Al-AlusiAl‑Anfal · 8:17–22

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:17–22

8:17Page 179

فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٧

And you did not kill them, but it was Allāh who killed them.1 And you threw not, [O Muḥammad], when you threw, but it was Allāh who threw2 that He might test the believers with a good test.3 Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عادَ كَلامَهُ إلى بَيانِ بَقِيَّةِ أحْكامِ الواقِعَةِ وأحْوالِها وتَقْرِيرِ ما سَبَقَ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والفاءُ قِيلَ واقِعَةٌ في جَوابِ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ ما مَرَّ مِن ذِكْرِ إمْدادِهِ تَعالى، وأمَرَهُ بِالتَّثْبِيتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلَمْ تَقْتُلُوهم أنْتُمْ بِقُوَّتِكم وقُدْرَتِكم ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ بِنَصْرِكم وتَسْلِيطِكم عَلَيْهِمْ وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتُمْ ذَلِكَ فَلَمْ تَقْتُلُوهم عَلى مَعْنى: فاعْلَمُوا أوْ فَأخْبَرَكم أنَّكم لَمْ تَقْتُلُوهُمْ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَلَمْ تَقْتُلُوهم لِما رُوِيَ أنَّهم لَمّا انْصَرَفُوا مِنَ المَعْرَكَةِ غالِبِينَ غائِمِينَ أقْبَلُوا يَتَفاخَرُونَ يَقُولُونَ: قَتَلْتُ وأسَرْتُ وفَعَلْتُ وتَرَكْتُ فَنَزَلَتْ. وقالَ أبُو حَيّانَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الفاءُ جَوابَ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ كَما زَعَمُوا، وإنَّما هي لِلرَّبْطِ بَيْنَ الجُمَلِ؛ لِأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ وكانَ امْتِثالُ ما أمَرَ بِهِ سَبَبًا لِلْقَتْلِ فَقِيلَ: فَلَمْ تَقْتُلُوهم أيْ: لَسْتُمْ مُسْتَبِدِّينَ بِالقَتْلِ؛ لِأنَّ الأقْدارَ عَلَيْهِ، والخَلْقُ لَهُ إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى، قالَ السَّفاقِسِيُّ: وهَذا أوْلى مِن دَعْوى الحَذْفِ، وقالَ ابْنُ هِشامٍ: إنَّ الجَوابَ المَنفِيَّ لا تَدْخُلُ عَلَيْهِ الفاءُ.

ومِن هُنا مَعَ كَوْنِ الكَلامِ عَلى نَفْيِ الفاعِلِ دُونَ الفِعْلِ كَما قِيلَ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى اسْمِيَّةِ الجُمْلَةِ حَيْثُ قُدِّرَ المُبْتَدَأُ أيْ: فَأنْتُمْ لَمْ تَقْتُلُوهُمْ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ المَذْكُورَ عِلَّةَ الجَزاءِ أُقِيمَتْ مَقامَهُ وقالَ: إنَّ الأصْلَ: إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَلا تَفْتَخِرُوا بِهِ لِأنَّكم لَمْ تَقْتُلُوهم ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ، ولَعَلَّ كَلامَ أبِي حَيّانَ كَما قالَ السَّفاقِسِيُّ أوْلى، والخِطابُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ خِطابٌ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ وهو إشارَةٌ إلى رَمْيِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالحَصى يَوْمَ بَدْرٍ وما كانَ مِنهُ.

فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَمّا طَلَعَتْ قُرَيْشٌ مِنَ العَقَنْقَلِ: هَذِهِ قُرَيْشٌ جاءَتْ بِخُيَلائِها وفَخْرِها، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ ما وعَدْتَنِي، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ لَهُ: خُذْ قَبْضَةً مِن تُرابٍ فارْمِهِمْ بِها، فَلَمّا التَقى الجَمْعانِ قالَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: أعْطِنِي قَبْضَةً مِن حَصْباءِ الوادِي فَرَمى بِها وُجُوهَهم فَقالَ: فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا شُغِلَ بِعَيْنِهِ

صفحة 185

فانْهَزَمُوا ورَدَفَهُمُ المُؤْمِنُونَ يَقْتُلُونَهم ويَأْسِرُونَهم».

وجاءَ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ ذَكَرَها الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أنَّ هَذا الرَّمْيَ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وزَعَمَ الطِّيبِيُّ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ إلّا يَوْمَ حُنَيْنٍ وأنَّ أئِمَّةَ الحَدِيثِ لَمْ يَذْكُرْ أحَدٌ مِنهم أنَّهُ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ وهو كَما قالَ الحافِظُ السُّيُوطِيُّ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ الِاطِّلاعِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الحِفاظِ ومُنْتَهى نَظَرِهِ الكُتُبُ السِّتُّ ومُسْنَدُ أحْمَدَ ومَسْنَدُ الدّارِمِيِّ وإلّا فَقَدْ ذَكَرَ المُحَدِّثُونَ أنَّ الرَّمْيَ قَدْ وقَعَ في اليَوْمَيْنِ فَنُفِيَ وُقُوعُهُ في يَوْمِ بَدْرٍ مِمّا لا يَنْبَغِي، وذِكْرُ ما في حُنَيْنٍ في هَذِهِ القِصَّةِ مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ بَعِيدٌ جِدًّا، وما ذَكَرَهُ في تَقْرِيبِ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن راجَعَهُ وأنْصَفَ، ويَرِدُ نَحْوُ هَذا عَلى ما رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ مِن أنَّ الآيَةَ إشارَةٌ إلى رَمْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ أُحُدٍ فَإنَّ «اللَّعِينَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ قَصَدَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فاعْتَرَضَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ لَهُ لِيَقْتُلُوهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: اسْتَأْخِرُوا فاسْتَأْخَرُوا، فَأخَذَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَرْبَتَهُ بِيَدِهِ فَرَماهُ بِها فَكَسَرَ ضِلْعًا مِن أضْلاعِهِ، وفي رِوايَةٍ خَدَشَ تَرْقُوَتَهُ فَرَجَعَ إلى أصْحابِهِ ثَقِيلًا وهو يَقُولُ: قَتَلَنِي مُحَمَّدٌ. فَطَفِقُوا يَقُولُونَ: لا بَأْسَ عَلَيْكَ فَقالَ: واللَّهِ لَوْ كانَتْ بِالنّاسِ لَقَتَلَتْهم فَجَعَلَ يَخُورُ حَتّى ماتَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ».

وما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ؛ وذَلِكَ في خَيْبَرَ دَعا بِقَوْسٍ فَأُتِيَ بِقَوْسٍ طَوِيلَةٍ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: جِيئُونِي بِقَوْسٍ غَيْرِها فَجاؤُوهُ بِقَوْسٍ كَبْداءَ فَرَمى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الحِصْنَ فَأقْبَلَ السَّهْمُ يَهْوِي حَتّى قَتَلَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ في فِراشِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ».

والحُقُّ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ هو الأوَّلُ، وتَجْرِيدُ الفِعْلِ عَنِ المَفْعُولِ بِهِ لِما أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِ الرَّمْيِ نَفْيًا وإثْباتًا إذْ هو الَّذِي ظَهَرَ مِنهُ ما ظَهَرَ وهو المَنشَأُ لِتَغَيُّرِ المَرْمِيِّ بِهِ في نَفْسِهِ وتَكَثُّرِهِ إلى حَيْثُ أصابَ عَيْنَيْ كُلِّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ الجَمِّ الغَفِيرِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، والمَعْنى عَلى ما قِيلَ: وما فَعَلْتَ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، تِلْكَ الرَّمْيَةَ المُسْتَتْبِعَةَ لِتِلْكَ الآثارِ العَظِيمَةِ حَقِيقَةٌ حِينَ فَعَلْتَها صُورَةً ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى فَعَلَها أيْ: خَلَقَها حِينَ باشَرْتَها عَلى أكْمَلِ وجْهٍ حَيْثُ أوْصَلَ بِها الحَصْباءَ إلى أعْيُنِهِمْ جَمِيعًا، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ بِخَلْقِهِ تَعالى وإنَّما لَهم كَسْبُها ومُباشَرَتُها قالَ الإمامُ: أثْبَتَ سُبْحانَهُ كَوْنَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رامِيًا ونَفى كَوْنَهُ رامِيًا فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَمى كَسْبًا واللَّهُ تَعالى رَمى خَلْقًا، وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: إنَّ عَلامَةَ المَجازِ أنْ يَصْدُقَ نَفْيُهُ حَيْثُ يَصْدُقُ ثُبُوتَهُ ألا تَراكَ تَقُولُ لِلْبَلِيدِ حِمارٌ ثُمَّ تَقُولُ لَيْسَ بِحِمارٍ، فَلَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ الفِعْلَ لِلْخَلْقِ ونَفاهُ عَنْهم دَلَّ عَلى أنَّ نَفْيَهُ عَلى الحَقِيقَةِ وثُبُوتَهُ عَلى المَجازِ بِلا شُبْهَةٍ، فالآيَةُ تَكْفَحُ بَلْ تَلْفَحُ وُجُوهَ القَدَرِيَّةِ بِالرَّدِّ، فَإنْ قُلْتَ: إنَّ أهْلَ المَعانِي جَعَلُوا ذَلِكَ مِن تَنْزِيلِ الشَّيْءِ مَنزِلَةَ عَدِمَهُ وفَسَّرُوهُ بِما رَمَيْتَ حَقِيقَةً إذْ رَمَيْتَ صُورَةً والرَّمْيُ الصُّورِيُّ مَوْجُودٌ والحَقِيقِيُّ لَمْ يُوجَدْ فَلا تَنْزِيلَ (أُجِيبَ) بِأنَّ الصُّورِيَّ مَعَ وُجُودِ الحَقِيقِيِّ كالعَدَمِ وما هو إلّا كَنُورِ الشَّمْعِ مَعَ شَعْشَعَةِ الشَّمْسِ ولِذا أُتِيَ بِنَفْيِهِ مُطْلَقًا كَإثْباتِهِ، وما ذَكَرُوهُ بَيانٌ لِتَصْحِيحِ المَعْنى في نَفْسِ الأمْرِ وهو لا يُنافِي النُّكْتَةَ المَبْنِيَّةَ عَلى الظّاهِرِ، ولِذا قالَ في شَرْحِ المِفْتاحِ: النَّفْيُ والإثْباتُ وارِدانِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ بِاعْتِبارَيْنِ فالمَنفِيُّ هو الرَّمْيُ بِاعْتِبارِ الحَقِيقَةِ كَما أنَّ المُثْبِتَ هو الرَّمْيُ بِاعْتِبارِ الصُّورَةِ، والمَشْهُورُ حَمْلُ الرَّمْيِ في حَيِّزِ الِاسْتِدْراكِ عَلى الكامِلِ وهو الرَّمْيُ المُؤَثِّرُ ذَلِكَ التَّأْثِيرَ العَظِيمَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ

صفحة 186

إلى الفَرْدِ الكامِلِ لِتَبادُرِهِ مِنهُ، وأمّا ما جَرى عَلى خِلافِ العادَةِ وخَرَجَ عَنْ طَرِيقِ البَشَرِ فَلا يَتَبادَرُ حَتّى يَنْصَرِفَ إلَيْهِ بَلْ ذَلِكَ لَيْسَ مِن أفْرادِهِ (وأُجِيبَ) بِأنّا لا نَدَّعِي إلّا الفَرْدَ الكامِلَ مِن ذاكَ المُطْلَقِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ القاعِدَةُ، وكَوْنُ ذَلِكَ الفَرْدِ جارِيًا عَلى خِلافِ العادَةِ وخارِجًا عَنْ طَوْقِ البَشَرِ إنَّما جاءَ مِن خارِجٍ، ووَصْفُ الرَّمْيِ بِما ذُكِرَ بَيانٌ لِكَمالِهِ، ولا يَسْتَدْعِي ذَلِكَ أنْ لا يَكُونَ مِن أفْرادِ المُطْلَقِ ومَنِ ادَّعاهُ فَقَدْ كابَرَ. واعْتُرِضَ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ بِأنَّهُ مُشْعِرٌ بِتَفْسِيرِ (رَمى) في حَيِّزِ الِاسْتِدْراكِ بِخَلْقِ الرَّمْيِ وتَفْسِيرِ (رَمَيْتَ) في حَيِّزِ النَّفْيِ بِخَلَقْتَ الرَّمْيَ، فَحاصِلُ المَعْنى حِينَئِذٍ: وما خَلَقْتَ الرَّمْيَ إذْ صَدَرَ عَنْكَ صُورَةً، ولَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَهُ، ويَلْزَمُ مِنهُ صِحَّةُ أنْ يُقالَ مَثَلًا: ما قُمْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قامَ عَلى مَعْنى ما خَلَقْتَ القِيامَ إذْ صَدَرَ عَنْكَ صُورَةً ولَكِنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى خَلَقَهُ ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن عَدَمِ صِحَّةِ ذَلِكَ (وأُجِيبَ) بِأنَّ القِياسَ يَقْتَضِي صِحَّةَ ذَلِكَ إلّا أنَّ مَدارَ الأمْرِ عَلى التَّوْقِيفِ، واعْتُرِضَ عَلى ما يَسْتَدْعِيهِ كَلامُ ابْنِ المُنِيرِ مِن أنَّ المَعْنى وما رَمَيْتَ حَقِيقَةً إذْ رَمَيْتَ مَجازًا ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى رَمى حَقِيقَةً بِأنَّ نَفْيَ الرَّمْيِ حَقِيقَةً حِينَ إثْباتِهِ مَجازًا مَن أجْلى البَدِيهِيّاتِ فَأيُّ فائِدَةٍ في الإخْبارِ بِذَلِكَ، قِيلَ: ومِثْلُ ذَلِكَ يَرُدُّ عَلى كَلامِ الإمامِ لِأنَّ كَسْبَ العَبْدِ لِلْفِعْلِ عِنْدَهم عَلى المَشْهُورِ عِبارَةٌ عَنْ مَحَلِّيَّةِ العَبْدِ لِلْفِعْلِ مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ لِقُدْرَتِهِ في إيجادِهِ ويَؤُولُ ذَلِكَ إلى مُباشَرَةٍ لَهُ مِن غَيْرِ خَلْقٍ، فَيَكُونُ المَعْنى: وما خَلَقْتَ الرَّمْيَ إذْ باشَرْتَ ولَمْ تَخْلُقْ وهو كَما تَرى، وهو كَما تَرى، وبِالجُمْلَةِ كَلامُ أكْثَرِ أهْلِ الحَقِّ في تَفْسِيرِ الآيَةِ، والِاسْتِدْلالُ بِها وكَذا بِالآيَةِ قَبْلَها عَلى مَذْهَبِهِمْ لا يَخْلُو عَنْ مُناقَشَةٍ ما، ولَعَلَّ الجَوابَ عَنْها مُتَيَسِّرٌ لِأهْلِهِ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ أثْبَتَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الرَّمْيَ لِصُدُورِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَفى عَنْهُ لِأنَّ أثَرَهُ لَيْسَ في طاقَةِ البَشَرِ، ولِذا عُدَّ ذَلِكَ مُعْجِزَةً حَتّى كَأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا مَدْخَلَ لَهُ فِيهِ، فَمَبْنى الكَلامِ عَلى المُبالَغَةِ ولا يَلْزَمُ مِنهُ عَدَمُ مُطابَقَتِهِ لِلْواقِعِ؛ لِأنَّ مَعْناهُ الحَقِيقِيَّ غَيْرُ مَقْصُودٍ، ولا يَصِحُّ أنْ تُخَرَّجَ الآيَةُ عَلى الخَلْقِ والمُباشَرَةِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ أفْعالِ العِبادِ بِمُباشَرَتِهِمْ وخَلْقِ اللَّهِ تَعالى فَلا يَكُونُ لِلتَّخْصِيصِ بِهَذا الرَّمْيِ مَعْنًى، ولَهُ وجْهٌ، وإنْ قِيلَ عَلَيْهِ ما قِيلَ. وأنا أقُولُ: إنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً خَلَقَها اللَّهُ تَعالى لَهُ مُؤَثِّرَةٌ بِإذْنِهِ فَما شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، لا أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ أصْلًا كَما يَقُولُ الجَبْرِيَّةُ، ولا أنَّ لَهُ قُدْرَةً غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ كَما هو المَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ الأشاعِرَةِ، ولا أنَّ لَهُ قُدْرَةً مُؤَثِّرَةً بِها يَفْعَلُ ما لا يَشاءُ اللَّهُ تَعالى فِعْلَهُ كَما يَقُولُ المُعْتَزِلَةُ، وأدِلَّةُ ذَلِكَ قَدْ بَسَطَتْ في مَحَلِّها وأُلِّفَتْ فِيها رَسائِلُ تُلْقِمُ المُخالِفَ حَجَرًا، ولَيْسَ إثْباتُ صِحَّةِ هَذا القَوْلِ وكَذا القَوْلُ المَشْهُورُ عِنْدَ الأشاعِرَةِ عِنْدَ مَن يَراهُ مَوْقُوفًا عَلى الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ حَتّى إذا لَمْ تَقُمِ الآيَةُ دَلِيلًا يَبْقى المَطْلَبُ بِلا دَلِيلٍ.

فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَأنا لا أرى بَأْسًا في أنْ يَكُونَ الرَّمْيُ المُثْبَتُ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو الرَّمْيَ المَخْصُوصَ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ما تَرَتَّبَ مِمّا أبْهَرَ العُقُولَ وحَيَّرَ الألْبابَ، وإثْباتُ ذَلِكَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَقِيقَةً عَلى مَعْنى أنَّهُ فَعَلَهُ بِقُدْرَةٍ أُعْطِيَتْ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُؤْثِرَةٍ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ ما ذُكِرَ خارِجًا عَنِ العادَةِ إذِ المَعْرُوفُ في القُدَرِ المَوْهُوبَةِ لِلْبَشَرِ أنْ لا تُؤَثِّرَ مِثْلَ هَذا الأثَرِ نَفى ذَلِكَ عَنْهُ وأثْبَتَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ مُبالَغَةً، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الرَّمْيَ وإنْ صَدَرَ مِنكَ حَقِيقَةً بِالقُدْرَةِ المُؤَثِّرَةِ بِإذْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَكِنَّهُ لِعِظَمِ أمْرِهِ وعَدَمِ مُشابَهَتِهِ لِأفْعالِ البَشَرِ كَأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنكَ بَلْ صَدَرَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِلا واسِطَةٍ، وكَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى وما رَمَيْتَ بِالرُّعْبِ إذْ رَمَيْتَ بِالحَصْباءِ ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى رَمى بِالرُّعْبِ، فالرَّمْيُ المَنفِيُّ أوَّلًا والمُثْبَتُ أخِيرًا غَيْرُ

صفحة 187

المُثْبَتِ في الأثْناءِ وعَلى الوَجْهَيْنِ يَظْهَرُ بِأدْنى تَأمُّلٍ وجْهُ تَخالُفِ أُسْلُوبَيِ الآيَتَيْنِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: وما رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى لِيَكُونَ عَلى أُسْلُوبِ: فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ، ولا فَلَمْ تَقْتُلُوهم إذْ قَتَلْتُمُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم لِيَكُونَ عَلى أُسْلُوبِ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ ولا يَظْهَرُ لِي نُكْتَةٌ في هَذا التَّخالُفِ عَلى الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرَها المُعَظَّمُ، وكَوْنُها الإشارَةَ إلى أنَّ الرَّمْيَ لَمْ يَكُنْ في تِلْكَ الوَقْعَةِ كالقَتْلِ بَلْ كانَ في حُنَيْنٍ دُونَهُ عَلى ما فِيهِ مُخالِفٌ لِما صَحَّ مِن أنَّ كِلا الأمْرَيْنِ كانَ في تِلْكَ الوَقْعَةِ كَما عَلِمْتَ فَتَأمَّلْ فَلِمَسْلَكِ الذِّهْنِ اتِّساعٌ، وقُرِئَ: (ولَكِنِ اللَّهُ) بِالتَّخْفِيفِ ورَفْعِ الِاسْمِ الجَلِيلِ في المَحَلَّيْنِ.

﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ أيْ: لِيُعْطِيَهم سُبْحانَهُ مِن عِنْدِهِ إعْطاءً جَمِيلًا غَيْرَ مَشُوبٍ بِالشَّدائِدِ والمَكارِهِ عَلى أنَّ البَلاءَ بِمَعْنى العَطاءِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ:

جَزى اللَّهُ بِالإحْسانِ ما فَعَلا بِكم فَأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يُبْلِي

واخْتارَ بَعْضُهم تَفْسِيرَهُ بِالإبْلاءِ في الحَرْبِ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ يُقالُ: أبْلى فُلانٌ بَلاءً حَسَنًا أيْ: قاتَلَ قِتالًا شَدِيدًا وصَبَرَ صَبْرًا عَظِيمًا، سُمِّيَ بِهِ ذَلِكَ الفِعْلُ لِأنَّهُ ما يُخْبِرُ بِهِ المَرْءُ فَتَظْهَرُ جَلادَتُهُ وحُسْنُ أثَرِهِ، واللّامُ إمّا لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مُتَأخِّرٍ فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ أيْ: ولِلْإحْسانِ إلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ فِعْلُ ما فُعِلَ لا لِشَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُجْدِيهِمْ نَفْعًا، وإمّا بِرَمْيٍ فالواوُ لِلْعَطْفِ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ: ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى لِيَمْحَقَ الكافِرِينَ ولِيُبْلِيَ إلَخْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أيْ: لِدُعائِهِمْ واسْتِغاثَتِهِمْ أوْ لِكُلِّ مَسْمُوعٍ ويَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِنِيّاتِهِمْ وأحْوالِهِمُ الدّاعِيَةِ لِلْإجابَةِ أوْ لِكُلِّ مَعْلُومٍ ويَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ أيْضًا تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ

8:18Page 179

ذَٰلِكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٨

That [is so], and [also] that Allāh will weaken the plot of the disbelievers.

﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى البَلاءِ الحَسَنِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ أيِ: المَقْصِدُ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ وإبْطالُ حِيَلِهِمْ، وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ القَتْلُ أوِ الرَّمْيُ والمُبْتَدَأُ الأمْرُ أيِ: الأمْرُ ذَلِكم أيِ القَتْلُ أوِ الرَّمْيُ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ إلَخْ مِن قَبِيلِ عَطْفِ البَيانِ، وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ الجَمِيعُ بِتَأْوِيلِ ما ذُكِرَ. وجُوِّزَ جَعْلُ اسْمِ الإشارَةِ مُبْتَدَأً مَحْذُوفَ الخَبَرِ وجَعْلُهُ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو بَكْرٍ (مُوَهِّنُ) بِالتَّشْدِيدِ ونَصْبِ كَيْدٍ. وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالتَّخْفِيفِ والإضافَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ والنَّصْبِ.

8:19Page 179

إِن تَسۡتَفۡتِحُواْ فَقَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡفَتۡحُۖ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدۡ وَلَن تُغۡنِيَ عَنكُمۡ فِئَتُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَوۡ كَثُرَتۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٩

If you [disbelievers] seek the decision [i.e., victory] - the decision [i.e., defeat] has come to you. And if you desist [from hostilities], it is best for you; but if you return [to war], We will return, and never will you be availed by your [large] company at all, even if it should increase; and [that is] because Allāh is with the believers.

﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم حِينَ أرادُوا الخُرُوجَ تَعَلَّقُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ وقالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أعْلى الجُنْدَيْنِ وأهْدى الفِئَتَيْنِ وأكْرَمَ الحِزْبَيْنِ.

وفِي رِوايَةٍ: أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ حِينَ التَقى الجَمْعانِ: اللَّهُمَّ رَبَّنا دِينُنا القَدِيمُ ودِينُ مُحَمَّدٍ الحَدِيثُ فَأيُّ الدِّينَيْنِ كانَ أحَبَّ إلَيْكَ وأرْضى عِنْدَكَ فانْصُرْ أهْلَهُ اليَوْمَ. والأوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الكَلْبِيِّ والسُّدِّيِّ، والمَعْنى: إنْ تَسْتَنْصِرُوا لِأعْلى الجُنْدَيْنِ وأهْداهُما ﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ حَيْثُ نُصِرَ أعْلاهُما وأهْداهُما وقَدْ زَعَمْتُمْ أنَّكُمُ الأعْلى والأهْدى فالتَّهَكُّمُ في المَجِيءِ أوْ فَقَدْ جاءَكُمُ الهَلاكُ والذِّلَّةُ فالتَّهَكُّمُ في نَفْسِ الفَتْحِ حَيْثُ وُضِعَ مَوْضِعَ ما يُقابِلُهُ.

﴿وإنْ تَنْتَهُوا﴾ عَنْ حِرابِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُعاداتِهِ ﴿فَهُوَ﴾ أيْ الِانْتِهاءُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الحِرابِ الَّذِي ذُقْتُمْ بِسَبَبِهِ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ، ومَبْنى اعْتِبارِ أصْلِ الخَيْرِيَّةِ في المُفَضَّلِ عَلَيْهِ هو التَّهَكُّمُ﴿وإنْ تَعُودُوا﴾ أيْ: إلى حِرابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿نَعُدْ﴾ لِما شاهَدْتُمُوهُ مِنَ الفَتْحِ ﴿ولَنْ تُغْنِيَ﴾ أيْ: لَنْ تَدْفَعَ

صفحة 188

﴿عَنْكم فِئَتُكُمْ﴾ جَماعَتُكُمُ الَّتِي تَجْمَعُونَها وتَسْتَغِيثُونَ بِها ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ أوِ المَضارِّ ﴿ولَوْ كَثُرَتْ﴾ تِلْكَ الفِئَةُ، وقُرِئَ: (ولَنْ يُغْنِيَ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ لِأنَّ تَأْنِيثَ الفِئَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ ولِلْفَصْلِ، ونَصَبَ شَيْئًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ، وجُمْلَةُ: ولَوْ كَثُرَتْ في مَوْضِعِ الحالِ.

﴿وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى مُعِينُ المُؤْمِنِينَ كانَ ذَلِكَ أوْ والأمْرُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مَعَهُمْ، وقَرَأ الأكْثَرُ: (وإنَّ) بِالكَسْرِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، قِيلَ: وهي أوْجَهُ مِن قِراءَةِ الفَتْحِ لِأنَّ الجُمْلَةَ حِينَئِذٍ تَذْيِيلٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: القَصْدُ إعْلاءُ أمْرِ المُؤْمِنِينَ وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ وكَيْتَ وكَيْتَ، وإنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعالى جارِيَةٌ في نَصْرِ المُؤْمِنِينَ وخِذْلانِ الكافِرِينَ، وهَذا وإنْ أمْكَنَ إجْراؤُهُ عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ لَكِنَّ قِراءَةَ الكَسْرِ نَصٌّ فِيهِ، ويُؤَيِّدُها قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ (واللَّهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ)، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ، وإنْ تَنْتَهُوا عَنِ التَّكاسُلِ والرَّغْبَةِ عَمّا يَرْغَبُ فِيهِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَهو خَيْرٌ لَكم مِن كُلِّ شَيْءٍ لِما أنَّهُ مَدارٌ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ ﴿وإنْ تَعُودُوا﴾ إلَيْهِ نَعُدْ عَلَيْكم بِالإنْكارِ وتَهْيِيجِ العَدُوِّ. ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم حِينَئِذٍ كَثْرَتُكم إذْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ تَعالى مَعَكم بِالنَّصْرِ. والأمْرُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مَعَ الكامِلِينَ في الإيمانِ، ويُفْهَمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ الخِطابَ في ﴿تَسْتَفْتِحُوا﴾ و﴿جاءَكُمُ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ، وفِيما بَعْدَهُ لِلْمُشْرِكِينَ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، وأُيِّدَ كَوْنُ الخِطابِ في الجَمِيعِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعالى:

8:20Page 179

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَأَنتُمۡ تَسۡمَعُونَ ٢٠

O you who have believed, obey Allāh and His Messenger and do not turn from him while you hear [his order].

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا﴾ أيْ: تَتَوَلَّوْا، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ التّاءِ ﴿عَنْهُ﴾ أيْ: عَنِ الرَّسُولِ وأُعِيدَ الضَّمِيرُ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ المَقْصُودَ طاعَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وذَكَرَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى تَوْطِئَةً لِطاعَتِهِ وهي مُسْتَلْزِمَةٌ لِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ مُبَلِّغٌ عَنْهُ، فَكانَ الرّاجِعُ إلَيْهِ كالرّاجِعِ إلى اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْجِهادِ، وقِيلَ: لِلْأمْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الطّاعَةُ، والتَّوَلِّي مَجازٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ جُمَلٌ حالِيَّةٌ وارِدَةٌ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِانْتِهاءِ عَنِ التَّوَلِّي مُطْلَقًا لا لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ عَنْهُ بِحالِ السَّماعِ أيْ: لا تَتَوَلَّوْا عَنْهُ والحالُ أنَّكم تَسْمَعُونَ القُرْآنَ النّاطِقَ بِوُجُوبِ طاعَتِهِ والمَواعِظِ الزّاجِرَةِ عَنْ مُخالَفَتِهِ سَماعَ تَفَهُّمٍ وإذْعانٍ، وقَدْ يُرادُ بِالسَّماعِ التَّصْدِيقُ، وقَدْ يَبْقى الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ مِن غَيْرِ ارْتِكابِ تَجَوُّزٍ أصْلًا.

8:21Page 179

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٢١

And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولا تَكُونُوا﴾ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ أيْ: لا تَكُونُوا بِمُخالَفَةِ الأمْرِ والنَّهْيِ ﴿كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ كالكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ السَّماعَ ﴿وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِأنَّهم لا يُصَدِّقُونَ ما سَمِعُوهُ ولا يُفْهِمُونَهُ حَقَّ فَهْمِهِ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ قالُوا، والمَنفِيُّ سَماعٌ خاصٌّ لَكِنَّهُ أتى بِهِ مُطْلَقًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن لَمْ يَسْمَعْ أصْلًا بِجَعْلِ سَماعِهِمْ كالعَدَمِ.

8:22Page 179

۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ٢٢

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are the deaf and dumb who do not use reason [i.e., the disbelievers].

﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِ المُشَبَّهِ بِهِمْ مُبالَغَةً في التَّحْذِيرِ وتَقْرِيرًا لِلنَّهْيِ أثَرَ تَقْرِيرٍ، والدَّوابُّ جَمْعُ دابَّةٍ، والمُرادُ بِها إمّا المَعْنى اللُّغَوِيُّ أوِ العُرْفِيُّ أيْ: إنَّ شَرَّ مَن يَدِبُّ عَلى الأرْضِ أوْ شَرَّ البَهائِمِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ وقَضائِهِ ﴿الصُّمُّ﴾ الَّذِينَ لا يَسْمَعُونَ الحَقَّ، ﴿البُكْمُ﴾ الَّذِينَ لا يَنْطِقُونَ بِهِ، والجَمْعُ عَلى المَعْنى، ووَصَفُوا بِذَلِكَ لِأنَّ ما خُلِقَ لَهُ الحاسَّتانِ سَماعَ الحَقِّ والنُّطْقَ بِهِ وحَيْثُ لَمْ يُوجَدُ فِيهِمْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ صارُوا كَأنَّهم فاقِدُونَ لَهُما رَأْسًا.

صفحة 189

وتَقْدِيمُ الصُّمِّ عَلى البُكْمِ لِما أنَّ صَمَمَهم مُتَقَدِّمٌ عَلى بُكْمِهِمْ فَإنَّ السُّكُوتَ عَنِ النُّطْقِ بِالحَقِّ مِن فُرُوعِ عَدَمِ سَماعِهِمْ لَهُ كَما أنَّ النُّطْقَ بِهِ مِن فُرُوعِ سَماعِهِ، وقِيلَ: التَّقْدِيمُ لِأنَّ وصْفَهم بِالصُّمِّ أهَمُّ نَظَرٍ إلى السّابِقِ واللّاحِقِ، ثُمَّ وُصِفُوا بِعَدَمِ التَّعَقُّلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ تَحْقِيقًا لِكَمالِ سُوءِ حالِهِمْ فَإنَّ الأصَمَّ الأبْكَمَ إذا كانَ لَهُ عَقْلٌ رُبَّما يَفْهَمُ بَعْضَ الأُمُورِ ويَفْهَمُهُ غَيْرُهُ ويَهْتَدِي إلى بَعْضِ مَطالِبِهِ. أما إذا كانَ فاقِدًا لِلْعَقْلِ أيْضًا فَقَدْ بَلَغَ الغايَةَ في الشَّرِّيَّةِ وسُوءِ الحالِ، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ كَوْنُهم شَرَّ الدَّوابِّ حَيْثُ أبْطَلُوا ما بِهِ يَمْتازُونَ عَنْها

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском