Al-AlusiAt‑Tawbah · 9:101–103

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:101–103

9:101Page 203

وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ ١٠١

And among those around you of the bedouins are hypocrites, and [also] from the people of Madīnah. They have persisted in hypocrisy. You, [O Muḥammad], do not know them, [but] We know them. We will punish them twice [in this world]; then they will be returned to a great punishment.

﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مُنافِقِي أهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَها مِنَ الأعْرابِ بَعْدَ بَيانِ حالِ أهْلِ البادِيَةِ مِنهم أيْ ومِمَّنْ حَوْلَ بَلَدِكم ﴿مُنافِقُونَ﴾ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ كَما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ: جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأشْجَعُ وأسْلَمُ وغِفارٌ وكانَتْ مَنازِلُهم حَوْلَ المَدِينَةِ وإلى هَذا ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ كالبَغَوِيِّ والواحِدِيِّ وابْنِ الجَوْزِيِّ وغَيْرِهِمْ واسْتَشْكَلَ ذَلِكَ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَدَحَ هَذِهِ القَبائِلَ ودَعا لِبَعْضِها فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: «قُرَيْشٌ والأنْصارُ وجُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأشْجَعُ وأسْلَمُ وغِفارٌ مَوالِي اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ لا مَوالِيَ لَهم غَيْرُهُ» وجاءَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ ﷺ قالَ:

صفحة 10

«أسْلَمُ سالَمَها اللَّهُ تَعالى وغِفارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَها أما إنِّي لَمْ أقُلْها لَكِنْ قالَها اللَّهُ تَعالى» . وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ الأغْلَبِ مِنهم ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ عَطْفٌ عَلى (مِمَّنْ حَوْلَكُمْ) فَيَكُونُ كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ خَبَرًا عَنِ - المُنافِقُونَ - كَأنَّهُ قِيلَ: المُنافِقُونَ مِن قَوْمٍ حَوْلَكم ومِن أهْلِ المَدِينَةِ وهو مِن عَطْفِ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ مَسُوقَةً لِبَيانِ غُلُوِّهِمْ في النِّفاقِ إثْرَ بَيانِ اتِّصافِهِمْ بِهِ أوْ صِفَةً لِمُنافِقُونَ واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ الصِّفَةِ ومَوْصُوفِها وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ (مِن أهْلِ المَدِينَةِ) خَبَرًا مُقَدَّمًا والمُبْتَدَأُ بَعْدَهُ مَحْذُوفٌ قامَتْ صِفَتُهُ مَقامَهُ والتَّقْدِيرُ: ومِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ مَرَدُوا وحَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ صِفَتِهِ مَقامَهُ إذا كانَ بَعْضَ اسْمٍ مَجْرُورٍ بِمِن أوْ في مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ مَقِيسٌ شائِعٌ نَحْوَ - مِنّا أقامَ ومِنّا ظَعَنَ - وفي غَيْرِ ذَلِكَ ضَرُورَةٌ أوْ نادِرٌ ومِنهُ قَوْلُ سُحَيْمٍ:

أنا ابْنُ جَلا وطَلّاعِ الثَّنايا مَتى أضَعِ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي

عَلى أحَدِ التَّأْوِيلاتِ فِيهِ وأصْلُ المُرُودِ عَلى ما ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى المَلاسَةُ ومِنهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ والأمْرَدُ الَّذِي لا شَعْرَ عَلى وجْهِهِ والمَرْداءُ الرَّمْلَةُ الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: أصْلُهُ الظُّهُورُ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: شَجَرَةٌ مَرْداءُ إذا تَساقَطَ ورَقُها وأظْهَرَتْ عِيدانُها وفي القامُوسِ: مَرَدَ كَنَصَرَ وكَرُمَ مُرُوَدًا ومُرُودَةً ومَرادَةً فَهو مارِدٌ ومَرِيدٌ ومُتَمَرِّدٌ أقْدَمَ وعَتا أوْ هو أنْ يَبْلُغَ الغايَةَ الَّتِي يَخْرُجُ بِها مِن جُمْلَةِ ما عَلَيْهِ ذَلِكَ الصِّنْفُ وفَسَّرُوهُ بِالِاعْتِيادِ والتَّدَرُّبِ في الأمْرِ حَتّى يَصِيرَ ماهِرًا فِيهِ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرَهُ في القامُوسِ مِن بُلُوغِ الغايَةِ ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّرِّ

وهُوَ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلِينَ شامِلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ حَسَبَ شُمُولِ النِّفاقِ وعَلى الوَجْهِ الأخِيرِ خاصٌّ بِمُنافِقِي أهْلِ المَدِينَةِ واسْتَظْهَرَ ذَلِكَ وقِيلَ: إنَّهُ الأنْسَبُ بِذِكْرِ مُنافِقِي أهْلِ البادِيَةِ أوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ مُنافِقِي الأعْرابِ المُجاوِرِينَ ثُمَّ ذَكَرَ مُنافِقِي أهْلِ المَدِينَةِ ويَبْقى عَلى هَذا أنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ مَرْتَبَةَ المُجاوِرِينَ في النِّفاقِ بِخِلافِهِ عَلى تَقْدِيرِ شُمُولِهِ لِلْفَرِيقَيْنِ ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ التَّمَرُّدَ عَلى النِّفاقِ إذا اقْتَضى الأشَدِّيَّةَ فِيهِ أشْكَلَ عَلَيْهِ تَفْسِيرُهُمُ المُفَضَّلُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ . بِأهْلِ الحَضَرِ ولَعَلَّ المُرادَ تَفْضِيلُ المَجْمُوعِ عَلى المَجْمُوعِ أوْ يَلْتَزِمُ عَدَمَ الِاقْتِضاءِ

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ بَيانٌ لِتَمَرُّدِهِمْ أيْ لا تَعْرِفُهم أنْتَ بِعُنْوانِ نِفاقِهِمْ يَعْنِي أنَّهم بَلَغُوا مِنَ المَهارَةِ في النِّفاقِ والتَّنَوُّقِ في مُراعاةِ التَّقِيَّةِ والتِحامِي عَنْ مَواقِعِ التُّهَمِ إلى حَيْثُ يَخْفى عَلَيْكَ مَعَ كَمالِ فِطْنَتِكَ وصِدْقِ فِراسَتِكَ حالَهم وفي تَعْلِيقِ نَفْيِ العِلْمِ بِهِمْ مَعَ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِحالِهِمْ مُبالَغَةٌ في ذَلِكَ وإيماءٌ إلى أنَّ ما هم عَلَيْهِ مِن صِفَةِ النِّفاقِ لِعَراقَتِهِمْ ورُسُوخِهِمْ فِيها صارَتْ بِمَنزِلَةِ ذاتِيّاتِهِمْ أوْ مُشَخِّصاتِهِمْ بِحَيْثُ لا يُعَدُّ مَن لا يَعْرِفُهم بِتِلْكَ الصِّفَةِ عالِمًا بِهِمْ ولا حاجَةَ في هَذا المَعْنى إلى حَمْلِ العِلْمِ عَلى المُتَعَدِّي لِمَفْعُولَيْنِ وتَقْدِيرِ المَفْعُولِ الثّانِي أيْ لا تَعْلَمُهم مُنافِقِينَ وقِيلَ: المُرادُ لا تَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمْ وإنْ عَرَفْتَهم إجْمالًا وما ذَكَرْناهُ لِما فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما فِيهِ أوْلى وحاصِلُهُ لا تَعْرِفُ نِفاقَهم ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ أيْ نَعْرِفُهم بِذَلِكَ العُنْوانِ وإسْنادُ العِلْمِ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ إلَيْهِ تَعالى مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَوَقَّفَ فِيهِ وإنْ وهِمَ فِيهِ مَن وهِمَ لا سِيَّما إذا خَرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ المُشاكَلَةِ وقَدْ فَسَّرَ العِلْمَ هُنا بِالمَعْرِفَةِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ أبُو الشَّيْخِ

نَعَمْ لا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلى مَعْناهُ المُتَبادِرِ كَما لا يَمْتَنِعُ حَمْلُهُ عَلى ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ لَكِنَّهُ مُحْوِجٌ إلى التَّقْدِيرِ وعَدَمُ التَّقْدِيرِ أوْلى مِنَ التَّقْدِيرِ

والجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِن مَهارَتِهِمْ في النِّفاقِ أيْ لا يَقِفُ عَلى سَرائِرِهِمُ المَرْكُوزَةِ فِيهِمْ إلّا مَن لا تُخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ

صفحة 11

لِما هم عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِإبْطالِ الكُفْرِ وإظْهارِ الإخْلاصِ، وأمْرُ تَعْلِيقِ العِلْمِ هُنا كَأمْرِ تَعْلِيقِ نَفْيِهِ فِيما مَرَّ. واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي الإقْدامُ عَلى دَعْوى الأُمُورِ الخَفِيَّةِ مِن أعْمالِ القَلْبِ ونَحْوِها، وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ما بالُ أقْوامٍ يَتَكَلَّفُونَ عَلى النّاسِ يَقُولُونَ: فُلانٌ في الجَنَّةِ وفُلانٌ في النّارِ فَإذا سَألْتَ أحَدَهم عَنْ نَفْسِهِ قالَ: لا أدْرِي لَعَمْرِي أنْتَ بِنَفْسِكَ أعْلَمُ مِنكَ بِأعْمالِ النّاسِ، ولَقَدْ تَكَلَّفْتَ شَيْئًا ما تَكَلَّفَهُ نَبِيٌّ قالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ وقالَ اللَّهُ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ وهَذِهِ الآياتُ ونَحْوَها أقْوى دَلِيلٍ في الرَّدِّ عَلى مَن يَزْعُمُ الكَشْفَ والِاطِّلاعَ عَلى المُغَيَّباتِ بِمُجَرَّدِ صَفاءِ القَلْبِ وتَجَرُّدِ النَّفْسِ عَنِ الشَّواغِلِ وبَعْضُهم يَتَساهَلُونَ في هَذا البابِ جِدًّا ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ﴾ ولا بُدَّ لِتَحْقِيقِ المُقْتَضى فِيهِمْ عادَةً ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: «قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ جُمُعَةٍ خَطِيبًا فَقالَ: قُمْ فُلانُ فاخْرُجْ فَإنَّكَ مُنافِقٌ اخْرُجْ يا فُلانُ فَإنَّكَ مُنافِقٌ فَأخْرَجَهم بِأسْمائِهِمْ فَفَضَحَهم ولَمْ يَكُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ شَهِدَ تِلْكَ الجُمُعَةَ لِحاجَةٍ كانَتْ لَهُ فَلَقِيَهم وهم يَخْرُجُونَ مِنَ المَسْجِدِ فاخْتَبَأ مِنهُمُ اسْتِحْياءً أنَّهُ لَمْ يَشْهَدِ الجُمُعَةَ وظَنَّ أنَّ النّاسَ قَدِ انْصَرَفُوا واخْتَبَأُوا هم مِنهُ وظَنُّوا أنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِأمْرِهِمْ فَدَخَلَ المَسْجِدَ فَإذا النّاسُ لَمْ يَنْصَرِفُوا فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أبْشِرْ يا عُمَرُ فَقَدْ فَضَحَ اللَّهُ تَعالى المُنافِقِينَ اليَوْمَ فَهَذا العَذابُ الأوَّلُ والعَذابُ الثّانِي عَذابُ القَبْرِ». وفي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ «أنَّهُ ﷺ أقامَ في ذَلِكَ اليَوْمِ وهو عَلى المِنبَرِ سِتَّةً وثَلاثِينَ رَجُلًا»

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ فَسَّرَ العَذابَ مَرَّتَيْنِ بِالجُوعِ والقَتْلِ ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ خَوْفُهُ وتَوَقُّعُهُ، وقِيلَ: هو فَرْضِيٌّ إذا أظْهَرُوا النِّفاقَ وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهم عُذِّبُوا بِالجُوعِ مَرَّتَيْنِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ العَذابَ الأوَّلَ أخْذُ الزَّكاةِ والثّانِيَ عَذابُ القَبْرِ وعَنِ ابْنِ إسْحَقَ أنَّ الأوَّلَ غَيْظُهم مِن أهْلِ الإسْلامِ والثّانِيَ عَذابُ القَبْرِ، ولَعَلَّ تَكْرِيرَ عَذابِهِمْ لِما فِيهِمْ مِنَ الكُفْرِ المَشْفُوعِ بِالنِّفاقِ أوِ النِّفاقِ المُؤَكَّدِ بِالتَّمَرُّدِ فِيهِ

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمَرَّتَيْنِ التَّكْثِيرُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ الكُبْرى ﴿إلى عَذابٍ عَظِيمٍ 101﴾ هو عَذابُ النّارِ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ عَلى ما قِيلَ بِإسْنادِ عَذابِهِمُ السّابِقِ إلى نُونِ العَظَمَةِ حَسَبَ إسْنادِ ما قَبْلَهُ مِنَ العِلْمِ وإسْنادِ رَدِّهِمْ إلى العَذابِ اللّاحِقِ إلى أنْفُسِهِمْ إيذانٌ بِاخْتِلافِهِما حالًا وأنَّ الأوَّلَ خاصٌّ بِهِمْ وُقُوعًا وزَمانًا يَتَوَلّاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى والثّانِي شامِلٌ لِعامَّةِ الكَفَرَةِ وُقُوعًا وزَمانًا وإنِ اخْتَلَفَتْ طَبَقاتُ عَذابِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا فُسِّرَ العَذابُ العَظِيمُ بِعَذابِ الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ لَمْ يَكُنْ شامِلًا لِعامَّةِ الكَفَرَةِ نَعَمْ هو شامِلٌ لِعامَّةِ المُنافِقِينَ فَقَطْ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ في بِناءِ ﴿يُرَدُّونَ﴾ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مِنَ التَّعْظِيمِ ما فِيهِ فَيُناسِبُ العَذابَ العَظِيمَ فَلِذا غَيَّرَ السَّبْكَ إلَيْهِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ

9:102Page 203

وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٠٢

And [there are] others who have acknowledged their sins. They had mixed [i.e., polluted] a righteous deed with another that was bad.1 Perhaps Allāh will turn to them in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿وآخَرُونَ﴾ بَيانٌ لِحالِ طائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ضَعِيفَةِ الهِمَمِ في أمْرِ الدِّينِ ولَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ عَلى الصَّحِيحِ. وقِيلَ: هم طائِفَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ إلّا أنَّهم وُفِّقُوا لِلتَّوْبَةِ فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قِيلَ: وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿خَلَطُوا﴾ وهي حالٌ بِتَقْدِيرِ - قَدْ - والخَبَرُ جُمْلَةُ ﴿عَسى اللَّهُ﴾ إلخ، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿مُنافِقُونَ﴾ أيْ ومِنهم يَعْنِي مِمَّنْ حَوْلَكم أوْ مِن أهْلِ المَدِينَةِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴿اعْتَرَفُوا﴾ أيْ أقَرُّوا عَنْ مَعْرِفَةٍ ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ الَّتِي هي تُخَلِّفُهم عَنِ الغَزْوِ وإيثارِ الدَّعَةِ عَلَيْهِ

صفحة 12

والرِّضا بِسُوءِ جِوارِ المُنافِقِينَ ولَمْ يَعْتَذِرُوا بِالمَعاذِيرِ الكاذِبَةِ المُؤَكَّدَةِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ وكانُوا عَلى ما أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وغَيْرِهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَشَرَةٌ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَلَمّا حَضَرَ رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنهم أنْفُسُهِمْ بِسَوارِي المَسْجِدِ وكانَ مَمَرُّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إذا رَجَعَ في المَسْجِدِ عَلَيْهِمْ فَلَمّا رَآهم قالَ: مَن هَؤُلاءِ المُوثِقُونَ أنْفُسَهُمْ؟ قالُوا: هَذا أبُو لُبابَةَ وأصْحابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ وقَدْ أقْسَمُوا أنْ لا يُطْلِقُوا أنْفُسَهم حَتّى تَكُونَ أنْتَ الَّذِي تُطْلِقُهم فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: وأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ تَعالى لا أُطْلِقُهم ولا أعْذُرُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُطْلِقُهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ فَأرْسَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِمْ فَأطْلَقَهم وعَذَرَهم»

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهم كانُوا ثَلاثَةً وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدٍ أنَّهم كانُوا ثَمانِيَةً ورُوِيَ أنَّهم كانُوا خَمْسَةً والرِّواياتُ مُتَّفِقَةٌ عَلى أنَّ أبا لُبابَةَ بْنَ عَبْدِ المُنْذِرِ مِنهم ﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا﴾ خُرُوجًا إلى الجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿وآخَرَ سَيِّئًا﴾ تَخَلَّفا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ الأوَّلَ التَّوْبَةُ والثّانِيَ الإثْمُ، وقِيلَ: العَمَلُ الصّالِحُ يَعُمُّ جَمِيعَ البِرِّ والطّاعَةِ والسَّيِّئُ ما كانَ ضِدَّهُ والخَلْطُ المَزْجُ وهو يَسْتَدْعِي مَخْلُوطًا ومَخْلُوطًا بِهِ والأوَّلُ هُنا هو الأوَّلُ والثّانِي هو الثّانِي عِنْدَ بَعْضٍ والواوُ بِمَعْنى الباءِ كَما نُقِلَ عَنْ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِهِمْ: بِعْتُ الشّاءَ شاةً ودِرْهَمًا وهو مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ لِأنَّ الباءَ لِلْإلْصاقِ والواوَ لِلْجَمْعِ وهُما مِن وادٍ واحِدٍ ونَقَلَ شارِحُ اللُّبابِ عَنِ ابْنِ الحاجِبِ أنَّ أصْلَ المِثالِ بِعْتُ الشّاءَ شاةً بِدِرْهَمٍ أيْ مَعَ دِرْهَمٍ ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ فَأبْدَلُوا مِن باءِ المُصاحَبَةِ واوًا فَوَجَبَ أنْ يُعْرَبَ ما بَعْدَها بِإعْرابِ ما قَبْلَها كَما في قَوْلِهِمْ: كُلُّ رَجُلٍ وضَيْعَتُهُ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ. وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ مَخْلُوطٌ ومَخْلُوطٌ بِهِ لِأنَّ المَعْنى خَلَطَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ كَقَوْلِكَ: خَلَطْتُ الماءَ واللَّبَنَ تُرِيدُ خَلَطْتُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِصاحِبِهِ، وفِيهِ ما لَيْسَ في قَوْلِكَ: خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ لِأنَّكَ جَعَلْتَ الماءَ مَخْلُوطًا واللَّبَنَ مَخْلُوطًا بِهِ وإذا قُلْتَهُ بِالواوِ وجَعَلْتَ الماءَ واللَّبَنَ مَخْلُوطَيْنِ ومَخْلُوطًا بِهِما كَأنَّكَ قُلْتَ: خَلَطْتُ الماءَ بِاللَّبَنِ والبُنَّ بِالماءِ وحاصِلُهُ أنَّ المَخْلُوطَ بِهِ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الخَلْطِينَ هو المَخْلُوطُ في الآخَرِ لِأنَّ الخَلْطَ لَمّا اقْتَضى مَخْلُوطًا بِهِ فَهو إمّا الآخَرُ أوْ غَيْرُهُ والثّانِي مُنْتَفٍ بِالأصْلِ والقَرِينَةِ لِدَلالَةِ سِياقِ الكَلامِ إذا قِيلَ: خَلَطْتُ هَذا وذاكَ عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما مَخْلُوطٌ ومَخْلُوطٌ بِهِ وهو أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: خَلَطْتُ أحَدَهُما بِالآخَرِ إذْ فِيهِ خَلْطٌ واحِدٌ وفي الواوِ خَلْطانِ

واعْتَرَضَ بِأنَّ خَلْطَ أحَدِهِما بِالآخَرِ يَسْتَلْزِمُ خَلْطَ الآخَرِ بِهِ فَفي كُلٍّ مِنَ الواوِ والباءِ خَلْطانِ فَلا فَرْقَ، وأُجِيبُ بِأنَّ الواوَ تُفِيدُ الخَلْطِينَ صَرِيحًا بِخِلافِ الباءِ فالفَرْقُ مُتَحَقِّقٌ وفِيهِ تَسْلِيمُ حَدِيثِ الِاسْتِلْزامِ ولا يَخْفى أنَّ فِيهِ خَلْطًا حَيْثُ لَمَّ يُفَرِّقْ فِيهِ بَيْنَ الخَلْطِ والِاخْتِلاطِ، والحَقُّ أنَّ اخْتِلاطَ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ بِالآخَرِ مُسْتَلْزِمٌ لِاخْتِلاطِ الآخَرِ بِهِ وأمّا خَلْطُ أحَدِهِما بِالآخَرِ فَلا يَسْتَلْزِمُ خَلْطَ الآخَرِ بِهِ لِأنَّ خَلْطَ الماءِ بِاللَّبَنِ مَعْناهُ أنْ يَقْصِدَ الماءَ أوَّلًا ويَجْعَلَ مَخْلُوطًا بِاللَّبَنِ وظاهِرُ أنَّهُ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَقْصِدَ اللَّبَنَ أوَّلًا بَلْ يُنافِيهِ، فَعَلى هَذا مَعْنى خَلْطِ العَمَلِ الصّالِحِ بِالسَّيِّئِ أنَّهم أتَوْا أوَّلًا بِالصّالِحِ ثُمَّ اسْتَعْقَبُوهُ سَيِّئًا ومَعْنى خَلَطَ السَّيِّئَ بِالصّالِحِ أنَّهم أتَوْا أوَّلًا بِالسَّيِّئِ ثُمَّ أرْدَفُوهُ بِالصّالِحِ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ السَّكّاكِيِّ حَيْثُ جَعَلَ تَقْدِيرَ الآيَةَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا بِسَيِّئٍ وآخَرَ سَيِّئًا بِصالِحٍ أيْ تارَةً أطاعُوا وأحْبَطُوا الطّاعَةَ بِكَبِيرَةٍ وأُخْرى عَصَوْا وتَدارَكُوا المَعْصِيَةَ بِالتَّوْبَةِ وهو ظاهِرٌ في أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ

صفحة 13

والسَّيِّئَ في أحَدِ الخَلْطَيْنِ غَيْرُهُما في الخَلْطِ الآخَرِ، وكَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ ظاهِرٌ في اتِّحادِهِما وفِيهِ ما فِيهِ، ولِذَلِكَ رَجَّحَ ما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكّاكِيُّ لَكِنَّ ما ذَكَرَهُ مِنَ الإحْباطِ مَيْلٌ إلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ ما في الآيَةِ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى الِاحْتِباكَ والأصْلُ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا بِآخَرَ سَيِّئٍ وخَلَطُوا شَيْئًا بِعَمَلٍ صالِحٍ وهو خِلافُ الظّاهِرِ

واسْتَظْهَرَ ابْنُ المُنِيرِ كَوْنَ الخَلْطِ مُضَمَّنًا مَعْنى العَمَلِ والعُدُولِ عَنِ الباءِ لِذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: عَمِلُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا وأنا أخْتارُ أنَّ الخَلْطَ بِمَعْنى الجَمْعِ هُنا وإذا اعْتُبِرَ السِّياقُ وسَبَبُ النُّزُولِ يَكُونُ المُرادُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ الِاعْتِرافَ بِالذُّنُوبِ مِنَ التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ وما مَعَهُ مِنَ السَّيِّئِ تِلْكَ الذُّنُوبِ أنْفُسِها ويَكُونُ المَقْصُودُ بِالجَمْعِ المُتَوَجَّهِ إلَيْهِ أوَّلًا بِالضَّمِّ هو الِاعْتِرافُ والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالخَلْطِ لِلْإشارَةِ إلى وُقُوعِ ذَلِكَ الِاعْتِرافِ عَلى الوَجْهِ الكامِلِ حَتّى كَأنَّهُ تَخَلَّلَ الذُّنُوبَ وغَيَّرَ صِفَتَها وإذا لَمْ يُعْتَبَرْ سَبَبُ النُّزُولِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ الِاعْتِرافُ بِالذُّنُوبِ مُطْلَقًا ومِنَ السَّيِّئِ الذُّنُوبُ كَذَلِكَ وتَمامُ الكَلامِ بِحالِهِ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ والسَّيِّئِ ما صَدَرَ مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ مُطْلَقًا ولَعَلَّ المُتَوَجَّهَ إلَيْهِ أوْلى عَلى هَذا أيْضًا لِيَجْمَعَ العَمَلَ الصّالِحَ إذْ بِضَمِّهِ يُفْتَحُ بابُ الخَيْرِ فَفي الخَبَرِ: أتْبِعِ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ تَمْحُها. وقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمُ الحَسَنَةَ فِيهِ عَلى مُطْلَقِها، وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: لَقِيَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَوْمًا حَبِيبَ ابْنَ مَسْلَمَةَ فَقالَ: يا حَبِيبُ رُبَّ مَسِيرٍ لَكَ في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: أمّا مَسِيرِي إلى أبِيكَ فَلَيْسَ مِن ذَلِكَ قالَ: بَلى ولَكِنَّكَ أطَعْتَ مُعاوِيَةَ عَلى دُنْيا قَلِيلَةٍ زائِلَةٍ فَلَئِنْ قامَ بِكَ في دُنْياكَ فَلَقَدْ قَعَدَ بِكَ في دِينِكَ ولَوْ كُنْتَ إذْ فَعَلْتَ شَرًّا فَعَلْتَ خَيْرًا كانَ ذَلِكَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ ولَكِنَّكَ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ والتَّعْبِيرُ بِالخَلْطِ حِينَئِذٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّغْيِيرِ أيْضًا ورُبَّما يُرادُ بِالخَلْطِ مُطْلَقُ الجَمْعِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ أوَّلِيَّةٍ في البَيْنِ والتَّعْبِيرُ بِالخَلْطِ لَعَلَّهُ لِمُجَرَّدِ الإيذانِ بِالتَّخَلُّلِ فَإنَّ الجَمْعَ لا يَقْتَضِيهِ ويَشْعُرُ بِهَذا الحَمْلِ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: إنِّي لَأسْتَلْقِي مِنَ اللَّيْلِ عَلى فِراشِي وأتَدَبَّرُ القُرْآنَ فَأعْرِضُ أعْمالِي عَلى أعْمالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَإذا أعْمالُهم شَدِيدَةٌ كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا فَلا أرانِي مِنهم فَأعْرِضُ نَفْسِي عَلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ فَأرى القَوْمَ مُكَذِّبِينَ فَلا أرانِي فِيهِمْ فَأمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ إلَخْ وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وأنْتُمْ يا إخْوَتاهُ مِنهُمْ، وكَذا ما أخْرَجاهُ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أرْجى عِنْدِي لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وآخَرُونَ﴾ إلَخْ والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يُفْهَمْ مِنها صُدُورُ التَّوْبَةِ مِن هَؤُلاءِ الآخَرِينَ بَلْ ثَبَتَ لَهُمُ الحُكْمُ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ مُطْلَقًا وإلّا فَهي وكَثِيرٌ مِنَ الآياتِ الَّتِي في هَذا البابِ سَواءٌ وأرْجى مِنها عِنْدِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهِ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ والمَشْهُورُ أنَّ الآيَةَ يُفْهَمُ مِنها ذَلِكَ لِأنَّ التَّوْبَةَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِمَعْنى قَبُولِ التَّوْبَةِ وهو يَقْتَضِي صُدُورَها عَنْهم فَكَأنَّهُ قِيلَ: وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا فَتابُوا عَسى إلَخْ

وجَعَلَ غَيْرُ واحِدٍ الِاعْتِرافَ دالًّا عَلى التَّوْبَةِ ولَعَلَّ ذَلِكَ لِما بَيْنَهُما مِنَ اللُّزُومِ عُرْفًا، وقالَ الشِّهابُ: لِأنَّهُ تَوْبَةٌ إذا اقْتَرَنَ بِالنَّدَمِ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ، وفِيهِ أنَّ هَذا قَوْلٌ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ العامَّ لا يَدُلُّ عَلى الخاصِّ بِإحْدى الدَّلالاتِ الثَّلاثِ، وكَلِمَةُ﴿عَسى﴾ لِلْأطْماعِ وهو مِن أكْرَمِ الأكْرَمِينَ إيجابٌ وأيُّ إيجابٍ، وقَوْلُهُ تَعالى:

صفحة 14

﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 102﴾ تَعْلِيلٌ لِما أفادَتْهُ مِن وُجُوبِ القَبُولِ ولَيْسَ هو الوُجُوبَ الَّذِي يَقُولُهُ المُعْتَزِلَةُ كَما لا يَخْفى أيْ أنَّهُ تَعالى كَثِيرُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ يَتَجاوَزُ عَنِ التّائِبِ ويَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ

9:103Page 203

خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٠٣

Take, [O Muḥammad], from their wealth a charity by which you purify them and cause them increase, and invoke [Allāh's blessings] upon them. Indeed, your invocations are reassurance for them. And Allāh is Hearing and Knowing.

﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ أخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم لَمّا أُطْلِقُوا انْطَلَقُوا فَجاءُوا بِأمْوالِهِمْ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أمْوالُنا فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا واسْتَغْفِرْ لَنا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ مِن أمْوالِكم شَيْئًا فَنَزَلَتِ الآيَةُ فَأخَذَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنها الثُّلُثَ» كَما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ، فَلَيْسَ المُرادُ مِنَ الصَّدَقَةِ الصَّدَقَةَ المَفْرُوضَةَ أعْنِي الزَّكاةَ لِكَوْنِها مَأْمُورًا بِها وإنَّما هي عَلى ما قِيلَ كَفّارَةٌ لِذُنُوبِهِمْ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ أيْ عَمّا تَطَلَّخُوا بِهِ مِن أوْضارِ التَّخَلُّفِ وعَنِ الجِبائِيِّ أنَّ المُرادَ بِها الزَّكاةُ وأمَرَ ﷺ بِأخْذِها هُنا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ إلْحاقِهِمْ بِبَعْضِ المُنافِقِينَ فَإنَّها لَمْ تَكُنْ تُقْبَلُ مِنهُ كَما عَلِمْتَ وأمْرُ التَّطْهِيرِ سَهْلٌ، وأيًّا ما كانَ فَضَمِيرُ أمْوالِهِمْ لِهَؤُلاءِ المُعْتَرِفِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الثّانِي راجِعٌ لِأرْبابِ الأمْوالِ مُطْلَقًا، وجَمْعُ الأمْوالِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الآخِذَ مِن سائِرِ أجْناسِ المالِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِخُذْ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (صَدَقَةً) والتّاءُ في تُطَهِّرُهم لِلْخِطابِ، وقُرِئَ بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ والرَّفْعِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِن فاعِلِ (خُذْ) أوْ صِفَةٌ لِصَدَقَةً بِتَقْدِيرِ بِها لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ كَما قالَ أبُو البَقاءِ وجُوِّزَ عَلى احْتِمالِ الوَصْفِيَّةِ أنْ تَكُونَ التّاءُ لِلْغَيْبَةِ وضَمِيرُ المُؤَنَّثِ لِلصَّدَقَةِ فَلا حاجَةَ بِنا إلى بِها. وقُرِئَ تُطْهِرُهم مِن أطْهَرَهُ بِمَعْنى طَهَّرَهُ ﴿وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ بِإثْباتِ الياءِ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الأمْرِ أوْ في جَوابِهِ وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ أيْ وأنْتَ تُزَكِّيهِمْ بِها أيْ تُنَمِّي بِتِلْكَ الصَّدَقَةِ حَسَناتِهِمْ وأمْوالَهم أوْ تُبالِغُ في تَطْهِيرِهِمْ وكَوْنُ المُرادِ تَرَفُّعُ مَنازِلِهِمْ مِن مَنازِلِ المُنافِقِينَ إلى مَنازِلِ الأبْرارِ المُخْلِصِينَ ظاهِرٌ في أنَّ القَوْمَ كانُوا مُنافِقِينَ والمُصَحِّحَ خِلافُهُ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجَزْمِ في (تُطَهِّرُهُمْ) وأمّا عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ فَتُزَكِّيهِمْ عَطْفٌ عَلَيْهِ وظاهِرُ ما في الكَشّافِ يَدُلُّ عَلى أنَّ التّاءَ هُنا لِلْخِطابِ لا غَيْرُ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (بِها) والحَمْلُ عَلى أنَّ الصَّدَقَةَ تُزَكِّيهِمْ بِنَفْسِها بَعِيدٌ عَنْ فَصاحَةِ التَّنْزِيلِ. وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ (تُزَكِّهِمْ) بِدُونِ الياءِ ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أيِ ادْعُ لَهم واسْتَغْفِرْ وعُدِّيَ الفِعْلُ بِعَلى لِما فِيهِ مِن مَعْنى العَطْفِ لِأنَّهُ مِنَ الصَّلَوَيْنِ وإرادَةُ المَعْنى اللُّغَوِيِّ هُنا هو المُتَبادِرُ والحَمْلُ عَلى صَلاةِ المَيِّتِ بَعِيدٌ وإنْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ولِذا اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى اسْتِحْبابِ الدُّعاءِ لِمَن يَتَصَدَّقُ، واسْتَحَبَّ الشّافِعِيُّ في صِفَتِهِ أنْ يَقُولَ لِلْمُتَصَدِّقِ آجَرَكَ اللَّهُ فِيما أعْطَيْتَ وجَعَلَهُ لَكَ طُهُورًا وبارَكَ لَكَ فِيما أبْقَيْتَ. وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ عَلى الإمامِ الدُّعاءُ إذا أخَذَ وقِيلَ: يَجِبُ في صَدَقَةِ الفَرْضِ ويُسْتَحَبُّ في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وقِيلَ: يَجِبُ عَلى الإمامِ ويُسْتَحَبُّ لِلْفَقِيرِ والحَقُّ الِاسْتِحْبابُ مُطْلَقًا ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّلاةِ والسَّكَنُ السُّكُونُ وما تَسْكُنُ النَّفْسُ إلَيْهِ مِنَ الأهْلِ والوَطَنِ مَثَلًا وعَلى الأوَّلِ جَعَلَ الصَّلاةَ نَفْسَ السَّكَنِ والِاطْمِئْنانَ مُبالَغَةً وعَلى الثّانِي يَكُونُ المُرادُ تَشْبِيهَ صَلاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الِالتِجاءِ إلَيْها بِالسَّكَنِ والأوَّلُ أوْلى أيْ إنَّ دُعاءَكَ تَسْكُنُ نُفُوسُهم إلَيْهِ وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِهِ إلى الغايَةِ ويَثِقُونَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ قَبِلَهُمْ

وقَرَأ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّبْعَةِ (صَلَواتِكَ) بِالجَمْعِ مُراعاةً لِتَعَدُّدِ المَدْعُوِّ لَهم ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ يَسْمَعُ الِاعْتِرافَ بِالذَّنْبِ والتَّوْبَةِ والدُّعاءِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما في الضَّمائِرِ مِنَ النَّدَمِ والغَمِّ لِما فَرَطَ وبِالإخْلاصِ في التَّوْبَةِ والدُّعاءِ

صفحة 15

أوْ سَمِيعٌ يُجِيبُ دُعاءَكَ لَهم عَلِيمٌ بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ تَذْلِيلٌ لِلتَّعْلِيلِ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ وعَلى الأوَّلِ تَذْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الآيَتَيْنِ مُحَقِّقٌ لِما فِيهِما

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском