Al-AlusiAl‑Fajr · 89:9–23

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

Al-Fajr 89:9–23

89:9Page 593

وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ ٩

And [with] Thamūd, who carved out the rocks in the valley?

﴿وثَمُودَ﴾ عُطِفَ عَلى (عادٍ) وهي قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ سُمِّيَتْ بِاسْمِ جَدِّهِمْ ثَمُودَ أخِي جُدَيْسَ، وهُما ابْنا عابِرِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، كانُوا عَرَبًا مِنَ العارِبَةِ يَسْكُنُونَ الحِجْرَ بَيْنَ الحِجازِ وتَبُوكَ، وكانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، ومُنِعَ الصَّرْفَ لِلْعَمَلِيَّةِ والتَّأْنِيثِ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ بِالتَّنْوِينِ، صَرَفَهُ بِاعْتِبارِ الحَيِّ كَذا قالُوا، وظاهِرُهُ أنَّهُ عَرَبِيٌّ. وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فَقِيلَ: هو فَعَوْلٌ مِنَ الثَّمْدِ وهو الماءُ القَلِيلُ الَّذِي لا مادَّةَ لَهُ ومِنهُ قِيلَ: فُلانٌ مَثْمُودٌ ثَمَدَتْهُ النِّساءُ؛ أيْ: قَطَعْنَ مادَّةَ مائِهِ لِكَثْرَةِ غِشْيانِهِ لَهُنَّ، ومَثْمُودٌ إذا كَثُرَ عَلَيْهِ السُّؤّالُ حَتّى نَفِدَتْ مادَّةُ مالِهِ. وحَكى الرّاغِبُ أنَّهُ عَجَمِيٌّ فَمُنِعَ الصَّرْفَ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ.

﴿الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ﴾ أيْ: قَطَعُوا صَخْرَ الجِبالِ واتَّخَذُوا فِيها بُيُوتًا نَحَتُوها مِنَ الصَّخْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ قِيلَ: أوَّلُ مَن نَحَتَ الحِجارَةَ والصُّخُورَ والرُّخامَ ثَمُودُ، وبَنَوْا ألْفًا وسَبْعَمِائَةِ مَدِينَةٍ كُلُّها بِالحِجارَةِ، ولا أظُنُّ صِحَّةَ هَذا البِناءِ.

﴿بِالوادِ﴾ هو وادِي القُرى، وقُرِئَ بِالياءِ آخِرِ الحُرُوفِ، والباءُ لِلظَّرْفِيَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ «جابُوا» أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ. وقِيلَ: الباءُ لِلْآلَةِ أوِ السَّبَبِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِ «جابُوا»؛ أيْ: جابُوا الصَّخْرَ بِوادِيهِمْ أوْ بِسَبَبِهِ، أيْ: قَطَّعُوا الصَّخْرَ وشَقُّوهُ وجَعَلُوهُ وادِيًا ومَحَلًّا لِمائِهِمْ فِعْلَ ذَوِي القُوَّةِ والآمالِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وأيًّا ما كانَ فالجَوابُ القَطْعُ، والظّاهِرُ أنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ؛ تَقُولُ: جُبْتُ البِلادَ أجُوبُها إذا قَطَعْتَها. قالَ الشّاعِرُ:

ولا رَأيْتُ قَلُوصًا قَبْلَها حَمَلَتْ سِتِّينَ وسْقًا ولا جابَتْ بِها بَلَدًا

ومِنهُ الجَوابُ لِأنَّهُ يَقْطَعُ السُّؤالَ. وقالَ الرّاغِبُ: الجَوْبُ قِطَعُ الجَوْبَةِ وهي الغائِطُ مِنَ الأرْضِ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في قَطْعِ كُلِّ أرْضٍ، وجَوابُ الكَلامِ هو ما يَقْطَعُ الجَوْبَ فَيَصِلُ مِن فَمِ القائِلِ إلى سَمْعِ المُسْتَمِعِ لَكِنَّهُ خُصَّ بِما يَعُودُ مِنَ الكَلامِ دُونَ المُبْتَدَأِ مِنَ الخِطابِ انْتَهى. فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَحْلُو.

89:10Page 593

وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ ١٠

And [with] Pharaoh, owner of the stakes?1

﴿وفِرْعَوْنَ ذِي الأوْتادِ﴾ وُصِفَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ جُنُودِهِ وخِيامِهِمُ الَّتِي يَضْرِبُونَ أوْتادَها في مَنازِلِهِمْ، أوْ لِأنَّهُ كانَ يَدُقُّ لِلْمُعَذَّبِ أرْبَعَةَ أوْتادٍ ويَشُدُّهُ بِها مَبْطُوحًا عَلى الأرْضِ فَيُعَذِّبُهُ بِما يُرِيدُ مِن ضَرْبٍ أوْ إحْراقٍ أوْ غَيْرِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ.

89:11–13Page 593

ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١١

[All of] whom oppressed within the lands

فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ ١٢

And increased therein the corruption.

فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ ١٣

So your Lord poured upon them a scourge of punishment.

﴿الَّذِينَ طَغَوْا في البِلادِ﴾ إمّا مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَذْكُورِينَ عادٍ ومَن بَعْدَهُ أوْ مَنصُوبٌ أوْ مَرْفُوعٌ عَلى الذَّمِّ؛ أيْ: طَغى كُلُّ طاغِيَةٍ مِنهم في البِلادِ، وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأكْثَرُوا فِيها الفَسادَ﴾ أيْ: بِالكُفْرِ وسائِرِ المَعاصِي.

﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ﴾ أيْ: أنْزَلَ سُبْحانَهُ إنْزالًا شَدِيدًا عَلى كُلِّ طائِفَةٍ مِن أُولَئِكَ الطَّوائِفِ عَقِيبَ ما فَعَلَتْ مِنَ الطُّغْيانِ والفَسادِ.

﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾ أيْ: سَوْطًا مِن عَذابٍ عَلى أنَّ الإضافَةَ بِمَعْنى

صفحة 125

مِن، والعَذابُ بِمَعْنى المُعَذَّبِ بِهِ، والمُرادُ بِذَلِكَ ما حَلَّ بِكُلٍّ مِنهم مِن فُنُونِ العَذابِ الَّتِي شُرِحَتْ في سائِرِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ. والسَّوْطُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ مِن ساطَ يَسُوطُ إذا خَلَطَ، قالَ الشّاعِرُ:

أحارِثُ إنّا لَوْ تُساطُ دِماؤُنا تَزايَلْنَ حَتّى لا يَمَسَّ دَمٌ دَما

وشاعَ في الجِلْدِ المَضْفُورِ والَّذِي يُضْرَبُ بِهِ، وسُمِّيَ بِهِ لِكَوْنِهِ مَخْلُوطَ الطّاقاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، أوْ لِأنَّهُ يُخْلَطُ اللَّحْمُ بِالدَّمِ والتَّعْبِيرُ عَنْ إنْزالِهِ بِالصَّبِّ لِلْإيذانِ بِكَثْرَتِهِ وتَتابُعِهِ واسْتِمْرارِهِ فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إراقَةِ شَيْءٍ مائِعٍ أوْ جارٍ مَجْراهُ في السَّيَلانِ كالحُبُوبِ والرَّمْلِ وإفْراغِهِ بِشِدَّةٍ وكَثْرَةٍ واسْتِمْرارٍ، ونِسْبَتُهُ إلى السَّوْطِ مَعَ أنَّهُ عَلى ما سَمِعْتَ لَيْسَ مِن هَذا القَبِيلِ بِاعْتِبارِ تَشْبِيهِهِ في سُرْعَةِ نُزُولِهِ بِالشَّيْءِ المَصْبُوبِ، وتَسْمِيَةُ ما أُنْزِلَ سَوْطًا قِيلَ: لِلْإيذانِ بِأنَّهُ عَلى عِظَمِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما أُعِدَّ لَهم في الآخِرَةِ كالسَّوْطِ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ ما يُعَذَّبُ بِهِ، في الكَشْفِ أنَّ إضافَةَ السَّوْطِ إلى العَذابِ تَقْلِيلٌ لِما أصابَهم مِنهُ، ولا يَأْبى ذَلِكَ التَّعْبِيرُ بِالصَّبِّ المُؤْذِنُ بِالكَثْرَةِ؛ لِأنَّ القِلَّةَ والكَثْرَةَ مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ. وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعَذابِ التَّعْذِيبُ، والإضافَةُ حِينَئِذٍ عَلى مَعْنى اللّامِ، وأمْرُ التَّعْبِيرِ بِالصَّبِّ والتَّسْمِيَةُ بِالسَّوْطِ عَلى ما تَقَدَّمَ. والآيَةُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ﴾ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ كالإضافَةِ في لُجَيْنِ الماءِ؛ أيْ: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ عَذابًا كالسَّوْطِ عَلى مَعْنى أنْواعًا مِنَ العَذابِ مَخْلُوطًا بَعْضُها بِبَعْضٍ اخْتِلاطَ طاقاتِ السَّوْطِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، وأنْ يَكُونَ السَّوْطُ مَصْدَرًا بِمَعْنى المَفْعُولِ والإضافَةُ كالإضافَةِ فِي: جَرْدُ قَطِيفَةٍ؛ أيْ: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ عَذابًا مُسَوَّطًا؛ أيْ: مَخْلُوطًا، ومَآلُهُ: فَصَبَّ أنْواعًا مِنَ العَذابِ خُلِطَ بَعْضُها بِبَعْضٍ. وفي الصِّحاحِ: ﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾ أيْ: نَصِيبَ عَذابٍ، ويُقالُ: شِدَّتَهُ؛ لِأنَّ العَذابَ قَدْ يَكُونُ بِالسَّوْطِ، وأرادَ أنَّ الغَرَضَ التَّصْوِيرُ والألْيَقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ ما تَقَدَّمَ.

89:14Page 593

إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ ١٤

Indeed, your Lord is in observation.

﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ وإيذانٌ بِأنَّ كُفّارَ قَوْمِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَيُصِيبُهم مِثْلُ ما أصابَ أضْرابَهُمُ المَذْكُورِينَ مِنَ العَذابِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والمِرْصادُ المَكانُ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الرَّصَدُ ويَتَرَقَّبُونَ فِيهِ مِفْعالٌ مِن رَصَدَهُ كالمِيقاتِ مِن وقَتَهُ. وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ شُبِّهَ كَوْنُهُ تَعالى حافِظًا لِأعْمالِ العُصاةِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ مُتَرَقِّبًا لَها ومُجازِيًا عَلى نَقِيرِها وقِطْمِيرِها بِحَيْثُ لا يَنْجُو مِنهُ سُبْحانَهُ أحَدٌ مِنهم بِحالِ مَن قَعَدَ عَلى الطَّرِيقِ مُتَرَصِّدًا لِمَن يَسْلُكُها لِيَأْخُذَهُ فَيُوقِعُ بِهِ ما يُرِيدُ، ثُمَّ أُطْلِقَ لَفْظُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، والآيَةُ عَلى هَذا وعِيدٌ لِلْعُصاةِ مُطْلَقًا. وقِيلَ: هي وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ وقِيلَ: وعِيدٌ لِلْعُصاةِ ووَعْدٌ لِغَيْرِهِمْ وهو ظاهِرُ قَوْلِ الحَسَنِ،؛ أيْ: يَرْصُدُ سُبْحانَهُ أعْمالَ بَنِي آدَمَ. وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ كَوْنَ المِرْصادِ صِيغَةَ مُبالَغَةٍ كالمِطْعامِ والمِطْعانِ، وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَما زَعَمَ لَمْ تَدْخُلِ الباءُ لِأنَّها لَيْسَتْ في مَكانِ دُخُولِها لا زائِدَةً ولا غَيْرَ زائِدَةٍ، وأُجِيبَ بِأنَّها عَلى ذَلِكَ تَجْرِيدِيَّةٌ نَعَمْ يَلْزَمُهُ إطْلاقُ المِرْصادِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وفِيهِ شَيْءٌ.

89:15Page 593

فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ ١٥

And as for man, when his Lord tries him and [thus] is generous to him and favors him, he says, "My Lord has honored me."1

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ﴾ إلَخْ مُتَّصِلٌ بِما عِنْدَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ لَبِالمِرْصادِ مِن أجْلِ الآخِرَةِ فَلا يَطْلُبُ عَزَّ وجَلَّ إلّا السَّعْيَ لَها، فَأمّا الإنْسانُ فَلا يُهِمُّهُ إلّا الدُّنْيا ولَذّاتُها، فَإنْ نالَ مِنها شَيْئًا رَضِيَ اللَّهَ وإلّا سَخِطَ وكانَ اللّائِقُ أنْ لا يُهِمُّهُ إلّا ما يَطْلُبُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ولا يَكُونُ حالُهُ ذَلِكَ. وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ بِهِ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ عَلى مَعْنى: فالإنْسانُ يُؤاخَذُ لا مَحالَةَ لِأنَّهُ بَيْنَ غِنًى مُهْلِكٍ مُوجِبٍ لِلتَّكَبُّرِ والِافْتِخارِ بِالدُّنْيا، وبَيْنَ فَقْرٍ لا يَصْبِرُ عَلَيْهِ ويَكْفُرُ لِأجْلِهِ بِالجَزَعِ والقَوْلِ بِما لا يَنْبَغِي وهو كَما تَرى.

﴿إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ﴾ أيْ: عامَلَهُ مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيهِ بِالغِنى واليَسارِ لِيَرى هَلْ يَشْكُرُ أمْ لا. والفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ؛ فَإنَّ الإكْرامَ والتَّنْعِيمَ عَيْنُ المُرادِ بِالِابْتِلاءِ، ولَمّا كانَ الإكْرامُ والتَّنْعِيمُ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أكْرَمَنِ﴾ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ﴾ ولَمْ يَضُمَّ إلَيْهِ ونِعْمَتِي. وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الَّذِي هو الإنْسانُ، والفاءُ لِما في أمّا مِن مَعْنى الشَّرْطِ والظَّرْفِ؛ أعْنِي إذًا مُتَعَلِّقٌ بِ «يَقُولُ» وهو

صفحة 126

عَلى نِيَّةِ التَّأْخِيرِ ولا تُمْنَعُ الفاءُ مِن ذَلِكَ كَما صَرَّحَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ مِن مُتَقَدِّمِي النُّحاةِ وتَبِعَهم مَن بَعْدَهم كَأبِي حَيّانِ والسَّمِينِ والسَّفاقِسِيِّ مَعَ جَمْعٍ غَفِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهو كَما قالَ الشِّهابُ الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وخالَفَهم في ذَلِكَ الرَّضِيُّ ومَن تَبِعَهُ كالبَدْرِ الدَّمامِينِيِّ في شَرْحِ المُغْنِي، فَقالُوا: إنَّما يَجُوزُ تَقْدِيمُ ما بَعْدَ الفاءِ عَلَيْها إذا كانَ المُقَدَّمُ هو الفاصِلَ بَيْنَ أمّا والفاءِ، لِما يَتَعَلَّقُ بِتَقْدِيمِهِ مِنَ الأغْراضِ، فَإنْ كانَ ثَمَّتَ فاصِلٌ آخَرُ امْتَنَعَ تَقْدِيمُ غَيْرِهِ فَيَمْتَنِعُ: أمّا زَيْدٌ طَعامَكَ فَآكِلٌ، وإنْ جازَ أمّا طَعامُكَ فَزَيْدٌ آكِلٌ، وقالُوا في ذَلِكَ أنَّهم لَمّا التَزَمُوا حَذْفَ الشَّرْطِ لَزِمَ دُخُولُ أداتِهِ عَلى فاءِ الجَوابِ وهو مُسْتَكْرَهٌ فَدَعَتِ الضَّرُورَةُ لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما بِشَيْءٍ مِمّا بَعْدَ الفاءِ، والفاصِلُ الواحِدُ كافٍ فِيهِ فَيَجِبُ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ. وزَعَمَ الجَلْبِيُّ مُحَشِّي المُطَوَّلِ أنَّ هَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَرَدَّ بِهِ عَلى المُفَسِّرِينَ إعْرابَهُمُ السّابِقَ وقالَ: إنَّهُ خَطَأٌ، والصَّوابُ أنْ يُجْعَلَ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقًا بِمُقَدَّرٍ وهو ابْتَدَأ في الحَقِيقَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَأمّا شَأْنُ الإنْسانِ إذا... إلَخْ. فالظَّرْفُ مِن تَتِمَّةِ الجُزْءِ المَفْصُولِ وبِهِ لَيْسَ فاصِلًا ثانِيًا كَقَوْلِكَ: أمّا إحْسانُ زَيْدٍ إلى الفَقِيرِ فَحَسَنٌ، ويُرِيدُ عَلى تَقْدِيرِهِ أنَّهُ لا يَصِحُّ وُقُوعُ جُمْلَةِ يَقُولُ خَبَرًا عَنِ الشَّأْنِ إلّا بِتَعَسُّفٍ كَأنْ يَكُونَ الفِعْلُ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ في اللَّفْظِ أنْ المَصْدَرِيَّةُ كَما قِيلَ فِي:«تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ». وهو فِرارٌ مِنَ السَّحابِ إلى المِيزابِ.

وذَهَبَ أبُو البَقاءِ إلى أنَّ «إذا» شَرْطِيَّةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولُ﴾ جَوابُها، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرُ «الإنْسانُ»، ويَلْزَمُهُ حَذْفُ الفاءِ بِدُونِ القَوْلِ وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ ضَرُورَةٌ.

89:16Page 593

وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ ١٦

But when He tries him and restricts his provision, he says, "My Lord has humiliated me."

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ﴾ عامَلَهُ مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيهِ ويَخْتَبِرُهُ بِالحاجَةِ والفَقْرِ لِيَرى هَلْ يَصْبِرُ أمْ لا.

﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾ بِتَقْدِيرِ: وأمّا هو أيِ الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ إلَخْ لِيَصِحَّ التَّفْصِيلُ ويَتِمَّ التَّوازُنُ، وبَقِيَّةُ الكَلامِ فِيهِ كَما في سابِقِهِ. والظّاهِرُ أنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مُتَضَمِّنَةٌ لِإنْكارِ قَوْلِ الإنْسانِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ، وإنْكارُ قَوْلِهِ إذا ضُيِّقَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ: ﴿رَبِّي أهانَنِ﴾ لِدَلالَتِهِ عَلى قُصُورِ نَظَرِهِ وسُوءِ فِكْرِهِ حَيْثُ حَسِبَ أنَّ تَضْيِيقَ الرِّزْقِ إهانَةٌ مَعَ أنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إلى كَرامَةِ الدّارَيْنِ ولِعَدَمِ كَوْنِهِ إهانَةً أصْلًا لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ في تَفْسِيرِ الِابْتِلاءِ فَأهانَهُ «وقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ» نَظِيرَ ما قالَ سُبْحانَهُ أوَّلًا: ﴿فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ﴾ وإنْكارُ قَوْلِهِ إذا أكْرَمَ رَبِّي أكْرَمَنِي مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأكْرَمَهُ﴾ أوَّلًا مِن حَيْثُ إنَّهُ أثْبَتَ إكْرامَ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلى خِلافِ ما أثْبَتَ اللَّهُ تَعالى وهو قَصْدُ أنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهُ ما أعْطاهُ إكْرامًا لَهُ مُسْتَحِقًّا ومُسْتَوْجِبًا قَصْدًا جارِيًا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ افْتِخارِهِمْ وزَعْمِهِمْ جَلالَةَ أقْدارِهِمْ. والحاصِلُ أنَّ المُنْكِرَ كَوْنَهُ عَنِ اسْتِحْقاقٍ لِحَسَبٍ أوْ نَسَبٍ في المُفَصَّلِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ أصْلَ الإكْرامِ مُنْكَرٌ لا كَوْنَهُ عَنِ اسْتِحْقاقٍ، وإنْكارُ أصْلِ الإهانَةِ يُعَضِّدُهُ. ووَجَّهَهُ ما أثْبَتَهُ تَعالى مِنَ الإكْرامِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أثْبَتَ الإكْرامَ بِإيتاءِ المالِ والتَّوْسِعَةِ وهو جَعْلُهُ إكْرامًا كُلِّيًّا مُثْبِتًا لِلزُّلْفى عِنْدَهُ تَعالى فَأنْكَرَ أنَّهُ لَيْسَ مِن ذَلِكَ الإكْرامِ في شَيْءٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الإنْكارُ لِلْإهانَةِ فَقَطْ؛ يَعْنِي أنَّهُ إذا تُفُضِّلَ عَلَيْهِ بِالخَيْرِ وأُكْرِمَ بِهِ اعْتَرَفَ بِتَفَضُّلِ اللَّهِ تَعالى وإكْرامِهِ، وإذا لَمْ يُتَفَضَّلْ عَلَيْهِ سَمّى تَرْكَ التَّفَضُّلِ هَوانًا ولَيْسَ بِهِ قِيلٌ، ويُعَضِّدُهُ ذِكْرُ الإكْرامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأكْرَمَهُ﴾ وفي الآيَةِ مَعَ ما بَعْدُ شَمَّةٌ مِن أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ ﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ ﴿وإذا مَسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعًا﴾ ولا يَخْفى أنَّ الوَجْهَ هو الأوَّلُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: «أكْرَمَنِي» و«أهانَنِي» بِإثْباتِ الياءِ فِيهِما، ونافِعٌ بِإثْباتِها وصْلًا وحَذْفِها وقْفًا، وخَيَّرَ في الوَجْهَيْنِ أبُو عَمْرٍو، وحَذَفَها باقِي السَّبْعَةِ فِيهِما وصْلًا ووَقْفًا، مَن حَذَفَها وقْفًا سَكَّنَ النُّونَ فِيهِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى وخالِدٌ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ وابْنُ عامِرٍ: «فَقَدَّرَ» بِتَشْدِيدِ الدّالِ لِلْمُبالَغَةِ.

89:17–19Page 593

كـَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ ١٧

No!1 But you do not honor the orphan

وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ١٨

And you do not encourage one another to feed the poor.

وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا ١٩

And you consume inheritance, devouring [it] altogether,1

﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلْإنْسانِ عَنْ قَوْلَيْهِ المَحْكِيَّيْنِ وتَكْذِيبٌ لَهُ فِيهِما لا عَنِ الأخِيرِ فَقَطْ كَما في الوَجْهِ الأخِيرِ، وقَدْ نَصَّ الحَسَنُ عَلى ما قُلْنا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: المَعْنى: لَمْ أبْتَلِهِ بِالغِنى لِكَرامَتِهِ عَلَيَّ،

صفحة 127

ولَمْ أبْتَلِهِ بِالفَقْرِ لِهَوانِهِ عَلَيَّ بَلْ ذَلِكَ لِمَحْضِ القَضاءِ والقَدَرِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ إلَخِ انْتِقالٌ وتَرَقٍّ مِن ذَمِّهِ بِالقَبِيحِ مِنَ القَوْلِ إلى الأقْبَحِ مِنَ الفِعْلِ والِالتِفاتِ إلى الخِطابِ لِتَشْدِيدِ التَّقْرِيعِ وتَأْكِيدِ التَّشْنِيعِ.

وقِيلَ: هو بِتَقْدِيرِ: قُلْ؛ فَلا التِفاتَ. نَعَمْ فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى تَنْقِيصِهِمْ ما فِيهِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى الإنْسانِ إذِ المُرادُ هو الجِنْسُ؛ أيْ: بَلْ لَكم أفْعالٌ وأحْوالٌ أشَدُّ شَرًّا مِمّا ذُكِرَ وأدَلُّ عَلى تَهالُكِكم عَلى المالِ حَيْثُ يُكْرِمُكُمُ اللَّهُ تَعالى بِكَثْرَةِ المالِ فَلا تُؤَدُّونَ ما يَلْزَمُكم فِيهِ مِن إكْرامِ اليَتِيمِ بِالمَبَرَّةِ بِهِ والإحْسانِ إلَيْهِ.

وفِي الحَدِيثِ: ««أحَبُّ البُيُوتِ إلى اللَّهِ تَعالى بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ مُكْرَمٌ»».

وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ وقَتادَةُ والجَحْدَرِيُّ وأبُو عَمْرٍو: «لا يُكْرِمُونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ.

﴿ولا تَحاضُّونَ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مِن تَتَحاضُّونَ؛ أيْ: ولا يَحُضُّ ويُحِثُّ بَعْضُكم بَعْضًا ﴿عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ: عَلى إطْعامِهِ فالطَّعامُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإطْعامِ كالعَطاءِ بِمَعْنى الإعْطاءِ.

وزَعَمَ أبُو حَيّانَ أنَّ الأوْلى أنْ يُرادَ بِهِ الشَّيْءُ المَطْعُومُ، ويَكُونُ الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: عَلى بَذْلِ طَعامِ المِسْكِينِ، والمُرادُ بِالمِسْكِينِ ما يَعُمُّ الفَقِيرَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وعَلْقَمَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ والشِّيرَزِيُّ عَنِ الكِسائِيِّ كَقِراءَةِ الجَماعَةِ إلّا أنَّهم ضَمُّوا تاءَ «تُحاضُّونَ» مِنَ المُحاضَّةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ومَن سَمِعْتُ الحَسَنَ ومَن مَعَهُ: «ولا يَحُضُّونَ» بِياءِ الغَيْبَةِ ولا ألِفَ بَعْدَ الحاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِتاءِ الخِطابِ كَذَلِكَ وكَذا الفِعْلانِ بَعْدُ، والفِعْلُ عَلى القِراءَتَيْنِ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ. فَقِيلَ: أنْفُسَهم أوْ أنْفُسَكُمْ، وقِيلَ: أهْلِيهِمْ أوْ أهْلِيكُمْ، وقِيلَ: أحَدًا. وجُوِّزَ -وهُوَ الأوْلى- أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ لِلتَّعْمِيمِ.

﴿وتَأْكُلُونَ التُّراثَ﴾ أيِ المِيراثَ، وأصْلُهُ وُراثٌ؛ فَأُبْدِلَتِ الواوُ تاءً كَما في تُخْمَنَةٍ وتُكْأةٍ ونَحْوِهِما.

﴿أكْلا لَمًّا﴾ أيْ: ذا «لَمٍّ» أوْ هو نَفْسُ اللَّمِّ عَلى المُبالَغَةِ، واللَّمُّ الجَمْعُ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:

ولَسْتُ بِمُسْتَبِقٍ أخًا لا تَلُمُّهُ عَلى شَعَثٍ أيُّ الرِّجالِ المُهَذَّبُ

والمُرادُ بِهِ هُنا الجَمْعُ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ وما يُحْمَدُ وما لا يُحْمَدُ، ومِنهُ قَوْلُ الحَطِيئَةِ:

إذا كانَ لَمًّا يَتْبَعُ الذَّمُّ رَبَّهُ ∗∗∗ فَلا قَدَّسَ الرَّحْمَنُ تِلْكَ الطَّواحِنا

يَعْنِي: إنَّكم تَجْمَعُونَ في أكْلِكم بَيْنَ نَصِيبِكم مِنَ المِيراثِ ونَصِيبِ غَيْرِكم. ويُرْوى أنَّهم كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا صِغارَ الأوْلادِ فَيَأْكُلُونَ نَصِيبَهم. ويَقُولُونَ: لا يَأْخُذُ المِيراثَ إلّا مَن يُقاتِلُ ويَحْمِي الحَوْزَةَ، هَذا وهم يَعْلَمُونَ مِن شَرِيعَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهم يَرِثُونَ فانْدَفَعَ ما قِيلَ: إنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وآيَةُ المَوارِيثِ مَدَنِيَّةٌ، ولا يُعْلَمُ الحِلُّ والحُرْمَةُ إلّا مِنَ الشَّرْعِ، فَإنَّ الحُسْنَ والقُبْحَ العَقْلِيَّيْنِ لَيْسا مَذْهَبًا لَنا. وقِيلَ: يَعْنِي تَأْكُلُونَ ما جَمَعَهُ المَيِّتُ المَوْرُوثُ مِن حَلالٍ وحَرامٍ عالِمِينَ بِذَلِكَ فَتَلُمُّونَ في الأكْلِ بَيْنَ حَلالِهِ وحَرامِهِ. وفي الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ يُذَمَّ الوارِثُ الَّذِي ظَفِرَ بِالمالِ سَهْلًا مَهْلًا مِن غَيْرِ أنْ يَعْرَقَ فِيهِ جَبِينُهُ فَيُسْرِفَ في إنْفاقِهِ ويَأْكُلَهُ أكْلًا واسِعًا جامِعًا بَيْنَ ألْوانِ المُشْتَهِياتِ مِنَ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ والفَواكِهِ ونَحْوِها كَما يَفْعَلُهُ الوُرّاثُ الباطِلُونَ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ.

89:20–21Page 593

وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا ٢٠

And you love wealth with immense love.

كـَلَّآۖ إِذَا دُكَّتِ ٱلۡأَرۡضُ دَكّٗا دَكّٗا ٢١

No! When the earth has been leveled - pounded and crushed

﴿وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ أيْ: كَثِيرًا كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنْشَدَ قَوْلَ أُمَيَّةَ:

إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا

والمُرادُ أنَّكم تُحِبُّونَهُ مَعَ حِرْصٍ وشَرَهٍ ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ إلى آخِرِهِ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ بِطَرِيقِ الوَعِيدِ تَعْلِيلًا لِلرَّدْعِ. والدَّكُّ قالَ الخَلِيلُ: كَسْرُ الحائِطِ والجَبَلِ ونَحْوِها، وتَكْرِيرُهُ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِيعابِ فَلَيْسَ الثّانِي تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ بَلْ ذَلِكَ نَظِيرُ الحالِ في نَحْوِ قَوْلِكَ: جاءُوا رَجُلًا رَجُلًا، وعَلَّمْتُهُ الحِسابَ بابًا بابًا؛ أيْ:

صفحة 128

إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا مُتَتابِعًا حَتّى انْكَسَرَ وذَهَبَ كُلُّ ما عَلى وجْهِها مِن جِبالٍ وأبْنِيَةٍ وقُصُورٍ وغَيْرِها حِينَ زُلْزِلَتِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ وصارَتْ هَباءً مَنثُورًا. وقالَ المُبَرِّدُ: الدَّكُّ حَطُّ المُرْتَفِعِ بِالبَسْطِ والتَّسْوِيَةِ، وانْدَكَّ سَنامُ البَعِيرِ إذا افْتُرِشَ في ظَهْرِهِ، وناقَةٌ دَكّاءُ إذا كانَتْ كَذَلِكَ، والمَعْنى عَلَيْهِ: إذا سُوِّيَتْ تَسْوِيَةً بَعْدَ تَسْوِيَةٍ ولَمْ يَبْقَ عَلى وجْهِها شَيْءٌ حَتّى صارَتْ كالصَّخْرَةِ المَلْساءِ، وأيًّا ما كانَ فَهو عَلى ما قِيلَ: عِبارَةٌ عَمّا عُرِضَ لِلْأرْضِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ.

89:22Page 593

وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا ٢٢

And your Lord has come1 and the angels, rank upon rank,

﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: مَعْناهُ: ظَهَرَ سُبْحانَهُ لِلْخَلْقِ هُنالِكَ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَجِيءِ نَقْلَةٍ وكَذَلِكَ مَجِيءُ الطّامَّةِ والصّاخَّةِ. وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ المُضافِ لِلتَّهْوِيلِ،؛ أيْ: وجاءَ أمْرُ رَبِّكَ وقَضاؤُهُ سُبْحانَهُ، واخْتارَ جَمْعٌ أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِظُهُورِ آياتِ اقْتِدارِهِ تَعالى وتَبَيُّنِ آثارِ قُدْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وسُلْطانِهِ عَزَّ سُلْطانُهُ مُثِّلَتْ حالُهُ سُبْحانَهُ في ذَلِكَ بِحالِ المَلِكِ إذا حَضَرَ بِنَفْسِهِ ظَهَرَ لِمَحْضُورِهِ مِن آثارِ الهَيْبَةِ والسِّياسَةِ ما لا يَظْهَرُ بِحُضُورِ عَساكِرِهِ ووُزَرائِهِ وخَواصِّهِ عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ ما لِلسَّلَفِ في المُتَشابِهِ مِنَ الكَلامِ ﴿والمَلَكُ﴾ أيْ: جِنْسُ المَلَكِ فَيَشْتَمِلُ جَمْعَ مَلائِكَةِ السَّماواتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ أيْ: مُصْطَفِّينَ أوْ ذَوِي صُفُوفٍ فَإنَّهُ قِيلَ: يَنْزِلُ يَوْمَ القِيامَةِ مَلائِكَةُ كُلِّ سَماءٍ فَيَصْطَفُّونَ صَفًّا بَعْدَ صَفٍّ بِحَسْبِ مَنازِلِهِمْ ومَراتِبِهِمْ مُحْدِقِينَ بِالجِنِّ والإنْسِ، وقِيلَ: يَصْطَفُّونَ بِحَسْبِ أمْكِنَةِ أُمُورٍ تَتَعَلَّقُ بِهِمْ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذُكِرَ. ورُوِيَ أنَّ مَلائِكَةَ كُلِّ سَماءٍ تَكُونُ صَفًّا حَوْلَ الأرْضِ فالصُّفُوفُ سَبْعَةٌ عَلى ما هو الظّاهِرُ. وقالَ بَعْضُ الأفاضِلِ: الظّاهِرُ أنَّ المَلَكَ أعَمُّ مِن مَلائِكَةِ السَّماواتِ وغَيْرِها، وتَعْرِيفُهُ لِلِاسْتِغْراقِ، وادُّعِيَ أنَّ اصْطِفافَهم بِحَسْبِ مَراتِبِهِمِ، اصْطِفافَ أهْلِ الدُّنْيا في الصَّلاةِ، وظاهِرُهُ أنَّهُ اصْطِفافٌ مِن غَيْرِ تَحْدِيقٍ، ورَأيْتُ غَيْرَ أثَرٍ في أنَّهم يَصْطَفُّونَ مُحْدِقِينَ.

89:23Page 593

وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ ٢٣

And brought [within view], that Day, is Hell - that Day, man will remember, but how [i.e., what good] to him will be the remembrance?

﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ قِيلَ: هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ عَلى أنْ يَكُونَ مَجِيئُها مُتَجَوِّزًا بِهِ عَنْ إظْهارِها واخْتِيرَ أنَّهُ عَلى حَقِيقَتِهِ.

فَقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««يُؤْتى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَها سَبْعُونَ ألْفَ زِمامٍ مَعَ كُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَها»». «وفِي رِوايَةٍ بِزِيادَةِ: «حَتّى تُنْصَبَ عَنْ يَسارِ العَرْشِ لَها تَغَيُّظٌ وزَفِيرٌ»».

وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ: «أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَناجاهُ ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلصَّلاةِ مُنْكَسِرَ الطَّرْفِ، فَسَألَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿كَلا إذا دُكَّتِ الأرْضُ﴾ الآيَةَ... فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: كَيْفَ يُجاءُ بِها؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «تُقادُ بِسَبْعِينَ ألْفَ زِمامٍ، كُلُّ زِمامٍ يَقُودُهُ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ شَرَدَتْ عَلَيْهِمْ شَرْدَةً انْفَلَتَتْ مِن أيْدِيهِمْ فَلَوْلا أنَّهم أدْرَكُوها فَأخَذُوها لَأحْرَقَتْ مَن في الجَمْعِ».

وفِي رِوايَةٍ: «لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى حَبسَها لَأحْرَقَتِ السَّماواتِ والأرْضَ»».

وتَأْوِيلُ كُلِّ ما ذُكِرَ ونَحْوِهِ مِمّا ورَدَ وحَمْلُهُ عَلى المَجازِ لا يَدْعُو إلَيْهِ إلّا اسْتِحالَةُ الِانْتِقالِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَجِيءُ الحَقِيقِيُّ عَلى جَهَنَّمَ وهو لَعَمْرِي غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ، فَيَجُوزُ أنْ تَخْرُجَ وتَنْتَقِلَ مِن مَحَلِّها في المَحْشَرِ ثُمَّ تَعُودَ إلَيْهِ، والحالُ في ذَلِكَ اليَوْمِ وراءَ ما تَتَخَيَّلُهُ الأذْهانُ.

﴿يَوْمَئِذٍ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إذا دُكَّتِ﴾ وظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ العامِلَ فِيهِ هو العامِلُ نَفْسُهُ في المُبْدَلِ مِنهُ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾ وهو قَوْلٌ قَدْ نُسِبَ إلى سِيبَوَيْهِ. وفي البَحْرِ: المَشْهُورُ خِلافُهُ؛ وهو أنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ والظّاهِرُ عِنْدِي الأوَّلُ، ويَتَذَكَّرُ مِنَ الذِّكْرِ ضِدَّ النِّسْيانِ؛ أيْ: يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما فَرَّطَ فِيهِ بِتَفاصِيلِهِ بِمُشاهَدَةِ آثارِهِ وأحْكامِهِ، أوْ بِإحْضارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ في ذِهْنِهِ وإخْطارِهِ لَهُ وإنْ لَمْ يُشاهِدْ بَعْدُ أثَرًا أوْ بِمُعايَنَةِ عَيْنِهِ بِناءً عَلى أنَّ الأعْمالَ تَتَجَسَّمُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ فَتَبْرُزُ بِما يُناسِبُها مِنَ الصُّوَرِ حُسْنًا وقُبْحًا أوْ مِنَ

صفحة 129

التَّذَكُّرِ بِمَعْنى الِاتِّعاظِ؛ أيْ: يَتَّعِظُ بِما يَرى مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعَظِيمِ عَظَمَتِهِ تَعالى وشَأْنِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِتَحْقِيقِ أنَّهُ لَيْسَ بِتَذَكُّرٍ حَقِيقَةً لِعَرائِهِ عَنِ الجَدْوى لِعَدَمِ وُقُوعِهِ في أوانِهِ. ( وأنّى ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و( الذِّكْرى ) مُبْتَدَأٌ ( ولَهُ ) مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ؛ أيْ: ومِن أيْنَ تَكُونُ لَهُ الذِّكْرى وقَدْ فاتَ أوانُها، وقِيلَ: هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وأنّى لَهُ مَنفَعَةُ الذِّكْرى ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ لِئَلّا يَكُونَ تَناقُضٌ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ هَذا يَتَحَقَّقُ بِما قُرِّرَ أوَّلًا عَلى أنَّهُ إذا جُعِلَ اخْتِصاصُ اللّامِ مُقْتَصِرًا عَلى النّافِعِ اسْتَقامَ مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ، ويَكُونُ إنْكارُ أنْ تَكُونَ الذِّكْرى لَهُ لا عَلَيْهِ. وأمّا كَوْنُهُ حِكايَةً لِما كانَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِن عَدَمِ الِاعْتِبارِ والِاتِّعاظِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ مِن حَيْثُ هي تَوْبَةٌ غَيْرُ واجِبَةِ القَبُولِ عَقْلًا كَما زَعَمَ المُعْتَزِلَةُ بِناءً عَلى وُجُوبِ الأصْلَحِ عِنْدَهُمْ، وقِيلَ في تَوْجِيهِهِ: إنَّهُ لَوْ وجَبَ قَبُولُها لَوَجَبَ قَبُولُ هَذا التَّذَكُّرِ؛ فَإنَّهُ تَوْبَةٌ؛ إذْ هي كَما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ النَّدَمُ عَلى المَعْصِيَةِ مِن حَيْثُ هي مَعْصِيَةٌ، والعَزْمُ عَلى أنْ لا يَعُودَ لَها إذا قَدَرَ عَلَيْها ولَمْ يَعْتَبِرْ أحَدٌ في تَعْرِيفِها كَوْنَها في الدُّنْيا وإنْ كانَتِ النّافِعَةُ مِنها لا تَكُونُ إلّا فِيها، وهَذا التَّذَكُّرُ هو عَيْنُ النَّدَمِ المَذْكُورِ. وقَدْ صَرَّحَ الضَّحّاكُ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ بِأنَّهُ تَوْبَةٌ ولَمْ تُقْبَلْ لِعَدَمِ تَرَتُّبِ المَنفَعَةِ عَلَيْهِ الَّتِي هي مِن لَوازِمِ القَبُولِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ المُعْتَزِلَةَ إنَّما يَقُولُونَ بِوُجُوبِ قَبُولِها بِشَرْطِ عَدَمِ رَفْعِ التَّكالِيفِ وقِيلَ: إنَّ تَذَكُّرَهُ لَيْسَ مِنَ التَّوْبَةِ في شَيْءٍ؛ فَإنَّهُ عالِمٌ بِأنَّها إنَّما تَكُونُ في الدُّنْيا كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском