Al-AlusiAt‑Tawbah · 9:98–100

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:98–100

9:98Page 202

وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَمٗا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٩٨

And among the bedouins are some who consider what they spend as a loss1 and await for you turns of misfortune. Upon them will be a misfortune of evil. And Allāh is Hearing and Knowing.

﴿ومِنَ الأعْرابِ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمُ الَّذِي نُعِتَ بِنَعْتِ بَعْضِ أفْرادِهِ وقِيلَ: مِنَ الفَرِيقِ المَذْكُورِ ﴿مَن يَتَّخِذُ﴾ أيْ يَعُدُّ ﴿ما يُنْفِقُ﴾ أيْ يَصْرِفُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ويَتَصَدَّقُ بِهِ كَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ ﴿مَغْرَمًا﴾ أيْ غَرامَةً وخُسْرانًا مِنَ الغَرامِ بِمَعْنى الهَلاكِ وقِيلَ: مِنَ الغُرْمِ وهو نُزُولُ نائِبَةٍ بِالمالِ مِن غَيْرِ جِنايَةٍ، وأصْلُهُ مِنَ المُلازَمَةِ ومِنهُ قِيلَ لِكُلٍّ مِنَ المُتَدايِنَيْنِ غَرِيمٌ وإنَّما أعَدُّوهُ كَذَلِكَ لِأنَّهم لا يُنْفِقُونَهُ احْتِسابًا ورَجاءً لِثَوابِ اللَّهِ تَعالى لِيَكُونَ لَهم مَغْنَمًا وإنَّما يُنْفِقُونَهُ تَقِيَّةً ورِئاءَ النّاسِ فَيَكُونُ غَرامَةً مَحْضَةً وما في صِيغَةِ الِاتِّخاذِ مِن مَعْنى الِاخْتِيارِ والِانْتِفاعِ بِما يُتَّخَذُ إنَّما هو بِاعْتِبارِ غَرَضِ المُنْفِقِ مِنَ الرِّياءِ والتَّقِيَّةِ لا بِاعْتِبارِ ذاتِ النَّفَقَةِ أعْنِي كَوْنَها غَرامَةً ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ أيْ يَنْتَظِرُ بِكم نَوْبَ الدَّهْرِ ومَصائِبَهُ الَّتِي تُحِيطُ بِالمَرْءِ لِيَنْقَلِبَ بِها أمْرُكم ويَتَبَدَّلَ بِها حالُكم فَيَتَخَلَّصَ مِمّا ابْتُلِيَ بِهِ ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِنَحْوِ ما يَتَرَبَّصُونَ بِهِ وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ إلَخْ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ إخْبارًا عَنْ وُقُوعِ ما يَتَرَبَّصُونَ بِهِ عَلَيْهِمْ والدّائِرَةُ اسْمٌ لِلنّائِبَةِ وهي في الأصْلِ مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ والكاذِبَةِ أوِ اسْمُ فاعِلٍ مِن دارَ يَدُورُ وقَدْ تَقَدَّمَ تَمامُ الكَلامِ عَلَيْها و﴿السَّوْءِ﴾ في الأصْلِ مَصْدَرٌ أيْضًا ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى كُلِّ ضَرَرٍ وشَرٍّ وقَدْ كانَ وصْفًا لِلدّائِرَةِ ثُمَّ أُضِيفَتْ إلَيْهِ فالإضافَةُ مِن بابِ إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ كَما في قَوْلِكَ: رَجُلُ صِدْقٍ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما فِيهِ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ﴾ وقِيلَ: مَعْنى الدّائِرَةِ يَقْتَضِي مَعْنى السَّوْءِ فالإضافَةُ لِلْبَيانِ والتَّأْكِيدِ كَما قالُوا: شَمْسُ النَّهارِ ولِحْيا رَأْسِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (السُّوءَ) هُنا وفي ثانِيَةٍ الفَتْحَ بِالضَّمِّ وهو حِينَئِذٍ اسْمٌ بِمَعْنى العَذابِ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ كالمَفْتُوحِ وبِذَلِكَ فَرَّقَ الفَرّاءُ بَيْنَهُما: وقالَ أبُو البَقاءِ: السُّوءُ بِالضَّمِّ الضَّرَرُ وهو مَصْدَرٌ في الحَقِيقَةِ يُقالُ: سُؤْتُهُ سُوءًا ومَساءَةً ومَسائِيَّةً وبِالفَتْحِ الفَسادُ والرَّداءَةُ وكَأنَّهُ يَقُولُ بِمَصْدَرِيَّةِ كُلٍّ مِنهُما في الحَقِيقَةِ كَما فَهِمَهُ الشِّهابُ مِن كَلامِهِ وقالَ مَكِّيٌّ: المَفْتُوحُ مَعْناهُ الفَسادُ والمَضْمُومُ مَعْناهُ الهَزِيمَةُ والضَّرَرُ وظاهِرُهُ كَما قِيلَ: إنَّهُما اسْمانِ ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ﴾ بِمَقالاتِهِمُ الشَّنِيعَةِ عِنْدَ الإنْفاقِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِنِيّاتِهِمُ الفاسِدَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنْ يَتَرَبَّصُوا بِكُمُ الدَّوائِرَ، وفِيهِ مِن شِدَّةِ الوَعِيدِ

صفحة 6

ما لا يَخْفى

9:99Page 202

وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٩

But among the bedouins are some who believe in Allāh and the Last Day and consider what they spend as means of nearness to Allāh and of [obtaining] invocations of the Messenger. Unquestionably, it is a means of nearness for them. Allāh will admit them to His mercy. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿ومِنَ الأعْرابِ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِمْ عَلى الإطْلاقِ ﴿مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ ﴿ويَتَّخِذُ﴾ عَلى وجْهِ الِاصْطِفاءِ والِاخْتِيارِ ﴿ما يُنْفِقُ﴾ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿قُرُباتٍ﴾ جَمْعُ قُرْبَةٍ بِمَعْنى التَّقَرُّبِ وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَتَّخِذَ، والمُرادُ اتِّخاذُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّقَرُّبِ عَلى التَّجَوُّزِ في النِّسْبَةِ أوِ التَّقْدِيرِ، وقَدْ تُطْلَقُ القُرْبَةُ عَلى ما يُتَقَرَّبُ بِهِ والأوَّلُ اخْتِيارُ الجُمْهُورِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ الأنْواعِ والأفْرادِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ صِفَةُ ﴿قُرُباتٍ﴾ أوْ ظَرْفٌ لِيَتَّخِذَ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ ظَرْفًا فالقُرُباتِ عَلى مَعْنى مُقَرِّباتٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿قُرُباتٍ﴾ أيْ وسَبَبًا لِدُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَدْعُو لِلْمُتَصَدِّقِينَ بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ ويَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، ولِذَلِكَ يُسَنُّ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ أنْ يَدْعُوَ لِلْمُتَصَدِّقِ عِنْدَ أخْذِ صَدَقَتِهِ لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَدْ قالُوا: لا يُصَلّى عَلى غَيْرِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا بِالتَّبَعِ لِأنَّ في الصَّلاةِ مِنَ التَّعْظِيمِ ما لَيْسَ في غَيْرِها مِنَ الدَّعَواتِ وهي لِزِيادَةِ الرَّحْمَةِ والقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا تَلِيقُ بِمَن يُتَصَوَّرُ مِنهُ الخَطايا والذُّنُوبُ ولاقَتْ عَلَيْهِ تَبَعًا لِما في ذَلِكَ مِن تَعْظِيمِ المَتْبُوعِ، واخْتُلِفَ هَلْ هي مَكْرُوهَةٌ تَحْرِيمًا أوْ تَنْزِيهًا أوْ خِلافَ الأوْلى صَحَّحَ النَّوَوِيُّ في الأذْكارِ الثّانِي، لَكِنْ في خُطْبَةِ شَرْحِ الأشْباهِ لِلْبِيرِيِّ مَن صَلّى عَلى غَيْرِهِمْ أثِمَ وكَرِهَ وهو الصَّحِيحُ. وما رَواهُ السِّتَّةُ غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى أبِي أوْفى» لا يَقُومُ حُجَّةً عَلى المانِعِ لِأنَّ ذَلِكَ كَما في المُسْتَصْفى حَقُّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَلَهُ أنْ يَتَفَضَّلَ بِهِ عَلى مَن يَشاءُ ابْتِداءً ولَيْسَ الغَيْرُ كَذَلِكَ. وأمّا السَّلامُ فَنَقَلَ اللَّقّانِيُّ في شَرْحِ جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ عَنِ الإمامِ الجُوَيْنِيِّ أنَّهُ في مَعْنى الصَّلاةِ فَلا يُسْتَعْمَلُ في الغائِبِ، ولا يُفْرَدُ بِهِ غَيْرُ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلا يُقالُ: عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ بَلْ يُقالُ: رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وسَواءٌ في هَذا الأحْياءُ والأمْواتُ إلّا في الحاضِرِ فَيُقالُ: السَّلامُ أوْ سَلامٌ عَلَيْكَ أوْ عَلَيْكم وهَذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ انْتَهى، أقُولُ: ولَعَلَّ مِنَ الحاضِرِ السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ وسَلامٌ عَلَيْكم دارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وإلّا فَهو مُشْكِلٌ، والظّاهِرُ أنَّ العِلَّةَ في مَنعِ السَّلامِ ما قالَهُ النَّوَوِيُّ في عِلَّةِ مَنعِ الصَّلاةِ مِن أنَّ ذَلِكَ شِعارُ أهْلِ البِدَعِ وأنَّهُ مَخْصُوصٌ في لِسانِ السَّلَفِ بِالأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كَما أنَّ قَوْلَنا: عَزَّ وجَلَّ مَخْصُوصٌ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ فَلا يُقالُ: مُحَمَّدٌ عَزَّ وجَلَّ وإنْ كانَ عَزِيزًا جَلِيلًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ قالَ اللَّقّانِيُّ: وقالَ القاضِي عِياضٌ: الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ المُحَقِّقُونَ وأمِيلُ إلَيْهِ ما قالَهُ مالِكٌ وسُفْيانُ، واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ الفُقَهاءِ والمُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ يَجِبُ تَخْصِيصُ النَّبِيِّ ﷺ وسائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ كَما يَخْتَصُّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عِنْدَ ذِكْرِهِ بِالتَّقْدِيسِ والتَّنْزِيهِ ويُذْكَرُ مَن سِواهم بِالغُفْرانِ والرِّضا كَما قالَ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ وأيْضًا أنَّ ذَلِكَ في غَيْرِ مَن ذُكِرَ لَمْ يَكُنْ في الصَّدْرِ الأوَّلِ وإنَّما أحْدَثَهُ الرّافِضَةُ في بَعْضِ الأئِمَّةِ والتَّشْبِيهِ بِأهْلِ البِدَعِ مَنهِيٌّ عَنْهُ فَتَجِبُ مُخالَفَتُهُمُ انْتَهى، ولا يَخْفى أنَّ مَذْهَبَ الحَنابِلَةِ جَوازُ ذَلِكَ في غَيْرِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ اسْتِقْلالًا عَمَلًا بِظاهِرِ الحَدِيثِ السّابِقِ، وكَراهَةُ التَّشْبِيهِ بِأهْلِ البِدَعِ مُقَرَّرَةٌ عِنْدَنا أيْضًا لَكِنْ لا مُطْلَقًا بَلْ في المَذْمُومِ وفِيما قُصِدَ بِهِ التَّشَبُّهُ بِهِمْ كَما ذَكَرَهُ الحَصْكَفِيُّ في الدُّرِّ المُخْتارِ فافْهَمْ. ثُمَّ التَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى واليَوْمِ الآخِرِ في هَذا الفَرِيقِ مَعَ أنَّ مَساقَ الكَلامِ

صفحة 7

لِبَيانِ الفِرَقِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في بَيانِ شَأْنِ اتِّخاذِ ما يُنْفِقانِهِ حالًا ومَآلًا وأنَّ ذِكْرَ اتِّخاذِهِ سَبَبًا لِلْقُرُباتِ والصَّلَواتِ مُغْنٍ عَنِ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ لِكَمالِ العِنايَةِ بِإيمانِهِمْ وبَيانِ اتِّصافِهِمْ بِهِ وزِيادَةِ الِاعْتِناءِ بِتَحَقُّقِ الفَرْقِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، وأمّا الفَرِيقُ الأوَّلُ فاتِّصافُهم بِالكُفْرِ والنِّفاقِ مَعْلُومٌ مِن سِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ صَرِيحًا

وجُوِّزَ عَطْفُ ﴿وصَلَواتِ﴾ عَلى ما يُنْفِقُ وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أبُو البَقاءِ. أيْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ وصَلَواتِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قُرُباتٍ ﴿ألا إنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ شَهادَةٌ لَهم مِن جَنابِ اللَّهِ تَعالى بِصِحَّةِ ما اعْتَقَدُوهُ وتَصْدِيقٌ لِرَجائِهِمْ، والضَّمِيرُ إمّا لِلنَّفَقَةِ المَعْلُومَةِ مِمّا تَقَدَّمَ أوْ - لِما - الَّتِي هي بِمَعْناها فَهو راجِعٌ لِذَلِكَ بِاعْتِبارِ المَعْنى فَلِذا أنَّثَ أوْ لِمُراعاةِ الخَبَرِ، وجَوَّزَ ابْنُ الخازِنِ رُجُوعَهُ لِلصَّلَواتِ والأكْثَرُونَ عَلى الأوَّلِ، وتَنْوِينُ ﴿قُرْبَةٌ﴾ لِلتَّفْخِيمِ المُغْنِي عَنِ الجَمْعِ أيْ قُرْبَةً لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها، وفي إيرادِ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً بِحَرْفَيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْقِيقِ مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى

والِاقْتِصارُ عَلى بَيانِ كَوْنِها قُرْبَةً لَهم لِأنَّها الغايَةُ القُصْوى وصَلَواتُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن ذَرائِعِها وقُرِئَ (قُرُبَةً) بِضَمِّ الرّاءِ لِلِاتِّباعِ ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ﴾ وعْدٌ لَهم بِإحاطَةِ رَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ بِهِمْ كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ (فِي) الدّالَّةُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وهو في مُقابَلَةِ الوَعِيدِ لِلْفِرْقَةِ السّابِقَةِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وفِيهِ تَفْسِيرٌ لِلْقُرْبَةِ أيْضًا والسِّينُ لِلتَّحْقِيقِ والتَّأْكِيدِ لِما تَقَدَّمَ أنَّها في الإثْباتِ في مُقابَلَةِ لَنْ في النَّفْيِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 99﴾ تَقْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ كالدَّلِيلِ عَلَيْهِ والآيَةُ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهم عَنْ مُجاهِدٍ نَزَلَتْ في بَنِي مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: في أسْلَمَ وغِفارٍ وجُهَيْنَةَ وقِيلَ: نَزَلَتِ الَّتِي قَبْلَها في أسَدٍ وغَطَفانَ وبَنِي تَمِيمٍ وهَذِهِ في عَبْدِ اللَّهِ ذِي البِجادَيْنِ بْنِ نَهْمٍ المُزَنِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ

9:100Page 203

وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٠٠

And the first forerunners [in the faith] among the Muhājireen1 and the Anṣār2 and those who followed them with good conduct - Allāh is pleased with them and they are pleased with Him, and He has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.

﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ﴾ بَيانٌ لِفَضائِلِ أشْرافِ المُسْلِمِينَ إثْرَ بَيانِ طائِفَةٍ مِنهُمْ، والمُرادُ بِهِمْ كَما رُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ وقَتادَةَ وابْنِ سِيرِينَ وجَماعَةِ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ، وقالَ عَطاءُ بْنُ رَباحٍ: هم أهْلُ بَدْرٍ وقالَ الشَّعْبِيُّ: هم أهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ وكانَتْ بِالحُدَيْبِيَةِ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ أسْلَمُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ و(الأنْصارِ) أهْلُ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الأُولى وكانَتْ في سَنَةِ إحْدى عَشْرَةَ مِنَ البَعْثَةِ وكانُوا عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ سَبْعَةَ نَفَرٍ وأهْلَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثّانِيَةِ وكانَتْ في سَنَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وكانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا وامْرَأتَيْنِ والَّذِينَ أسْلَمُوا حِينَ جاءَهم مِن قَبْلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبُو زُرارَةَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ وكانَ قَدْ أرْسَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أهْلِ العَقَبَةِ الثّانِيَةِ يُقْرِئُهُمُ القُرْآنَ ويُفَقِّهُهم في الدِّينِ ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ، والمُرادُ كُلُّ خَصْلَةٍ حَسَنَةٍ، وهُمُ اللّاحِقُونَ بِالسّابِقِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ عَلى أنَّ (مِن) تَبْعِيضَةٌ أوِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِالإيمانِ والطّاعَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فالمُرادُ بِالسّابِقِينَ جَمِيعُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ سابِقِينَ أنَّهُمُ أوَّلُونَ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ المُسْلِمِينَ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ ذَهَبَ إلى هَذا. رُوِيَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ زِيادٍ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ يَوْمًا لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ: ألا تُخْبِرَنِي عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيما كانَ بَيْنَهم مِنَ الفِتَنِ؟ فَقالَ لِي: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ غَفَرَ لِجَمِيعِهِمْ وأوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ مُحْسِنِهِمْ ومُسِيئِهِمْ. فَقُلْتُ لَهُ: في أيِّ مَوْضِعٍ أوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ؟ فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ألا تَقْرَأُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ الآيَةَ فَتَعْلَمُ أنَّهُ تَعالى أوْجَبَ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الجَنَّةَ والرِّضْوانِ وشَرَطَ عَلى التّابِعِينَ شَرْطًا. قُلْتُ: وما ذَلِكَ الشَّرْطُ؟ قالَ: شَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتْبَعُوهم بِإحْسانٍ وهو أنْ يَقْتَدُوا بِهِمْ في أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ ولا يَقْتَدُوا بِهِمْ في غَيْرِ ذَلِكَ أوْ يُقالُ: هو أنْ يَتَّبِعُوهم

صفحة 8

بِإحْسانٍ في القَوْلِ وأنْ لا يَقُولُوا فِيهِمْ سُوءًا وأنْ لا يُوَجِّهُوا الطَّعْنَ فِيما أقْدَمُوا عَلَيْهِ، قالَ حُمَيْدُ بْنُ زِيادٍ: فَكَأنِّي ما قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ قَطُّ، وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةً مِن فَضْلِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ما لَمْ تَتَضَمَّنْهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ

واعْتَرَضَ القُطْبُ عَلى التَّفاسِيرِ السّابِقَةِ لِلسّابِقِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ بِأنَّ الصَّلاةَ إلى القِبْلَتَيْنِ وشُهُودَ بَدْرٍ وبَيْعَةِ الرِّضْوانِ مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. وأُجِيبُ بِأنَّ مُرادَ مَن فَسَّرَ تَعْيِينَ سَبْقِهِمْ لِصُحْبَتِهِمْ ومُهاجَرَتِهِمْ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى مَن عَداهم مِن ذَلِكَ القَبِيلِ. واخْتارَ الإمامُ أنَّ المُرادَ بِالسّابِقِينَ مِنَ المُهاجِرِينَ السّابِقُونَ في الهِجْرَةِ ومِنَ السّابِقِينَ مِنَ الأنْصارِ السّابِقُونَ في النُّصْرَةِ وادَّعى أنَّ ذَلِكَ هو الصَّحِيحُ عِنْدَهُ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ كَوْنَهم سابِقِينَ ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّهم سابِقُونَ في ماذا فَبَقِيَ اللَّفْظُ مُجْمَلًا إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِكَوْنِهِمْ مُهاجِرِينَ وأنْصارًا عُلِمَ أنَّ المُرادَ مِنَ السَّبْقِ السَّبْقُ في الهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ إزالَةً لِلْإجْمالِ عَنِ اللَّفْظِ، وأيْضًا كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ لِكَوْنِهِ فِعْلًا شاقًّا عَلى النَّفْسِ طاعَةٌ عَظِيمَةٌ فَمَن أقْدَمَ عَلَيْهِ أوَّلًا صارَ قُدْوَةً لِغَيْرِهِ في هَذِهِ الطّاعَةِ وكانَ ذَلِكَ مُقَوِّيًا لِقَلْبِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وسَبَبًا لِزَوالِ الوَحْشَةِ عَنْ خاطِرِهِ الشَّرِيفِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلِذَلِكَ أثْنى اللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ مَن كانَ سابِقًا إلَيْهِما وأثْبَتَ لَهم ما أثْبَتَ، وكَيْفَ لا وهْمَ آمَنُوا وفي عَدَدِ المُسْلِمِينَ في مَكَّةَ والمَدِينَةِ قِلَّةٌ وضَعْفٌ فَقَوِيَ الإسْلامُ بِسَبَبِهِمْ وكَثُرَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ بِإسْلامِهِمْ وقَوِيَ قَلْبُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِسَبَبِ دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ واقْتِداءِ غَيْرِهِمْ بِهِمْ فَكانَ حالُهم في ذَلِكَ كَحالِ مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً وفي الخَبَرِ: مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولا يَخْفى أنَّهُ حَسَنٌ

ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يُرادَ بِالسّابِقِينَ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ واتِّخاذُ ما يُنْفِقُونَ قُرُباتٍ والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ ظاهِرَةٌ وأيًّا مًا كانَ فالسّابِقُونَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أيْ بِقَبُولِ طاعَتِهِمْ وارْتِضاءِ أعْمالِهِمْ ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ بِما نالُوهُ مِنَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿الأوَّلُونَ﴾ أوْ ﴿مِنَ المُهاجِرِينَ﴾ وأنْ يَكُونَ ﴿السّابِقُونَ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ﴿مَن يُؤْمِنُ﴾ أيْ ومِنهُمُ السّابِقُونَ وما ذَكَرْناهُ أظْهَرُ الوُجُوهِ. وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ (والأنْصارُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿السّابِقُونَ﴾

وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنْ عَمْرِو بْنِ عامِرٍ الأنْصارِيِّ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَقْرَأُ بِإسْقاطِ الواوِ مِن (والَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ) فَيَكُونُ المَوْصُولُ صِفَةَ الأنْصارِ حَتّى قالَ لَهُ زَيْدٌ: إنَّهُ بِالواوِ فَقالَ: ائْتُونِي بِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأتاهُ فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هي بِالواوِ فَتابَعَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي أُسامَةَ ومُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ قالا: «مَرَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِرَجُلٍ يَقْرَأُ ﴿والَّذِينَ﴾ بِالواوِ فَقالَ: مَن أقْرَأكَ هَذِهِ؟ فَقالَ: أُبَيٌّ فَأخَذَ بِهِ إلَيْهِ فَقالَ: يا أبا المُنْذِرِ أخْبَرَنِي هَذا أنَّكَ أقَرَأْتَهُ هَكَذا. قالَ أُبَيٌّ: صَدَقَ وقَدْ تَلَقَّنْتُها كَذَلِكَ مِن في رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. فَقالَ عُمَرُ: أنْتَ تَلَقَّنْتَها كَذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ؟ فَقالَ: نَعَمْ فَأعادَ عَلَيْهِ فَقالَ في الثّالِثَةِ وهو غَضْبانُ: نَعَمْ واللَّهِ لَقَدْ أنْزَلَها اللَّهُ عَلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنْزَلَها جِبْرِيلُ عَلى قَلْبِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يُسْتَأْمَرْ فِيهِ الخَطّابُ ولا ابْنُهُ فَخَرَجَ عُمَرُ رافِعًا يَدَيْهِ وهو يَقُولُ اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ»

وفِي رِوايَةٍ أخْرَجَها أبُو الشَّيْخِ أيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أنَّ أُبَيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: تَصْدِيقُ هَذِهِ الآيَةِ في أوَّلِ الجُمُعَةِ ﴿وآخَرِينَ مِنهُمْ﴾ وفي أوْسَطِ الحَشْرِ ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ وفي آخِرِ الأنْفالِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ﴾ إلَخْ ومُرادُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ التّابِعِينَ غَيْرُ الأنْصارِ

صفحة 9

وفِيها أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: لَقَدْ كُنْتُ أرى أنّا رُفِعْنا رِفْعَةً لا يَبْلُغُها أحَدٌ بَعْدَنا وأرادَ اخْتِصاصَ السَّبْقِ بِالمُهاجِرِينَ، وظاهِرُ تَقْدِيمِ المُهاجِرِينَ عَلى الأنْصارِ مُشْعِرٌ بِأنَّهم أفْضَلُ مِنهم وهو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قِصَّةُ السَّقِيفَةِ، وقَدْ جاءَ في فَضْلِ الأنْصارِ ما لا يُحْصى مِنَ الأخْبارِ، ومِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «آيَةُ الإيمانِ حُبُّ الأنْصارِ وآيَةُ النِّفاقِ بُغْضُ الأنْصارِ»

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَسَّمَ الفَيْءَ الَّذِي أفاءَ اللَّهُ تَعالى بِحُنَيْنٍ في أهْلِ مَكَّةَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ فَغَضِبَ الأنْصارُ فَأتاهم فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ قَدْ بَلَغَنِي مِن حَدِيثِكم في هَذِهِ المَغانِمِ الَّتِي آثَرْتُ بِها أُناسًا أتَألَّفُهم عَلى الإسْلامِ لَعَلَّهُمُ أنْ يُشْهَدُوا بَعْدَ اليَوْمِ وقَدْ أدْخَلَ اللَّهُ تَعالى قُلُوبَهُمُ الإسْلامَ ثُمَّ قالَ: يا مَعْشَرَ الإسْلامِ ألَمْ يَمُنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكم بِالإيمانِ وخَصَّكم بِالكَرامَةِ وسَمّاكم بِأحْسَنِ الأسْماءِ أنْصارِ اللَّهِ تَعالى وأنْصارِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَوْلا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأنْصارِ ولَوْ سَلَكَ النّاسُ وادِيًا وسَلَكْتُمْ وادِيًا لَسَلَكْتُ وادِيَكم أفَلا تَرْضَوْنَ أنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِهَذِهِ الغَنائِمِ البَعِيرِ والشّاءِ وتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ؟ فَقالُوا: رَضِينا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أجِيبُونِي فِيما قُلْتُ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وجَدْتَنا في ظُلْمَةٍ فَأخْرَجَنا اللَّهُ بِكَ إلى النُّورِ وجَدْتَنا عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَنا اللَّهُ بِكَ، وجَدْتَنا ضُلّالًا فَهَدانا اللَّهُ تَعالى بِكَ فَرَضِينا بِاللَّهِ تَعالى رَبًّا وبِالإسْلامِ دِينًا وبِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَبِيًّا فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَوْ أجَبْتُمُونِي بِغَيْرِ هَذا القَوْلِ لَقُلْتُ: صَدَقْتُمْ لَوْ قُلْتُمْ: ألَمْ تَأْتِنا طَرِيدًا فَآوَيْناكَ؟ ومُكَذَّبًا فَصَدَّقْناكَ؟ ومَخْذُولًا فَنَصَرْناكَ؟ وقَبِلْنا ما رَدَّ النّاسُ عَلَيْكَ؟ لَصَدَقْتُمْ قالُوا: بَلْ لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ المَنُّ والفَضْلُ عَلَيْنا وعَلى غَيْرِنا» فانْظُرْ كَيْفَ قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وكَيْفَ أجابُوهُ رِضىَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿وأعَدَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ﴾ أيْ هَيَّأ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (مِن تَحْتِها) وأكْثَرُ ما جاءَ في القُرْآنِ مُوافِقٌ لِهَذِهِ القِراءَةِ (خالِدِينَ فِيها أبَدًا) مِن غَيْرِ انْتِهاءٍ ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ 100﴾ أيِ الَّذِي لا فَوْزَ وراءَهُ، وما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ قِيلَ لِبَيانِ بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ وعِظَمِ الدَّرَجَةِ مِن مُؤْمِنِي الأعْرابِ ولا يَخْفى أنَّ هَذا لا يَكادُ يَصِحُّ إلّا بِتَكَلُّفٍ ما إذا أُرِيدَ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم صِنْفٌ آخَرُ غَيْرُ الصَّحابَةِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ مُؤْمِنِي الأعْرابِ صَحابَةٌ ولا يَفْضُلُ غَيْرُ صَحابِيٍّ صَحابِيًّا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لا تَسُبُّوا أصْحابِي فَلَوْ أنَّ أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ» وقَوْلُهُ ﷺ: «أُمَّتِي كالمَطَرِ لا يُدْرى أوَّلُهُ خَيْرٌ أمْ آخِرُهُ» . مِن بابِ المُبالَغَةِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском