Al-AlusiAl‑Anfal · 8:5–10

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:5–10

8:5Page 177

كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ ٥

[It1 is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,

﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: إخْراجًا مُتَلَبِّسًا بِهِ فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ، وقِيلَ: هي سَبَبِيَّةٌ أيْ: بِسَبَبِ الحَقِّ الَّذِي وجَبَ عَلَيْكَ وهو الجِهادُ.

والمُرادُ بِالبَيْتِ مَسْكَنُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالمَدِينَةِ أوِ المَدِينَةُ نَفْسُها؛ لِأنَّها مَثْواهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ بِهِ مَكَّةُ ولَيْسَ بِذاكَ، وإضافَةُ الإخْراجِ إلى الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى إشارَةٌ إلى أنَّهُ كانَ بِوَحْيٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ، ولا يَخْفى لُطْفُ ذِكْرِ الرَّبِّ وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والكافُ يَسْتَدْعِي مُشَبِّهًا وهو غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِهِ في الآيَةِ وفِيهِ خَفاءٌ، ومِن هُنا اخْتَلَفُوا في بَيانِهِ وكَذا في إعْرابِهِ عَلى وُجُوهٍ فاخْتارَ بَعْضُهم أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هو المُشَبَّهُ أيْ: حالُهم هَذِهِ في كَراهَةِ ما وقَعَ في أمْرِ الأنْفالِ كَحالِ إخْراجِكَ مِن بَيْتِكَ في كَراهَتِهِمْ لَهُ، وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامِ الفَرّاءِ حَيْثُ قالَ: الكافُ شَبَّهَتْ هَذِهِ القِصَّةَ الَّتِي هي إخْراجُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن بَيْتِهِ بِالقِصَّةِ المُتَقَدِّمَةِ الَّتِي هي سُؤالُهم عَنِ الأنْفالِ وكَراهَتُهم لِما وقَعَ فِيها مَعَ أنَّهُ أوْلى بِحالِهِمْ أوْ أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ في ﴿لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ أيِ: الأنْفالُ ثَبَتَتْ لِلَّهِ تَعالى ولِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ كَراهَتِهِمْ ثَباتًا كَثَباتِ إخْراجِكَ وضَعَّفَ هَذا ابْنُ الشَّجَرِيِّ، وادَّعى أنَّ الوَجْهَ هو الأوْلى لِتُباعِدِ ما بَيْنَ ذَلِكَ الفِعْلِ وهَذا بِعَشْرِ جُمَلٍ، وأيْضًا جَعْلُهُ في حَيِّزِ قُلْ لَيْسَ بِحَسَنٍ في الِانْتِظامِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَبِيرُ مَعْنًى ولا يَظْهَرُ لِلتَّشْبِيهِ فِيهِ وجْهٌ، وأيْضًا لَمْ يَعْهَدْ مِثْلُ هَذا المَصْدَرِ، وادَّعى العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ أنَّ هَذا الوَجْهَ أدَقُّ التِئامًا مِنَ الأوَّلِ والتَّشْبِيهَ فِيهِ أكْثَرُ تَفْصِيلًا لِأنَّهُ حِينَئِذٍ مِن تَتِمَّةِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ داخِلٌ في حَيِّزِ المَقُولِ مَعَ مُراعاةِ الِالتِفاتِ وأطالَ الكَلامَ في بَيانِ ذَلِكَ واعْتَذَرَ عَنِ الفَصْلِ بِأنَّ الفاصِلَ جارٍ مَجْرى الِاعْتِراضِ ولا أراهُ سالِمًا مِنَ الِاعْتِراضِ، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم كَما أخْرَجَكَ، وقَدِ التُفِتَ مِن خِطابِ جَماعَةٍ إلى خِطابِ واحِدٍ، وقِيلَ: المُرادُ وأطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ كَما أخْرَجَكَ إخْراجًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ يَتَوَكَّلُونَ تَوَكُّلًا كَما أخْرَجَكَ، وقِيلَ: إنَّهم لَكارِهُونَ كَراهَةً ثابِتَةً كَإخْراجِكَ، وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِـ (حَقًّا) أيْ: أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا مِثْلُ ما أخْرَجَكَ، وقِيلَ: صِفَةٌ لِمَصْدَرِ (يُجادِلُونَ) أيْ: يُجادِلُونَكَ جِدالًا كَإخْراجِكَ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الكِسائِيِّ، وقِيلَ: الكافُ بِمَعْنى إذْ؛ أيْ: واذْكُرْ إذْ أخْرَجَكَ وهو مَعَ بُعْدِهِ لَمْ يَثْبُتْ وقِيلَ: الكافُ لِلْقَسَمِ ولَمْ يَثْبُتْ أيْضًا وإنْ

صفحة 170

نُقِلَ عَنْ أبِي عُبَيْدٍ وجَعَلَ (يُجادِلُونَكَ) الجَوابَ مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ اللّامِ والتَّأْكِيدِ و(ما) حِينَئِذٍ مَوْصُولَةٌ أيْ: والَّذِي أخْرَجَكَ، وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى عَلى وما مَوْصُولَةٌ أيْضًا؛ أيِ امْضِ عَلى الَّذِي أخْرَجَكَ رَبُّكَ لَهُ مِن بَيْتِكَ فَإنَّهُ حَقٌّ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: هي مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مُقَدَّرٌ وهو رَكِيكٌ جِدًّا، وقِيلَ: في مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ وعْدُهُ حَقٌّ كَما أخْرَجَكَ، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ قِسْمَتُكَ حَقٌّ كَإخْراجِكَ، وقِيلَ: ذَلِكم خَيْرٌ لَكم كَإخْراجِكَ، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ إخْراجُكَ مِن مَكَّةَ لِحُكْمٍ كَإخْراجِكَ هَذا، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِ اضْرِبُوا وهو كَما تَقُولُ لِعَبْدِكَ رَبَّيْتُكَ افْعَلْ كَذا.

وقالَ أبُو حَيّانَ: خَطَرَ لِي في المَنامِ أنَّ هُنا مَحْذُوفًا وهو نَصْرُكَ والكافُ فِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ أيْ: لِأجْلِ أنْ خَرَجْتَ عِزازَ دِينِ اللَّهِ تَعالى نَصَرَكَ وأمَدَّكَ بِالمَلائِكَةِ، ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ بَعْدُ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الآياتِ، ولَوْ قِيلَ: إنَّ هَذا مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( رِزْقٌ كَرِيمٌ ) عَلى مَعْنى رِزْقٍ حَسَنٍ كَحُسْنِ إخْراجِكَ مِن بَيْتِكَ لَمْ يَكُنْ بِأبْعَدَ مِن كَثِيرٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ.

﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ لِلْخُرُوجِ إمّا لِعَدَمِ الِاسْتِعْدادِ لِلْقِتالِ أوْ لِلْمَيْلِ لِلْغَنِيمَةِ أوْ لِلنَّفْرَةِ الطَّبِيعِيَّةِ عَنْهُ، وهَذا مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ، فَلا يَرِدُ أنَّهُ لا يَلِيقُ بِمَنصِبِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ لِأنَّ الكَراهَةَ وقَعَتْ بَعْدَ الخُرُوجِ كَما سَتَراهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، أوْ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مُمْتَدًّا، والقِصَّةُ عَلى ما رَواهُ جَماعَةٌ وقَدْ تَداخَلَتْ رِواياتُهم «أنَّ عِيرَ قُرَيْشٍ أقْبَلَتْ مِنَ الشّامِ وفِيها تِجارَةٌ عَظِيمَةٌ ومَعَها أرْبَعُونَ راكِبًا مِنهم أبُو سُفْيانَ وعَمْرُو بْنُ العاصِ، ومَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَأخْبَرَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَ المُسْلِمِينَ فَأعْجَبَهم تَلَقِّيها لِكَثْرَةِ المالِ وقِلَّةِ الرِّجالِ، فَلَمّا خَرَجُوا بَلَغَ الخَبَرُ أهْلَ مَكَّةَ فَنادى أبُو جَهْلٍ فِرَقَ الكُفْرِ: النَّجاءَ النَّجاءَ عَلى كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ عِيرَكم أمْوالَكم إنْ أصابَها مُحَمَّدٌ لَمْ تُفْلِحُوا بَعْدَها أبَدًا، وقَدْ رَأتْ عاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ في المَنامِ أنَّ راكِبًا أقْبَلَ عَلى بَعِيرٍ لَهُ حَتّى وقَفَ بِالأبْطُحِ ثُمَّ صَرَخَ بِأعْلى صَوْتِهِ: ألا انْفَرُوا يا آلَ غُدَرٍ لِمَصارِعِكم في ثَلاثٍ فَأرى النّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا إلَيْهِ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ والنّاسُ يَتْبَعُونَهُ فَبَيْنَما هم حَوْلَهُ مَثُلَ بِهِ بِعِيرُهُ عَلى ظَهْرِ الكَعْبَةِ فَصَرَخَ مِثْلَها ثُمَّ مَثُلَ بِهِ بِعِيرُهُ عَلى رَأْسِ أبِي قُبَيْسٍ فَصَرَخَ مِثْلَها ثُمَّ أخَذَ صَخْرَةً فَأرْسَلَها فَأقْبَلَتْ تَهْوِي حَتّى إذا كانَتْ بِأسْفَلِ الجَبَلِ ارْفَضَّتْ فَما بَقِيَ بَيْتٌ مِن بُيُوتِ مَكَّةَ ولا دارٌ مِن دُورِها إلّا ودَخَلَ فِيها فِلْقَةٌ فَحَدَّثَتْ بِها أخاها العَبّاسَ فَحَدَّثَ بِها الوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ وكانَ صَدِيقًا لَهُ فَحَدَّثَ بِها أباهُ عُتْبَةَ فَفَشا الحَدِيثُ وبَلَغَ أبا جَهْلٍ فَقالَ لِلْعَبّاسِ: يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ أما رَضِيتُمْ أنْ تَتَنَبَّأ رِجالُكم حَتّى تَتَنَبَّأ نِساؤُكم فَأنْكَرَ عَلَيْهِ الرُّؤْيَةَ. ثُمَّ إنَّهُ خَرَجَ بِجَمِيعِ مَكَّةَ ومَضى بِهِمْ إلى بَدْرٍ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِوادِي دَفْرانَ فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَعْدِ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ إمّا: العِيرُ وإمّا قُرَيْشٌ، فاسْتَشارَ أصْحابَهُ فَقالَ بَعْضُهُمْ: هَلّا ذَكَرْتَ لَنا القِتالَ حَتّى نَتَأهَّبَ لَهُ؛ إنّا خَرَجْنا لِلْعِيرِ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إنَّ العِيرَ مَضَتْ عَلى ساحِلِ البَحْرِ، وهَذا أبُو جَهْلٍ قَدْ أقْبَلَ». فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَيْكَ بِالعِيرِ ودَعِ العَدُوَّ، فَغَضِبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقامَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَأحْسَنا الكَلامَ في اتِّباعِ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قامَ المِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، امْضِ لِما أمَرَكَ اللَّهُ تَعالى فَنَحْنُ مَعَكَ حَيْثُ أحْبَبْتَ لا نَقُولُ كَما قالَ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ: أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها النّاسُ، - وهو يُرِيدُ الأنْصارَ - لِأنَّهم كانُوا عَدُوَّهُمْ، وقَدْ شَرَطُوا حِينَ بايَعُوهُ بِالعَقَبَةِ أنَّهم بَراءُ مِن ذِمامِهِ حَتّى يَصِلَ إلى دِيارِهِمْ فَتَخَوَّفَ أنْ لا يَرَوْا نُصْرَتَهُ إلّا عَلى عَدُوِّهِمْ

صفحة 171

بِالمَدِينَةِ فَقامَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إيّانا تُرِيدُ؟ قالَ: أجَلْ. قالَ: قَدْ آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ وشَهِدْنا أنَّ ما جِئْتَ بِهِ هو الحَقُّ وأعْطَيْناكَ عَلى ذَلِكَ عُهُودَنا ومَواثِيقَنا عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ فامْضِ يا رَسُولَ اللَّهِ لِما أرَدْتَ فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْناهُ مَعَكَ ما تَخَلَّفَ مِنّا رَجُلٌ واحِدٌ، ولا نَكْرَهُ أنْ تَلْقى بِنا عَدُوَّنا وإنّا لَصُبُرٌ عِنْدَ الحَرْبِ صِدْقٌ عِنْدَ اللِّقاءِ، ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى يُرِيكَ مِنّا ما يُقِرُّ بِهِ عَيْنَيْكَ فَسِرْ بِنا عَلى بَرَكاتِ اللَّهِ تَعالى فَنَشَّطَهُ قَوْلُهُ ثُمَّ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «سِيرُوا عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ وعَدَنِي إحْدى الطّائِفَتَيْنِ، واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ إلى مَصارِعِ القَوْمِ»» اهـ.

وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ كانُوا كارِهِينَ وبَعْضَهم لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ وهُمُ الأكْثَرُ كَما تُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ.

وجاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا فَرَغَ مِن بَدْرٍ قِيلَ لَهُ: عَلَيْكَ بِالعِيرِ فَلَيْسَ دُونَها شَيْءٌ فَناداهُ العَبّاسُ وهو في وِثاقِهِ لا يَصْلُحُ فَقالَ لَهُ: لِمَ؟ فَقالَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَكَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ وقَدْ أعْطاكَ ما وعَدَكَ»

8:6Page 177

يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٦

Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.

﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾ الَّذِي هو تَلَقِّي النَّفِيرِ المُعْلِي لِلدِّينِ؛ لِإيثارِهِمْ عَلَيْهِ تَلَقِّيَ العِيرِ.

والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في (لَكارِهُونَ)، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَعْدِما تَبَيَّنَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ يُجادِلُونَ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، وضَمِيرُ تَبَيَّنَ لِلْحَقِّ أيْ: يُجادِلُونَ بَعْدَ تَبَيُّنِ الحَقِّ لَهم بِإعْلامِكَ أنَّهم يُنْصَرُونَ ويَقُولُونَ: ما كانَ خُرُوجُنا إلّا لِلْعِيرِ وهَلّا ذَكَرْتَ لَنا القِتالَ حَتّى نَسْتَعِدَّ لَهُ ونَتَأهَّبَ ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾ أيْ: مُشَبَّهِينَ بِالَّذِينِ يُساقُونَ بِالعُنْفِ والصَّغارِ إلى القَتْلِ، فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ لَكارِهُونَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ صِفَةَ مَصْدَرٍ لِكارِهُونَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: لَكارِهُونَ كَراهَةً كَكَراهَةِ مَن سِيقَ لِلْمَوْتِ ﴿وهم يَنْظُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يُساقُونَ وقَدْ شاهَدُوا أسْبابَهُ وعَلاماتِهِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿كَأنَّما﴾ إلَخْ إيماءٌ إلى أنَّ مُجادَلَتَهم كانَتْ لِفَرْطِ فَزَعِهِمْ ورُعْبِهِمْ لِأنَّهم كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا في قَوْلٍ فِيهِمْ فارِسانِ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ، والزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: ما كانَ مِنّا فارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ إلّا المِقْدادُ، وكانَ المُشْرِكُونَ ألْفًا قَدِ اسْتَعَدُّوا لِلْقِتالِ.

8:7Page 177

وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧

[Remember, O believers], when Allāh promised you one of the two groups1 - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allāh intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers

﴿وإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ جَمِيلِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى بِالمُؤْمِنِينَ مَعَ ما بِهِمْ مِنَ الجَزَعِ وقِلَّةِ الحَزْمِ، فَإذْ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ إنْ كانَتْ مُتَصَرِّفَةً أوْ ظَرْفٍ لِمَفْعُولِ ذَلِكَ الفِعْلِ، وهو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ والِالتِفاتِ و(إحْدى) مَفْعُولٌ ثانٍ لِ يَعِدُ وهو يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِنَفْسِهِ وبِالباءِ، أيِ اذْكُرُوا وقْتَ أوِ الحادِثَ وقْتَ وعْدِ اللَّهِ تَعالى إيّاكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ.

وقُرِئَ: (يَعِدْكُمْ) بِسُكُونِ الدّالِ تَخْفِيفًا، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أنَّها لَكُمْ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إحْدى مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الوَعْدِ، أيْ: يَعِدُكم أنَّ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ كائِنَةٌ لَكم مُخْتَصَّةٌ بِكم تَتَسَلَّطُونَ عَلَيْها تَسَلُّطَ المَلائِكِ وتَتَصَرَّفُونَ فِيها كَيْفَما شِئْتُمْ ﴿وتَوَدُّونَ﴾ عُطِفَ عَلى يَعِدُكم داخِلٌ مَعَهُ حَيْثُ دَخَلَ أيْ: تُحِبُّونَ ﴿أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ تَكُونُ لَكم مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، وذاتُ الشَّوْكَةِ هي النَّفِيرُ ورَئِيسُهم أبُو جَهْلٍ، وغَيْرُها العِيرُ ورَئِيسُهم أبُو سُفْيانَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِهَذا العُنْوانِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى سَبَبِ وِدادَتِهِمْ لِمُلاقاتِهِمْ ومُوجَبُ كَراهَتِهِمْ ونُفْرَتِهِمْ عَنْ مُوافاةِ النَّفِيرِ، والشَّوْكَةُ في الأصْلِ واحِدَةُ الشَّوْكِ المَعْرُوفِ ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِلشِّدَّةِ والحِدَّةِ وتُطْلَقُ عَلى السِّلاحِ أيْضًا وفَسَّرَها بَعْضُهم بِهِ هُنا ﴿ويُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ﴾ أيْ: يُظْهِرَ

صفحة 172

كَوْنَهُ حَقًّا ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ المُوحى بِها في هَذِهِ القِصَّةِ أوْ أوامِرِهِ لِلْمَلائِكَةِ بِالإمْدادِ أوْ بِما قُضِيَ مِن أسْرِ الكُفّارِ وقَتْلِهِمْ وطَرْحِهِمْ في قُلَيْبِ بَدْرٍ، وقُرِئَ: (بِكَلِمَتِهِ) بِالإفْرادِ لِجَعْلِ المُتَعَدِّدِ كالشَّيْءِ الواحِدِ أوْ عَلى أنَّ المُرادَ بِها كَلِمَةُ كُنْ الَّتِي هي عِنْدَ الكَثِيرِ عِبارَةٌ عَنِ القَضاءِ والتَّكْوِينِ.

﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: آخِرَهم والمُرادُ يُهْلِكُهم جُمْلَةً مِن أصْلِهِمْ لِأنَّهُ لا يَفْنى الآخِرُ إلّا بَعْدَ فَناءِ الأوَّلِ، ومِنهُ سُمِّيَ الهَلاكُ دِبارًا. والمَعْنى: أنْتُمْ تُرِيدُونَ سَفْسافَ الأُمُورِ واللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يُرِيدُ مَعالِيَها وما يَرْجِعُ إلى عُلُوِّ كَلِمَةِ الحَقِّ وسُمُوِّ رُتْبَةِ الدِّينِ وشَتّانَ بَيْنِ المُرادَيْنِ، وكَأنَّهُ لِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ عَبَّرَ أوَّلًا بِالوِدادَةِ وثانِيًا بِالإرادَةِ،

8:8Page 177

لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨

That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى اخْتِيارِ ذاتِ الشَّوْكَةِ ونَصْرِهِمْ عَلَيْها مَعَ إرادَتِهِمْ لِغَيْرِها، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُؤَخَّرٍ عَنْها، أيْ: لِهَذِهِ الحِكْمَةِ الباهِرَةِ فُعِلَ ما فُعِلَ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، ولَيْسَ فِيهِ مَعَ ما تَقَدَّمَ تَكْرارٌ؛ إذِ الأوَّلُ لِبَيانِ تَفاوُتِ ما بَيْنَ الإرادَتَيْنِ وهَذا لِبَيانِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ما ذُكِرَ.

وأشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ هَذا نَظِيرُ قَوْلِكَ: أرَدْتَ أنْ تَفْعَلَ الباطِلَ وأرَدْتُ أنْ أفْعَلَ الحَقَّ فَفَعَلْتُ ما أرَدْتُهُ لِكَذا لا لِمُقْتَضى إرادَتِكَ ولَيْسَ نَظِيرَ قَوْلِكَ: أرَدْتُ أنْ أُكْرِمَ زَيْدًا لِإكْرامِهِ لِيَكُونَ فِيهِ ما يَكُونُ، ومَعْنى إبْطالِ الباطِلِ عَلى طَرْزِ ما أشَرْنا إلَيْهِ في إحْقاقِ الحَقِّ ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾ ذَلِكَ أعْنِي إحْقاقَ الحَقِّ وإبْطالَ الباطِلِ، والمُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ لا مَن كَرِهَ الذَّهابَ إلى النَّفِيرِ لِأنَّهُ جُرْمٌ مِنهم كَما قِيلَ.

8:9Page 178

إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ ٩

[Remember] when you were asking help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."

﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ( إذْ يَعِدُكُمُ ) وإنْ كانَ زَمانُ الوَعْدِ غَيْرَ زَمانِ الِاسْتِغاثَةِ لِأنَّهُ بِتَأْوِيلِ أنَّ الوَعْدَ والِاسْتِغاثَةَ وقَعا في زَمَنٍ واسِعٍ كَما قالَ الطِّيبِيُّ، قِيلَ: وهو يَحْتَمِلُ بَدَلَ الكُلِّ إنْ جُعِلا مُتَّسِعَيْنِ وبَدَلَ البَعْضِ إنْ جُعِلَ الأوَّلُ مُتَّسَعًا والثّانِي مِعْيارًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيُحِقَّ﴾ . واعْتُرِضَ بِأنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ لِنَصْبِهِ بِأنْ، (وإذْ) لِلزَّمانِ الماضِي فَكَيْفَ يُعْمَلُ بِها. وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ النُّحاةِ كابْنِ مالِكٍ مِن أنَّ (إذْ) قَدْ تَكُونُ بِمَعْنى إذا لِلْمُسْتَقْبَلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾ .

وقَدْ يُجْعَلُ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِالماضِي لِتَحَقُّقِهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في الجَوابِ: إنَّ كَوْنَ الإحْقاقِ مُسْتَقْبَلًا إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ ما هو غايَةٌ لَهُ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ الِاسْتِغاثَةِ حَتّى لا يَعْمَلَ فِيهِ بَلْ هُما في وقْتٍ واحِدٍ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْ زَمانِها بِإذْ نَظَرًا إلى زَمَنِ النُّزُولِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ في (تَسْتَغِيثُونَ) لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها العَجِيبَةِ، وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنَفٍ أيِ اذْكُرُوا، وقِيلَ: بِ (تَوَدُّونَ) ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والِاسْتِغاثَةُ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ: طَلَبُ الغَوْثِ وهو التَّخْلِيصُ مِنَ الشِّدَّةِ والنِّقْمَةِ والعَوْنُ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ ولَمْ يَقَعْ في القُرْآنِ الكَرِيمِ إلّا كَذَلِكَ، وقَدْ يَتَعَدّى بِالحَرْفِ كَقَوْلِهِ:

حَتّى اسْتَغاثَ بِماءٍ لا رَشادَ لَهُ مِنَ الأباطِحِ في حافاتِهِ البِرَكُ

وكَذا اسْتَعْمَلَهُ سِيبَوَيْهِ وزَعَمَ أنَّهُ خَطَأٌ، والظّاهِرُ أنَّ المُسْتَغِيثَ هُمُ المُؤْمِنُونَ، قِيلَ: إنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنْ لا مَحِيصَ مِنَ القِتالِ أخَذُوا يَقُولُونَ: أيْ رَبِّ، انْصُرْنا عَلى عَدُوِّكَ، أغِثْنا يا غِياثَ المُسْتَغِيثِينَ، وقالَ الزُّهْرِيُّ: إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وظاهِرُ بَعْضِ الأخْبارِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى

صفحة 173

عَنْهُما قالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى أصْحابِهِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا إلى المُشْرِكِينَ فَإذا هم ألْفٌ وزِيادَةٌ فاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ القِبْلَةَ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ وجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ مِن أهْلِ الإسْلامِ لا تُعْبَدُ في الأرْضِ، فَما زالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ حَتّى سَقَطَ رِداؤُهُ، فَأتاهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَأخَذَ رِداءَهُ فَألْقاهُ عَلى مَنكِبَيْهِ ثُمَّ التَزَمَهُ مِن ورائِهِ وقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ: كَفاكَ مُناشَدَتُكَ رَبَّكَ فَإنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ ما وعَدَكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ».

وعَلَيْهِ فالجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ ﴿فاسْتَجابَ لَكُمْ﴾ أيْ: فَأجابَ دُعاءَكم عَقِيبَ اسْتِغاثَتِكم إيّاهُ سُبْحانَهُ عَلى أتَمِّ وجْهٍ: ﴿أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ أيْ: بِأنِّي فَحَذَفَ الجارَّ، وفي كَوْنِ المُنْسَبِكِ بَعْدَ الحَذْفِ مَنصُوبًا أوْ مَجْرُورًا خِلافٌ. وقَرَأ أبُو عُمَرَ بِالكَسْرِ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ أوْ إجْراءِ اسْتَجابَ مَجْرى قالَ؛ لِأنَّ الِاسْتِجابَةَ مِن جِنْسِ القَوْلِ، والتَّأْكِيدُ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ، وحَمْلُهُ عَلى تَنْزِيلِ غَيْرِ المُنْكَرِ بِمَنزِلَةِ المُنْكَرِ بِمَنزِلَةِ المُنْكَرِ عِنْدِي، والمُرادُ بِمُمِدِّكم مُعِينُكم وناصِرُكم ﴿بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ أيْ: وراءَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ورَدَفَ وأرْدَفَ بِمَعْنًى كَتَبِعَ وأتْبَعُ في قَوْلٍ.

وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا فَرَدَفْتُ الرَّجُلَ بِمَعْنى رَكِبْتُ خَلْفَهُ وأرْدَفْتُهُ بِمَعْنى أرْكَبْتُهُ خَلْفِي، وقالَ بَعْضُهُمْ: رَدَفْتُ وأرْدَفْتُ إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ، فَإذا فَعَلْتَهُ بِغَيْرِكَ فَأرْدَفْتُ لا غَيْرُ، وجاءَ أرْدَفَ بِمَعْنى اتَّبَعَ مُشَدَّدًا وهو يَتَعَدّى لِواحِدٍ وبِمَعْنى أتْبَعَ مُخَفَّفًا وهو يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ عَلى ما هو المَشْهُورُ، وبِكُلٍّ فُسِرَ هُنا، وقَدَّرُوا المَفْعُولَ والمَفْعُولَيْنِ حَسْبَما يَصِحُّ بِهِ المَعْنى ويَقْتَضِيهِ، وجَعَلُوا الِاحْتِمالاتِ خَمْسَةً، احْتِمالانِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ جُمْلَةَ المَلائِكَةِ والمَفْعُولُ المُقَدَّرُ المُؤْمِنِينَ، والمَعْنى مُتَّبَعِينَ المُؤْمِنِينَ أيْ: جائِينَ خَلْفَهُمْ، وثانِيهِما أنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ بَعْضَ المَلائِكَةِ، والمَفْعُولُ بَعْضٌ آخَرُ، والمَعْنى مُتَّبِعًا بَعْضُهم بَعْضًا آخَرَ مِنهم كَرُسُلِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وثَلاثَةُ احْتِمالاتٍ عَلى المَعْنى الثّانِي، الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَوْصُوفُ كُلَّ المَلائِكَةِ والمَفْعُولانِ بَعْضُهم عَلى مَعْنى أنَّهم جَعَلُوا بَعْضَهم يَتْبَعُ بَعْضًا، الثّانِي كَذَلِكَ إلّا أنَّ المَفْعُولَ الأوَّلَ بَعْضُهم والثّانِي المُؤْمِنِينَ عَلى مَعْنى أنَّهُمُ اتَّبَعُوا بَعْضُهُمُ المُؤْمِنِينَ فَجَعَلُوا بَعْضًا مِنهم خَلْفَهُمْ، والثّالِثُ كَذَلِكَ أيْضًا إلّا أنَّ المَفْعُولِينَ أنْفُسَهم والمُؤْمِنِينَ عَلى مَعْنى أنَّهُمُ اتَّبَعُوا أنْفُسَهم وجُمْلَتَهُمُ المُؤْمِنِينَ فَجَعَلُوا أنْفُسَهم خَلْفَهم.

وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ: (مُرْدَفِينَ) بِفَتْحِ الدّالِ، وفِيهِ احْتِمالانِ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُتَّبَعِينَ بِالتَّشْدِيدِ أيِ اتَّبَعَهم غَيْرُهُمْ، وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُتْبَعِينَ بِالتَّخْفِيفِ أيْ: جَعَلُوا أنْفُسَهم تابِعَةً لِغَيْرِهِمْ، وأُرِيدَ بِالغَيْرِ في الِاحْتِمالَيْنِ المُؤْمِنُونَ، فَتَكُونُ المَلائِكَةُ عَلى الأوَّلِ مُقَدِّمَةَ الجَيْشِ وعَلى الثّانِي ساقَتَهُمْ، وقَدْ يُقالُ: المُرادُ بِالغَيْرِ آخَرُونَ مِنَ المَلائِكَةِ وفي الآثارِ ما يُؤَيِّدُهُ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَنْ مَيْمَنَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وفِيها أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ونَزَلَ مِيكائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في ألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ عَنْ مَيْسَرَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنا فِيها».

لَكِنْ في الكَشّافِ بَدَلَ الألْفِ في المَوْضِعَيْنِ خَمْسُمِائَةٍ، وقُرِئَ (مُرِدَفِينَ) بِكَسْرِ الرّاءِ وضَمِّها، وأصْلُهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مُرْتَدِفِينَ بِمَعْنى مُتَرادِفِينَ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ دالًا لِقُرْبِ مَخْرَجِهِما وأُدْغِمَتْ في مِثْلِها فالتَقى السّاكِنانِ فَحُرِّكَتِ الرّاءُ بِالكَسْرِ عَلى الأصْلِ، أوْ لِإتْباعِ الدّالِ أوْ بِالضَّمِّ لِإتْباعِ المِيمِ، وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ يَجُوزُ في الرّاءِ الفَتْحُ أيْضًا لِلتَّخْفِيفِ أوْ لِنَقْلِ حَرَكَةِ التّاءِ وهي

صفحة 174

القِراءَةُ الَّتِي حَكاها الخَلِيلُ عَنْ بَعْضِ المَكِّيِّينَ، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِ المِيمِ والرّاءِ، ونُقِلَ عَنْ بَعْضِمْ أنَّ مُرَدَّفًا بِفَتْحِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ مِن رَدَّفَ بِتَضْعِيفِ العَيْنِ أوْ أنَّ التَّشْدِيدَ بَدَلٌ مِنَ الهَمْزَةِ كَ أفْرَحْتُهُ وفَرَّحْتُهُ.

ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الِارْتِدافَ بِرُكُوبِ الشَّخْصِ خَلْفَ الآخَرِ وأنْكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ وأيَّدَهُ بَعْضُهُمْ، وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قُرِئَ (بِآلافٍ) عَلى الجَمْعِ فَيُوافِقُ ما وقَعَ في سُورَةٍ أُخْرى ﴿بِثَلاثَةِ آلافٍ﴾ و﴿بِخَمْسَةِ آلافٍ﴾ قِيلَ: ووَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَشْهُورِ أنَّ المُرادَ بِالألْفِ الَّذِينَ كانُوا عَلى المُقَدِّمَةِ أوِ السّاقَةُ أوْ وُجُوهُهم أوْ مَن قاتَلَ مِنهم.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ ألْفٌ مُرْدَفِينَ وثَلاثَةُ آلافٍ مُنْزَلِينَ وهو جَمْعٌ لَيْسَ بِالجَيِّدِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّهم أُمِدُّوا أوَّلًا بِألْفٍ ثُمَّ آلافٍ ثُمَّ أكْمَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى خَمْسَةَ آلافٍ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ظاهِرَ ما رُوِيَ عَنِ الحَبْرِ يَقْتَضِي أنَّ ما في الآيَةِ ألْفانِ في الحَقِيقَةِ، وصَرَّحَ بَعْضُهم أنَّ ما فِيها بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِما في تِلْكَ السُّورَةِ بِناءً عَلى أنَّ مَعْنى مُرْدَفِينَ جاعِلِينَ غَيْرَهم مِنَ المَلائِكَةِ رَدِيفًا لِأنْفُسِهِمْ، وهو ظاهِرٌ في أنَّ المُرادَ بِالألْفِ الرُّؤَساءُ المُسْتَتْبِعُونَ لِغَيْرِهِمْ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ قاتَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، وفي الأخْبارِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وذَكَرُوا أنَّها لَمْ تُقاتِلْ يَوْمَ الأحْزابِ ويَوْمَ حُنَيْنٍ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ في السِّيَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الكَلامِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَقامِ فَتَذَكَّرْ.

8:10Page 178

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ١٠

And Allāh made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allāh. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ أنَّ المُؤَثِّرَ الحَقِيقِيَّ هو اللَّهُ تَعالى لِيَثِقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ ولا يَقْنَطُوا مِنَ النَّصْرِ عِنْدَ فِقْدانِ أسْبابِهِ، والجَعْلُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ وهو الضَّمِيرُ العائِدُ إلى المَصْدَرِ المُنْسَبِكِ في ﴿أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ والمَصْدَرُ المَفْهُومُ مِن ذَلِكَ عَلى الكَسْرِ، واعْتِبارُ القَوْلِ ورُجُوعُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ مِنَ القَوْلِ، أيْ: وما جَعَلَ إمْدادَكم بِهِمْ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا بُشْرى﴾ أيْ: بِشارَةً لَكم بِأنَّكم تُنْصَرُونَ ﴿ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ﴾ أيْ: بِالإمْدادِ ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ وتَسْكُنَ إلَيْهِ نُفُوسُكم وتَزُولَ عَنْكُمُ الوَسْوَسَةُ، ونُصِبَ (بُشْرى) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ ولِتَطْمَئِنَّ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وأُظْهِرَتِ اللّامُ لِفَقْدِ شَرْطِ النَّصْبِ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أصالَتِهِ في العِلِّيَّةِ وأهَمِّيَّتِهِ في نَفْسِهِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ .

وقِيلَ: إنَّ الجَعْلَ مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ ثانِيهِما (بُشْرى) عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ أيْ: وما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا بِشارَةً لَكم ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ، فَعَلَ ما فَعَلَ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، والأوَّلُ هو الظّاهِرُ، وفي الآيَةِ إشْعارٌ بِأنَّ المَلائِكَةَ لَمْ يُباشِرُوا قِتالًا وهو مَذْهَبٌ لِبَعْضِهِمْ، ويُشْعِرُ ظاهِرُها بِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخْبَرَهم بِذَلِكَ الإمْدادِ وفي الأخْبارِ ما يُؤَيِّدُهُ، بَلْ جاءَ في غَيْرِ ما خَبَرٍ أنَّ الصَّحابَةَ أوِ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

ورُوِيَ عَنْ أبِي أُسَيْدٍ وكانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا أنَّهُ قالَ بَعْدَ ما ذَهَبَ بَصَرُهُ: لَوْ كُنْتُ مَعَكُمُ اليَوْمَ بِبَدْرٍ ومَعِي بَصَرِي لَأرَيْتُكُمُ الشِّعْبَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنهُ المَلائِكَةُ.

﴿وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: وما النَّصْرُ بِالمَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأسْبابِ إلّا كائِنٌ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، فالمَنصُورُ هو مَن نَصَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ والأسْبابُ لَيْسَتْ بِمُسْتَقِلَّةٍ، أوِ المَعْنى: لا تَحْسَبُوا النَّصْرَ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ فَإنَّ النّاصِرَ هو اللَّهُ تَعالى لَكم والمَلائِكَةُ، وعَلَيْهِ فَلا دَخْلَ لِلْمَلائِكَةِ في النَّصْرِ أصْلًا، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ القَصْرَ عَلى الأوَّلِ إفْرادِيٌّ وعَلى الثّانِي قَلْبِيٌّ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُغالَبُ في حُكْمِهِ ولا يُنازَعُ في قَضِيَّتِهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ يَفْعَلُ كُلَّ ما يَفْعَلُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الباهِرَةُ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها وفِيها إشْعارٌ بِأنَّ النَّصْرَ الواقِعَ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ مِن مُقْتَضَياتِ الحِكَمِ البالِغَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском