Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:11–14
8:11Page 178
إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ ١١
[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.
صفحة 175
﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾ أيْ: يَجْعَلُهُ غاشِيًا عَلَيْكم ومُحِيطًا بِكم. والنُّعاسُ أوَّلُ النَّوْمِ قَبْلَ أنْ يَثْقُلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّ النُّعاسَ في الرَّأْسِ والنَّوْمَ في القَلْبِ، ولَعَلَّ مُرادَهُ الثِّقَلَ والخِفَّةَ، وإلّا فَلا مَعْنى لَهُ، والفِعْلُ نَعَسَ كَمَنَعَ والوَصْفُ ناعِسٌ ونَعْسانُ قَلِيلٌ. و﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ﴾ بَدَلٌ ثانٍ مِن: ( إذْ يَعِدُكُمُ ) عَلى القَوْلِ بِجَوازِ تَعَدُّدِ البَدَلِ، وفِيهِ إظْهارُ نِعْمَةٍ أُخْرى؛ فَإنَّ الخَوْفَ أطارَ كَراهم مِن أوْكارِهِ، فَلَمّا طامَنَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَهم رَفْرَفَ بِجَناحِهِ عَلَيْها فَنَعَسُوا، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ أوْ هو مَنصُوبٌ بِ اذْكُرُوا.
وجُوِّزَ تَعَلُّقُهُ بِالنَّصْرِ، وضُعِّفَ بِأنَّ فِيهِ إعْمالَ المَصْدَرِ المُعَرَّفِ بِألْ وفِيهِ خِلافُ الكُوفِيِّينَ، والفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ، وعَمِلَ ما قَبْلَ إلّا فِيما بَعْدَها مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَعْمُولُ مُسْتَثْنًى أوْ مُسْتَثْنًى مِنهُ أوْ صِفَةً لَهُ، والجُمْهُورُ لا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ خِلافًا لِلْكِسائِيِّ والأخْفَشِ، وتَعَلُّقُهُ بِما في عِنْدِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ وقِيلَ عَلَيْهِ: إذْ يَلْزَمُ تَقْيِيدُ اسْتِقْرارِ النَّصْرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهَذا الوَقْتِ ولا تَقْيِيدَ لَهُ بِهِ، وأجابَ الحَلَبِيُّ بِأنَّ المُرادَ بِهِ نَصْرٌ خاصٌّ فَلا مَحْذُورَ في تَقْيِيدِهِ، وبِالجَعْلِ، وفِيهِ الفَصْلُ وعَمِلَ ما قَبْلُ إلّا فِيما لَيْسَ أحَدُ الثَّلاثَةِ وبِما دَلَّ عَلَيْهِ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وفِيهِ لُزُومُ التَّقْيِيدِ ولا تَقْيِيدَ، وأُجِيبَ بِما أُجِيبَ، والإنْصافُ بَعْدَ الِاحْتِمالاتِ الأرْبَعِ. وقَرَأ نافِعٌ: (يُغْشِيكُمْ) بِالتَّخْفِيفِ مَنِ الإغْشاءِ بِمَعْنى التَّغْشِيَةِ والفاعِلُ في القِراءَتَيْنِ هو اللَّهُ تَعالى.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: (يَغْشاكُمْ) عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى النُّعاسِ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أمَنَةً مِنهُ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الأمْنِ كالمَنَعَةِ وإنْ كانَ قَدْ يَكُونُ جَمْعًا وصِفَةً بِمَعْنى آمِنِينَ كَما ذَكَرَهُ الرّاغِبُ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ شَرْطَ النَّصْبِ الَّذِي هو اتِّحادُ فاعِلِهِ وفاعِلِ الفِعْلِ العامِلِ فِيهِ مَفْقُودٌ إذْ فاعِلُهُ هُمُ الصَّحابَةُ الآمِنُونَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وفاعِلُ الآخَرِ هو اللَّهُ عَلى القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ والنُّعاسُ عَلى الأُخْرى.
وأُجِيبَ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ بِاعْتِبارِ المَعْنى الكِنائِيِّ فَإنَّ يَغْشاكُمُ النُّعاسُ يَلْزَمُهُ تَنْعَسُونَ ويُغَشِّيكم بِمَعْناهُ فَيَتَّحِدُ الفاعِلانِ إذْ فاعِلُ كُلٍّ حِينَئِذٍ الصَّحابَةُ، وقالَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ: إنَّهُ عَلى القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى العِلِّيَّةِ لِفِعْلٍ مُتَرَتِّبٍ عَلى الفِعْلِ المَذْكُورِ أيْ: يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ فَتَنْعَسُونَ أمْنًا أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ آخَرَ كَذَلِكَ أيْ: فَتَأْمَنُونَ أمْنًا، وعَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ مَنصُوبٌ عَلى العِلِّيَّةِ بِ يَغْشاكم بِاعْتِبارِ المَعْنى فَإنَّهُ في حُكْمِ تَنْعَسُونَ أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلِ مُتَرَتِّبٍ عَلَيْهِ كَما عَلِمْتَ، وما تَقَدَّمَ أقَلُّ انْتِشارًا.
وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالأمَنَةِ الإيمانُ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ وهو جَعْلُ الغَيْرِ آمِنًا فَيَكُونُ مَصْدَرَ آمَنَهُ، وهو عَلى بُعْدٍ إنَّما يَتَمَشّى في القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لِأنَّ فاعِلَ التَّغْشِيَةِ والأمانِ هو اللَّهُ تَعالى، وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُخْرى فَلا ويَحْتاجُ إلى ما مَرَّ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ فِيها أنْ يُجْعَلَ الأمْنُ فِعْلَ النُّعاسِ عَلى الإسْنادِ المُجازِيِّ لِكَوْنِهِ مِن مُلابَساتِ أصْحابِ الأمْنِ، والإسْنادُ في ذَلِكَ مُقَدَّرٌ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ النِّسْبَةَ الَّتِي بَيْنَ الفِعْلِ والمَفْعُولِ لَهُ أيْ: يَغْشاكُمُ النُّعاسُ لِأمْنِهِ، أوْ عَلى تَشْبِيهِ حالِهِ بِحالِ إنْسانٍ شَأْنُهُ الأمْنُ والخَوْفُ وأنَّهُ حَصَلَ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى الأمانُ مِنَ الكُفّارِ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ المَخُوفِ فَلِذَلِكَ غَشّاكم وأنامَكم فَيَكُونُ الكَلامُ تَمْثِيلًا وتَخْيِيلًا لِلْمَقْصُودِ بِإبْرازِ المَعْقُولِ في صُورَةِ المَحْسُوسِ، والقُطْبُ جَعَلَ في الكَلامِ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ حَيْثُ ذَكَرَ أنَّهُ شُبِّهَ النُّعاسُ بِشَخْصٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يَأْتِيَهم لَكِنَّهُ لا يَأْتِيهِمْ في وقْتِ الخَوْفِ وإذا أمِنَ أتاهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ النُّعاسَ وأرادَ ذَلِكَ الشَّخْصَ، والقَرِينَةُ ذِكْرُ الأمَنَةِ لِأنَّها مِن لَوازِمِ المُشَبَّهِ بِهِ، وقَدْ وصَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ النَّوْمَ بِنَحْوِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ:
صفحة 176
يَهابُ النَّوْمُ أنْ يَغْشى عُيُونًا تَهابُكَ فَهْوَ نِفارٌ شَرُودُ
وما يُقالُ: إنَّ مِثْلَ هَذا إنَّما يَلِيقُ بِالشِّعْرِ لا بِالقُرْآنِ الكَرِيمِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ، وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ في تَوْجِيهِ اتِّحادِ الفاعِلِ عَلى القِراءَتَيْنِ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فاعِلُ تَغْشِيَةِ النُّعاسِ إيّاهم هو اللَّهُ تَعالى وهو فاعِلُ الأمَنَةِ أيْضًا لِأنَّهُ خالِقُها فَحِينَئِذٍ يَتَّحِدُ فاعِلُ الفِعْلِ والعِلَّةُ فَيَرْتَفِعُ السُّؤالُ ويَزُولُ الإشْكالُ عَلى قَواعِدِ أهْلِ السُّنَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي نِسْبَةَ فِعالِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى أنَّهُ خالِقُها ومُبْدِعُها وتَعَقَّبَهُ بِأنَّ لِلْمُورِدِ أنْ يَقُولَ: المُعْتَبَرُ الفاعِلُ اللُّغَوِيُّ وهو المُتَّصِفُ بِالفِعْلِ وهو هُنا لَيْسَ إلّا العَبْدَ إذْ لا يُقالُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: آمِنٌ، وإنْ كانَ هو الخالِقَ وحِينَئِذٍ يَحْتاجُ إلى الجَوابِ بِما سَلَفَ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِأمَنَةٍ، أيْ: أمَنَةٌ كائِنَةٌ مِنهُ تَعالى لَكُمْ، ولَعَلَّ مُغايَرَةَ ما هُنا لِما في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ لِاخْتِلافِ المَقامِ؛ فَقَدْ قالُوا: إنَّ ذَلِكَ المَقامَ اقْتَضى الِاهْتِمامَ بِشَأْنِ الأمْنِ؛ ولِذَلِكَ قَدَّمَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وبَسَطَ الكَلامَ فِيهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَأمَّلَ في السِّياقِ والسِّباقِ بِخِلافِهِ هُنا لِأنَّهُ في مَقامِ تَعْدادِ النِّعَمِ فَلِذا جِيءَ بِالقِصَّةِ مُخْتَصَرَةً لِلرَّمْزِ وقُرِئَ (أمْنَةً) بِالسُّكُونِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.
﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ عُطِفَ عَلى (يُغَشِّيكُمْ) وكانَ هَذا قَبْلَ النُّعاسِ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وتَقْدِيمُ عَلَيْكم لِما أنَّ بَيانَ كَوْنِ التَّنْزِيلِ عَلَيْهِمْ أهَمَّ مِن بَيانِ كَوْنِهِ مِنَ السَّماءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وسَهْلٌ ويَعْقُوبُ وأبُو عُمَرَ: (ويُنْزِلُ) بِالتَّخْفِيفِ مَنِ الإنْزالِ وقَرَأ الشَّعْبِيُّ ما لِيُطَهِّرَكم بِهِ أيْ: مِنَ الحَدَثِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ ووَجْهُها كَما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ أنَّ (ما) مَوْصُولَةٌ واللّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِلَةً لَها؛ أيْ: ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمُ الَّذِي ثَبَتَ لِتَطْهِيرِكُمْ، ونَظِيرُ هَذِهِ اللّامُ اللّامُ في قَوْلِكَ: أعْطَيْتُ الثَّوْبَ الَّذِي لِدَفْعِ البَرْدِ. وهي في قِراءَةِ الجَماعَةِ نَظِيرُ اللّامِ في قَوْلِكَ: زُرْتُكَ لِتُكْرِمَنِي. ومَرْجِعُ القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، والمَشْهُورُ أفْصَحُ بِالمُرادِ، وانْظُرْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ تُخَرَّجَ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى ما سُمِعَ مِن قَوْلِهِمُ: اسْقِنِي ما بِالقَصْرِ، وقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ في القامُوسِ، وأرى أنَّ العُدُولَ عَنْ ذَلِكَ إنْ جازَ كالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الماءِ.
﴿ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: وسْوَسَتَهُ وتَخْوِيفَهُ إيّاكم مِنَ العَطَشِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُشْرِكِينَ غَلَبُوا المُسْلِمِينَ فى أوَّلِ أمْرِهِمْ عَلى الماءِ فَظَمِئَ المُسْلِمُونَ وصَلُّوا مُجْنِبِينَ مُحْدِثِينَ، وكانَتْ بَيْنَهم رِمالٌ فَألْقى الشَّيْطانُ في قُلُوبِهِمُ الحَزَنَ وقالَ: أتَزْعُمُونَ أنَّ فِيكم نَبِيًّا وأنَّكم أوْلِياءُ اللَّهِ تَعالى وتُصَلُّونَ مُجْنِبِينَ مُحْدِثِينَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَ عَلَيْهِمُ الوادِي فَشَرِبُوا وتَطَهَّرُوا وثَبَتَتْ أقْدامُهم وذَهَبَتْ وسْوَسَةُ الشَّيْطانِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الرِّجْزَ هُنا بِالجَنابَةِ مَعَ اعْتِبارِ كَوْنِ التَّطْهِيرِ مِنها واعْتُرِضَ بِلُزُومِ التَّكْرارِ ودُفِعَ بِأنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ تَعْلِيلٌ لِلْأُولى والمَعْنى: طَهَّرَكم مِنَ الجَنابَةِ لِأنَّها كانَتْ مِن رِجْزِ الشَّيْطانِ وتَخْيِيلِهِ.
وقُرِئَ: (رِجْسِ) وهو بِمَعْنى الرِّجْزِ ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: يُقَوِّيها بِالثِّقَةِ بِلُطْفِ اللَّهُ تَعالى فِيما بَعْدُ بِمُشاهَدَةِ طَلائِعِهِ، وأصْلُ الرَّبْطِ الشَّدُّ ويُقالُ لِمَن صَبَرَ عَلى الشَّيْءِ: رَبَطَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ.
قالَ الواحِدِيُّ: ويُشْبِهُ أنْ تَكُونَ (عَلى) صِلَةً أيْ: ولِيَرْبِطَ قُلُوبَكم. وقِيلَ: الأصْلُ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ أتى بِعَلى قَصْدًا لِلِاسْتِعْلاءِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ قُلُوبَهم قَدِ امْتَلَأتْ مِن ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ عَلا عَلَيْها، وفي ذَلِكَ مِن إفادَةِ التَّمَكُّنِ ما لا يَخْفى.
﴿ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ﴾ ولا تَسُوخَ في الرَّمْلِ، فالضَّمِيرُ لِلْماءِ كالأوَّلِ.
صفحة 177
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلرَّبْطِ، والمُرادُ بِتَثْبِيتِ الأقْدامِ كَما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: جَعْلُهم صابِرِينَ غَيْرَ فارِّينَ ولا مُتَزَلْزِلِينَ.
8:12Page 178
إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ ١٢
[Remember] when your Lord inspired to the angels, "I am with you, so strengthen those who have believed. I will cast terror into the hearts of those who disbelieved, so strike [them] upon the necks and strike from them every fingertip."1
﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنَفٍ أيِ: اذْكُرْ. خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِطَرِيقِ التَّجْرِيدِ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ الكافُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِ يُثَبِّتُ ويَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ عَوْدُ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في بِهِ إلى الرَّبْطِ لِيَكُونَ المَعْنى ونُثَبِّتُ الأقْدامَ بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِكم وقْتَ الإيحاءِ إلى المَلائِكَةِ، والأمْرُ بِتَثْبِيتِهِمْ إيّاكم وهو وقْتُ القِتالِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَعُودَ إلى الماءِ لِتَقَدُّمِ زَمانِهِ عَلى ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ ذَلِكَ لِأنَّ التَّثْبِيتَ بِالمَطَرِ باقٍ إلى زَمانِهِ أوْ يُعْتَبَرُ الزَّمانُ مُتَّسَعًا قَدْ وقَعَ جَمِيعُ المَذْكُورِ فِيهِ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ التَّذْكِيرُ بِنِعْمَةٍ أُخْرى والإيماءُ إلى اقْتِرانِ تَثْبِيتِ الأقْدامِ بِتَثْبِيتِ القُلُوبِ المَأْمُورِ بِهِ المَلائِكَةُ الَّذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ، أوِ الرَّمْزُ إلى أنَّ التَّقْوِيَةَ وقَعَتْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ ثالِثٌ مِن: ( إذْ يَعِدُكُمُ ) ويُبْعِدُهُ تَخْصِيصُ الخِطابِ بِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ الأوَّلَ مُدَّعِيًا أنَّ في الثّانِي تَقْيِيدَ التَّثْبِيتِ بِوَقْتٍ مُبْهَمٍ ولَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ فائِدَةٍ. وفي الثّالِثِ إباءُ التَّخْصِيصِ عَنْهُ مَعَ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ لَيْسَ مِنَ الوَظائِفِ العامَّةِ لِلْكُلِّ كَسائِرِ أخَواتِهِ ولا يَسْتَطِيعُهُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ الوَحْيَ المَذْكُورَ قَبْلَ ظُهُورِهِ بِالوَحْيِ المَذْكُورِ.
ولا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ أنَّ ما ذُكِرَ لا يَقْتَضِي تَعَيُّنَ الأوَّلِ نَعَمْ يَقْتَضِي أوْلَوِيَّتَهُ.
والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ المَلائِكَةُ الَّذِينَ وقَعَ بِهِمُ الإمْدادُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، والمَعْنى: إذْ أُوحِي ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ . أيْ: مُعِينِكم عَلى تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى إزالَةِ الخَوْفِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ لِأنَّ المَلائِكَةَ لا يَخافُونَ مِنَ الكَفَرَةِ أصْلًا، وما تُشْعِرُ بِهِ كَلِمَةُ (مَعَ) مِن مَتْبُوعِيَّةِ المَلائِكَةِ لا يَضُرُّ في مِثْلِ هَذِهِ المَقاماتِ، وهو نَظِيرُ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ونَحْوِهِ، والمُنْسَبِكُ مَفْعُولُ يُوحِي، وقُرِئَ: إنِّي بِالكَسْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أيْ: قائِلًا: إنِّي مَعَكُمْ، أوْ إجْراءِ الوَحْيِ مَجْراهُ لِكَوْنِهِ مُتَضَمِّنًا مَعْناهُ، والفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، والمُرادُ بِالتَّثْبِيتِ الحَمْلُ عَلى الثَّباتِ في مَوْطِنِ الحَرْبِ والجِدِّ في مُقاساةِ شَدائِدِ القِتالِ قالًّا أوْ حالًّا، وكانَ ذَلِكَ هُنا في قَوْلٍ بِظُهُورِهِمْ لَهم في صُورَةٍ بَشَرِيَّةٍ يَعْرِفُونَها ووَعْدِهِمْ إيّاهُمُ النَّصْرَ عَلى أعْدائِهِمْ، فَقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ أنَّ المَلَكَ كانَ يَأْتِي الرَّجُلَ في صُورَةِ الرَّجُلِ يَعْرِفُهُ فَيَقُولُ: أبْشِرُوا فَإنَّهم لَيْسُوا بِشَيْءٍ واللَّهُ مَعَكم كُرُّوا عَلَيْهِمْ، وجاءَ في رِوايَةٍ: كانَ المَلَكُ يَتَشَبَّهُ بِالرَّجُلِ فَيَأْتِي ويَقُولُ: إنِّي سَمِعْتُ المُشْرِكِينَ يَقُولُونَ: واللَّهِ لَئِنْ حَمَلُوا عَلَيْنا لِنُكْشَفَنَّ ويَمْشِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ ويَقُولُ: أبْشِرُوا؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى ناصِرُكم.
وقالَ الزَّجّاجُ: كانَ بِأشْياءَ يُلْقُونَها في قُلُوبِهِمْ تَصِحُّ بِها عَزائِمُهم ويَتَأكَّدُ جِدُّهُمْ، ولِلْمَلَكِ قُوَّةُ إلْقاءِ الخَيْرِ في القَلْبِ ويُقالُ لَهُ الهامُّ كَما أنَّ لِلشَّيْطانِ قَوْلَةَ إلْقاءِ الشَّرِّ ويُقالُ لَهُ وسْوَسَةٌ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ تَكْثِيرِ السَّوادِ.
وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ بِمُحارَبَةِ أعْدائِهِمْ، وذَهَبَ إلى ذَلِكَ جَماعَةٌ وجَعَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ( إنِّي مَعَكم ) كَأنَّهُ قِيلَ: إنِّي مَعَكم في إعانَتِهِمْ بِإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِ أعْدائِهِمْ، والرُّعْبُ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ وقَدْ يُقالُ بِضَمَّتَيْنِ وبِهِ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ الخَوْفُ وانْزِعاجُ النَّفْسِ بِتَوَقُّعِ المَكْرُوهِ، وأصْلُهُ التَّقْطِيعُ مِن قَوْلِهِمْ: رَعَبْتُ السَّنامَ تَرْعِيبًا إذا قَطَعْتَهُ مُسْتَطِيلًا، كَأنَّ الخَوْفَ يَقْطَعُ الفُؤادَ أوْ يَقْطَعُ السُّرُورَ بِضِدِّهِ، وجاءَ
صفحة 178
رَعَبَ السَّيْلُ الوادِيَ إذا مَلَأهُ كَأنَّ السَّيْلَ قَطَعَ السُّلُوكَ فِيهِ أوْ لِأنَّهُ انْقَطَعَ إلَيْهِ مِن كُلِّ الجِهاتِ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فاضْرِبُوا﴾ إلَخْ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿فَثَبِّتُوا﴾ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّثْبِيتِ، وقَدْ أخْرُجُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَلى أبِي داوُدَ المازِنِيِّ قالَ: بَيْنا أنا أتْبَعُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ فَأهْوَيْتُ بِسَيْفِي إلَيْهِ فَوَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ سَيْفِي إلَيْهِ فَعَرَفْتُ أنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «بَيْنَما رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، يَشْتَدُّ في أثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أمامَهُ إذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وقائِلًا يَقُولُ: أقْدِمْ حَيْزُومُ فَخَرَّ المُشْرِكُ مُسْتَلْقِيًا فَنَظَرَ إلَيْهِ فَإذا هو قَدْ حُطِّمَ وشُقَّ وجْهُهُ فَجاءَ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: صَدَقْتَ؛ ذَلِكَ مِن مَدَدِ السَّماءِ الثّالِثَةِ».
وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ التَّثْبِيتُ بِما يُلْقُونَ إلَيْهِمْ مِن وعْدِ النَّصْرِ وما يَتَقَوّى بِهِ قُلُوبُهم في الجُمْلَةِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سَأُلْقِي﴾ إلَخْ جُمْلَةٌ اسْتِئْنافِيَّةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِإفادَةِ التَّثْبِيتِ لِأنَّهُ مُصَدِّقُهُ ومُبَيِّنُهُ لِإعانَتِهِ إيّاهم عَلى التَّثْبِيتِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فاضْرِبُوا﴾ إلَخْ جُمْلَةٌ مُسْتَعْقِبَةٌ لِلتَّثْبِيتِ بِمَعْنى: لا تَقْتَصِرُوا عَلى تَثْبِيتِهِمْ وأمِدُّوهم بِالقِتالِ عَقِيبَهُ مِن غَيْرِ تَراخٍ، وكَأنَّ المَعْنى: أنِّي مَعَكم فِيما آمُرُكم بِهِ فَثَبِّتُوا واضْرِبُوا. وجِيءَ بِالفاءِ لِلنُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ، ووَسَّطَ (سَأُلْقِي) تَصْدِيقًا لِلتَّثْبِيتِ وتَمْهِيدًا لِلْأمْرِ بَعْدَهُ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ تَكُونُ الآيَةُ دَلِيلًا لِمَن قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ قاتَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَ آخَرُونَ: التَّثْبِيتُ بِغَيْرِ المُقاتَلَةِ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَأُلْقِي﴾ تَلْقِينٌ مِنهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلتَّثْبِيتِ أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، والخِطابُ في ﴿فاضْرِبُوا﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ صادِرًا مِنَ المَلائِكَةِ حَكاهُ اللَّهُ تَعالى لَنا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الكَلامُ مِن جُمْلَةِ المُلَقَّنِ داخِلًا تَحْتَ القَوْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُولُوا لَهم قَوْلِي: (سَأُلْقِي) إلَخْ، أوْ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ نُثَبِّتُهُمْ؟ فَقِيلَ: قُولُوا لَهم قَوْلِي: (سَأُلْقِي) إلَخْ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا القَوْلَ أضْعَفُ الأقْوالِ مَعْنًى ولَفْظًا. وأمّا القَوْلُ بِأنَّ (فاضْرِبُوا) إلَخْ خِطابٌ مِنهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ بِالذّاتِ عَلى طَرِيقِ التَّلْوِينِ فَمَبْناهُ تَوَهُّمُ وُرُودِهِ قَبْلَ القِتالِ، وأنّى ذَلِكَ؟ والسُّورَةُ الكَرِيمَةُ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ تَمامِ الواقِعَةِ، وبِالجُمْلَةِ الآيَةُ ظاهِرَةٌ فَما يَدَّعِيهِ الجَماعَةُ مِن وُقُوعِ القِتالِ مِنَ المَلائِكَةِ ﴿فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أيِ: الرُّؤُوسِ كَما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ وعِكْرِمَةَ، وكَوْنُها فَوْقَ الأعْناقِ ظاهِرٌ. وأمّا المَذابِحُ كَما قالَ البَعْضُ فَإنَّها في أعالِي الأعْناقِ و(فَوْقَ) باقِيَةٌ عَلى ظَرْفِيَّتِها لِأنَّها لا تَتَصَرَّفُ، وقِيلَ: إنَّها مَفْعُولٌ بِهِ وهي بِمَعْنى الأعْلى إذا كانَ بِمَعْنى الرَّأْسِ، وقِيلَ: هي هُنا بِمَعْنى عَلى والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ: فاضْرِبُوهم عَلى الأعْناقِ، وقِيلَ: زائِدَةٌ أيْ: فاضْرِبُوا الأعْناقَ ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ .
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: البَنانُ أطْرافُ الأصابِعِ مِنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ والواحِدَةُ بَنانَةٌ وخَصَّها بَعْضُهم بِاليَدِ.
وقالَ الرّاغِبُ: هي الأصابِعُ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ بِها إصْلاحَ الأحْوالِ الَّتِي بِها يُمْكِنُ لِلْإنْسانِ أنْ يَبِنَ أيْ: يُقِيمَ مِن أبِنَ بِالمَكانِ وبَنَّ إذا أقامَ، ولِذَلِكَ خُصَّ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ وما نَحْنُ فِيهِ لِأجْلِ أنَّهم يُقاتِلُونَ ويُدافِعُونَ، والظّاهِرُ أنَّها حَقِيقَةٌ في ذَلِكَ، وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّها مَجازٌ فِيهِ مِن تَسْمِيَةِ الكُلِّ بِاسْمِ الجُزْءِ.
وقِيلَ: المُرادُ بِها هَنا مُطْلَقُ الأطْرافِ لِوُقُوعِها في مُقابَلَةِ الأعْناقِ والمَقاتِلِ. والمُرادُ: اضْرِبُوهم كَيْفَما اتَّفَقَ مِنَ المَقاتِلِ وغَيْرِها وآثَرَهُ في الكَشّافِ، وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّها الجَسَدُ كُلُّهُ في لُغَةِ هُذَيْلٍ، ويُقالُ فِيها بَنامٌ بِالمِيمِ وتَكْرِيرُ الأمْرِ بِالضَّرْبِ لِمَزِيدِ التَّشْدِيدِ والِاعْتِناءِ بِأمْرِهِ و(مِنهُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ
صفحة 179
وقَعَ حالًا مِن (كُلِّ بَنانٍ)، وضُعِّفَ كَوْنُهُ حالًا مِن بَنانٍ بِأنَّ فِيهِ تَقْدِيمَ حالِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى المُضافِ
8:13Page 178
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٣
That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh and His Messenger - indeed, Allāh is severe in penalty.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةً إلى الضَّرْبِ والأمْرِ بِهِ أوْ إلى جَمِيعِ ما مَرَّ. والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن ذُكِرَ قَبْلُ مِنَ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ عَلى البَدَلِ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَلِيقُ بِالخِطابِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْجَمْعِ، والكافُ تُفْرَدُ مَعَ تَعَدُّدِ مَن خُوطِبَ بِها، ولَيْسَتْ كالضَّمِيرِ عَلى ما صَرَّحُوا بِهِ، ومَحَلُّ الِاسْمِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ .
وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّ ذَلِكَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ ولَيْسَ الأمْرُ ذَلِكَ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ والمُشاقَّةُ العَداوَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ أخْذًا مِن شَقِّ العَصا وهي المُخالَفَةُ أوْ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعادِيَيْنِ يَكُونُ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ الآخَرِ كَما أنَّ العَداوَةَ سُمِّيَتْ عَداوَةً لِأنَّ كُلًّا مِنهُما في عَدْوَةٍ، أيْ: جانِبٍ وكَما أنَّ المُخاصَمَةَ مِنَ الخَصْمِ بِمَعْنى الجانِبِ أيْضًا، والمُرادُ بِها هُنا المُخالَفَةُ أيْ: ذَلِكَ ثابِتٌ لَهم أوْ واقِعٌ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ مُخالَفَتِهِمْ لِمَن لا يَنْبَغِي لَهم مُخالَفَتُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
﴿ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ: يُخالِفُ أمْرَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ والإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الحُكْمِ، وبِئْسَ خَطِيبُ القَوْمِ أنْتَ اقْتَضاهُ الجَمْعُ عَلى وجْهٍ لا يَبِينُ مِنهُ الفَرْقُ مِمَّنْ هو في رِبْقَةِ التَّكْلِيفِ وأيْنَ هَذا مِن ذاكَ لَوْ وقَعَ مِمَّنْ لا حَجْرَ عَلَيْهِ، وإنَّما لَمْ يُدْغَمِ المِثْلانِ لَأنَّ الثّانِيَ ساكِنٌ في الأصْلِ والحَرَكَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَلا يُعْتَدُّ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ إمّا نَفْسُ الجَزاءِ قَدْ حُذِفَ مِنهُ العائِدُ عِنْدَ مَن يَلْتَزِمُهُ ولا يَكْتَفِي بِالفاءِ في الرَّبْطِ. أيْ: شَدِيدُ العِقابِ لَهُ، أوْ تَعْلِيقٌ لِلْجَزاءِ المَحْذُوفِ أيْ: يُعاقِبُهُ اللَّهُ تَعالى فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ، وأيًّا ما كانَ فالشَّرْطِيَّةُ بَيانٌ لِلسَّبَبِيَّةِ السّابِقَةِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ العِقابُ الشَّدِيدُ بِسَبَبِ المُشاقَّةِ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكُلُّ مَن يُشاقِقُ اللَّهَ ورَسُولَهُ كائِنًا مَن كانَ فَلَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عِقابٌ شَدِيدٌ فَإذَنْ لَهم بِسَبَبِ مُشاقَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ عِقابٌ شَدِيدٌ، وقِيلَ: هو وعِيدٌ بِما أُعِدَّ لَهم في الآخِرِ بَعْدَ ما حَلَّقَ بِهِمْ في الدُّنْيا، قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ويَرُدُّهُ
8:14Page 178
ذَٰلِكُمۡ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٤
"That [is yours], so taste it." And indeed for the disbelievers is the punishment of the Fire.
قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ هو المَسُوقُ لِلْوَعِيدِ بِما ذُكِرَ ناطِقٌ بِكَوْنِ المُرادِ بِالعِقابِ المَذْكُورِ ما أصابَهم عاجِلًا سَواءٌ جُعِلَ (ذَلِكُمْ) إشارَةً إلى نَفْسِ العِقابِ أوْ إلى ما تُفِيدُهُ الشَّرْطِيَّةُ مِن ثُبُوتِهِ لَهُمْ، أمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّ الأظْهَرَ أنَّ مَحَلَّهُ النُّصْبُ بِمُضْمَرٍ يَسْتَدْعِيهِ (فَذُوقُوهُ)، والواوُ في ﴿وأنَّ لِلْكافِرِينَ﴾ إلَخْ بِمَعْنى مَعَ، فالمَعْنى باشِرُوا ذَلِكُمُ العِقابَ الَّذِي أصابَكم فَذُوقُوهُ عاجِلًا مَعَ أنَّ لَكم عَذابَ النّارِ آجِلًا، فَوَقَعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَوْبِيخِهِمْ بِالكُفْرِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِهِ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ الأقْرَبَ أنَّ مَحَلَّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: (وأنَّ) إلَخْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والمَعْنى حُكْمُ اللَّهِ تَعالى ذَلِكم أيْ: ثُبُوتُ هَذا العِقابِ لَكم عاجِلًا وثُبُوتُ عَذابِ النّارِ آجِلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذُوقُوهُ﴾ اعْتِراضٌ وُسِّطَ بَيْنِ المَعْطُوفَيْنِ لِلتَّهْدِيدِ، والضَّمِيرُ عَلى الأوَّلِ لِنَفْسِ المُشارِ إلَيْهِ وعَلى الثّانِي لِما في ضِمْنِهِ اهـ.
واعْتُرِضَ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ بِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ مِن بابِ الِاشْتِغالِ وهو إنَّما يَصِحُّ لَوْ جَوَّزْنا صِحَّةَ الِابْتِداءِ في ذَلِكم وظاهِرٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ لَأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَكُونُ خَبَرًا إلّا إذا كانَ المُبْتَدَأُ مَوْصُولًا أوْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً. ورُدَّ بِأنَّهُ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ؛ فَإنَّ الأخْفَشَ جَوَّزَهُ مُطْلَقًا، وتَقْدِيرُ باشَرُوا مِمّا اسْتَحْسَنَهُ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ قالُوا: لِتَكُونَ الفاءُ عاطِفَةً لا زائِدَةً أوْ جَزائِيَّةً كَما في نَحْوِ زَيْدًا فاضْرِبْهُ عَلى كَلامٍ فِيهِ، وبَعْضُهم يُقَدِّرُ
صفحة 180
عَلَيْكُمُ اسْمَ فِعْلٍ. واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ أسْماءَ الأفْعالِ لا تُضْمَرُ. واعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ الحَلَبِيُّ بِأنَّ مَن قَدَّرَ لَعَلَّهُ نَحا نَحْوَ الكُوفِيِّينَ فَإنَّهم يُجْرُونَ اسْمَ الفِعْلِ مَجْرى الفِعْلِ مُطْلَقًا، ولِذَلِكَ يُعْمِلُونَهُ مُتَأخِّرًا نَحْوَ ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، وما أشارَ إلَيْهِ كَلامُهُ مِن أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وأنَّ لِلْكافِرِينَ﴾ إلَخْ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، فَإنَّ في نَصْبِ المَصْدَرِ المُؤَوَّلِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ نَظَرًا، ومِن هُنا اخْتارَ بَعْضُهُمُ العَطْفَ عَلى ذَلِكم كَما في التَّقْدِيرِ الثّانِي، وآخَرُونَ اخْتارُوا عَطْفَهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنِّي مَعَكُمْ﴾ داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ الإيحاءِ أوْ عَلى المَصْدَرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ ولا يَخْفى أنَّ العَطْفَ عَلى (ذَلِكُمْ) يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ المَعْنى: باشِرُوا أوْ عَلَيْكم أوْ ذُوقُوا أنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ وهو مِمّا يَأْباهُ الذَّوْقُ، ولِذا قالَ العَلّامَةُ الثّانِي: إنَّهُ لا مَعْنى لَهُ، والعَطَفانِ الآخَرانِ لا أدْرِي أيُّهُما أمْرٌ مِنَ الآخَرِ، ولِذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى اخْتِيارِ كَوْنِ المَصْدَرِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِ اعْلَمُوا ولَعَلَّ أهْوَنَ الوُجُوهِ في الآيَةِ الوَجْهُ الأخِيرُ.
والإنْصافُ أنَّها ظاهِرَةٌ في كَوْنِ المُرادِ بِالعِقابِ ما أصابَهم عاجِلًا، والخِطابُ فِيها مَعَ الكَفَرَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ مِنَ الغَيْبَةِ في (شاقُّوا) إلَيْهِ، ولا يُشْتَرَطُ في الخِطابِ المُعْتَبَرِ في الِالتِفاتِ أنْ يَكُونَ بِالِاسْمِ كَما هو المَشْهُورُ بَلْ يَكُونُ بِنَحْوِ ذَلِكَ أيْضًا بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَن وقَعَ الغائِبُ عِبارَةً عَنْهُ كَذا قِيلَ وفِيهِ كَلامٌ، وقَرَأ الحَسَنُ: (وإنَّ لِلْكافِرِينَ) بِالكَسْرِ، وعَلَيْهِ فالجُمْلَةُ تَذْيِيلِيَّةٌ واللّامُ لِلْجِنْسِ والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences