ كانَ مَصْرُوفًا لِأنَّهُ عَلَمٌ مُذَكَّرٌ أوِ اسْمُ جِنْسٍ فَبَعْدَ النَّقْلِ حُكِيَ أصْلُهُ وأمّا الثّانِي فَبِاعْتِبارِ أنَّهُ اسْمُ القَبِيلَةِ فَفِيهِ العِلْمِيَّةُ والتَّأْنِيثُ.
وصالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن ثَمُودَ فالأُخُوَّةُ نَسَبِيَّةٌ وهو عَلى ما قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ البَغَوِيُّ ابْنُ عُبَيْدِ بْنِ أسَفِ بْنِ ماشِحَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ حاذَرَ بْنِ ثَمُودَ وهو أخُو صَسْمِ وجُدَيْسَ فِيما قِيلَ وقالَ وهْبٌ: هو ابْنُ عُبَيْدِ بْنِ جابِرِ بْنِ ثَمُودَ بْنِ جابِرِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ بُعِثَ إلى قَوْمِهِ حِينَ راهَقَ الحُلُمَ وكانَ رَجُلًا أحْمَرَ إلى البَياضِ سَبْطَ الشَّعَرِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أرْبَعِينَ عامًا وقالَ الشّامِيُّ: إنَّهُ بُعِثَ شابًّا فَدَعا قَوْمَهُ حَتّى شَمِطَ وكَبِرَ ونَقَلَ النَّوَوِيُّ أنَّهُ أقامَ فِيهِمْ عِشْرِينَ سَنَةً وماتَ بِمَكَّةَ وهو ابْنُ ثَمانٍ وخَمْسِينَ سَنَةً.
﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قَدْ مَرَّ الكَلامُ في نَظائِرِهِ ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ﴾ أيْ آيَةٌ ومُعْجِزَةٌ ظاهِرَةُ الدَّلالَةِ شاهِدَةٌ بِنُبُوَّتِي وهي مِنَ الألْفاظِ الجارِيَةِ مَجْرى الأبْطَحِ والأبْرَقِ في الِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِ مَوْصُوفاتِها حالَةَ الإفْرادِ والجَمْعِ والتَّنْوِينِ لِلتَّفْخِيمِ أيْ بَيِّنَةٌ عَظِيمَةٌ مِن رَبِّكم مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِبَيِّنَةٍ عَلى ما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أوْ بِجاءَتْكم و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا أوْ لِلتَّبْعِيضِ إنْ قُدِّرَ مِن بِيِّناتِ رَبِّكم والمُرادُ بِهَذِهِ البَيِّنَةِ النّاقَةُ ولَيْسَ في هَذا الكَلامِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ ما خاطَبَهم بِهِ أثَرُ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ بَلْ إنَّما قالَهُ بَعْدَما نَصَحَهم وذَكَّرَهم بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى فَلَمْ يَقْبَلُوا كَلامَهُ وكَذَّبُوهُ كَما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ ما في سُورَةِ هُودٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ اسْتِئْنافٌ نَحْوِيٌّ مَسُوقٌ لِبَيانِ البَيِّنَةِ والمُعْجِزَةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا
صفحة 163
جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ أيْ هي وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ( بَيِّنَةٌ ) بَدَلَ الجُمْلَةِ مِن مُفْرَدٍ لِلتَّفْسِيرِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ وإضافَةُ النّاقَةِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَعْظِيمِها كَما يُقالُ بَيْتُ اللَّهِ لِلْمَسْجِدِ بَيْدَ أنَّ الإضافَةَ فِيهِ لِأدْنى مُلابَسَةٍ ولا كَذَلِكَ ما نَحْنُ فِيهِ أوْ لِأنَّها لَيْسَتْ بِواسِطَةِ نِتاجٍ مُعْتادٍ وأسْبابٍ مَعْهُودَةٍ كَما سَيَتَّضِحُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى لَكَ ولِذَلِكَ كانَتْ آيَةً وأيَّ آيَةٍ وقِيلَ لِأنَّها لا يَمْلِكُها أحَدٌ سِواهُ سُبْحانَهُ وقِيلَ: لِأنَّها كانَتْ حُجَّةَ اللَّهِ عَلى قَوْمِ صالِحٍ وانْتِصابُ ( آيَةً ) عَلى الحالِيَّةِ مِن ( ناقَةُ ) والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ وسَمّاهُ النُّحاةُ العامِلَ المَعْنَوِيَّ و( لَكم ) بَيانٌ لِمَن هي آيَةٌ لَهُ كَما في سُقْيًا لَكَ فَيَتَعَلَّقُ بِمُقَدَّرٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( ناقَةٌ ) بَدَلًا مِن ( هَذِهِ ) أوْ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ أوْ مُبْتَدَأً ثانِيًا و( لَكم ) خَبَرًا فَآيَةٌ حِينَئِذٍ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ والعامِلُ هو أوْ مُتَعَلِّقُهُ ﴿فَذَرُوها﴾ تَفْرِيعٌ عَلى كَوْنِها آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى وقِيلَ: عَلى كَوْنِها ناقَةً لَهُ سُبْحانَهُ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لَها أيْ فاتْرُكُوها ﴿تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ العُشْبَ وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ والفِعْلُ مَجْزُومٌ لِأنَّهُ جَوابُ الأمْرِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُ ( تَأْكُلُ ) بِالرَّفْعِ فالجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أيْ آكِلَةً والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ بِالأمْرِ السّابِقِ فَهُما مُتَنازِعانِ وأُضِيفَتِ الأرْضُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ قَطْعًا لِعُذْرِهِمْ في التَّعَرُّضِ كَأنَّهُ قِيلَ: الأرْضُ أرْضُ اللَّهِ تَعالى والنّاقَةُ ناقَةُ اللَّهِ تَعالى فَذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ تَأْكُلْ في أرْضِهِ فَلَيْسَتِ الأرْضُ لَكم ولا ما فِيها مِنَ النَّباتِ مِن إنْباتِكم فَأيُّ عُذْرٍ لَكم في مَنعِها وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلشُّرْبِ لِلِاكْتِفاءِ عَنْهُ بِذِكْرِ الأكْلِ وقِيلَ لِتَعْمِيمِهِ لَهُ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ.
عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا
وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبٌ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ نَهْيٌ عَنِ المَسِّ الَّذِي هو مُقَدِّمَةُ الإصابَةِ بِالشَّرِّ الشّامِلِ لِأنْواعٍ الأذى مُبالَغَةً في الزَّجْرِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْمِيمِ أيْ لا تَتَعَرَّضُوا لَها بِشَيْءٍ مِمّا يَسُوءُها أصْلًا كالطَّرْدِ والعَقْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ وقِيلَ: الجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ الفِعْلِ والمَعْنى لا تَمَسُّوها مَعَ قَصْدِ السُّوءِ بِها فَضْلًا عَنِ الإصابَةِ فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ .
﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ (73) مَنصُوبٌ في جَوابِ النَّهْيِ والمَعْنى لا تَجْمَعُوا بَيْنَ المَسِّ وأخْذِ العَذابِ إيّاكم والأخِيرُ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن صَنِيعِهِمْ حَقِيقَةً لَكِنْ لِتَعاطِيهِمْ أسْبابَهُ كَأنَّهُ مِن صَنِيعِهِمْ.
7:74Page 160
وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ عَادٖ وَبَوَّأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورٗا وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُيُوتٗاۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٧٤
And remember when He made you successors after the ʿAad and settled you in the land, [and] you take for yourselves palaces from its plains and carve from the mountains, homes. Then remember the favors of Allāh and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."
﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ أيْ خُلَفاءَ في الأرْضِ أوْ خُلَفاءَ لَهم قِيلَ ولَمْ يَقُلْ: خُلَفاءَ عادٍ مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ إشارَةً إلى أنَّ بَيْنَهُما زَمانًا طَوِيلًا ﴿وبَوَّأكُمْ﴾ أيْ أنْزَلَكم وجَعَلَ لَكم مَباءَةً ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيِ أرْضِ الحِجْرِ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ ﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا﴾ أيْ تَبْنُونَ في سُهُولِها مَسَكانَ رَفِيعَةً فَمِن بِمَعْنى في كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً أوْ تَبْعِيضِيَّةً أيْ تَعْمَلُونَ القُصُورَ مِن مادَّةٍ مَأْخُوذَةٍ مِنَ السَّهْلِ كاللَّبِنِ والآجُرِ المُتَّخَذَيْنِ مِنَ الطِّينِ والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى ما قالَ أبُو البَقاءِ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِمّا بَعْدَهُ وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَتَّخِذُونَ وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِهِ وهو مُتَعَدٍّ لِواحِدٍ والسَّهْلُ خِلافُ الحَزْنِ وهو مَوْضِعُ الحِجارَةِ والجِبالِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّبْوِئَةِ فَإنَّ هَذا
صفحة 164
الِاتِّخاذَ بِإقْدارِهِ سُبْحانَهُ ﴿وتَنْحِتُونَ الجِبالَ﴾ أيْ تَنْجُرُونَها والنَّحْتُ مَعْرُوفٌ في كُلِّ صُلْبٍ ومُضارِعُهُ مَكْسُورُ الحاءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بِالفَتْحِ لِحَرْفِ الحَلْقِ وفي القامُوسِ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ ( تَنْحاتُونَ ) بِالإشْباعِ كَيَنْباعُ وانْتِصابُ الجِبالِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بُيُوتًا﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنها لِأنَّها لَمْ تَكُنْ حالَ النَّحْتِ بَيْتًا كَخِطْتُ الثَّوْبَ جُبَّةً والحالِيَّةُ كَما قالَ الشِّهابُ بِاعْتِبارِ أنَّها بِمَعْنى مَسْكُونَةٍ إنْ قِيلَ بِالِاشْتِقاقِ فِيها وقِيلَ: انْتِصابُ الجِبالِ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ مِنَ الجِبالِ ويُرَجِّحُهُ أنَّهُ وقَعَ في آيَةٍ أُخْرى كَذَلِكَ ونُصِبَ ( بُيُوتًا ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ وجُوِّزَ أنْ يُضَمَّنَ النَّحْتُ مَعْنى الِاتِّخاذِ فانْتِصابُهُما عَلى المَفْعُولِيَّةِ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُمُ اتَّخَذُوا القُصُورَ في السُّهُولِ لِيُصَيِّفُوا فِيها ونَحَتُوا مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا لِيُشَتُّوا فِيها وقِيلَ: إنَّهم نَحَتُوا الجِبالَ بُيُوتًا لِطُولِ أعْمارِهِمْ وكانَتِ الأبْنِيَةُ تَبْلى قَبْلَ أنْ تَبْلى أعْمارُهم ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ أيْ نِعَمَهُ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم مِمّا ذُكِرَ أوْ جَمِيعَ نِعَمِهِ ويَدْخُلُ فِيها ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا ولَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ الذِّكْرِ بِاللِّسانِ كَما عَلِمْتَ.
﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (74) فَإنَّ حَقَّ آلائِهِ تَعالى أنْ تُشْكَرَ ولا يُغْفَلَ عَنْها فَكَيْفَ بِالكُفْرِ والعَثْيُ الإفْسادُ فَمُفْسِدِينَ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ كَما في ( ولَّوْا مُدْبِرِينَ )
7:75Page 160
قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِمَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُمۡ أَتَعۡلَمُونَ أَنَّ صَٰلِحٗا مُّرۡسَلٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلَ بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ٧٥
Said the eminent ones who were arrogant among his people to those who were oppressed - to those who believed among them, "Do you [actually] know that Ṣāliḥ is sent from his Lord?" They said, "Indeed we, in that with which he was sent, are believers."
﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ أيِ الأشْرافُ الَّذِينَ عَتَوْا وتَكَبَّرُوا والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وقالَ بِالواوِ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ .. إلَخْ. واللّامُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أيْ عُدُّوا ضُعَفاءَ أذِلّاءَ لِلتَّبْلِيغِ كَما في ( ألَمْ أقُلْ لَكم ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ بِإعادَةِ العامِلِ بَدَلَ الكُلِّ مِنَ الكُلِّ كَقَوْلِكَ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ بِأخِيكَ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ راجِعٌ إلى قَوْمِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فَيَكُونُ المُسْتَضْعَفُونَ قِسْمَيْنِ مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ ولا يَخْفى بُعْدُهُ والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ﴿أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ﴾ لِلِاسْتِهْزاءِ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم عالِمُونَ بِذَلِكَ ولِذَلِكَ لَمْ يُجِيبُوهم عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ كَما حَكى سُبْحانَهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (75) فَإنَّ الجَوابَ المُوافِقَ لِسُؤالِهِمْ نَعَمْ أوْ نَعْلَمُ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنهُ تَعالى ومِن هُنا قالَ غَيْرُ واحِدٍ إنَّهُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ فَكَأنَّهم قالُوا العِلْمُ بِإرْسالِهِ وبِما أُرْسِلَ بِهِ ما لا كَلامَ فِيهِ ولا شُبْهَةَ تَدْخُلُهُ لِوُضُوحِهِ وإنارَتِهِ وإنَّما الكَلامُ في وُجُوبِ الإيمانِ بِهِ فَنُخْبِرُكُمُ أنّا بِهِ مُؤْمِنُونَ.
واخْتارَ في الِانْتِصافِ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إخْبارًا عَنْ وُجُوبِ الإيمانِ بِهِ بَلْ عَنِ امْتِثالِ الواجِبِ فَإنَّهُ أبْلَغُ مِن ذَلِكَ فَكَأنَّهم قالُوا: العِلْمُ بِإرْسالِهِ وبِوُجُوبِ الإيمانِ بِهِ لا نُسْألُ عَنْهُ وإنَّما الشَّأْنُ في امْتِثالِ الواجِبِ والعَمَلِ بِهِ ونَحْنُ قَدِ امْتَثَلْنا.
7:76Page 160
قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا بِٱلَّذِيٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٧٦
Said those who were arrogant, "Indeed we, in that which you have believed, are disbelievers."
﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما تَقَدَّمَ وأُعِيدَ المَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ مَعَ كِفايَةِ الضَّمِيرِ إيذانًا بِأنَّهم قالُوا ما قالُوهُ بِطَرِيقِ العُتُوِّ والِاسْتِكْبارِ ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ (76) عُدُولٌ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أيْضًا وهو إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ كافِرُونَ وفائِدَتُهُ كَما قالُوا الرَّدُّ لِما جَعَلَهُ المُؤْمِنُونَ مَعْلُومًا وأخَذُوهُ مُسَلَّمًا كَأنَّهم قالُوا لَيْسَ ما جَعَلْتُمُوهُ مَعْلُومًا مُسَلَّمًا مِن ذَلِكَ القَبِيلِ وقالَ في الِانْتِصافِ عَدَلُوا عَنْ ذَلِكَ حَذَرًا مِمّا في ظاهِرِهِ مِن إثْباتِهِمْ لِرِسالَتِهِ وهم يَجْحَدُونَها ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ التَّهَكُّمِ لِيَكُونَ كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ فَإنَّ الغَرَضَ إخْبارُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُكَذِّبِينَ عَنْ حالِهِ فَلِذا خَلَّصَ الكافِرُونَ قَوْلَهم عَنِ إشْعارِ الإيمانِ بِالرِّسالَةِ
صفحة 165
احْتِياطًا لِلْكُفْرِ وغَلَوْا في الإصْرارِ.
7:77Page 160
فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ وَقَالُواْ يَٰصَٰلِحُ ٱئۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٧٧
So they hamstrung the she-camel and were insolent toward the command of their Lord and said, "O Ṣāliḥ, bring us what you promise us, if you should be of the messengers."
﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ أيْ نَحَرُوها قالَ الأزْهَرِيُّ أصْلُ العَقْرِ عِنْدَ العَرَبِ قَطْعُ عُرْقُوبِ البَعِيرِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في النَّحْرِ لِأنَّ ناحِرَ البَعِيرِ يَعْقِرُهُ ثُمَّ يَنْحَرُهُ وإسْنادُهُ إلى الكُلِّ مَعَ أنَّ المُباشِرَ البَعْضُ مَجازٌ لِمُلابَسَةِ الكُلِّ لِذَلِكَ الفِعْلِ لِكَوْنِهِ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ وهم مُتَّفِقُونَ عَلى الضَّلالِ والكُفْرِ أوْ لِرِضا الكُلِّ بِهِ أوْ لِأمْرِهِمْ كُلِّهِمْ بِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ وقِيلَ: إنَّ العَقْرَ مَجازٌ لُغَوِيٌّ عَنِ الرِّضا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿وعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ أيِ اسْتَكْبَرُوا عَنِ امْتِثالِهِ وهو ما بَلَّغَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأمْرِ السّابِقِ فالأمْرُ واحِدُ الأوامِرِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ واحِدَ الأُمُورِ أيِ اسْتَكْبَرُوا عَنْ شَأْنِ اللَّهِ تَعالى ودِينِهِ وهو بَعِيدٌ.
وأوْجَبَ بَعْضُهم عَلى الأوَّلِ أنْ يُضَمَّنَ ( عَتَوْا ) مَعْنى التَّوَلِّي أيْ تَوَلَّوْا عَنِ امْتِثالِ أمْرِهِ عاتِينَ أوْ مَعْنى الإصْدارِ أيْ صَدَرَ عُتُوُّهم عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ وبِسَبَبِهِ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَرُوها﴾ .. إلَخْ. ابْتَلاهم فَما امْتَثَلُوا فَصارُوا عاتِينَ بِسَبَبِهِ ولَوْلا الأمْرُ ما تَرَتَّبَ العَقْرُ والدّاعِي لِلتَّأْوِيلِ بِتَوَلَّوْا أوْ صَدَرَ أنَّ عَتا لا يَتَعَدّى بِعْنَ فَتَعْدِيَتَهُ بِهِ لِذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ وبَعْضُهم يَقُولُ بِالتَّضْمِينِ بِناءً عَلى أنَّ عَتا بِمَعْنى اسْتَكْبَرَ كَما في القامُوسِ وهو يَتَعَدّى بِعْنَ فافْهَمْ وقالُوا مُخاطِبِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ التَّعْجِيزِ والإفْحامِ عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ: ﴿يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ وأطْلِقِ العِلْمَ بِهِ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ (77) فَإنَّ كَوْنَكَ مِنهم يَقْتَضِي صِدْقَ ما تَقُولُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ
7:78Page 160
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٧٨
So the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: أيِ الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ.
وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: هي الصَّيْحَةُ وجُمِعَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ أخَذَتْهُمُ الزَّلْزَلَةُ مِن تَحْتِهِمْ والصَّيْحَةُ مِن فَوْقِهِمْ وقالَ بَعْضُهم: الرَّجْفَةُ خَفَقانُ القَلْبِ واضْطِرابُهُ حَتّى يَنْقَطِعَ وجاءَ في مَوْضِعٍ آخَرَ الصَّيْحَةُ وفي آخَرَ بِالطّاغِيَةِ ولا مُنافاةَ بَيْنَ ذَلِكَ كَما زَعَمَ بَعْضُ المَلاحِدَةِ فَإنَّ الصَّيْحَةَ العَظِيمَةَ الخارِقَةَ لِلْعادَةِ حَصَلَ مِنها الرَّجْفَةُ لِقُلُوبِهِمْ ولِعِظَمِها وخُرُوجِها عَنِ الحَدِّ المُعْتادِ تُسَمّى الطّاغِيَةَ لِأنَّ الطُّغْيانَ مُجاوَزَةُ الحَدِّ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكُمْ﴾ أوْ يُقالُ إنَّ الإهْلاكَ بِذَلِكَ بِسَبَبِ طُغْيانِهِمْ وهو مَعْنى الطّاغِيَةِ وهَذا الأخْذُ لَيْسَ أثَرَ ما قالُوا بَلْ بَعْدَ ما جَرى عَلَيْهِمْ ما جَرى مِن مَبادِي العَذابِ في الأيّامِ الثَّلاثَةِ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى والفاءُ لا تَأْبى ذَلِكَ.
﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (78) هامِدِينَ مَوْتى لا حَراكَ بِهِمْ وأصْلُ الجُثُومِ البُرُوكُ عَلى الرُّكَبِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الجُثُومُ لِلنّاسِ والطَّيْرِ بِمَنزِلَةِ البُرُوكِ لِلْإبِلِ فَجُثُومُ الطَّيْرِ هو وُقُوعُهُ لاطِئًا بِالأرْضِ في حالِ سُكُونِهِ بِاللَّيْلِ وأصْبَحَ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تامَّةً فَجاثِمِينَ حالٌ وأنْ تَكُونَ ناقِصَةً فَجاثِمِينَ خَبَرٌ والظَّرْفُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ وقِيلَ: هو خَبَرٌ و﴿جاثِمِينَ﴾ حالٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِإفْضائِهِ إلى كَوْنِ الإخْبارِ بِكَوْنِهِمْ في دارِهِمْ مَقْصُودًا بِالذّاتِ والمُرادُ مِنَ الدّارِ البَلَدُ كَما في قَوْلِكَ دارُ الحَرْبِ ودارُ الإسْلامِ وقَدْ جُمِعَ في آيَةٍ أُخْرى بِإرادَةِ مَنزِلِ كُلِّ واحِدٍ الخاصِّ بِهِ وذَكَرَ النَّيْسابُورِيُّ أنَّهُ حَيْثُ ذُكِرَتِ الرَّجْفَةُ وُحِّدَتِ الدّارُ وحَيْثُ ذُكِرَتِ الصَّيْحَةُ جُمِعَتْ لِأنَّ الصَّيْحَةَ كانَتْ مِنَ السَّماءِ كَما في غالِبِ الرِّواياتِ لا مِنَ الأرْضِ كَما قِيلَ فَبُلُوغُها أكْثَرُ وأبْلَغُ مِنَ الزَّلْزَلَةِ فَقُرِنَ كُلٌّ مِنهُما بِما هو ألْيَقُ بِهِ فَتَدَبَّرْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences