Al-AlusiAl‑A'raf · 7:84–85

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:84–85

7:84Page 161

وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٨٤

And We rained upon them a rain [of stones]. Then see how was the end of the criminals.

﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أيْ نَوْعًا مِنَ المَطَرِ عَجِيبًا وقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ وفي الخازِنِ أنَّ تِلْكَ الحِجارَةَ كانَتْ مَعْجُونَةً بِالكِبْرِيتِ والنّارِ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ خُسِفَ بِالمُقِيمِينَ مِنهم وأُمْطِرَتِ الحِجارَةُ عَلى مُسافِرِيهِمْ وُشُذّادِهِمْ حَتّى أنَّ تاجِرًا مِنهم كانَ في الحَرَمِ فَوَقَفَتْ لَهُ حَجَرٌ أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى قَضى تِجارَتَهُ وخَرَجَ مِنَ الحَرَمِ فَوَقَعَ عَلَيْهِ وفُرِّقَ بَيْنَ مُطِرَ وأُمْطِرَ فَعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ الثُّلاثِيَّ في الرَّحْمَةِ والرُّباعِيَّ في العَذابِ ومِثْلُهُ عَنِ الرّاغِبِ وفي الصِّحاحِ عَنْ أُناسٍ أنَّ أُمْطِرَتِ السَّماءُ وأمْطَرَتْ بِمَعْنًى وفي القامُوسِ لا يُقالُ أمْطَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلّا في العَذابِ وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ في الأنْفالِ التَّرادُفُ كَما في الصِّحاحِ لَكِنَّهُ قالَ: وقَدْ كَثُرَ الإمْطارُ في مَعْنى العَذابِ وذُكِرَ هُنا أنَّهُ يُقالُ: مَطَرَتْهُمُ السَّماءُ ووادٍ مَمْطُورٌ ويُقالُ: أمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ كَذا أيِ أرْسَلَتْهُ إرْسالَ المَطَرِ وحاصِلُ الفَرْقِ كَما في الكَشْفِ مُلاحَظَةُ مَعْنى الإصابَةِ في الأوَّلِ والإرْسالِ في الثّانِي ولِهَذا عُدِّيَ بِعَلى وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ مَقْصُودَ الزَّمَخْشَرِيِّ الرَّدُّ عَلى مَن يَقُولُ: إنَّ مُطِرَتْ في الخَيْرِ وأُمْطِرَتْ في الشَّرِّ ويُتَوَهَّمُ أنَّها تَفْرِقَةٌ وضْعِيَّةٌ فَبَيَّنَ أنَّ أُمْطِرَتْ مَعْناهُ أرْسَلَتْ شَيْئًا عَلى نَحْوِ المَطَرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ إيّاهُ حَتّى لَوْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ السَّماءِ أنْواعًا مِنَ الخَيْرِ لَجازَ أنْ يُقالَ فِيهِ أمْطَرَتِ السَّماءُ خَيْرًا أيْ أرْسَلَتْهُ إرْسالَ المَطَرِ فَلَيْسَ لِلشَّرِّ خُصُوصِيَّةٌ في هَذِهِ الصِّيغَةِ الرُّباعِيَّةِ ولَكِنِ اتُّفِقَ أنَّ السَّماءَ لَمْ تُرْسِلْ شَيْئًا سِوى المَطَرِ إلّا وكانَ عَذابًا فَظُنَّ أنَّ الواقِعَ اتِّفاقًا مَقْصُودٌ في الوَضْعِ ولَيْسَ بِهِ. انْتَهى. ويُعْلَمُ مِنهُ كَما في الشِّهابِ أنَّ كَلامَ أبِي عُبَيْدَةَ وأضْرابِهِ مُؤَوَّلٌ وإنْ رُدَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ فَإنَّهُ عَنى بِهِ الرَّحْمَةَ ولا يَخْفى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: إنَّ التَّفْرِقَةَ الِاسْتِعْمالِيَّةَ إنَّما هي بَيْنَ الفِعْلَيْنِ دُونَ مُتَصَرِّفاتِهِما لَمْ يَتَأتَّ هَذا الرَّدُّ إلّا أنَّ كَلامَهم غَيْرُ صَرِيحٍ في ذَلِكَ ولَعَلَّ البَعْضَ صَرَّحَ بِما يُخالِفُهُ ثُمَّ إنَّ ﴿مَطَرًا﴾ إمّا مَفْعُولٌ بِهِ أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ مَآلُ أُولَئِكَ الكافِرِينَ المُقْتَرِفِينَ لِتِلْكَ الفِعْلَةِ الشَّنْعاءِ وهَذا خِطابٌ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ التَّأمُّلُ والنَّظَرُ تَعَجُّبًا مِن حالِهِمْ وتَحْذِيرًا مِن أفْعالِهِمْ وقَدْ مَكَثَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِمْ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ ثَلاثِينَ سَنَةً يَدْعُوهم إلى ما فِيهِ صَلاحُهم فَلَمْ يُجِيبُوهُ وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرْكَبُ عَلى حِمارِهِ فَيَأْتِيهِمْ ويَنْصَحُهم فَيَأْبَوْنَ أنْ يَقْبَلُوا فَكانَ يَأْتِي بَعْدَ أنْ أيِسَ مِنهم فَيَنْظُرُ إلى سَدُومَ ويَقُولُ سَدُومُ أيُّ يَوْمٍ لَكِ مِنَ اللَّهِ تَعالى سَدُومُ حَتّى بَلَغَ الكِتابُ أجَلَهُ فَكانَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ ﷺ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَفْصِيلُ ذَلِكَ.

ثُمَّ إنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ لَمّا عُذِّبَ قَوْمُهُ لَحِقَ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وفي هَذِهِ الآياتِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللِّواطَةَ مِن أعْظَمِ الفَواحِشِ.

وجاءَ في خَبَرٍ أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وصَحَّحَهُ الحاكِمُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَعَنَ اللَّهُ تَعالى سَبْعَةً مِن خَلْقِهِ فَوْقَ سَبْعِ سَمَواتٍ فَرَدَّدَ لَعْنَةً عَلى واحِدٍ مِنهم ثَلاثًا ولَعَنَ بَعْدَ كُلِّ واحِدٍ لَعْنَةً لَعْنَةً فَقالَ: مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَلْعُونٌ مَن عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ» الحَدِيثَ وجاءَ أيْضًا «أرْبَعَةٌ يُصْبِحُونَ في غَضَبِ اللَّهِ تَعالى ويُمْسُونَ في سَخَطِ اللَّهِ تَعالى وعَدَّ مِنهم مَن يَأْتِي الرَّجُلَ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وغَيْرُهُ عَنْ

صفحة 173

مُجاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الَّذِي يَعْمَلُ ذَلِكَ العَمَلَ لَوِ اغْتَسَلَ بِكُلِّ قَطْرَةٍ مِنَ السَّماءِ وكُلِّ قَطْرَةٍ مِنَ الأرْضِ لَمْ يَزَلْ نَجِسًا أيْ أنَّ الماءَ لا يُزِيلُ عَنْهُ ذَلِكَ الإثْمَ العَظِيمَ الَّذِي بَعَّدَهُ عَنْ رَبِّهِ والمَقْصُودُ تَهْوِيلُ أمْرِ تِلْكَ الفاحِشَةِ.

وألْحَقَ بِها بَعْضُهُمُ السِّحاقَ وبَدَأ أيْضًا في قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَتِ المَرْأةُ تَأْتِي المَرْأةَ فَعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنَّما حَقَّ القَوْلُ عَلى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ اسْتَغْنى النِّساءُ بِالنِّساءِ والرِّجالُ بِالرِّجالِ.

وعَنْ أبِي حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَذَّبَ اللَّهُ تَعالى نِساءَ قَوْمِ لُوطٍ بِعَمَلِ رِجالِهِمْ فَقالَ: اللَّهُ تَعالى أعْدَلُ مِن ذَلِكَ اسْتَغْنى الرِّجالُ بِالرِّجالِ والنِّساءُ بِالنِّساءِ وآخَرُونَ إتْيانُ المَرْأةِ في عَجِيزَتِها واسْتَدَلَّ بِما أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ عَلى المِنبَرِ: سَلُونِي فَقالَ ابْنُ الكِواءِ: تُؤْتى النِّساءُ في أعْجازِهِنَّ فَقالَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: سَفَلْتَ سَفَّلَ اللَّهُ تَعالى بِكَ ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ الآيَةَ ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِطَرِيقِ القِياسِ وإلّا فالفاحِشَةُ في الآيَةِ مُبَيَّنَةٌ بِما عَلِمْتَ نَعَمْ جاءَ في آثارٍ كَثِيرَةٍ ما يَدُلُّ عَلى حُرْمَةِ إتْيانِ الزَّوْجَةِ في عَجِيزَتِها والمَسْألَةُ كَما تَقَدَّمَ خِلافِيَّةٌ والمُعْتَمَدُ فِيها الحُرْمَةُ.

ولا فَرْقَ في اللِّواطَةِ بَيْنَ أنْ تَكُونَ بِمَمْلُوكٍ أوْ تَكُونَ بِغَيْرِهِ واخْتَلَفُوا في كُفْرِ مُسْتَحِلِّ وطْءِ الحائِضِ ووَطْءِ الدُّبُرِ وفي التَّتارَخانِيَّةِ نَقْلًا عَنِ السَّرّاجِيَّةِ اللِّواطَةُ بِمَمْلُوكِهِ أوْ مَمْلُوكَتِهِ أوِ امْرَأتِهِ حَرامٌ إلّا أنَّهُ لَوِ اسْتَحَلَّهُ لا يَكْفُرُ وهَذا بِخِلافِ اللِّواطَةِ بِأجْنَبِيٍّ فَإنَّهُ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّها قَوْلًا واحِدًا وما ذَكَرَ مِمّا يُعْلَمُ ولا يُعْلَمُ كَما في الشَّرَنْبَلالِيَّةِ يَتَجَرَّأُ الفَسَقَةُ عَلَيْهِ بِظَنِّهِمْ حِلَّهُ.

واخْتُلِفَ في حَدِّ اللِّواطَةِ فَقالَ الإمامُ: لا حَدَّ بِوَطْءِ الدُّبُرِ مُطْلَقًا وفِيهِ التَّعْزِيرُ ويُقْتَلُ مَن تَكَرَّرَ مِنهُ عَلى المُفْتى بِهِ كَما في الأشْباهِ والظّاهِرُ عَلى ما قالَهُ البِيرِيُّ أنَّهُ يُقْتَلُ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ لِصِدْقِ التَّكْرارِ عَلَيْهِ وقالَ الإمامانِ: إنْ فَعَلَ في الأجانِبِ حُدَّ كَحَدِّ الزِّنا وإنْ في عَبْدِهِ أوْ أمَتِهِ أوْ زَوْجَتِهِ بِنِكاحٍ صَحِيحٍ أوْ فاسِدٍ فَلا حَدَّ إجْماعًا كَما في الكافِي وغَيْرِهِ بَلْ يُعَزَّرُ في ذَلِكَ كُلِّهِ ويُقْتَلُ مَنِ اعْتادَهُ وفي الحاوِي القُدْسِيِّ وتَكَلَّمُوا في هَذا التَّعْزِيرِ مِنَ الجَلْدِ ورَمْيِهِ مِن أعْلى مَوْضِعٍ وحَبْسِهِ في أنْتَنِ بُقْعَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ سِوى الإخْصاءِ والجُبِّ والجَلْدُ أصَحُّ وفي الفَتْحِ يُعَزَّرُ ويُسْجُنُ حَتّى يَمُوتَ أوْ يَتُوبَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما حَدُّ اللِّواطَةِ القَتْلُ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ ورَواهُ مَرْفُوعًا وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ ما حَدُّ اللُّوطِيِّ فَقالَ: يُنْظَرُ أعْلى بِناءٍ في القَرْيَةِ فَيُلْقى مِنهُ مُنَكَّسًا ثُمَّ يُتْبَعُ بِالحِجارَةِ قالَ في الفَتْحِ وكَأنَّ مَأْخَذَ هَذا أنَّ قَوْمَ لُوطٍ أُهْلِكُوا بِذَلِكَ حَيْثُ حُمِلَتْ قُراهم ونُكِّسَتْ بِهِمْ ولا شَكَّ في إتْباعِ الهَدْمِ بِهِمْ وهم نازِلُونَ وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ رَجَمَ لُوطِيًّا وهو أشْبَهُ شَيْءٍ بِما قَصَّ اللَّهُ تَعالى في إهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ وصَحَّحُوا أنَّها لا تَكُونُ في الجَنَّةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ اسْتَقْبَحَها وسَمّاها فاحِشَةً والجَنَّةُ مُنَزَّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ وفي الأشْباهِ أنَّ حُرْمَتَها عَقْلِيَّةٌ فَلا وُجُودَ لَها في الجَنَّةِ وقِيلَ: سَمْعِيَّةٌ فَتُوجَدُ أيْ فَيُمْكِنُ أنْ تُوجَدَ وكَأنَّهُ أرادَ بِالحُرْمَةِ هُنا القُبْحَ إطْلاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ أيْ أنَّ قُبْحَها عَقْلِيٌّ بِمَعْنى أنَّهُ يُدْرَكُ بِالعَقْلِ وإنْ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ ولَيْسَ هَذا مَذْهَبَ المُعْتَزِلَةِ كَما لا يَخْفى ونَقَلَ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ الحَنْبَلِيِّ قالَ جَرَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ بَيْنَ أبِي عَلِيِّ بْنِ الوَلِيدِ المُعْتَزِلِيِّ وبَيْنَ أبِي يُوسُفَ القَزْوِينِيِّ فَقالَ ابْنُ الوَلِيدِ: لا يَمْنَعُ أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ اللَّذّاتِ في الجَنَّةِ لِزَوالِ المَفْسَدَةِ لِأنَّهُ أنَما مُنِعَ في الدُّنْيا لِما فِيهِ مِن قَطْعِ النَّسْلِ وكَوْنِهِ مَحَلًّا لِلْأذى ولَيْسَ في الجَنَّةِ ذَلِكَ ولِهَذا أُبِيحَ شُرْبُ الخَمْرِ لِما لَيْسَ فِيهِ مِنَ السُّكْرِ والعَرْبَدَةِ

صفحة 174

وزَوالِ العَقْلِ بَلِ اللَّذَّةُ الصِّرْفَةُ فَقالَ أبُو يُوسُفَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ المَيْلُ إلى الذُّكُورِ عاهَةٌ وهو قَبِيحٌ في نَفْسِهِ لِأنَّهُ مَحَلٌّ لَمْ يُخْلَقْ لِلْوَطْءِ ولِهَذا لَمْ يُبَحْ في شَرِيعَةٍ بِخِلافِ الخَمْرِ فَقالَ ابْنُ الوَلِيدِ هو قَبِيحٌ وعاهَةٌ لِلتَّلْوِيثِ بِالأذى ولا أذًى في الجَنَّةِ فَلَمْ يَبْقَ إلّا مُجَرَّدُ الِالتِذاذِ. انْتَهى. وأنا أرى أنَّ إنْكارَ قُبْحِ اللِّواطَةِ عَقْلًا مُكابَرَةٌ ولِهَذا كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُعَيِّرُ بِها ويَقُولُونَ في الذَّمِّ فُلانٌ مُصْفَرٌّ اسْتُهُ ولا أدْرِي هَلْ يَرْضى ابْنُ الوَلِيدِ لِنَفْسِهِ أنْ يُؤْتى في الجَنَّةِ أمْ لا فَإنَّ رَضِيَ اليَوْمَ أنْ يُؤْتى غَدًا فَغالِبُ الظَّنِّ أنَّ الرَّجُلَ مَأْبُونٌ أوْ قَدْ ألِفَ ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَرْضَ لَزِمَهُ الإقْرارُ بِالقُبْحِ العَقْلِيِّ وإنِ ادَّعى أنَّ عَدَمَ رِضائِهِ لِأنَّ النّاسَ قَدِ اعْتادُوا التَّعْيِيرَ بِهِ وذَلِكَ مَفْقُودٌ في الجَنَّةِ قُلْنا لَهُ يَلْزَمُكَ الرِّضا بِهِ في الدُّنْيا إذا لَمْ تُعَيَّرْ ولَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْكَ أحَدٌ فَإنِ التَزَمَهُ فَهو كَما تَرى ولا يَنْفَعُهُ ادِّعاءُ الفَرْقِ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ كَما لا يَخْفى عَلى الأحْرارِ وصَرَّحُوا بِأنَّ حُرْمَةَ اللِّواطَةِ أشَدُّ مِن حُرْمَةِ الزِّنا لِقُبْحِها عَقْلًا وطَبْعًا وشَرْعًا والزِّنا لَيْسَ بِحَرامٍ كَذَلِكَ وتَزُولُ حُرْمَتُهُ بِتَزْوِيجٍ وشِراءٍ بِخِلافِها وعَدَمُ الحَدِّ عِنْدَ الإمامِ لا لِخِفَّتِها بَلْ لِلتَّغْلِيظِ لِأنَّهُ مُطَهِّرٌ عَلى قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ وإنْ كانَ خِلافَ مَذْهَبِنا وبَعْضُ الفَسَقَةِ اليَوْمَ دَمَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى يُهَوِّنُونَ أمْرَها ويَتَمَنَّوْنَ بِها ويَفْتَخِرُونَ بِالإكْثارِ مِنها ومِنهم مَن يَفْعَلُها أخْذًا لِلثَّأْرِ ولَكِنْ مِن أيْنَ ومِنهم مَن يَحْمَدُ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلَيْها مَبْنِيَّةً لِلْمَفْعُولِ وذَلِكَ لِأنَّهم نالُوا الصَّدارَةَ بِأعْجازِهِمْ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى العَفْوَ والعافِيَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ واعْلَمْ أنَّ لِلِّواطَّةِ أحْكامًا أُخَرَ فَقَدْ قالُوا إنَّهُ لا يَجِبُ بِها المَهْرُ ولا العِدَّةُ في النِّكاحِ الفاسِدِ ولا في المَأْتِيِّ بِها لِشُبْهَةٍ ولا يَحْصُلُ بِها التَّحْلِيلُ لِلزَّوْجِ الأوَّلِ ولا تَثْبُتُ بِها الرَّجْعَةُ ولا حُرْمَةُ المُصاهَرَةِ عِنْدَ الأكْثَرِ ولا الكَفّارَةُ في رَمَضانَ في رِوايَةٍ ولَوْ قَذَفَ بِها لا يُحَدُّ ولا يُلاعِنُ خِلافًا لَهُما في المَسْألَتَيْنِ كَما في البَحْرِ أخْذًا مِنَ المُجْتَبى وفي الشَّرَنْبَلالِيَّةِ عَنِ السَّرّاجِ يَكْفِي في الشَّهادَةِ عَلَيْهِ عَدْلانِ لا أرْبَعَةٌ خِلافًا لَهُما أيْضًا هَذا ولَمْ أقِفْ لِلسّادَةِ الصُّوفِيَّةِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم عَلى ما هو مِن بابِ الإشارَةِ في قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَكَرَ بَعْضُهم في قِصَّةِ قَوْمِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ الإيمانِ بِالظّاهِرِ أنَّ النّاقَةَ هي مَرْكَبُ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ لِصالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ونِسْبَتَها إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِكَوْنِها مَأْمُورَةً بِأمْرِهِ عَزَّ وجَلَّ مُخْتَصَّةً بِهِ في طاعَتِهِ وقُرْبِهِ وما قِيلَ إنَّ الماءَ قُسِّمَ بَيْنَها وبَيْنَهم لَها شِرْبُ يَوْمٍ ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ إشارَةٌ إلى أنَّ مَشْرَبَهم مِنَ القُوَّةِ العاقِلَةِ العَمَلِيَّةِ ومَشْرَبَهُ مِنَ القُوَّةِ العاقِلَةِ النَّظَرِيَّةِ وما رُوِيَ أنَّها يَوْمَ شِرْبِها كانَتْ تَتَفَحَّجُ فَيُحْلَبُ مِنها اللَّبَنُ حَتّى تُمْلَأ الأوانِي إشارَةٌ إلى أنَّ نَفْسَهُ تَسْتَخْرِجُ بِالفِكْرِ مِن عُلُومِهِ الكُلِّيَّةِ الفِطْرِيَّةِ العُلُومَ النّافِعَةَ لِلنّاقِصِينَ مِن عُلُومِ الأخْلاقِ والشَّرائِعِ وخُرُوجَها مِنَ الجَبَلِ خُرُوجُها مِن بَدَنِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقالَ آخَرُونَ إنَّ النّاقَةَ كانَتْ مُعْجِزَةَ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَلِكَ أنَّهم سَألُوهُ أنْ يُخْرِجَ لَهم مِن حِجارَةِ القَلْبِ ناقَةَ السِّرِّ فَخَرَجَتْ فَسُقِيَتْ سِرَّ السِّرِّ فَأعْطَتْ بَلَدَ القالَبِ مِنَ القُوى والحَواسِّ لَبَنَ الوارِداتِ الإلَهِيَّةِ ثُمَّ قالَ لَهم ذَرُوها تَرْتَعْ في رِياضِ القُدُسِ وحِياضِ الأُنْسِ ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ مِن مُخالَفاتِ الشَّرِيعَةِ ومُعارَضاتِ الطَّرِيقَةِ ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وهو عَذابُ الِانْقِطاعِ عَنِ الوُصُولِ إلى الحَقِيقَةِ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ﴾ أيْ مُسْتَعِدِّينَ لِلْخِلافَةِ ﴿وبَوَّأكم في الأرْضِ﴾ أيْ أرْضِ القَلْبِ ﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها﴾ وهي المُعامَلاتُ بِالصِّدْقِ ﴿قُصُورًا﴾ تَسْكُنُونَ فِيها ﴿وتَنْحِتُونَ الجِبالَ﴾ وهي جِبالُ أطْوارِ القَلْبِ ﴿بُيُوتًا﴾ هي مَقاماتُ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ تَعالى.

﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهي الأوْصافُ البَشَرِيَّةُ والأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ مِن أوْصافِ القَلْبِ والرُّوحِ ﴿أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ﴾ لِيَدْعُوَ إلى الأوْصافِ النُّورانِيَّةِ ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ بِسَكاكِينِ

صفحة 175

المُخالَفَةِ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ لِضَعْفِ قُلُوبِهِمْ وعَدَمِ قُوَّةِ عِلْمِهِمْ ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ مَوْتى لا حَراكَ بِهِمْ إلى حَضِيرَةِ القُدُسِ.

وذَكَرَ البَعْضُ أنَّ النّاقَةَ والسَّقْبَ صُوَرَتا الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى والإيمانِ بِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَدْ ظَهَرا بِالذّاتِ وبِالواسِطَةِ مِنَ الحَجَرِ الَّذِي تُشْبِهُهُ قُلُوبُ القَوْمِ وعَقْرُهُمُ النّاقَةَ مِن قَبِيلِ ذَبْحِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمَوْتِ الظّاهِرِ في الكَبْشِ يَوْمَ القِيامَةِ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم أسْوَأُ النّاسِ اسْتِعْدادًا وأتَمَّهم حِرْمانًا ويَدُلُّ عَلى سُوءِ حالِهِمْ أنَّ الشَّيْخَ الأكْبَرَ قُدِّسَ سِرُّهُ لَمْ يَنْظُمْهم في فُصُوصِ الحِكَمِ في سِلْكَ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ حَكَمَ لَهم بِالنَّجاةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ وكَذا لَمْ يُنْظَمْ في ذَلِكَ السِّلْكِ قَوْمُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَأنَّ لَمَزِيدِ جَهْلِهِمْ وبُعْدِهِمْ عَنِ الحِكْمَةِ وإتْيانِهِمُ البُيُوتَ مِن غَيْرِ أبْوابِها وقَذارَتِهِمْ ودَناءَةِ نُفُوسِهِمْ والَّذِي عَلَيْهِ المُتَشَرِّعُونَ أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كُلَّهم حَصَبُ جَهَنَّمَ لا ناجِيَ فِيهِمْ واللَّهُ تَعالى أحْكَمُ الحاكِمِينَ.

7:85Page 161

وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨٥

And to [the people of] Madyan [We sent] their brother Shuʿayb. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. So fulfill the measure and weight and do not deprive people of their due and cause not corruption upon the earth after its reformation. That is better for you, if you should be believers.

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ عُطِفَ عَلى ما مَرَّ. والمُرادُ أرْسَلْنا إلى مَدْيَنَ .. إلَخْ. ومَدْيَنُ وسُمِعَ مَدْيانَ في الأصْلِ عَلَمٌ لِابْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومُنِعَ صَرْفُهُ لِلْعِلْمِيَّةِ والعُجْمَةِ ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهِ القَبِيلَةُ وقِيلَ: هو عَرَبِيٌّ اسْمٌ لِماءٍ كانُوا عَلَيْهِ وقِيلَ: اسْمُ بَلَدٍ ومُنِعَ صَرْفُهُ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ حِينَئِذٍ أيْ أهْلِ مَدْيَنَ مَثَلًا أوِ المَجازِ والياءُ عَلى هَذا عِنْدَ بَعْضٍ زائِدَةٌ وعَنِ ابْنِ بِرِّيٍّ المِيمُ زائِدَةٌ إذْ لَيْسَ في كَلامِهِمْ فَعِيلٌ وفِيهِ مَفْعَلٌ.

وقالَ آخَرُونَ إنَّهُ شاذٌّ كَمَرْيَمَ إذِ القِياسُ إعْلالُهُ كَمَقامٍ وعِنْدَ المُبَرِّدِ لَيْسَ بِشاذٍّ قِيلَ وهو الحَقُّ لِجَرَيانِهِ عَلى الفِعْلِ وشُعَيْبٌ قِيلَ تَصْغِيرُ شِعْبٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ اسْمُ جَبَلٍ أوْ شِعْبٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ الطَّرِيقُ في الجَبَلِ واخْتِيرَ أنَّهُ وُضِعُ مُرْتَجَلًا هَكَذا والقَوْلُ بِأنَّ القَوْلَ بِالتَّصْغِيرِ باطِلٌ لِأنَّ أسْماءَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَجُوزُ تَصْغِيرُها فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ المَمْنُوعَ التَّصْغِيرُ بَعْدَ الوَضْعِ لا المُقارَنُ لَهُ ومُدَّعِي ذَلِكَ قَدْ يَدَّعِي هَذا وهو عَلى ما وجَدَ بِخَطِّ النَّوَوِيِّ في تَهْذِيبِهِ ابْنَ مِيكِيلَ بْنِ يَشْجُرَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: ابْنُ مِيكِيلَ بْنِ يَشْجُرَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ وبَعْضُهم يَقُولُ: مِيكائِيلُ بَدَلَ مِيكِيلَ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ خَطِّ الذَّهَبِيِّ في اخْتِصارِ المُسْتَدْرَكِ وآخَرُ يَقُولُ مَلْكانِيُّ بَدَلَهُ.

وذُكِرَ أنَّ أُمَّ مِيكِيلَ بِنْتُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ إسْحاقَ بْنِ بِشْرٍ عَنِ الشَّرْقِيِّ ابْنِ القَطامِيِّ وكانَ نَسّابَةً أنَّ شُعَيْبًا هو يَثْرُوبُ بِالعِبْرانِيَّةِ وهو ابْنُ عَيْفاءَ بْنِ يَوْبَبُ بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ أوَّلُهُ وواوٌ ومُوَحَّدَتَيْنِ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: في نَسَبِهِ غَيْرُ ذاكَ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ كَما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إذا ذُكِرَ شُعَيْبٌ يَقُولُ: ذَلِكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ لِقَوْمِهِ أيْ مُحاوَرَتِهِ لَهم وكَأنَّهُ كَما قِيلَ عَنى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ كَما يُعْلَمُ بِالتَّأمُّلِ فِيهِ وبُعِثَ رَسُولًا إلى أُمَّتَيْنِ مَدِينَ وأصْحابِ الأيْكَةِ قالَ السُّدِّيُّ وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما بَعَثَ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ إلّا شُعَيْبًا مَرَّةً إلى مَدْيَنَ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالصَّيْحَةِ ومَرَّةً إلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أنَّ قَوْمَ مَدْيَنَ وأصْحابَ الأيْكَةِ أُمَّتانِ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِما شُعَيْبًا وهو كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ غَرِيبٌ وفي رَفْعِهِ نَظَرٌ واخْتارَ أنَّهُما أُمَّةٌ واحِدَةٌ

صفحة 176

واحْتَجَّ لَهُ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما وُعِظَ بِوَفاءِ المِيزانِ والمِكْيالِ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُما واحِدَةٌ وفِيهِ ما لا يَخْفى ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى ثَلاثِ أُمَمٍ والثّالِثَةُ أصْحابُ الرَّسِّ والقَوْلُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أعْمى لا عُكّازَ لَهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ بَلْ قَدْ نَصَّ العُلَماءُ ذَوُو البَصِيرَةِ عَلى أنَّ الرَّسُولَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ سَلِيمًا مِن مُنَفِّرٍ ومَثَّلُوهُ بِالعَمى والبَرَصِ والجُذامِ ولا يَرُدُّ بَلاءَ أيُّوبَ وعَمى يَعْقُوبَ بِناءً عَلى أنَّهُ حَقِيقِيٌّ لِطُرُوِّهِ بَعْدَ الإنْباءِ والكَلامُ فِيما قارَنَهُ والفَرْقُ أنَّ هَذا مُنَفِّرٌ بِخِلافَهِ فِيمَنِ اسْتَقَرَّتْ نُبُوَّتُهُ وقَدْ يُقالُ: إنْ صَحَّ ذَلِكَ فَهو مِن هَذا القَبِيلِ.

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ إرْسالِهِ إلَيْهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم فَقِيلَ قالَ ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُهُ ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ ظاهِرَةٌ مِن مالِكِ أُمُورِكم ولَمْ تُذْكَرْ مُعْجِزَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في القُرْآنِ العَظِيمِ كَما لَمْ تُذْكَرْ أكْثَرُ مُعْجِزاتِ نَبِيِّنا ﷺ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فِيهِ.

والقَوْلُ: بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْجِزَةٌ غَلَطٌ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى مَجِيءِ البَيِّنَةِ واحْتِمالِ كَوْنِها عاطِفَةً عَلى ﴿اعْبُدُوا﴾ بَعِيدٌ وإنْ كانَتْ عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى مُوجِبَةً لِلِاجْتِنابِ عَنِ المَناهِي الَّتِي مُعْظَمُها بَعْدَ الكُفْرِ البَخْسِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ جاءَتْكم مُعْجِزَةٌ شاهِدَةٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِي أوْجَبَتْ عَلَيْكُمُ الإيمانَ بِها والأخْذَ بِما أمَرْتُكم بِهِ ﴿فَأوْفُوا﴾ .. إلَخْ. ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ النُّبُوَّةَ بِغَيْرِ مُعْجِزَةٍ لَمْ تُقْبَلْ مِنهُ لِأنَّها دَعْوى أمْرٍ غَيْرِ ظاهِرٍ وفِيهِ إلْزامٌ لِلْغَيْرِ ومِثْلُ ذَلِكَ لا يُقْبَلُ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ البَيِّنَةَ نَفْسُ شُعَيْبٍ ومِنهم مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ بِالبَيِّنَةِ المَوْعِظَةُ وأنَّها نَفْسُ ﴿فَأوْفُوا﴾ .. إلَخْ. ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ مِن مُعْجِزاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما رُوِيَ مِن مُحارَبَةِ عَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التِّنِّينَ حِينَ دَفَعَ إلَيْهِ غَنَمَهُ ووِلادَةِ الغَنَمِ الدِّرْعَ خاصَّةً حِينَ وعَدَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ الدِّرْعُ مِنَ أوْلادِها ووُقُوعِ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى يَدِهِ في المَرّاتِ السَّبْعِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ لِأنَّ هَذِهِ كُلَّها كانَتْ قَبْلَ أنْ يُسْتَنْبَأ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَتْ مُعْجِزاتٍ لِشُعَيْبٍ. اهـ.

وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ ذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنِ المُقاوَلَةِ فَلا يَصِحُّ تَفْرِيعُ الأمْرِ عَلَيْهِ ولِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَرامَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوِ إرْهاصًا لِنُبُوَّتِهِ بَلْ في الكَشْفِ أنَّ هَذا مُتَعَيَّنٌ لِأنَّ مُوسى أدْرَكَ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ هَلاكِ قَوْمِهِ ولِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْرِضَ التَّحَدِّي.

وزَعَمَ الإمامُ أنَّ الإرْهاصَ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ ولِهَذا جَعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِشُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ نَظَرَ فِيهِ الطَّيِّبِيُّ بِأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ قالَ في آلِ عِمْرانَ في تَكْلِيمِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَرْيَمَ إنَّهُ مُعْجِزَةٌ لِزَكَرِيّا أوِ إرْهاصٌ لِنُبُوَّةِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ والمُرادُ بِالكَيْلِ ما يُكالُ بِهِ مَجازًا كالعَيْشِ بِمَعْنى ما يُعاشُ بِهِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قَدْ وقَعَ في سُورَةِ هُودٍ ( المِكْيالَ ) وكَذا عَطْفُ ( المِيزانَ ) عَلَيْهِ هُنا فَإنَّ المُتَبادَرَ مِنهُ الآلَةُ وإنْ جازَ كَوْنُهُ مَصْدَرًا بِمَعْنى الوَزْنِ كالمِيعادِ بِمَعْنى الوَعْدِ وقِيلَ: إنَّ الكَيْلَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مَصْدَرانِ والكَلامُ عَلى الإضْمارِ أيْ أوْفُوا آلَةَ الكَيْلِ والوَزْنِ ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ﴾ أيْ لا تُنْقِصُوهم يُقالُ بَخَسَهُ حَقَّهُ إذا نَقَصَهُ إيّاهُ ومِنهُ قِيلَ لِلْمَكْسِ البَخْسُ وفي أمْثالِهِمْ تَحْسَبُها حَمْقاءَ وهي باخِسٌ أيْ ذاتُ بَخْسٍ وتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أوَّلُهُما ﴿النّاسَ﴾ والثّانِي ﴿أشْياءَهُمْ﴾ الكائِنَةَ في المُبايَعاتِ مِنَ الثَّمَنِ والمَبِيعِ وفائِدَةُ التَّصْرِيحِ بِالنَّهْيِ عَنِ النَّقْصِ بَعْدَ الأمْرِ بِالإيفاءِ تَأْكِيدُ ذَلِكَ الأمْرِ

صفحة 177

وبَيانُ قُبْحِ ضِدِّهِ وقَدْ يُرادُ بِالأشْياءِ الحُقُوقُ مُطْلَقًا فَإنَّهم كانُوا مَكّاسِينَ لا يَدَعُونَ شَيْئًا إلّا مَكَسُوهُ.

وقَدْ جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم كانُوا قَوْمًا طُغاةً بُغاةً يَجْلِسُونَ عَلى الطَّرِيقِ فَيَبْخَسُونَ النّاسَ أمْوالَهم وكانُوا إذا دَخَلَ عَلَيْهِمُ الغَرِيبُ يَأْخُذُونَ دَراهِمَهُ الجِيادَ ويَقُولُونَ دَراهِمُكَ هَذِهِ زُيُوفٌ فَيَقْطَعُونَها ثُمَّ يَشْتَرُونَها مِنهُ بِالبَخْسِ ورُوِيَ أنَّهم يُعْطُونَهُ أيْضًا بَدَلَها زُيُوفًا فَكَأنَّهُ لَمّا نُهُوا عَنِ البَخْسِ في الكَيْلِ والوَزْنِ نُهُوا عَنِ البَخْسِ والمَكْسِ في كُلِّ شَيْءٍ قِيلَ: ويَدْخُلُ في ذَلِكَ بِخْسُ الرَّجُلِ حَقَّهُ مِن حُسْنِ المُعامَلَةِ والتَّوْقِيرِ اللّائِقِ بِهِ وبَيانِ فَضْلِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ لِلسّائِلِ عَنْهُ وكَثِيرٌ مِمَّنِ انْتَسَبَ إلى أهْلِ العِلْمِ اليَوْمَ مُبْتَلَوْنَ بِهَذا البَخْسِ ولَيْتَهم قَنِعُوا بِهِ بَلْ جَمَعُوا حَشْفًا وسُوءَ كَيْلَةٍ فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ.

وبَدَأ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ هَذِهِ الواقِعَةِ عَلى ما قالَ الإمامُ لِأنَّ عادَةَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّهم إذا رَأوْا قَوْمَهم مُقْبِلِينَ عَلى نَوْعٍ مِن أنْواعِ المَفاسِدِ إقْبالًا أكْثَرَ مِن إقْبالِهِمْ عَلى سائِرِ الأنْواعِ بَدَؤُوا بِمَنعِهِمْ عَنْ ذَلِكَ النَّوْعِ وكانَ قَوْمُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَشْغُولِينَ بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ أكْثَرَ مِن غَيْرِهِ والمُرادُ مِنَ النّاسِ ما يَعُمُّهم وغَيْرَهم أيْ لا تَبْخَسُوا غَيْرَكم ولا يَبْخَسْ بَعْضُكم بَعْضًا ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ بِالجَوْرِ أوْ بِهِ وبِالكُفْرِ ﴿بَعْدَ إصْلاحِها﴾ أيِ إصْلاحِ أمْرِها أوْ أهْلِها بِالشَّرائِعِ فالإضافَةُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ بِحَذْفِ المُضافِ والفاعِلُ الأنْبِياءُ وأتْباعُهم.

وجُوِّزَ أنْ لا يُقَدَّرَ مُضافٌ ويُعْتَبَرُ التَّجَوُّزُ في النِّسْبَةِ الإيقاعِيَّةِ لِأنَّ إصْلاحَ مَن في الأرْضِ إصْلاحٌ لَها وأنْ تَكُونَ الإضافَةُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ لِلْمَكانِ وأنْ تَكُونَ عَلى مَعْنى في أيْ بَعْدَ إصْلاحِ الأنْبِياءِ فِيها ويَأْبى الحَمْلُ عَلى الظّاهِرِ لِأنَّ الإصْلاحَ يَتَعَلَّقُ بِالأرْضِ نَفْسِها كَتَعْمِيرِها وإصْلاحِ طُرُقِها لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الوَفاءِ بِالكَيْلِ والمِيزانِ وتَرْكِ البَخْسِ والإفْسادِ أوْ إلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ ونَهاهم عَنْهُ وأيًّا ما كانَ فَإفْرادُ اسْمِ الإشارَةِ وتَذْكِيرُهُ ظاهِرٌ.

ومَعْنى الخَيْرِيَّةِ إمّا الزِّيادَةُ مُطْلَقًا أوْ في الإنْسانِيَّةِ وحُسْنِ الأُحْدُوثَةِ وما يَطْلُبُونَهُ مِنَ التَّكَسُّبِ والتَّرَبُّحِ لِأنَّ النّاسَ إذا عَرَفُوهم بِالأمانَةِ رَغِبُوا في مُعامَلَتِهِمْ ومُتاجَرَتِهِمْ وقِيلَ: لَيْسَ المُرادُ مِن خَيْرٍ هُنا مَعْنى الزِّيادَةِ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ بَلِ المَعْنى ذَلِكم نافِعٌ لَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (85) قِيلَ المُرادُ بِالإيمانِ مَعْناهُ اللُّغَوِيُّ وتَخُصُّ الخَيْرِيَّةَ بِأمْرِ الدُّنْيا أيْ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ لِي في قَوْلِي ومِثْلُ هَذا الشَّرْطِ عَلى ما قالَ الطَّيِّبِيُّ إنَّما يُجاءُ بِهِ في آخِرِ الكَلامِ لِلتَّأْكِيدِ ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَشْهُورًا عِنْدَهم بِالصِّدْقِ والأمانَةِ كَما كانَ نَبِيُّنا ﷺ مَشْهُورًا عِنْدَ قَوْمِهِ بِالأمِينِ وقالَ بَعْضُ الذّاهِبِينَ إلى ما ذُكِرَ: إنَّ تَعْلِيقَ الخَيْرِيَّةِ عَلى هَذا التَّصْدِيقِ بِتَأْوِيلِ العِلْمِ بِها وإلّا فَهو خَيْرٌ مُطْلَقًا.

وقالَ القُطْبُ الرّازِيُّ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ شَرْطًا لِلْخَيْرِيَّةِ نَفْسِها بَلْ لِفِعْلِهِمْ كَأنَّهُ قِيلَ فَأْتُوا بِهِ إنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِينَ بِي فَلا يَرِدُ أنَّهُ لا تَوَقُّفَ لِلْخَيْرِيَّةِ في الإنْسانِيَّةِ عَلى تَصْدِيقِهِمْ بِهِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُقابِلُ الكُفْرِ وبِالخَيْرِيَّةِ ما يَشْمَلُ أمْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ أيْ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم في الدّارَيْنِ بِشَرْطِ أنْ تُؤْمِنُوا وشَرْطِ الإيمانِ لِأنَّ

صفحة 178

الفائِدَةَ مِن حُصُولِ الثَّوابِ مَعَ النَّجاةِ مِنَ العِقابِ ظاهِرَةٌ مَعَ الإيمانِ خِفْيَةً مَعَ فَقْدِهِ لِلِانْغِماسِ في غَمَراتِ الكُفْرِ وبَنى بَعْضُهم نَفْعَ تَرْكِ البَخْسِ ونَحْوِهِ في الآخِرَةِ عَلى أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ عَلى المَعاصِي كَما يُعَذَّبُونَ عَلى الكُفْرِ فَيَكُونُ التَّرْكُ خَيْرًا لَهم بِلا شُبْهَةٍ لَكِنْ لا يَخْفى أنَّهُ إذا فُسِّرَ الإفْسادُ في الأرْضِ بِالإفْسادِ فِيها بِالكُفْرِ لا يَكُونُ لِهَذا التَّعْلِيقِ عَلى الإيمانِ مَعْنًى كَما لا يَخْفى وإخْراجُهُ مِن حَيِّزِ الإشارَةِ بَعِيدٌ جِدًّا.

وزَعَمَ الخَيالِيُّ أنَّ الأظْهَرَ أنَّ ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مُعْتَرِضَةٌ والشَّرْطُ مُتَعَلِّقٌ بِما سَبَقَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي وكَأنَّهُ التَزَمَ ذَلِكَ لِخَفاءِ أمْرِ الشَّرْطِيَّةِ عَلَيْهِ وقَدْ فَرَّ مِن هِرَّةٍ ووَقَعَ في أسَدٍ وهَرَبَ مِنَ القَطْرِ ووَقَفَ تَحْتَ المِيزابِ فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الألْبابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском