Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:79–83
7:79Page 160
فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٧٩
And he [i.e., Ṣāliḥ] turned away from them and said, "O my people, I had certainly conveyed to you the message of my Lord and advised you, but you do not like advisors."
﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ بَعْدَ أنْ جَرى عَلَيْهِمْ ما جَرى عَلى ما هو الظّاهِرُ مُغْتَمًّا مُتَحَسِّرًا عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ
صفحة 166
مُتَحَزِّنًا عَلَيْهِمْ ﴿وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ ولَمْ آلُ جُهْدًا فَلَمْ يُجْدِ نَفْعًا ولَمْ تَقْبَلُوا مِنِّي وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ (79) حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ أيْ شَأْنُكُمُ الِاسْتِمْرارُ عَلى بُغْضِ النّاصِحِينَ وعَداوَتِهِمْ وخِطابُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم كَخِطابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَتْلى المُشْرِكِينَ حِينَ أُلْقُوا في قَلِيبِ بَدْرٍ حِينَ «نادى يا فُلانُ يا فُلانُ بِأسْمائِهِمْ إنّا وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَكم رَبُّكم حَقًّا» وذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَرُدُّ أرْواحَهم إلَيْهِمْ فَيَسْمَعُونَ وذَلِكَ مِمّا خَصَّ بِهِ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّحَزُّنِ والتَّحَسُّرِ كَما تُخاطَبُ الدِّيارُ والأطْلالُ وجُوِّزَ عَطْفُ ﴿فَتَوَلّى﴾ عَلى ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ فَيَكُونُ الخِطابُ لَهم حِينَ أشْرَفُوا عَلى الهَلاكِ لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ وأبْعَدُ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ إنَّ الآيَةَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فَتَقْدِيرُها فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ.
وقِصَّةُ ثَمُودَ عَلى ما ذَكَرَ إسْحاقُ وغَيْرُهُ أنَّ عادًا لَمّا هَلَكُوا عُمِّرَتْ ثَمُودُ بَعْدَها واسْتُخْلِفُوا في الأرْضِ وعُمِّرُوا حَتّى جُعِلَ أحَدُهم يَبْنِي المَسْكَنَ مِنَ المَدَرِ فَيَنْهَدِمُ والرَّجُلُ حَيٌّ فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ اتَّخَذُوا مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا وكانُوا في سِعَةٍ مِن مَعاشِهِمْ فَعَتَوْا في الأرْضِ وعَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ صالِحًا وكانُوا قَوْمًا عَرَبًا وكانَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أوْسَطِهِمْ نَسَبًا وبُعِثَ إلَيْهِمْ وهو شابٌّ فَدَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى حَتّى شَمِطَ وكَبِرَ ولَمْ يَتْبَعْهُ مِنهم إلّا قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فَلَمّا ألَحَّ عَلَيْهِمْ بِالدُّعاءِ والتَّخْوِيفِ سَألُوهُ أنْ يُرِيَهم آيَةً تُصَدِّقُ ما يَقُولُ فَقالَ لَهم: أيَّةَ آيَةٍ تُرِيدُونَ فَقالُوا: تَخْرُجُ غَدًا مَعَنا إلى عِيدِنا وكانَ لَهم عِيدٌ يَخْرُجُونَ فِيهِ بِأصْنامِهِمْ فَتَدْعُو إلَهَكَ ونَدْعُو آلِهَتَنا فَإنِ اسْتُجِيبَ لَكَ اتَّبَعْناكَ وإنِ اسْتُجِيبَ لَنا اتَّبَعْتَنا فَقالَ لَهم صالِحٌ: نَعَمْ فَخَرَجُوا وخَرَجَ مَعَهم فَدَعَوْا أوْثانَهم وسَألُوها أنْ لا يُسْتَجابُ لِصالِحٍ في شَيْءٍ مِمّا يَدْعُو بِهِ ثُمَّ قالَ جُنْدَعُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حِراشٍ وهو يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ ثَمُودَ: يا صالِحُ أخْرِجْ لَنا مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ لِصَخْرَةٍ مُنْفَرِدَةٍ ناحِيَةَ الحِجْرِ يُقالُ لَها الكاثِبَةُ ناقَةً مُخْتَرِجَةً أيْ تُشاكِلُ البُخْتَ أوْ مُخْرَجَةً عَلى خِلْقَةِ الجَمَلِ جَوْفاءَ وبْراءَ فَإنْ فَعَلْتَ صَدَّقْناكَ وآمَنّا بِكَ فَأخَذَ عَلَيْهِمْ صالِحٌ مَواثِيقَهم لَئِنْ فَعَلْتُ لَتُصَدِّقُنِّي ولَتُؤْمِنُّنَّ بِي قالُوا: نَعَمْ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ ودَعا رَبَّهُ فَتَمَخَّضَتِ الصَّخْرَةُ تَمَخُّضَ النَّتُوجِ بِوَلَدِها فاصَّدَّعَتْ عَنْ ناقَةٍ عُشَراءَ جَوْفاءَ وبْراءَ كَما وصَفُوا لا يَعْلَمُ ما بَيْنَ جَنْبَيْها إلّا اللَّهُ تَعالى عِظَمًا وهم يَنْظُرُونَ ثُمَّ نَتَجَتْ ولَدًا مِثْلَها في العِظَمِ فَآمَنَ بِهِ جُنْدَعُ ورَهْطٌ مِن قَوْمِهِ وأرادَ أشْرافُهم أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ فَمَنَعَهم ذُؤابُ بْنُ عَمْرِو بْنِ لَبِيدٍ والحَبابُ صاحِبُ أوْثانِهِمْ ورَبابُ بْنُ صُعَرَ كاهِنُهم فَلَمّا خَرَجَتِ النّاقَةُ قالَ لَهم: هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ فَمَكَثَتِ النّاقَةُ ومَعَها سَقْبُها في أرْضِهِمْ تَرْعى الشَّجَرَ وتَشْرَبُ الماءَ وكانَتْ تَرِدُ غِبًّا فَإذا كانَ يَوْمَها وضَعَتْ رَأْسَها في بِئْرِ الحِجْرِ يُقالُ لَهُ الآنَ بِئْرُ النّاقَةِ فَما تَرْفَعُ رَأْسَها حَتّى تَشْرَبَ كُلَّ ما فِيها ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَها وتَتَفَحَّجُ لَهم فَيَحْلِبُونَ ما شاءُوا مِنَ اللَّبَنِ فَيَشْرَبُونَ ويَدَّخِرُونَ ثُمَّ تَصْدُرُ مِن غَيْرِ الفَجِّ الَّذِي ورَدَتْ مِنهُ لا تَقْدِرُ تَصْدُرُ مِن حَيْثُ تَرِدُ لِضِيقِهِ عَنْها حَتّى إذا كانَ الغَدُ يَوْمَهم فَيَشْرَبُونَ ما شاءُوا ويَدَّخِرُونَ ما شاءُوا لِيَوْمِ النّاقَةِ ولَمْ يَزالُوا في سِعَةٍ ورَغَدٍ وكانَتِ النّاقَةُ تُصَيِّفُ إذا كانَ الحَرُّ بِظَهْرِ الوادِي فَتَهْرُبُ مِنها مَواشِيهِمْ وتَهْبِطُ إلى بَطْنِ الوادِي في حَرِّهِ وجَدْبِهِ وتَشْتُو في بَطْنِ الوادِي فَتَهْرُبُ مَواشِيهِمْ إلى ظَهْرِهِ في بَرْدٍ وجَدْبٍ فَأضَرَّ ذَلِكَ بِمَواشِيهِمْ لِلْأمْرِ الَّذِي يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعالى بِهِمْ والبَلاءِ والِاخْتِبارِ
صفحة 167
فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ فَأجْمَعُوا عَلى عَقْرِها وكانَتِ امْرَأتانِ مِن ثَمُودَ يُقالُ لِإحْداهُما عُنَيْزَةُ بِنْتُ غُنَيْمِ بْنِ مِجْلَزٍ وتُكَنّى بِأُمِّ غَنْمٍ وكانَتِ امْرَأةَ ذُؤابِ بْنِ عَمْرٍو وكانَتْ عَجُوزًا مُسِنَّةً ذاتَ بَناتٍ حِسانٍ وذاتَ مالٍ مِن إبِلٍ وبَقَرٍ وغَنَمٍ ويُقالُ لِلْأُخْرى صَدُوقٌ بِنْتُ المُخْتارِ وكانَتْ جَمِيلَةً غَنِيَّةً ذاتَ مَواشٍ كَثِيرَةٍ وكانَتْ مِن أشَدِّ النّاسِ عَداوَةً لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتا تُحِبّانِ عَقْرَ النّاقَةِ لِما أضَرَّتْ مِن مَواشِيهِما فَدَعَتْ صَدُوقٌ رَجُلًا يُقالُ لَهُ الحُبابُ لِعَقْرِ النّاقَةِ وعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَها إنْ هو فَعَلَ فَأبى فَدَعَتِ ابْنَ عَمٍّ لَها يُقالُ لَهُ مُصَدِّعُ بْنُ مُهَرِّجٍ وجَعَلَتْ لَهُ نَفْسَها إنْ هو فَعَلَ فَأجابَها إلى ذَلِكَ ودَعَتْ عُنَيْزَةُ أُمُّ غُنْمٍ قِدارَ بْنَ سالِفٍ وكانَ رَجُلًا أحْمَرَ أزْرَقَ قَصِيرًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ لِزَنِيَّةٍ ولَمْ يَكُنْ لِسالِفٍ لَكِنَّهُ وُلِدَ عَلى فِراشِهِ فَقالَتْ: أُعْطِيكَ أيَّ بَناتِي شِئْتَ عَلى أنْ تَعْقِرَ النّاقَةَ وكانَ عَزِيزًا مَنِيعًا في قَوْمِهِ فَرَضِيَ وانْطَلَقَ هو ومُصَدِّعٌ فاسْتَغْوَيا غُواةَ ثَمُودَ فاتَّبَعَهم سَبْعَةٌ فَكانُوا تِسْعَةَ رَهْطٍ فانْطَلَقُوا ورَصَدُوا النّاقَةَ حَتّى صَدَرَتْ عَنِ الماءِ وقَدْ كَمُنَ لَها قِدارٌ في أصْلِ صَخْرَةٍ عَلى طَرِيقِها وكَمُنَ لَها مُصَدِّعٌ في أصْلِ أُخْرى فَمَرَّتْ عَلى مُصَدِّعٍ فَرَماها بِسَهْمٍ فانْتَظَمَ بِهِ عَضَلَةُ ساقِها وخَرَجَتْ أُمُّ غُنْمٍ فَأمَرَتْ إحْدى بَناتِها وكانَتْ مِن أحْسَنِ النّاسِ وجْهًا فَسَفَرَتْ عَنْ وجْهِها لِيَراها قِدارٌ ثُمَّ حَثَّتْهُ عَلى عَقْرِها فَشَدَّ عَلى النّاقَةِ بِالسَّيْفِ فَكَشَفَ عَنْ عُرْقُوبِها فَخَرَّتْ ورَغَتْ رُغاةً واحِدَةً فَتَحَدَّرَ سَقْبُها مِنَ الجَبَلِ ثُمَّ طَعَنَ قِدارٌ في لَبَّتِها فَنَحَرَها فَخَرَجَ أهْلُ البَلْدَةِ فاقْتَسَمُوا لَحْمَها فَلَمّا رَأى سَقْبُها ذَلِكَ انْطَلَقَ هارِبًا حَتّى أتى جَبَلًا مَنِيعًا يُقالُ لَهُ قارَةُ فَرَغا ثَلاثًا وكانَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: أدْرِكُوا الفَصِيلَ عَسى أنْ يَدْفَعَ عَنْكُمُ العَذابَ فَخَرَجُوا في طَلَبِهِ فَرَأوْهُ عَلى الجَبَلِ ورامُوهُ فَلَمْ يَنالُوهُ وانْفَجَّتِ الصَّخْرَةُ بَعْدَ رُغائِهِ فَدَخَلَها فَقالَ لَهم صالِحٌ: لِكُلِّ رَغْوَةٍ أجَلُ يَوْمٍ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ.
وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّهُ تَبِعَ السَّقْبَ مِنَ التِّسْعَةِ أرْبَعَةٌ وفِيهِمْ مُصَدِّعٌ فَرَماهُ بِسَهْمٍ فَأصابَ قَلْبَهُ ثُمَّ جَرَّ بِرِجْلِهِ فَأنْزَلَهُ وألْقَوْا لَحْمَهُ مَعَ لَحْمِ أُمِّهِ وقالَ لَهم صالِحٌ: انْتَهَكْتُمْ حُرْمَةَ اللَّهِ تَعالى فَأبْشِرُوا بِعَذابِهِ ونِقْمَتِهِ فَكانُوا يَهْزَؤُونَ بِهِ ويَقُولُونَ مَتى هو وما آيَتُهُ فَقالَ: تُصْبِحُونَ غَدًا وكانَ يَوْمَ الخَمِيسِ ووُجُوهُكم مُصْفَرَّةٌ وبَعْدَ غَدٍ ووُجُوهُكم مُحَمَّرَةٌ واليَوْمَ الثّالِثَ ووُجُوهُكم مُسَوَّدَةٌ ثُمَّ يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ فَهَمَّ أُولَئِكَ الرَّهْطُ بِقَتْلِهِ فَأتَوْهُ لَيْلًا فَدَمَغَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ فَلَمّا أبْطَؤُوا عَلى أصْحابِهِمْ أتَوْا مَنزِلَ صالِحٍ فَوَجَدُوهم قَدْ رُضِخُوا بِالحِجارَةِ فَقالُوا لِصالِحٍ أنْتَ قَتَلْتَهم ثُمَّ هَمُّوا بِهِ فَمَنَعَ عَنْهُ عَشِيرَتُهُ ثُمَّ لَمّا رَأوُا العَلاماتِ طَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ فَهَرَبَ ولَحِقَ بِحَيٍّ مِن ثَمُودَ يُقالُ لَهم: بَنُو غُنْمٍ فَنَزَلَ عَلى سَيِّدِهِمْ واسْمُهُ نُفَيْلٌ ويُكَنّى بِأبِي هُدْبٍ فَطَلَبُوهُ مِنهُ فَقالَ لَيْسَ لَكم إلَيْهِ سَبِيلٌ فَتَرَكُوهُ وشَغَلَهم ما نَزَلَ بِهِمْ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ إلى الشّامِ فَنَزَلَ رَمَلَةَ فِلَسْطِينَ ولَمّا كانَ اليَوْمُ الرّابِعُ وارْتَفَعَ الضُّحى تَحَنَّطُوا بِالصَّبْرِ وتَكَفَّنُوا بِالأنْطاعِ فَأتَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم وهَلَكُوا جَمِيعًا إلّا جارِيَةً مُقْعَدَةً يُقالُ لَها ذَرِيعَةُ بِنْتُ سِلْفٍ وكانَتْ كافِرَةً شَدِيدَةَ العَداوَةِ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأطْلَقَ اللَّهُ تَعالى رِجْلَيْها بَعْدَ أنْ عايَنَتِ العَذابَ فَخَرَجَتْ مُسْرِعَةً حَتّى أتَتْ وادِيَ القِرى فَأخْبَرَتْهُمُ الخَبَرَ ثُمَّ اسْتَسْقَتْ ماءً فَسُقِيَتْ فَلَمّا شَرِبَتْ ماتَتْ وكانَ رَجُلٌ مِنهم يُقالُ لَهُ: أبُو رِغالٍ وهو أبُو ثَقِيفٍ في حَرَمِ اللَّهِ تَعالى فَمَنَعَهُ الحَرَمُ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى فَلَمّا خَرَجَ أصابَهُ ما أصابَهم فَدُفِنَ ومَعَهُ غُصْنٌ مِن ذَهَبٍ ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَبْرِهِ فَأخْبَرَ بِخَبَرِهِ فابْتَدَرَهُ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِأسْيافِهِمْ فَحَفَرُوا عَنْهُ واسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ الغُصْنَ ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ في مِائَةٍ وعِشْرِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ وهو يَبْكِي فالتَفَتَ فَرَأى الدُّخانَ ساطِعًا فَعَلِمَ أنَّهم قَدْ هَلَكُوا
صفحة 168
وكانُوا ألْفًا وخَمْسَمِائَةِ دارٍ ورُوِيَ أنَّهُ رَجَعَ بِمَن مَعَهُ فَسَكَنُوا دِيارَهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبٍ قالَ: إنَّ صالِحًا لَمّا نَجا هو والَّذِينَ مَعَهُ قالَ: يا قَوْمِ إنَّ هَذِهِ دارٌ قَدْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْها وعَلى أهْلِها فاظْعَنُوا والحَقُوا بِحَرَمِ اللَّهِ تَعالى وأمْنِهِ فَأهَلُّوا مِن ساعَتِهِمْ بِالحَجِّ وانْطَلَقُوا حَتّى ورَدُوا مَكَّةَ فَلَمْ يَزالُوا بِها حَتّى ماتُوا فَتِلْكَ قُبُورُهم في غَرْبِيِّ الكَعْبَةِ ورَوى ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرٍ «أنَّ نَبِيَّنا ﷺ لَمّا مَرَّ بِالحِجْرِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِأصْحابِهِ: لا يَدْخُلَنَّ أحَدٌ مِنكُمُ القَرْيَةَ ولا تَشْرَبُوا مِن مائِها ولا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ الَّذِي أصابَهم» وذَكَرَ مُحْيِي السُّنَّةِ البَغَوِيُّ أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَعَ صالِحٍ كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ وأنَّهُ خَرَجَ بِهِمْ إلى حَضْرَمَوْتَ فَلَمّا دَخَلَها ماتَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَسُمِّيَتْ لِذَلِكَ حَضْرَمَوْتَ ثُمَّ بَنى الأرْبَعَةُ آلافٍ مَدِينَةً يُقالُ لَها حاضُوراءُ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ قَوْمٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ تُوفِّيَ بِمَكَّةَ وهو ابْنُ ثَمانٍ وخَمْسِينَ سَنَةً ولَعَلَّهُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ وجاءَ أنَّ أشْقى الأوَّلِينَ عاقِرُ النّاقَةِ وأشْقى الآخِرِينَ قاتِلُعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وقَدْ أخْبَرَ ﷺ بِذَلِكَ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكَرَّمَ وجْهَهُ وعِنْدِي أنَّ أشْقى الآخِرِينَ أشْقى مِن أشْقى الأوَّلِينَ والفَرْقُ بَيْنَهُما كالفَرْقِ بَيْنَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ والنّاقَةِ وقَدِ أشارَتِ الأخْبارُ بَلْ نَطَقَتْ بِأنَّ قاتِلَ الأمِيرِ كانَ مُسْتَحِلًّا قَتْلَهُ بَلْ مُعْتَقَدًا الثَّوابَ عَلَيْهِ وقَدْ مَدَحَهُ أصْحابُهُ عَلى ذَلِكَ فَقالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ غَضِبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ.
يا ضَرْبَةً مِن تَقِيٍّ ما أرادَ بِها إلّا لِيَبْلُغَ مِن ذِي العَرْشِ رِضْوانا
إنِّي لَأذْكُرُهُ يَوْمًا فَأحْسَبُهُ ∗∗∗ أوْفى البَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزانا
ولِلَّهِ دَرُّ مَن قالَ.
يا ضَرْبَةً مِن شَقِيٍّ أوْرَدَتْهُ لَظى ∗∗∗ فَسَوْفَ يَلْقى بِها الرَّحْمَنَ غَضْبانا
كَأنَّهُ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا بِضَرْبَتِهِ ∗∗∗ إلّا لِيَصْلى غَدًا في الحَشْرِ نِيرانا
إنِّي لَأذْكُرُهُ يَوْمًا فَألْعَنُهُ ∗∗∗ كَذاكَ ألْعَنُ عِمْرانَ بْنَ حِطّانا
وكَوْنُ فِعْلِهِ كانَ عَنْ شُبْهَةٍ تُنْجِيهِ مِمّا لا شُبْهَةَ في كَوْنِهِ ضَرْبًا مِنَ الهَذَيانِ ولَوْ كانَ مِثْلُ تِلْكَ الشُّبْهَةِ مُنْجِيًا مِن عَذابِ مِثْلِ هَذا الذَّنْبِ فَلْيَفْعَلِ الشَّخْصُ ما شاءَ سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ وقَدْ ضُرِبَتْ بِقِدارٍ عاقِرِ النّاقَةِ الأمْثالُ وما ألْطَفَ قَوْلَ عِمارَةَ اليَمَنِيِّ.
لا تَعْجَبا لِقِدارِ ناقَةِ صالِحٍ ∗∗∗ فَلِكُلِّ عَصْرٍ ناقَةٌ وقِدارُ
وفِي هَذِهِ القِصَّةِ رِواياتٌ أُخَرُ تَرَكْناها اقْتِصارًا عَلى ما تَقَدَّمَ لِأنَّهُ أشْهَرُ
7:80Page 160
وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٠
And [We had sent] Lot when he said to his people, "Do you commit such immorality as no one has preceded you with from among the worlds [i.e., peoples]?
﴿ولُوطًا﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ أيْ أرْسَلْنا مَعْطُوفٌ عَلى ما سَبَقَ أوْ بِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى تَقْدِيرٍ وإنَّما لَمْ يُذْكَرِ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ عَلى طُرُزِ ما سَبَقَ وما لَحِقَ لِأنَّ قَوْمَهُ عَلى ما قِيلَ لَمْ يُعْهَدُوا باسِمٍ مَعْرُوفٍ يَقْتَضِي الحالُ ذِكْرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُضافًا إلَيْهِمْ كَما في القِصَصِ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ وهو ابْنُ هارانَ بْنِ تارَخَ وابْنُ إسْحاقَ ذَكَرَ بَدَلَ تارَخَ مازَرَ وأكْثَرُ النَّسّابِينَ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ ﷺ ورَواهُ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَدَ أنَّ أبا لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمُّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: إنَّ لُوطًا كانَ ابْنَ خالَةِ إبْراهِيمَ وكانَتْ سارَةُ زَوْجَتُهُ أُخْتَ لُوطٍ وكانَ في أرْضِ بابِلَ مِنَ العِراقِ مَعَ إبْراهِيمَ فَهاجَرَ
صفحة 169
إلى الشّامِ ونَزَلَ فِلَسْطِينَ وأنْزَلَ لُوطًا الأُرْدُنَ وهو كُرَةٌ بِالشّامِ فَأرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى أهْلِ سَدُومَ وهي بَلْدَةٌ بِحِمْصٍ.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُرْسِلَ لُوطٌ إلى المُؤْتَفِكاتِ وكانَتْ قُرى لُوطٍ أرْبَعَ مَدائِنَ سَدُومَ وأُمُورا وعامُورا وصَبُوِيرَ وكانَ في كُلِّ قَرْيَةٍ مِائَةُ ألْفِ مُقاتِلٍ وكانَتْ أعْظَمَ مَدائِنِهِمْ سَدُومُ وكانَ لُوطٌ يَسْكُنُها وهي مِن بِلادِ الشّامِ ومِن فِلَسْطِينَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ وهَذا اللَّفْظُ عَلى ما قالَ الزَّجّاجُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ غَيْرُ مُشْتَقٍّ مِن لِطْتُ الحَوْضَ إذا ألْزَقْتُ عَلَيْهِ الطِّينَ ويُقالُ: هَذا ألْوَطُ بِقَلْبِي مِن ذَلِكَ أيْ ألْصَقُ بِهِ ولاطَ الشَّيْءَ أخْفاهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ ظَرْفٌ لِأرْسَلْنا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ واعْتُرِضَ بِأنَّ الإرْسالَ قَبْلَ وقْتِ القَوْلِ لا فِيهِ كَما تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الظَّرْفِيَّةُ ودُفِعَ بِأنَّهُ يُعْتَبَرُ الظَّرْفُ مُمْتَدًّا كَما يُقالُ زَيْدٌ في أرْضِ الرُّومِ فَهو ظَرْفٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ يُعْتَبَرُ وُقُوعُ المَظْرُوفِ في بَعْضٍ أجْزائِهِ كَما قَرَّرَهُ القُطْبُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( لُوطًا ) مَنصُوبًا بِاذْكُرْ مَحْذُوفًا فَيَكُونُ في عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ و﴿إذْ﴾ بَدَلٌ مِن لُوطٍ بَدَلَ اشْتِمالٍ بِناءً عَلى أنَّها تَلْزَمُ الظَّرْفِيَّةَ وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ ظَرْفُ الرِّسالَةِ مَحْذُوفًا أيْ واذْكُرْ رِسالَةَ لُوطٍ إذْ قالَ ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ أيْ أتَفْعَلُونَ تِلْكَ الفِعْلَةَ الَّتِي بَلَغَتْ أقْصى القُبْحِ وغايَتَهُ ﴿ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾ (80) أيْ ما عَمِلَها أحَدٌ قَبْلَكم في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ فالباءُ لِلتَّعْدِيَةِ كَما في الكَشّافِ مِن قَوْلِكَ: سَبَقْتُهُ بِالكُرَةِ إذا ضَرَبْتَها قَبْلَهُ ومِنهُ ما صَحَّ مِن قَوْلِهِ ﷺ «سَبَقَكَ بِها عُكاشَةُ» وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ مَعْنى التَّعْدِيَةِ هُنا قَلِقٌ جِدًّا لِأنَّ الباءَ المُعَدِّيَةَ في الفِعْلِ المُعَدّى إلى واحِدٍ تَجْعَلُ المَفْعُولَ الأوَّلَ يَفْعَلُ ذَلِكَ الفِعْلَ بِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ الباءُ فَهي كالهَمْزَةِ فَإذا قُلْتَ صَكَكْتُ الحَجَرَ بِالحَجَرِ كانَ مَعْناهُ أصْكَكْتُ الحَجَرَ الحَجَرَ أيْ جَعَلْتُ الحَجَرَ يَصُكُّ الحَجَرَ وكَذَلِكَ دَفَعْتُ زَيْدًا بِعَمْرٍو عَنْ خالِدٍ مَعْناهُ أدْفَعْتُ زَيْدًا عَمْرًا عَنْ خالِدٍ أيْ جَعَلْتُ زَيْدًا يَدْفَعُ عَمْرًا عَنْ خالِدٍ فَلِلْمَفْعُولِ الأوَّلِ تَأْثِيرٌ عَلى الثّانِي ولا يَصِحُّ هَذا المَعْنى فِيما ذُكِرَ إلّا بِتَكَلُّفٍ فالظّاهِرُ أنَّ الباءَ لِلْمُصاحَبَةِ أيْ ما سَبَقَكم أحَدٌ مُصاحِبًا ومُلْتَبِسًا بِها ودُفِعَ أنَّ المَعْنى عَلى التَّعْدِيَةِ ومَعْنى سَبَقْتُهُ بِالكُرَةِ أسْبَقْتُ كُرَتِي كُرَتَهُ لِأنَّ السَّبْقَ بَيْنَهُما لا بَيْنَ الشَّخْصَيْنِ أوِ الضَّرْبَتَيْنِ وكَذا في الآيَةِ ومِثْلُهُ يُفْهَمُ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ وقالَ القُطْبُ الرّازِيُّ: إنَّ المَعْنى سَبَقْتُ ضَرْبَهُ الكَرَّةَ بِضَرْبِي الكَرَّةَ أيْ جَعَلْتُ ضَرْبِيَ الكَرَّةَ سابِقًا عَلى ضَرْبِهِ الكَرَّةَ ثُمَّ اسْتَظْهَرَ جَعْلَ الباءِ لِلظَّرْفِيَّةِ لِعَدَمِ احْتِياجِهِ إلى ما يَحْتاجُهُ جَعْلُها لِلتَّعْدِيَةِ أيْ ما سَبَقَكم في فِعْلِ الفاحِشَةِ أحَدٌ ولَعَلَّ الأمْرَ كَما قالَ و( مِنَ ) الأُولى صِلَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ والثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا نَحْوِيًّا مَسُوقَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَشْدِيدِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَيانِيًّا كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ لا نَأْتِيها فَقالَ: ما سَبَقَكم بِها أحَدٌ فَلا تَفْعَلُوا ما لَمْ تُسْبَقُوا إلَيْهِ مِنَ المُنْكَراتِ لِأنَّهُ أشَدُّ ولا يُتَوَهَّمُ أنَّ سَبَبَ إنْكارِ الفاحِشَةِ كَوْنُها مُخْتَرَعَةً ولَوْلاهُ لَما أُنْكِرَتْ إذْ لا مَجالَ لَهُ بَعْدَ كَوْنِها فاحِشَةً ووَجْهُ كَوْنِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤَكِّدَةً لِلنَّكِيرِ أنَّها مُؤْذِنَةٌ بِاخْتِراعِ السُّوءِ ولا شَكَّ أنَّ اخْتِراعَهُ أسْوَأُ إذْ لا مَجالَ لِلِاعْتِذارِ عَنْهُ كَما اعْتَذَرُوا عَنْ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ مَثَلًا بِقَوْلِهِمْ: ( إنّا وجَدْنا آباءَنا ) .
وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ أوِ الفاعِلِ والنَّيْسابُورِيُّ جَوَّزَ كَوْنَها صِفَةً لِلْفاحِشَةِ
صفحة 170
عَلى حَدِّ:
ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
ورُدَّ بِأنَّ الفاحِشَةَ هُنا مُتَعَيَّنَةٌ دُونَ اللَّئِيمِ وكَيْفَما كانَ فالمُرادُ مِن نَفْيِ سَبْقِ أحَدٍ بِها إيّاهم كَوْنُهم سابِقِينَ بِها كُلَّ أحَدٍ مِمّا عَداهم مِنَ العالَمِينَ لا مُساواتُهُمُ الغَيْرَ بِها فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ ما نَزا ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ حَتّى كانَ قَوْمُ لُوطٍ والَّذِي حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ كَما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم كانَتْ لَهم ثِمارٌ في مَنازِلِهِمْ وحَوائِطِهِمْ وثِمارٌ خارِجَةٌ عَلى ظَهْرِ الطَّرِيقِ وأنَّهم أصابَهم قَحْطٌ وقِلَّةٌ مِنَ الثِّمارِ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّكم إنْ مُنِعْتُمْ ثِمارَكم هَذِهِ الظّاهِرَةَ مِن أبْناءِ السَّبِيلِ كانَ لَكم فِيها عَيْشٌ قالُوا: بِأيِّ شَيْءٍ نَمْنَعُها قالُوا: اجْعَلُوا سُنَّتَكم أنْ تَنْكِحُوا مَن وجَدْتُمْ في بِلادِكم غَرِيبًا وتُغَرِّمُوهُ أرْبَعَةَ دَراهِمَ فَإنَّ النّاسَ لا يَظْهَرُونَ بِبِلادِكم إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَفَعَلُوهُ واسْتَحْكَمَ فِيهِمْ وفي بَعْضِ الطُّرُقِ أنَّ إبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ جاءَهم عِنْدَ ذِكْرِهِمْ ما ذَكَرُوا في هَيْئَةِ صَبِيٍّ أجْمَلَ صَبِيٍّ رَآهُ النّاسُ فَدَعاهم إلى نَفْسِهِ فَنَكَحُوهُ ثُمَّ جَرُؤُوا عَلى ذَلِكَ وجاءَ في رِوايَةِ ابْنِ أبِي الدُّنْيا عَنْ طاوُسٍ أنَّ قَوْمَ لُوطٍ إنَّما أتَوُا النِّساءَ في أدْبارِهِنَّ ثُمَّ أتَوُا الرِّجالَ وفي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ العالَمِينَ﴾ دُونَ مِنَ النّاسِ مُبالَغَةً لا تَخْفى.
7:81Page 160
إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ٨١
Indeed, you approach men with desire, instead of women. Rather, you are a transgressing people."
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ يَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ البَيانِيَّ والنَّحْوِيَّ وهو مُبَيِّنٌ لِتِلْكَ الفاحِشَةِ والإتْيانُ هُنا بِمَعْنى الجِماعِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وجَماعَةٌ ( أئِنَّكم ) بِمِهْمَزَتَيْنِ صَرِيحَتَيْنِ ومِنهم مَن قَرَأ بِتَلْيِينِ الثّانِيَةِ بِغَيْرِ مَدٍّ ومِنهم مَن مَدَّ وهو حِينَئِذٍ تَأْكِيدٌ لِلْإنْكارِ السّابِقِ وتَشْدِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ وفي الإتْيانِ بِأنَّ واللّامِ مَزِيدَةُ تَقْبِيحٍ وتَقْرِيعٍ كَأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا يَتَحَقَّقُ صُدُورُهُ عَنْ أحَدٍ فَيُؤَكَّدُ تَأْكِيدًا قَوِيًّا وفي إيرادِ لَفْظِ ( الرِّجالَ ) دُونَ الغِلْمانِ والمُرْدانِ ونَحْوِهِما كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مُبالَغَةٌ في التَّوْبِيخِ كَأنَّهُ قالَ: لَتَأْتُونَ أمْثالَكم ﴿شَهْوَةً﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ لِأجْلِ الِاشْتِهاءِ لا غَيْرَ أوْ عَلى الحالِيَّةِ بِتَأْوِيلِ مُشْتَهِينَ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ وناصِبُهُ ( تَأْتُونَ ) لِأنَّهُ بِمَعْنى تَشْتَهُونَ وفي تَقْيِيدِ الجِماعِ الَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنِ الشَّهْوَةِ بِها إيذانٌ بِوَصْفِهِمْ بِالبَهِيمِيَّةِ الصِّرْفَةِ وأنْ لَيْسَ غَرَضُهم إلّا قَضاءَ الشَّهْوَةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ وتَقْرِيعَهم عَلى اشْتِهائِهِمْ تِلْكَ الفِعْلَةَ القَذِرَةَ الخَبِيثَةَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحَلُّ الِاشْتِهاءِ عِنْدَ ذَوِي الطِّباعِ السَّلِيمَةِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (81) فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( تَأْتُونَ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الرِّجالِ عَلى ما قالَهُ أبُو البَقاءِ أيْ تَأْتُونَهم مُنْفَرِدِينَ عَنِ النِّساءِ وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِشَهْوَةٍ عَلى ما قِيلَ واسْتُبْعِدَ تَعَلُّقُهُ بِهِ و( بَلْ ) لِلْإضْرابِ وهو إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ عَنِ الإنْكارِ المَذْكُورِ إلى الإخْبارِ بِما أدّى إلى ذَلِكَ وهو اعْتِيادُ الإسْرافِ في كُلِّ شَيْءٍ أوْ إلى بَيانِ اسْتِجْماعِهِمْ لِلْعُيُوبِ كُلِّها.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إضْرابًا عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو ما تَوَهَّمُوهُ مِنَ العُذْرِ في ذَلِكَ أيْ لا عُذْرَ لَكم فِيهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الإسْرافُ والخُرُوجُ عَنِ الحُدُودِ وهَذا في مَعْنى ذَمِّهِمْ بِالجَهْلِ كَما في سُورَةِ النَّمْلِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِالِاسْمِ هُنا وبِالفِعْلِ هُناكَ لِمُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآيِ المُتَقَدِّمَةِ في كُلٍّ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.
7:82Page 161
وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ ٨٢
But the answer of his people was only that they said, "Evict them from your city! Indeed, they are men who keep themselves pure."
﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ أيِ المُسْتَكْبِرِينَ مِنهُمُ المُتَصَدِّينَ لِلْعَقْدِ والحِلِّ ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ أيْ ما كانَ
صفحة 171
جَوابَهم شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا قَوْلُهم أيْ لِبَعْضِهِمُ الآخَرِينَ المُباشِرِينَ لِلْأُمُورِ أوْ ما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ الَّذِينَ خاطَبَهم بِما خاطَبَهم شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا قَوْلَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مُعْرِضِينَ عَنْ مُخاطَبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أخْرِجُوهُمْ﴾ أيْ لُوطًا ومَن مَعَهُ ﴿مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ أيْ بَلْدَتِكُمُ الَّتِي أُجْمِعْتُمْ فِيها وسَكَنْتُمْ بِها والنَّظْمُ الكَرِيمُ مِن قَبِيلِ.
تَحِيَّةٌ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعٌ
والقَصْدُ مِنهُ نَفْيُ الجَوابِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ لِأنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الِاسْتِثْناءِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِكَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إنْكارِ الفاحِشَةِ وتَعْظِيمِ أمْرِها ووَسْمِهِمْ بِما هو أصْلُ الشَّرِّ كُلِّهِ ولَوْ قِيلَ: وقالُوا أخْرِجُوهم لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ المَثابَةِ مِنَ الإفادَةِ.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (82) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإخْراجِ ومَقْصُودُ الأشْقِياءِ بِهَذا الوَصْفِ السُّخْرِيَةُ بِلُوطٍ ومَن مَعَهُ وبِتَطَهُّرِهِمْ مِنَ الفَواحِشِ وتَباعُدِهِمْ عَنْها وتَنَزُّهِهِمْ عَمّا في المَحاشِّ والِافْتِخارُ بِما كانُوا فِيهِ مِنَ القَذارَةِ كَما يَقُولُ الشُّطّارُ مِنَ الفَسَقَةِ لِبَعْضِ الصُّلَحاءِ إذا وعَظَهم: أخْرِجُوا عَنّا هَذا المُتَقَشِّفَ وأرِيحُونا مِن هَذا المُتَزَهِّدِ وقُرِئَ بِرَفْعِ ( جَوابُ ) عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ و﴿إلا أنْ قالُوا﴾ .. إلَخْ. خَبَرٌ قِيلَ: وهو أظْهَرُ وإنْ كانَ الأوَّلُ أقْوى في الصِّناعَةِ لِأنَّ الأعْرافَ أحَقُّ بِالِاسْمِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَتَذَكَّرْ.
وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهم لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم في مُقابَلَةِ كَلامِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَواعِظِهِ إلّا هَذِهِ المَقالَةُ الباطِلَةُ كَما يَنْساقُ إلى الذِّهْنِ بَلْ إنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم في المَرَّةِ الأخِيرَةِ مِن مَرّاتِ المُحاوَراتِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهم إلّا هَذِهِ الكَلِمَةُ الشَّنِيعَةُ وإلّا فَقَدْ صَدَرَ عَنْهم قَبْلَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ التُّرَّهاتِ كَما حُكِيَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الكِتابِ الكَرِيمِ وكَذا يُقالُ في نَظائِرِهِ قِيلَ: وإنَّما جِيءَ بِالواوِ في ﴿وما كانَ﴾ .. إلَخْ. دُونَ الفاءِ كَما في النَّمْلِ والعَنْكَبُوتِ لِوُقُوعِ الِاسْمِ قَبْلُ هُنا والفِعْلِ هُناكَ والتَّعْقِيبُ بِالفِعْلِ بَعْدَ الفِعْلِ حَسَنٌ دُونَ التَّعْقِيبِ بِهِ بَعْدَ الِاسْمِ وفِيهِ تَأمُّلٌ.
ولَعَلَّ ذِكْرَ ﴿أخْرِجُوهُمْ﴾ هُنا و﴿أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ في النَّمْلِ إشارَةٌ إلى أنَّهم قالُوا مَرَّةً هَذا وأُخْرى ذاكَ أوْ أنَّ بَعْضًا قالَ كَذا وآخَرَ قالَ كَذا وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: إنَّما جاءَ في النَّمْلِ ﴿أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ لِيَكُونَ تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الكِنايَةِ وقِيلَ: إنَّ تِلْكَ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ الأعْرافِ وقَدْ صُرِّحَ في الأُولى وكُنِّيَ في الثّانِيَةِ. اهـ. ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوْلى فَتَأمَّلْ.
7:83Page 161
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٨٣
So We saved him and his family, except for his wife; she was of those who remained [with the evildoers].
﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ أيْ مَنِ اخْتَصَّ بِهِ واتَّبَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ سَواءً مِن ذَوِي قَرابَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أمْ لا وقِيلَ: ابْنَتاهُ رَيْثا ويَغُوثا ولِلْأهْلِ مَعانٍ ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ وهو عِنْدَ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في بابِ الوَصِيَّةِ الزَّوْجَةُ لِلْعُرْفِ ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾ ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ فَتُدْفَعُ الوَصِيَّةُ لَها إنْ كانَتْ كِتابِيَّةً أوْ مُسْلِمَةً وأجازَتِ الوَرَثَةُ وعِنْدَ الإمامَيْنِ أهْلِ الزَّجَلِ كُلُّ مَن في عِيالِهِ ونَفَقَتِهِ غَيْرَ مَمالِكِيهِ ووَرَثَتِهِ وقَوْلُهُما كَما في شَرْحِ التَّكْمِلَةِ اسْتِحْسانٌ وأيَّدَهُ ابْنُ الكَمالِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ فِيها أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الزَّوْجَةِ أصْلًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلا امْرَأتَهُ﴾ فَإنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن أهْلِهِ وحِينَئِذٍ لا يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الكَلامَ في المُطْلَقِ عَلى القَرِينَةِ لا في الأهْلِ مُطْلَقًا واسْمُ امْرَأتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ واهِلَةُ وقِيلَ: والِهَةُ ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ (83) أيْ بَعْضًا مِنهم فالتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ ولِبَيانِ اسْتِحْقاقِها لِما يَسْتَحِقُّهُ المُباشِرُونَ لِلْفاحِشَةِ وكانَتْ تُسِرُّ الكُفْرَ وتُوالِي أهْلَهُ فَهَلَكَتْ كَما هَلَكُوا.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى كانَتْ مَعَ القَوْمِ الغابِرِينَ فَلا تَغْلِيبَ والغابِرُ بِمَعْنى الباقِي ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
فَغَبَرَتْ بَعْدَهم بِعَيْشٍ ناصِبِ
ويَجِيءُ بِمَعْنى الماضِي والذّاهِبِ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: في الزَّمَنِ الغابِرِ فَهو مِنَ الأضْدادِ كَما في الصِّحاحِ وغَيْرِهِ ويَكُونُ بِمَعْنى الهالِكِ أيْضًا وفي بَقاءِ امْرَأتِهِ مَعَ أُولَئِكَ القَوْمِ رِوايَتانِ ثانِيَتُهُما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَها مَعَ أهْلِهِ ونَهاهم عَنِ الِالتِفاتِ فالتَفَتَتْ هي فَأصابَها حَجَرٌ فَهَلَكَتْ والآيَةُ هُنا مُحْتَمِلَةٌ لِلْأمْرَيْنِ
صفحة 172
والحَسَنُ وقَتادَةُ أنَّ الغُبُورَ هُنا بِالبَقاءِ في عَذابِ اللَّهِ تَعالى وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةٌ لِهَذا الكَلامِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا نَشَأ عَنِ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُها فَقِيلَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences