Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:26–32
8:26Page 180
وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٢٦
And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.
﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ أيْ: في العَدَدِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ ما كانُوا فِيهِ مِنَ القِلَّةِ وما يَتْبَعُها، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مُسْتَضْعَفُونَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَلِيلٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: في أرْضِ مَكَّةَ تَحْتَ أيْدِي كُفّارِ قُرَيْشٍ والخِطابُ لِلْمُهاجِرِينَ، أوْ تَحْتَ أيْدِي فارِسَ والرُّومِ والخِطابُ لِلْعَرَبِ كافَّةً مُسْلِمِهِمْ وكافِرِهِمْ عَلى ما نُقِلَ عَنْ وهْبٍ. واعْتُرِضَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ لا يُناسِبُ المَقامَ مَعَ أنَّ فارِسَ لَمْ تَحْكم عَلى جَمِيعِ العَرَبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ أوْ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِقَلِيلٍ وُصِفَ بِالجُمْلَةِ بَعْدَ ما وُصِفَ بِغَيْرِها، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ حالًا مِنَ المَسْتَكِنِّ في مُسْتَضْعَفُونَ
صفحة 195
والمُرادُ بِالنّاسِ عَلى الأوَّلِ وهو الأظْهَرُ إمّا كُفّارُ قُرَيْشٍ أوْ كُفّارُ العَرَبِ كَما قالَهُ عِكْرِمَةُ لِقُرْبِهِمْ مِنهم وشَدَّةِ عَداوَتِهِمْ لَهُمْ، وعَلى الثّانِي فارِسُ والرُّومُ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ومَنِ النّاسُ؟ قالَ: أهْلُ فارِسَ».
والتَّخَطُّفُ كالخَطْفِ الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وفُسِّرَ هُنا بِالِاسْتِلابِ أيْ: واذْكُرُوا حالَكم وقْتَ قِلَّتِكم وذِلَّتِكم وهَوانِكم عَلى النّاسِ، وخَوْفِكم مِنَ اخْتِطافَكُمْ، أوِ اذْكُرُوا ذَلِكَ الوَقْتَ ﴿فَآواكُمْ﴾ أيْ: إلى المَدِينَةِ أوْ جَعَلَ لَكم مَأْوًى تَتَحَصَّنُونَ بِهِ مِن أعْدائِكم.
﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ بِمُظاهَرَةِ الأنْصارِ أوْ بِإمْدادِ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ أوْ بِأنَّ قُوّى شَوْكَتَكم إذْ بَعَثَ مِنكم مَن تَضْطَرِبُ قُلُوبُ أعْدائِكم مِنَ اسْمِهِ.
﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ مِنَ الغَنائِمِ ولَمْ تَطِبْ إلّا لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وقِيلَ: هي عامَّةٌ في جَمِيعِ ما أعْطاهم مِنَ الأطْعِمَةِ اللَّذِيذَةِ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِالمَقامِ والِامْتِنانُ بِهِ هُنا أظْهَرُ. والثّانِي مُتَعَيِّنٌ عِنْدَ مَن يَجْعَلُ الخِطابَ لِلْعَرَبِ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ هَذِهِ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ.
8:27Page 180
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٧
O you who have believed, do not betray Allāh and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ أصْلُ الخَوْنِ النَّقْصُ كَما أنَّ أصْلَ الوَفاءِ الإتْمامَ، واسْتِعْمالُهُ في ضِدِّ الأمانَةِ لِتَضَمُّنِهِ إيّاهُ؛ فَإنَّ الخائِنَ يُنْقِصُ المَخُونَ شَيْئًا مِمّا خانَهُ فِيهِ، اعْتَبَرَ الرّاغِبُ في الخِيانَةِ أنْ تَكُونَ سِرًّا، والمُرادُ بِها هُنا عَدَمُ العَمَلِ بِما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ورَسُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ خِيانَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِتَرْكِ فَرائِضِهِ والرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِتَرْكِ سُنَّتِهِ وارْتِكابِ مَعْصِيَتِهِ.
وقِيلَ: المُرادُ النَّهْيُ عَنِ الخِيانَةِ بِأنْ يُضْمِرُوا خِلافَ ما يُظْهِرُونَ أوْ يَغُلُّوا في الغَنائِمِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ المُرادَ بِها الإخْلالُ بِالسِّلاحِ في المَغازِي.
وذَكَرَ الزُّهْرِيُّ والكَلْبِيُّ ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حاصَرَ يَهُودَ قُرَيْظَةَ إحْدى وعِشْرِينَ لَيْلَةً - وفي رِوايَةِ البَيْهَقِيِّ، - خَمْسًا وعِشْرِينَ. فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الصُّلْحَ. كَما صالَحَ إخْوانَهم بَنِي النَّضِيرِ عَلى أنْ يَسِيرُوا إلى إخْوانِهِمْ بِأذْرُعاتٍ مِن أرْضِ الشّامِ فَأبى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يُعْطِيَهم ذَلِكَ إلّا أنْ يَنْزِلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فَأبَوْا وقالُوا: أرْسِلْ لَنا أبا لُبابَةَ رَفاعَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ وكانَ مُناصِحًا لَهُمْ؛ لِأنَّ مالَهُ ووَلَدَهُ وعِيالَهُ كانَ عِنْدَهم. فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأتاهم فَقالُوا: يا أبا لُبابَةَ، ما تَرى أنَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ فَأشارَ بِيَدِهِ إلى حَلْقِهِ؛ يَعْنِي أنَّهُ الذَّبْحُ فَلا تَفْعَلُوا. قالَ أبُو لَبابَةَ: واللَّهِ ما زالَتْ قَدَمايَ عَنْ مَكانِهِما حَتّى عَرَفْتُ أنِّي قَدْ خُنْتُ اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ انْطَلَقَ عَلى وجْهِهِ ولَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَدَّ نَفْسَهُ عَلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ وقالَ: واللَّهِ لا أذُوقُ طَعامًا ولا شَرابًا حَتّى أمُوتَ أوْ يَتُوبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيَّ، فَلَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَبَرُهُ قالَ: أما لَوْ جاءَنِي لاسْتَغْفَرْتُ لَهُ، أمّا إذا فَعَلَ ما فَعَلَ فَإنِّي لا أُطْلِقُهُ حَتّى يَتُوبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، فَمَكَثَ سَبْعَةَ أيّامٍ لا يَذُوقُ طَعامًا ولا شَرابًا حَتّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ثُمَّ تابَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ: يا أبا لُبابَةَ قَدْ تِيبَ عَلَيْكَ. فَقالَ: واللَّهِ لا أحُلُّ نَفْسِي حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ هو الَّذِي يَحُلُّنِي فَجاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَحَلَّهُ بِيَدِهِ ثُمَّ قالَ أبُو لُبابَةَ: إنَّ تَمامَ تَوْبَتِي أنْ أهْجُرَ دارَ قَوْمَيِ الَّتِي أصَبْتُ فِيها الذَّنْبَ وأنْ أنْخَلَعَ مِن مالِي. فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: يَجْزِيكَ الثُّلْثُ أنْ تَصَدَّقَ بِهِ ونَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ»».
وقالَ السُّدِّيُّ: كانُوا يَسْمَعُونَ الشَّيْءَ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ
صفحة 196
فَيُفْشُونَهُ حَتّى يُبَلِّغَ المُشْرِكِينَ فَنَهَوْا عَنْ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ أبا سُفْيانَ خَرَجَ مِن مَكَّةَ فَأتى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ أبا سُفْيانَ بِمَكانِ كَذا وكَذا فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ أبا سُفْيانَ بِمَكانِ كَذا وكَذا فاخْرُجُوا إلَيْهِ واكْتُمُوا. فَكَتَبَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ إلى أبِي سُفْيانَ أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُرِيدُكم فَخُذُوا حِذْرَكم فَنَزَلَتْ».
﴿وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ عُطِفَ عَلى المَجْزُومِ أوَّلًا والمُرادُ النَّهْيُ عَنْ خِيانَةِ اللَّهِ تَعالى والرَّسُولِ وخِيانَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، والكَلامُ عِنْدَ بَعْضٍ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: أصْحابَ أماناتِكُمْ، ويَجُوزُ أنْ تُجْعَلَ الأمانَةُ نَفْسُها مَخُونَةً، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أنَّ بَعْدَ الواوِ في جَوابِ النَّهْيِ كَما في قَوْلِهِ:
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ
والمَعْنى: لا تَجْمَعُوا بَيْنَ الخِيانَتَيْنِ، والأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ فِيهِ النَّهْيَ عَنْ كُلِّ واحِدٍ عَلى حِدَتِهِ بِخِلافِ هَذا فَإنَّهُ نَهْيٌ عَنِ الجَمْعِ ولا يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنْ كُلِّ واحِدٍ عَلى حِدَتِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَفْسِيرُ الأماناتِ بِالأعْمالِ الَّتِي ائْتَمَنَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها عِبادَهُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: (أمانَتَكُمْ) بِالتَّوْحِيدِ، وهي رِوايَةٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ولا مُنافاةَ بَيْنَها وبَيْنَ القِراءَةِ الأُخْرى.
﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: تَبِعَةُ ذَلِكَ ووَبالُهُ. أوْ أنَّكم تَخُونُونَ أوْ أنْتُمْ عُلَماءُ تُمَيِّزُونَ الحَسَنَ مِنَ القَبِيحِ، فالفِعْلُ إمّا مُتَعَدٍّ لَهُ مَفْعُولٌ مُقَدَّرٌ بِقَرِينَةِ المَقامِ أوْ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، قِيلَ: ولَيْسَ المُرادُ بِذَلِكَ التَّقْيِيدُ عَلى كُلِّ حالٍ.
8:28Page 180
وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٨
And know that your properties and your children are but a trial and that Allāh has with Him a great reward.
﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ لِأنَّها سَبَبُ الوُقُوعِ في الِاسْمِ والعُقابِ، أوْ مِحْنَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَخْتَبِرُكم بِها فَلا يَحْمِلَنَّكم حُبُّها عَلى الخِيانَةِ كَأبِي لُبابَةَ، ولَعَلَّ الفِتْنَةَ في المالِ أكْثَرُ مِنها في الوَلَدِ، ولِذا قُدِّمَتِ الأمْوالُ عَلى الأوْلادِ، ولا يَخْفى ما في الأخْبارِ مِنَ المُبالَغَةِ.
وجاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وهو مُشْتَمِلٌ عَلى فِتْنَةٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكُمْ﴾ إلَخْ. فَمَنِ اسْتَعاذَ مِنكم فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ تَعالى مِن مُضِلّاتِ الفِتَنِ، ومِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، ﴿وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لِمَن مالَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وآثَرَ رِضاهُ عَلَيْهِما وراعى حُدُودَهُ فِيهِما فَأنِيطُوا هِمَمَكم بِما يُؤَدِّيكم إلَيْهِ
8:29Page 180
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩
O you who have believed, if you fear Allāh, He will grant you a criterion1 and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allāh is the possessor of great bounty.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاتِّقاءِ ﴿فُرْقانًا﴾ أيْ: هِدايَةً ونُورًا في قُلُوبِكم تُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: وابْنِ زَيْدٍ، أوْ نَصْرًا يُفَرِّقُ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ بِإعْزازِ المُؤْمِنِينَ وإذْلالِ الكافِرِينَ كَما قالَ الفَرّاءُ، أوْ نَجاةً في الدّارَيْنِ كَما هو ظاهِرُ كَلامِ السُّدِّيِّ، أمْ مَخْرَجًا مِنَ الشُّبَهاتِ كَما جاءَ عَنْ مُقاتِلٍ، أوْ ظُهُورًا يُشْهِرُ أمْرَكم ويَنْشُرُ صِيتَكم كَما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ - مِن بِتُّ أفْعَلُ كَذا حَتّى سَطَعَ الفُرْقانُ - أيِ: الصُّبْحُ، وكُلُّ المَعانِي تَرْجِعُ إلى الفَرْقِ بَيْنَ أمْرَيْنِ، وجَوَّزَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ الجَمْعَ بَيْنَها.
﴿ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيْ: يَسْتُرْها في الدُّنْيا.
﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بِالتَّجاوُزِ عَنْها في الأُخْرى فَلا تَكْرارَ، وقَدْ يُقالُ: مَفْعُولُ يَغْفِرْ الذُّنُوبُ وتُفَسَّرُ بِالكَبائِرِ وتُفَسَّرُ السَّيِّئاتُ بِالصَّغائِرِ، أوْ يُقالُ: المُرادُ ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ؛ لِأنَّ الآيَةَ في أهْلِ بَدْرٍ وقَدْ غُفِرَ لَهم.
فَفِي الخَبَرِ: ««لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»».
﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما وعَدَ لَهم عَلى التَّقْوى تَفَضُّلٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وإحْسانٌ، وأنَّها بِمَعْزِلٍ عَنْ أنْ تُوجِبَ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ
صفحة 197
شَيْئًا، قِيلَ: ومِن عَظِيمِ فَضْلِهِ تَعالى أنَّهُ يَتَفَضَّلُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ وبِدُونِ التِماسِ عِوَضٍ ولا غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، ثُمَّ إنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَمّا ذَكَّرَ مَن ذَكَرَ نِعْمَتَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ إلَخْ ذَكَّرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ النِّعْمَةَ الخاصَّةَ بِهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ مِن قائِلٍ:
8:30Page 180
وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٣٠
And [remember, O Muḥammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allāh plans. And Allāh is the best of planners.
﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ مَفْعُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما تَقَدَّمَ أوْ مَنصُوبٌ بِالفِعْلِ المُضْمَرِ المَعْطُوفِ عَلى ذَلِكَ، أيْ: واذْكُرْ نِعْمَتَهُ تَعالى عَلَيْكَ إذْ. أوِ اذْكُرْ وقْتَ مَكْرِهِمْ بِكَ ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ بِالوَثاقِ ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ: (لِيُقَيِّدُوكَ) وإلَيْهِ ذَهَبَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ، أوْ بِالإثْخانِ بِالجُرْحِ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَهُ حَتّى أثْبَتَهُ لا حَراكَ بِهِ ولا بَراحَ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ أبانَ وأبِي حاتِمٍ والجُبّائِيِّ، وأنْشَدَ:
فَقُلْتُ ويْحَكُمُ ما في صَحِيفَتِكم قالُوا: الخَلِيفَةُ أمْسى مُثْبَتًا وجِعا
أوْ بِالحَبْسِ في بَيْتٍ كَما رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ والسُّدِّيِّ، وكُلُّ الأقْوالِ تَرْجِعُ إلى أصْلٍ واحِدٍ هو جَعْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثابِتًا في مَكانِهِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالرَّبْطِ أوِ الحَبْسِ أوِ الإثْخانِ بِالجِراحِ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى الحَرَكَةِ، ولا يَرِدُ أنَّ الإثْخانَ إنْ كانَ بِدُونِ قَتْلٍ ذُكِرَ لَهُ فِيما اشْتُهِرَ مِنَ القِصَّةِ، وإنْ كانَ بِالقَتْلِ يَتَكَرَّرُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ لِأنّا نَخْتارُ الأوَّلَ، ولا يَلْزَمُ أنْ يُذْكَرَ في القِصَّةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ رَأيَ مَن لا يُعْتَدُّ بِرَأْيِهِ فَلَمْ يَذْكُرُوا المُرادَ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أوْ يَقْتُلُوكَ بِسُيُوفِهِمْ ﴿أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ أيْ: مِن مَكَّةَ، وذَلِكَ عَلى ما ذَكَرَ ابْنُ إسْحاقَ أنَّ قُرَيْشًا لَمّا رَأتْ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدْ كانَتْ لَهُ شِيعَةٌ وأصْحابٌ مَن غَيْرِهِمْ مِن غَيْرِ بَلَدِهِمْ ورَأوْا خُرُوجَ أصْحابِهِ مِنَ المُهاجِرِينَ إلَيْهِمْ عَرَفُوا أنَّهم قَدْ نَزَلُوا دارًا وأصابُوا مِنهم مَنَعَةً فَحَذَّرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلَيْهِمْ وعَرَفُوا أنَّهُ قَدْ أجْمَعَ لِحَرْبِهِمْ فاجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ، وهي دارُ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ الَّتِي كانَتْ قُرَيْشٌ لا تَقْضِي أمْرًا إلّا فِيها يَتَشاوَرُونَ فِيها ما يَصْنَعُونَ في أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِذَلِكَ واتَّعَدُوا أنْ يَدْخُلُوا الدّارَ لِيَتَشاوَرُوا فِيها غَدَوْا في اليَوْمِ الَّذِي اتَّعَدُوا فِيهِ وكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ يُسَمّى يَوْمَ الزَّحْمَةِ، فاعْتَرَضَهم إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ في هَيْئَةِ شَيْخٍ جَلِيلٍ عَلَيْهِ بَدْلَةٌ فَوَقَفَ عَلى بابِ الدّارِ، فَلَمّا رَأوْهُ واقِفًا عَلى بابِها قالُوا: مَنِ الشَّيْخُ؟ قالَ: شَيْخٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ سَمِعَ بِالَّذِي اتَّعَدْتُمْ لَهُ فَحَضَرَ مَعَكم لِيَسْمَعَ ما تَقُولُونَ، وعَسى أنْ لا يَعْدَمَكم مِنهُ رَأْيًا ونُصْحًا، قالُوا: أجَلْ فادْخُلْ، فَدَخَلَ مَعَهم وقَدِ اجْتَمَعَ أشْرافُ قُرَيْشٍ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ قَدْ كانَ مِن أمْرِهِ ما رَأيْتُمْ وإنّا واللَّهِ ما نَأْمَنُهُ قالَ: فَتَشاوَرُوا ثُمَّ قالَ قائِلٌ مِنهُمُ: احْبِسُوهُ في الحَدِيدِ وأغْلِقُوا عَلَيْهِ بابًا ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ ما أصابَ أشْباهَهُ مِنَ الشُّعَراءِ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَهُ زُهَيْرًا والنّابِغَةَ ومَن مَضى مِنهم مِن هَذا المَوْتِ حَتّى يُصِيبَهُ ما أصابَهم. فَقالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لا واللَّهِ، ما هَذا بِرَأْيٍ واللَّهِ لَئِنْ حَبَسْتُمُوهُ كَما تَقُولُونَ لَيَخْرُجَنَّ أمْرُهُ مِن وراءِ البابِ الَّذِي أغْلَقْتُمُوهُ دُونَهُ إلى أصْحابِهِ، فَلَأوْشَكُوا أنْ يَثِبُوا عَلَيْكم فَيَنْزِعُوهُ مِن أيْدِيكم ثُمَّ يُكاثِرُوكم بِهِ حَتّى يَغْلِبُوكم عَلى أمْرِكم. ما هَذا لَكم بِرَأْيٍ، فانْظُرُوا في غَيْرِهِ، فَتَشاوَرُوا ثُمَّ قالَ قائِلٌ مِنهُمْ: نُخْرِجُهُ مِن بَيْنِ أظْهُرِنا فَنَنْفِيهِ مِن بِلادِنا فَإذا خَرَجَ عَنّا فَواللَّهِ ما نُبالِي أيْنَ ذَهَبَ ولا حَيْثُ وقَعَ إذا غابَ عَنّا وفَرَغْنا مِنهُ فَأصْلَحْنا أمْرَنا وأُلْفَتَنا كَما كانَتْ. قالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لا واللَّهِ، ما هَذا بِرَأْيٍ، ألَمْ تَرَوْا حُسْنَ حَدِيثِهِ وحَلاوَةَ مَنطِقِهِ وغَلَبَتَهُ عَلى قُلُوبِ الرِّجالِ بِما يَأْتِي بِهِ؟ واللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ
صفحة 198
ذَلِكَ ما أمِنتُ أنْ يَحِلَّ عَلى حَيٍّ مِنَ العَرَبِ فَيَغْلِبَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِن قَوْلِهِ وحَدِيثِهِ حَتّى يُبايِعُوهُ ثُمَّ يَسِيرَ بِهِمْ إلَيْكم فَيَطَؤُكم بِهِمْ في بِلادِكم فَيَأْخُذُ أمْرَكم مِن أيْدِيكم ثُمَّ يَفْعَلُ بِكم ما أرادَ، دَبِّرُوا فِيهِ رَأْيًا غَيْرَهُ. فَقالَأبُو جَهْلٍ: واللَّهِ إنَّ فِيهِ لَرَأْيًا ما أراكم وقَعْتُمْ عَلَيْهِ بَعْدُ. قالُوا: وما هو يا أبا الحَكَمِ؟ قالَ: أرى أنْ نَأْخُذَ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى شابًّا جَلِيدًا نَسِيبًا فِينا، ثُمَّ نُعْطِي كُلَّ فَتًى مِنهم سَيْفًا صارِمًا ثُمَّ يَعْمِدُونَ إلَيْهِ فَيَضْرِبُونَهُ بِها ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ فَيَقْتُلُونَهُ فَنَسْتَرِيحُ مِنهُ، فَإنَّهم إذا فَعَلُوا ذَلِكَ تَفَرَّقَ دَمُهُ في القَبائِلِ جَمِيعًا، فَرَضُوا مِنّا بِالعَقْلِ فَعَقَلْناهُ لَهُمْ، قالَ: فَقالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: القَوْلُ ما قالَ الرَّجُلُ؛ هو هَذا الرَّأْيُ لا أرى غَيْرَهُ، فَتَفَرَّقُوا عَلى ذَلِكَ، فَأتى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: لا تَبِتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلى فِراشِكَ الَّذِي كُنْتَ تَبِيتُ عَلَيْهِ، فَلَمّا كانَتْ عَتَمَةٌ مِنَ اللَّيْلِ اجْتَمَعُوا عَلى بابِهِ يَرْصُدُونَهُ مَتى يَنامُ فَيَثِبُونَ عَلَيْهِ، فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَكانَهم قالَ لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ««نَمْ عَلى فِراشِي وتَسَبَّحْ بُرْدِي هَذا الحَضْرَمِيَّ الأخْضَرَ، فَنَمْ؛ فَإنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إلَيْكَ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ مِنهُمْ»». وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَنامُ في بُرْدِهِ ذَلِكَ إذا نامَ، وأُذِنَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الهِجْرَةِ فَخَرَجَ مَعَ صاحِبِهِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى الغارِ، وأنْشَدَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مُشِيرًا لِما مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ:
وقَيْتُ بِنَفْسِي خَيْرَ مَن وطِئَ الحَصى ∗∗∗ ومَن طافَ بِالبَيْتِ العَتِيقِ وبِالحَجَرْ
رَسُولَ إلَهٍ خافَ أنْ يَمْكُرُوا بِهِ ∗∗∗ فَنَجّاهُ ذُو الطَّوْلِ الإلَهُ مِنَ المَكَرْ
وباتَ رَسُولُ اللَّهِ في الغارِ آمِنًا ∗∗∗ وقَدْ صارَ في حِفْظِ الإلَهِ وفي سَتَرْ
وبِتُّ أُراعِيهِمْ وما يَتَّهِمُونَنِي ∗∗∗ وقَدْ وطَّنْتُ نَفْسِي عَلى القَتْلِ والأسَرْ
﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ أيْ: يَرُدُّ مَكْرَهم ويَجْعَلُ وخامَتَهُ عَلَيْهِمْ أوْ يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ أوْ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الماكِرِينَ؛ وذَلِكَ بِأنْ أخْرَجَهم إلى بَدْرٍ وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِهِمْ حَتّى حَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَلَقُوا مِنهم ما يَشِيبُ مِنهُ الوَلِيدُ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ أوِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، وقَدْ يُكْتَفى بِالمُشاكَلَةِ الصِّرْفَةِ ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ إذْ لا يُعْتَدُّ بِمَكْرِهِمْ عِنْدَ مَكْرِهِ سُبْحانَهُ.
قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إطْلاقُ هَذا المُرَكَّبِ الإضافِيِّ عَلَيْهِ تَعالى إنْ كانَ بِاعْتِبارِ أنَّ مَكْرَهُ جَلَّ شَأْنُهُ أنْفَذُ وأبْلَغُ تَأْثِيرًا فالإضافَةُ لِلتَّفْضِيلِ؛ لِأنَّ لِمَكْرِ الغَيْرِ أيْضًا نُفُوذًا وتَأْثِيرًا في الجُمْلَةِ، وهَذا مَعْنى أصْلِ فِعْلِ الخَيْرِ فَتَحْصُلُ المُشارَكَةُ فِيهِ، وإذا كانَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُنْزِلُ إلّا الحَقَّ ولا يُصِيبُ إلّا بِما يَسْتَوْجِبُهُ المَمْكُورُ بِهِ فَلا شَرِكَةَ لِمَكْرِ الغَيْرِ فِيهِ فالإضافَةُ حِينَئِذٍ لِلِاخْتِصاصِ كَما في - أعَدَلا بَنِي مَرْوانَ - لِانْتِفاءِ المُشارَكَةِ.
وقِيلَ: هو مِن قَبِيلِ: الصَّيْفُ أحَرُّ مِنَ الشِّتاءِ. بِمَعْنى أنَّ مَكْرَهُ تَعالى في خَيْرِيَّتِهِ أبْلَغُ مَن مَكْرِ الغَيْرِ في شَرِّيَّتِهِ.
وادَّعى غَيْرُ واحِدٍ أنَّ المَكْرَ لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ دُونَ مُشاكَلَةٍ لِأنَّهُ حِيلَةٌ يُجْلَبُ بِها مَضَرَّةٌ إلى الغَيْرِ وذَلِكَ مِمّا لا يَجُوزُ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ.
واعْتُرِضَ بِوُرُودِهِ مِن دُونِ مُشاكَلَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ .
وأُجِيبَ بِأنَّ المُشاكَلَةَ فِيما ذُكِرَ تَقْدِيرِيَّةٌ وهي كافِيَةٌ في الغَرَضِ، وفِيهِ نَظَرٌ.
فَقَدْ جاءَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: «مَن وُسِّعَ عَلَيْهِ في دُنْياهُ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ مَكْرٌ بِهِ فَهو مَخْدُوعٌ في عَقْلِهِ».
والمُشاكَلَةُ التَّقْدِيرِيَّةُ فِيهِ بَعِيدَةٌ جِدًّا
صفحة 199
بَلْ لا يَكادُ يَدَّعِيها مُنْصِفٌ.
8:31Page 180
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا قَالُواْ قَدۡ سَمِعۡنَا لَوۡ نَشَآءُ لَقُلۡنَا مِثۡلَ هَٰذَآ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣١
And when Our verses are recited to them, they say, "We have heard. If we willed, we could say [something] like this. This is not but legends of the former peoples."
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ الَّتِي لَوْ أنْزَلْناها عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ ﴿قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ قائِلُهُ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ عَلى ما عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وكانَ يَخْتَلِفُ إلى أرْضِ فارِسَ والحِيرَةِ فَيَسْمَعُ أخْبارَهم عَنْ رُسْتُمَ، وإسْفِنْدِيارَ وكِبارِ العَجَمِ، وكانَ يَمُرُّ بِاليَهُودِ والنَّصارى فَيَسْمَعُ مِنهُمُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، وإسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ مِن إسْنادِ فِعْلِ البَعْضِ إلى الكُلِّ؛ لِما أنَّ اللَّعِينَ كانَ رَئِيسَهم وقاضِيَهُمُ الَّذِي يَقُولُونَ بِقَوْلِهِ ويَعْمَلُونَ بِرَأْيِهِ.
وقِيلَ: قالَهُ الَّذِينَ ائْتَمَرُوا في أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في دارِ النَّدْوَةِ، وأيًّا ما كانَ فَهو غايَةُ المُكابَرَةِ ونِهايَةُ العِنادِ، إذْ لَوِ اسْتَطاعُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَما مَنَعَهم مِنَ المَشِيئَةِ؟ وقَدْ تَحَدّاهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقَرَعَهم بِالعَجْزِ عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ قارَعَهم بِالسَّيْفِ فَلَمْ يُعارِضُوا بِما سِواهُ مَعَ أنَفَتِهِمْ واسْتِنْكافِهِمْ أنْ يُغْلَبُوا لا سِيَّما في مَيْدانِ البَيانِ فَإنَّهم كانُوا فُرْسانَهُ المالِكِينَ لِأزِمَّتِهِ الحائِزِينَ قَصَبَ السَّبْقِ بِهِ.
واشْتُهِرَ أنَّهم عَلَّقُوا القَصائِدَ السَّبْعَةَ المَشْهُورَةَ عَلى بابِ الكَعْبَةِ مُتَحَدِّينَ بِها، لَكِنْ تُعُقِّبَ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا أصْلَ لَهُ وإنِ اشْتُهِرَ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ مِنهم قَبْلَ أنْ يَنْقَطِعَ طَمَعُهم عَنِ القُدْرَةِ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ جَمْعُ أُسْطُورَةٍ عَلى ما قالَهُ المُبَرِّدُ كَأُحْدُوثَةٍ وأحادِيثَ ومَعْناهُ ما سُطِّرَ وكُتِبَ. وفي القامُوسِ: الأساطِيرُ الأحادِيثُ لا نِظامَ لَها، جَمْعُ أسْطارٍ وإسْطِيرٍ وأُسْطُورٍ وبِالهاءِ في الكُلِّ. وأصْلُ السَّطْرِ الصَّفُّ مِنَ الشَّيْءِ كالكِتابِ والشَّجَرِ وغَيْرِهِ وجَمْعُهُ أسْطُرٌ وسُطُورٌ وأسْطارٌ، وجَمْعُ الجَمْعِ أساطِيرُ ويُحَرَّكُ في الكُلِّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ جَمْعَ سَطْرٍ بِالسُّكُونِ أسْطُرٌ وسُطُورٌ وجَمْعُ سَطْرٍ أسْطارٌ وأساطِيرُ، وهو مُخالِفٌ لِما في القامُوسِ، والكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ، وأرادُوا: ما هَذا إلّا كَقِصَصِ الأوَّلِينَ وحِكاياتِهُمُ الَّتِي سَطَّرُوها ولَيْسَ كَلامَ اللَّهِ تَعالى، وكَأنَّهُ بَيانٌ لِوَجْهِ قُدْرَتِهِمْ عَلى قَوْلِ مِثْلِهِ لَوْ شاؤُوا.
8:32Page 180
وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٢
And [remember] when they said, "O Allāh, if this should be the truth from You, then rain down upon us stones from the sky or bring us a painful punishment."
﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ قائِلُ هَذا النَّضْرُ أيْضًا عَلى ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وجاءَ في رِوايَةٍ أنَّهُ لَمّا قالَ أوَّلًا ما قالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ويْلَكَ، إنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى». فَقالَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومانَ ومُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ أنَّ قُرَيْشًا قالَ بَعْضُها لِبَعْضٍ أكْرَمَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِن بَيْنِنا؛ اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ إلَخْ وهو أبْلَغُ في الجُحُودِ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ لِأنَّهم عَدُّوا حَقِيقَتَهُ مُحالًا؛ فَلِذا عَلَّقُوا عَلَيْها طَلَبَ العَذابِ الَّذِي لا يَطْلُبُهُ عاقِلٌ، ولَوْ كانَتْ مُمْكِنَةً لَفَرُّوا مِن تَعْلِيقِهِ عَلَيْها، وما يُقالُ إنَّ إنْ لِلْخُلُوِّ عَنِ الجَزْمِ فَكَيْفَ اسْتُعْمِلَتْ في صُورَةِ الجَزْمِ؟ أجابَ عَنْهُ القُطْبُ بِأنَّها لِعَدَمِ الجَزْمِ بِوُقُوعِ الشَّرْطِ، ومَتى جُزِمَ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ عُدِمَ الجَزْمُ بِوُقُوعِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ﴾ وفِيهِ بَحْثٌ ذَكَرَهُ العَلّامَةُ الثّانِي، واللّامُ في (الحَقَّ) قِيلَ لِلْعَهْدِ، ومَعْنى العَهْدِ في أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي ادَّعاهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى المُنَزَّلُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى النَّمَطِ المَخْصُوصِ (ومِن عِنْدِكَ) إنْ سَلِمَ دَلالَتُهُ عَلَيْهِ فَهو لِلتَّأْكِيدِ وحِينَئِذٍ فالمُعَلَّقُ بِهِ كَوْنُهُ حَقًّا بِالوَجْهِ الَّذِي
صفحة 200
يَدَّعِيهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا الحَقَّ مُطْلَقًا لِتَجْوِزِيهِمْ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا لِلْواقِعِ غَيْرَ مُنَزَّلٍ (كَأساطِيرِ الأوَّلِينَ) وفي الكَشّافِ أنَّ قَوْلَهُمْ: هو الحَقَّ تَهَكُّمٌ بِمَن يَقُولُ عَلى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ والتَّعْيِينِ: هَذا هو الحَقُّ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ هَذا قَوْلٌ بِأنَّ اللّامَ لِلْجِنْسِ، وأشارَ إلى أنَّ الأوْلى حَمْلُها عَلى العَهْدِ الخارِجِيِّ عَلى مَعْنى الحَقِّ المَعْهُودِ المُنَزَّلِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى هَذا لا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، فالتَّرْكِيبُ مُفِيدٌ لِتَخْصِيصِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالمُسْنَدِ عَلى آكَدِ وجْهٍ، وحُمِلَ كَلامُ البَيْضاوِيِّ عَلى ذَلِكَ وطُعِنَ في مَسْلَكِ الكَشّافِ بِعَدَمِ ثُبُوتِ قائِلٍ أوَّلًا عَلى وجْهِ التَّخْصِيصِ يُتَهَكَّمُ بِهِ. ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ المَنعِ والتَّعَسُّفِ، (وأمْطِرْ) اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ لِأنْزِلْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المَطَرِ والأمْطارِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: (مِنَ السَّماءِ) صِفَةُ (حِجارَةً) وذَكَرَهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المُرادَ بِها السِّجِّيلُ والحِجارَةُ المُسَوَّمَةُ لِلْعَذابِ.
يُرْوى أنَّها حِجارَةٌ مِن طِينٍ طُبِخَتْ بِنارِ جَهَنَّمَ مَكْتُوبٌ فِيها أسْماءُ القَوْمِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِالفِعْلِ قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالعَذابِ الألِيمِ غَيْرُ إمْطارِ الحِجارَةِ بِقَرِينَةِ المُقابَلَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ، وتَعَلُّقُ ﴿مِن عِنْدِكَ﴾ بِمَحْذُوفٍ قِيلَ: هو حالٌ مِمّا عِنْدَهُ أوْ صِفَةٌ لَهُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والأعْمَشُ: (الحَقُّ) بِالرَّفْعِ عَلى أنْ هو مُبْتَدَأٌ لا فَصْلٌ، وقَوْلُ الطَّبَرْسِيِّ: إنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِذَلِكَ لَيْسَ بِذاكَ، ولا أرى فَرْقًا بَيْنَ القِراءَتَيْنِ مِن جِهَةِ المُرادِ بِالتَّعْرِيفِ خِلافًا لِمَن زَعَمَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences