Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:17–21
9:17Page 189
مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ١٧
It is not for the polytheists to maintain the mosques of Allāh [while] witnessing against themselves with disbelief. [For] those, their deeds have become worthless, and in the Fire they will abide eternally.
﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ أيْ لا يَنْبَغِي لَهم ولا يَلِيقُ وإنْ وقَعَ ﴿أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ شَيْئًا مِنَ المَساجِدِ لِأنَّهُ جَمْعٌ مُضافٌ فَيَعُمُّ ويَدْخُلُ فِيهِ المَسْجِدُ الحَرامُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وتَعْمِيرُهُ مَناطُ افْتِخارِهِمْ، ونَفْيُ الجَمْعِ يَدُلُّ عَلى النَّفْيِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَيَلْزَمُ نَفْيُهُ عَنِ الفَرْدِ المُعَيَّنِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ وغَيْرِهِ أنَّ المُرادَ بِهِ المَسْجِدُ الحَرامُ واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالجَمْعِ لِأنَّهُ قِبْلَةُ المَساجِدِ وإمامُها المُتَوَجِّهَةُ إلَيْهِ مَحارِيبُها فَعامِرُهُ كَعامِرِها، أوْ لِأنَّ كُلَّ مَسْجِدٍ ناحِيَةٌ مِن نَواحِيهِ المُخْتَلِفَةِ مَسْجِدٌ عَلى حِيالِهِ بِخِلافِ سائِرِ المَساجِدِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، ويَعْقُوبَ، وابْنِ كَثِيرٍ، وكَثِيرٍ ( مَسْجِدَ ) بِالتَّوْحِيدِ، وحَمَلَ بَعْضُهم ( ما كانَ ) عَلى نَفْيِ الوُجُودِ والتَّحَقُّقِ، وقُدِّرَ بِأنْ يَعْمُرُوا بِحَقٍّ لِأنَّهم عَمَرُوها بِدُونِهِ ولا حاجَةَ إلى ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرْنا ﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ بِإظْهارِهِمْ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وإنْ لَمْ يَقُولُوا: نَحْنُ كُفّارٌ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِمْ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ إلّا شَرِيكًا هو لَكَ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِمْ كَفَرْنا بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( ﴿يَعْمُرُوا﴾ ) قِيلَ: أيْ ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَنافِيَيْنِ عِمارَةِ البَيْتِ والكُفْرِ بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّ المُرادَ مُحالٌ أنْ يَكُونَ ما سَمَّوْهُ عِمارَةَ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى مَعَ مُلابَسَتِهِمْ لِما يُنافِيها ويُحْبِطُها مِن عِبادَةِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ فَإنَّها لَيْسَتْ مِنَ العِمارَةِ في شَيْءٍ، واعْتُرِضَ عَلى قَوْلِهِمْ: إنَّ المَعْنى ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ مُتَنافِيَيْنِ بِأنَّهُ لَيْسَ بِمُعْرِبٍ عَنْ كُنْهِ المَرامِ، فَإنَّ عَدَمَ اسْتِقامَةِ الجَمِيعِ بَيْنَ المُتَنافِيَيْنِ إنَّما يَسْتَدْعِي انْتِفاءَ أحَدِهِما لا بِعَيْنِهِ لا انْتِفاءَ العِمارَةِ الَّذِي هو المَقْصُودُ، وظاهِرُهُ أنَّ النَّفْيَ في الكَلامِ راجِعٌ إلى المُقَيِّدِ، وحِينَئِذٍ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ( ما كانَ ) نَفْيَ اللِّياقَةِ عَلى ما ذَكَرْنا، والغَرَضُ إبْطالُ افْتِخارِ المُشْرِكِينَ بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِ بِما يُنافِيهِ وهو الشِّرْكُ، وجُوِّزَ أنْ يُوَجَّهَ النَّفْيُ إلى القَيْدِ كَما هو الشّائِعُ وتُكَلِّفُ لَهُ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، ولَعَلَّ مَن قالَ في بَيانِ المَعْنى: ما اسْتَقامَ لَهم أنْ يَجْمَعُوا إلَخْ جُعِلَ مَحَطُّ النَّظَرِ المُقارَنَةَ الَّتِي أشْعَرَ بِها الحالَ، ومَعَ هَذا لا يَأْبى أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ نَظَرًا لِلْمَقامِ نَفْيَ صِحَّةِ الِافْتِخارِ بِالعِمارَةِ والسِّقايَةِ فَتَدَبَّرْ جِدًّا.
صفحة 65
ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقامَ لِنَفْيِ الِافْتِخارِ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ عَيَّرَهُ المُسْلِمُونَ بِالشِّرْكِ وقَطِيعَةِ الرَّحْمَنِ وأغْلَظَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ في القَوْلِ، فَقالَ: تَذْكُرُونَ مَساوِينا وتَكْتُمُونَ مَحاسِنَنا إنّا لَنَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَحْجُبُ الكَعْبَةَ ونَقْرِي الحَجِيجَ ونَفُكُّ العانِيَ فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَحْوَهُ ( ﴿أُولَئِكَ﴾ ) أيِ المُشْرِكُونَ المَذْكُورُونَ ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها بِما قارَنَها مِنَ الكُفْرِ فَصارَتْ كَلا شَيْءٍ ﴿وفِي النّارِ هم خالِدُونَ﴾ لِعِظَمِ ما ارْتَكَبُوهُ، وإيرادُ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً لِلْمُبالَغَةِ في الخُلُودِ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِالخَبَرِ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ ومُراعاةً لِلْفاصِلَةِ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ قِيلَ: عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ( ﴿حَبِطَتْ﴾ ) عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِأُولَئِكَ، وقِيلَ: هي مُسْتَأْنَفَةٌ كَجُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ﴾ وفائِدَتُهُما تَقْرِيرُ النَّفْيِ السّابِقِ الأُولى مِن جِهَةِ نَفْيِ اسْتِتْباعِ الثَّوابِ والثّانِيَةُ مِن جِهَةِ نَفْيِ اسْتِدْفاعِ العَذابِ.
9:18Page 189
إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٨
The mosques of Allāh are only to be maintained by those who believe in Allāh and the Last Day and establish prayer and give zakāh and do not fear except Allāh, for it is expected that those will be of the [rightly] guided.
﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِالمَساجِدِ هُنا كَما اخْتُلِفَ في المُرادِ بِها هُناكَ، خَلا أنَّ مَن قالَ هُناكَ بِأنَّ المُرادَ المَسْجِدُ الحَرامُ لا غَيْرَ جَوَّزَ هُنا إرادَةَ جَمِيعِ المَساجِدِ قائِلًا: إنَّها غَيْرُ مُخالِفَةٍ لِمُقْتَضى الحالِ فَإنَّ الإيجابَ لَيْسَ كالسَّلْبِ، وادَّعى أنَّ المَقْصُودَ قَصْرُ تَحَقُّقِ العِمارَةِ عَلى المُؤْمِنِينَ لا قَصْرُ لِياقَتِها وجَوازِها، وأنا أرى قَصْرَ اللِّياقَةِ لائِقًا بِلا قُصُورٍ، وقُرِئَ بِالتَّوْحِيدِ أيْ إنَّما يَلِيقُ أنْ يَعْمُرَها ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ عَلى الوَجْهِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ الوَحْيُ ﴿وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ﴾ الَّتِي أُتِيَ بِهِما الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيَنْدَرِجُ في ذَلِكَ الإيمانُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَتْمًا إذْ لا يُتَلَقّى ذَلِكَ إلّا مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الإيمانِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَطُّ طُوِيَ تَحْتَ ذِكْرِ الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى دَلالَةً عَلى أنَّهُما كَشَيْءٍ واحِدٍ إذا ذُكِرَ أحَدُهُما فُهِمَ الآخَرُ، عَلى أنَّهُ أُشِيرَ بِذِكْرِ المَبْدَأِ والمَعادِ إلى ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ أجْمَعَ، ومِن جُمْلَتِهِ رِسالَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: إنَّما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ المُرادَ ( بِمَن ) هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابُهُ أيِ المُسْتَحِقُّ لِعِمارَةِ المَساجِدِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ كائِنًا مَن كانَ، ولَيْسَ الكَلامُ في إثْباتِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والإيمانِ بِهِ بَلْ فِيهِ نَفْسِهِ وعِمارَتِهِ المَسْجِدَ واسْتِحْقاقِهِ لَها، فالآيَةُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ﴾ والوَجْهُ الثّانِي أوْلى، والمُرادُ بِالعِمارَةِ ما يَعُمُّ مَرَمَّةَ ما اسْتَرَمَّ مِنها وقَمَّها وتَنْظِيفَها وتَزْيِينَها بِالفَرْشِ لا عَلى وجْهٍ يُشْغِلُ قَلْبَ المُصَلِّي عَنِ الحُضُورِ، ولَعَلَّ ما هو مِن جِنْسِ ما يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ كالقُطْنِ والحُصُرِ السّامانِيَّةِ أوْلى مِن نَحْوِ الصُّوفِ إذْ قِيلَ: بِكَراهَةِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ، وتَنْوِيرِها بِالسُّرُجِ ولَوْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَن يَسْتَضِيءُ بِها عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ جَمْعٌ، وإدامَةُ العِبادَةِ والذِّكْرِ ودِراسَةُ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ فِيها ونَحْوُ ذَلِكَ، وصِيانَتُها مِمّا لَمْ تُبْنَ لَهُ في نَظَرِ الشّارِعِ كَحَدِيثِ الدُّنْيا، ومِن ذَلِكَ الغِناءُ عَلى مَآذِنِها كَما هو مُعْتادُ النّاسِ اليَوْمَ لا سِيَّما بِالأبْياتِ الَّتِي غالِبُها هُجْرٌ مِنَ القَوْلِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الحَدِيثُ في المَسْجِدِ يَأْكُلُ الحَسَناتِ كَما تَأْكُلُ البَهِيمَةُ الحَشِيشَ» وهَذا الحَدِيثُ في الحَدِيثِ المُباحِ فَما ظَنُّكَ بِالمُحَرَّمِ مُطْلَقًا أوِ المَرْفُوعِ فَوْقَ المَآذِنِ، وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن تَوَضَّأ في بَيْتِهِ ثُمَّ أتى المَسْجِدَ فَهو زائِرُ اللَّهِ تَعالى وحَقٌّ عَلى المَزُورِ أنْ يُكْرِمَ الزّائِرَ» .
وأخْرَجَ سُلَيْمٌ الرّازِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ:
صفحة 66
قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن أسْرَجَ في مَسْجِدٍ سِراجًا لَمْ تَزَلِ المَلائِكَةُ وحَمَلَةُ العَرْشِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ ما دامَ في ذَلِكَ المَسْجِدِ ضَوْؤُهُ» وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ، وغَيْرُهُ عَنْ أبِي قِرْصافَةَ قالَ: ”سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إخْراجُ القُمامَةِ مِنَ المَسْجِدِ مُهُورُ الحَوَرِ العِينِ»“ وسَمِعْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُ «مَن بَنى لِلَّهِ تَعالى مَسْجِدًا بَنى اللَّهُ تَعالى لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وهَذِهِ المَساجِدُ الَّتِي تُبْنى في الطُّرُقِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: وهَذِهِ المَساجِدُ الَّتِي تُبْنى في الطُّرُقِ» وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الغُدُوُّ والرَّواحُ إلى المَسْجِدِ مِنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى،»“ وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وجَماعَةٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَسْجِدَ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ، وتَلا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿إنَّما يَعْمُرُ﴾»“ الآيَةَ.
واسْتَشْكَلَ ذِكْرُ إيتاءِ الزَّكاةِ في الآيَةِ بِأنَّهُ لا تَظْهَرُ مَدْخَلِيَّتُهُ في العِمارَةِ، وتُكُلِّفَ لِذَلِكَ بِأنَّ الفُقَراءَ يَحْضُرُونَ المَساجِدَ لِلزَّكاةِ فَتَعْمُرُ بِهِمْ وأنَّ مَن لا يَبْذُلُ المالَ لِلزَّكاةِ الواجِبَةِ لا يَبْذُلُهُ لِعِمارَتِها وهو كَما تَرى، والحَقُّ أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ أنَّ مَن يَعْمُرُ المَساجِدَ هو المُؤْمِنُ الظّاهِرُ إيمانُهُ وهو إنَّما يَظْهَرُ بِإقامَةِ واجِباتِهِ، فَعَطْفُ الإقامَةِ والإيتاءِ عَلى الإيمانِ لِلْإشارَةِ إلى ذَلِكَ ﴿ولَمْ يَخْشَ﴾ أحَدٌ ﴿إلا اللَّهَ﴾ فَعَمِلَ بِمُوجِبِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ غَيْرَ آخِذٍ لَهُ في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةَ لائِمٍ ولا مانِعَ لَهُ خَوْفُ ظالِمٍ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ عَدَمُ الخَشْيَةِ عِنْدَ القِتالِ المُوَبِّخِ عَلَيْها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿أتَخْشَوْنَهم فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾ وأمّا الخَوْفُ الجَبَلِيُّ مِنَ الأُمُورِ المُخَوِّفَةِ فَلَيْسَ مِن هَذا البابِ ولا هو مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، والخِطابُ والنَّهْيُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذْها ولا تَخَفْ﴾ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ.
وقِيلَ: كانُوا يَخْشَوْنَ الأصْنامَ ويَرْجُونَها فَأُرِيدَ نَفْيُ تِلْكَ الخَشْيَةِ عَنْهم ﴿فَعَسى أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِأكْمَلِ النُّعُوتِ ﴿أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ أيْ: إلى الجَنَّةِ وما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى فِيها لِعِبادِهِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحُسْنِ، وإبْرازُ اهْتِدائِهِمْ لِذَلِكَ مَعَ ما بِهِمْ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ في مَعْرِضِ التَّوَقُّعِ لِحَسْمِ أطْماعِ الكافِرِينَ عَنِ الوُصُولِ إلى مَواقِفِ الِاهْتِداءِ لِأنَّ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ وهم هم إذا كانَ أمْرُهم دائِرًا بَيْنَ لَعَلَّ وعَسى فَما بالُ الكَفَرَةِ بَيْتُ المَخازِي والقَبائِحِ، وفِيهِ قَطْعُ اتِّكالِ المُؤْمِنِينَ عَلى أعْمالِهِمْ وما هم عَلَيْهِ وإرْشادُهم إلى تَرْجِيحِ جانِبِ الخَوْفِ عَلى جانِبِ الرَّجاءِ، وهَذا هو المُناسِبُ لِلْمَقامِ لا الأطْماعُ وسُلُوكُ سُنَنِ المُلُوكِ مَعَ كَوْنِ القَصْدِ إلى الوُجُوبِ، وكَوْنُ الكَفَرَةِ يَزْعُمُونَ أنَّهم مُحِقُّونَ وأنَّ غَيْرَهم عَلى الباطِلِ فَلا يَتَأتّى حَسْمُ أطْماعِهِمْ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ وهَذا لا رَيْبَ فِيهِ.
وقِيلَ: إنَّ الأوْصافَ المَذْكُورَةَ، وإنْ أوْجَبَتِ الِاهْتِداءَ، ولَكِنَّ الثَّباتَ عَلَيْها مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى وقَدْ يَطْرَأُ ما يُوجِبُ ضِدَّ ذَلِكَ والعِبْرَةُ لِلْعاقِبَةِ، فَكَلِمَةُ التَّوَقُّعِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِهَذا ولا يَخْفى ما فِيهِ فَإنَّ النَّظَرَ إلى العاقِبَةِ هُنا لا يُناسِبُ المَقامَ الَّذِي يَقْتَضِي تَفْضِيلَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ في الحالِ.
9:19Page 189
۞ أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩
Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Ḥarām equal to [the deeds of] one who believes in Allāh and the Last Day and strives in the cause of Allāh? They are not equal in the sight of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.
﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ السِّقايَةُ والعِمارَةُ مَصْدَرُ أسْقى وعَمَرَ بِالتَّخْفِيفِ إذْ عَمَّرَ المُشَدَّدُ يُقالُ في عُمْرِ الإنْسانِ لا في العِمارَةِ كَما يَتَوَهَّمُهُ العَوامُّ، وصَحَّتِ الياءُ في سِقايَةٍ لِأنَّ بَعْدَها هاءُ التَّأْنِيثِ، وظاهِرُ الآيَةِ تَشْبِيهُ الفِعْلِ بِالفاعِلِ والصِّفَةِ بِالذّاتِ وأنَّهُ
صفحة 67
لا يَحْسُنُ هُنا فَلا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ، إمّا في جانِبِ الصِّفَةِ أيْ أجَعَلْتُمْ أهْلَ السِّقايَةِ والعِمارَةِ كَمَن آمَنَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وأبِي وجْزَةَ السَّعْدِيِّ وهو مِنَ القُرّاءِ وإنِ اشْتُهِرَ بِالشِّعْرِ ( أجَعَلْتُمْ سُقاةَ الحاجِّ ) بِضَمِّ السِّينِ جَمْعُ ساقٍ ( وعَمَرَةَ المَسْجِدِ ) بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ عامِرٍ، وكَذا قِراءَةُ الضَّحّاكِ ( سُقايَةَ ) بِالضَّمِّ أيْضًا مَعَ الياءِ والتّاءِ ( وعَمَرَةَ ) كَما في القِراءَةِ السّابِقَةِ، ووَجْهُ سُقايَةٍ فِيها أنْ يَكُونَ جَمْعًا جاءَ عَلى فُعالٍ ثُمَّ أُنِّثَ كَما أُنِّثَ مِنَ الجُمُوعِ نَحْوَ حِجارَةٍ، فَإنَّ في كِلا القِراءَتَيْنِ تَشْبِيهَ ذاتٍ بِذاتٍ، وإمّا في جانِبِ الذّاتِ أيْ أجَعَلْتُمُوهُما كَإيمانِ مَن آمَنَ وجِهادِ مَن جاهَدَ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ في شَيْءٍ وإنَّما المَصْدَرُ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، والمَعْنى عَلَيْهِ كَما في الأوَّلِ، وأيًّا ما كانَ فالخِطابُ إمّا لِلْمُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ واخْتارَهُ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ وهو المُتَبادَرُ مِنَ النَّظْمِ، وتَخْصِيصُ ذِكْرِ الإيمانِ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ واسْتُدِلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: عِمارَةُ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى والقِيامُ عَلى السِّقايَةِ خَيْرٌ مِنَ الإيمانِ والجِهادِ فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى خَيْرَ الإيمانِ بِهِ سُبْحانَهُ والجِهادِ مَعَ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى عُمْرانِ المُشْرِكِينَ البَيْتَ وقِيامِهِمْ عَلى السِّقايَةِ، وبِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: أقْبَلَ المُسْلِمُونَ عَلى العَبّاسِ وأصْحابِهِ الَّذِينَ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ يُعَيِّرُونَهم بِالشِّرْكِ، فَقالَ العَبّاسُ: أما واللَّهِ لَقَدْ كُنّا نَعْمُرُ المَسْجِدَ الحَرامَ ونَفُكُّ العانِيَ ونَحْجُبُ البَيْتَ ونَسَقِي الحاجَّ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿أجَعَلْتُمْ﴾ ) الآيَةَ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ الخِطابَ لَهم وهم مُشْرِكُونَ.
وإمّا لِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ المُؤْثِرِينَ لِلسِّقايَةِ والعِمارَةِ عَلى الهِجْرَةِ والجِهادِ، واسْتُدِلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وجَماعَةٌ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا لِلَّهِ تَعالى بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أسْقِيَ الحاجَّ، وقالَ آخَرُ: بَلْ عِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وقالَ آخَرُ: بَلِ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ مِمّا قُلْتُمْ فَزَجَرَهم عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ: لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ولَكِنْ إذا صَلَّيْتُمُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأسْتَفْتِيهِ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾» وبِما رُوِيَ مِن طُرُقٍ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والعَبّاسِ، وذَلِكَ أنَّ الأمِيرَ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ لَهُ: يا عُمَرُ لَوْ هاجَرْتَ إلى المَدِينَةِ؟ فَقالَ لَهُ: أوَلَسْتُ في أفْضَلَ مِنَ الهِجْرَةِ وألَسْتُ أسْقِي الحاجَّ وأعْمُرُ البَيْتَ، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّ العَبّاسَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ إذْ ذاكَ مُسْلِمًا عَلى خِلافِ ما يَقْتَضِيهِ غَيْرُهُ مِنَ الأخْبارِ المُتَقَدِّمِ بَعْضُها، وأيَّدَ هَذا القَوْلَ بِأنَّهُ المُناسِبُ لِلِاكْتِفاءِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِبَيانِ عَدَمِ مُساواتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لِلْفَرِيقِ الثّانِي وبَيانِ أعْظَمِيَّةِ دَرَجَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى الظّاهِرِ دُخُولِهِ في الرَّدِّ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِعَدَمِ حِرْمانِ الأوَّلِينَ بِالكُلِّيَّةِ لِمَكانِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، وجُعِلَ المُشْتَمِلُ عَلى ذَلِكَ اسْتِطْرادًا لِتَفْضِيلِ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ خِلافَ الظّاهِرِ، وكَذا القَوْلُ بِأنَّهُ سِيقَ لِتَفْضِيلِهِمْ عَلى أهْلِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ مِنَ الكَفَرَةِ وهم وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهم دَرَجَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى جاءَ عَلى زَعْمِهِمْ ومَدْعاهم، عَلى أنَّهُ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ نَفْعٍ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يُشْعِرْ بِعَدَمِ الحِرْمانِ فَلَيْسَ بِمُشْعِرٍ بِالحِرْمانِ، والكَلامُ عَلى الأوَّلِ تَوْبِيخٌ لِلْمُشْرِكِينَ ومَدارُهُ إنْكارُ تَشْبِيهِ أنْفُسِهِمْ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِوَصْفَيْهِمُ المَذْكُورَيْنِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِالمُؤْمِنِينَ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِالإيمانِ والجِهادِ، أوْ عَلى
صفحة 68
إنْكارِ تَشْبِيهِ وصْفَيْهِمُ المَذْكُورَيْنِ في حَدِّ ذاتِهِما مَعَ الإغْماضِ عَنْ مُقارَنَتِهِما لِلشِّرْكِ بِالإيمانِ والجِهادِ.
والقَوْلُ بِاعْتِبارِ المُقارَنَةِ مِمّا أغْمَضَ عَنْهُ المُحَقِّقُونَ لِإباءِ المَقامِ إيّاهُ، كَيْفَ لا وقَدْ بُيِّنَ حُبُوطُ أعْمالِهِمْ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ وكَوْنُها بِمَنزِلَةِ العَدَمِ، فَتَوْبِيخُهم بَعْدُ عَلى تَشْبِيهِها بِالإيمانِ والجِهادِ، ثُمَّ رُدَّ ذَلِكَ بِما يُشْعِرُ بِعَدَمِ حِرْمانِهِمْ عَنْ أصْلِ الفَضِيلَةِ بِالكُلِّيَّةِ مِمّا لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، ولَوِ اعْتُبِرَ لَما احْتِيجَ إلى تَقْرِيرِ إنْكارِ التَّشْبِيهِ وتَأْكِيدِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ إذْ لا شَيْءَ أظْهَرُ بُطْلانًا مِن نِسْبَةِ المَعْدُومِ إلى المَوْجُودِ، وقِيلَ: لا مانِعَ مِنِ اعْتِبارِها، ويُقْطَعُ النَّظَرُ عَمّا تَقَدَّمَ مِن بَيانِ الحُبُوطِ، وعَدَمُ الحِرْمانِ المَشْعُورِ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلى ذَلِكَ وفِيهِ ما فِيهِ، والمَعْنى أجَعَلْتُمْ أهْلَ السِّقايَةِ والعِمارَةِ في الفَضِيلَةِ وعُلُوِّ الدَّرَجَةِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِهِ أوْ أجَعَلْتُمُوهُما في ذَلِكَ كالإيمانِ والجِهادِ وشَتّانَ ما بَيْنَهُما، فَإنَّ السِّقايَةَ والعِمارَةَ وإنْ كانَتا في أنْفُسِهِما مِن أعْمالِ البَرِّ والخَيْرِ لَكِنَّهُما وإنْ خَلَتا عَنِ القَوادِحِ بِمَعْزِلِ أنْ يُشَبَّهَ أهْلُهُما بِأهْلِ الإيمانِ والجِهادِ أوْ يُشَبَّهُ نَفْسُهُما بِنَفْسِ الإيمانِ والجِهادِ وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ لا يُساوِي الفَرِيقُ الأوَّلُ الثّانِيَ وبِظاهِرِهِ يَتَرَجَّحُ التَّقْدِيرُ الأوَّلُ، وإذا كانَ المُرادُ لا يَسْتَوُونَ بِأوْصافِهِمْ يَرْجِعُ إلى نَفْيِ المُساواةِ في الأوْصافِ فَيُوافِقُ الإنْكارَ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي، وإسْنادُ عَدَمِ الِاسْتِواءِ إلى المَوْصُوفَيْنِ لِأنَّ الأهَمَّ بَيانُ تَفاوُتِهِمْ، وتَوْجِيهُ النَّفْيِ هَهُنا والإنْكارُ فِيما سَلَفَ إلى الِاسْتِواءِ والتَّشْبِيهِ مَعَ أنَّ دَعْوى المُفْتَخِرِينَ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ أوِ المُؤْمِنِينَ إنَّما هي الأفْضَلِيَّةُ دُونَ التَّساوِي والتَّشابُهِ لِلْمُبالَغَةِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ فَإنَّ نَفْيَ التَّساوِي والتَّشابُهِ نَفْيٌ لِلْأفْضَلِيَّةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، لَكِنْ يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ الأفْضَلِيَّةَ الَّتِي يَدَّعِيها المُشْرِكُونَ تُشْعِرُ بِثُبُوتِ أصْلِ الفَضِيلَةِ لِلْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ وهم بِمَعْزِلٍ عَنِ اعْتِقادِ ذَلِكَ، وكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنهم أنَّ في جِهادِهِمْ وقَتْلِهِمْ فَضِيلَةً أوْ أنَّ في الإيمانِ المُسْتَلْزِمِ لِتَسْفِيهِ رَأْيِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ فَضِيلَةً، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ المُجاراةِ فَلا تَغْفُلْ.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَقْرِيرِ الإنْكارِ المَذْكُورِ وتَأْكِيدِهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ حالًا مِن مَفْعُولَيِ الجَعْلَ والرّابِطُ ضَمِيرُ الجَمْعِ كَأنَّهُ قِيلَ: سَوَّيْتُمْ بَيْنَهم حالَ كَوْنِهِمْ مُتَفاوِتِينَ عِنْدَ اللَّهِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أُرِيدَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ وبِالظُّلْمِ الشِّرْكُ أوْ وُضِعَ الشَّيْءُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ شِرْكًا كانَ أوْ غَيْرَهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ ظُلْمُهم في ذَلِكَ الجَعْلِ وهو أبْلَغُ في الذَّمِّ، والمُرادُ مِنَ الهِدايَةِ الدَّلالَةُ المُوصِلَةُ لا مُطْلَقُ الدَّلالَةِ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ المَقامَ، وهَذا حُكْمٌ مِنهُ تَعالى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُوَفِّقُ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ وتَمْيِيزِ الرّاجِحِ مِنَ المَرْجُوحِ ولَعَلَّهُ سِيقَ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ عَدَمِ التَّساوِي.
9:20Page 189
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠
The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allāh with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allāh. And it is those who are the attainers [of success].
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ مَراتِبِ فَضْلِهِمْ زِيادَةً في الرَّدِّ وتَكْمِيلًا لَهُ، وزِيادَةُ الهِجْرَةِ وتَفْصِيلُ نَوْعَيِ الجِهادِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ الجِهادِ لا أنَّهُ اعْتُبِرَ بِطَرِيقِ التَّدارُكِ أمْرٌ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيما سَلَفَ، والظّاهِرُ مِنَ السِّياقِ أنَّ المُفَضَّلَ عَلَيْهِ أهْلُ السِّقايَةِ والعِمارَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقَدْ أشَرْنا إلى مالِهِ وما عَلَيْهِ حَسْبَما ذَكَرَهُ بَعْضُ الفُضَلاءِ، وأنا أقُولُ: إذا أُرِيدَ مِن أفْعَلَ المُبالَغَةُ في الفَضْلِ وعُلُوُّ المَرْتَبَةِ والمَنزِلَةِ فالأمْرُ هَيِّنٌ، وإذا أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَتُهُ فَهُناكَ احْتِمالانِ؛ الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: حُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ إيذانًا بِالعُمُومِ، أيْ إنَّ هَؤُلاءِ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ أعْلى رُتْبَةً وأكْثَرُ كَرامَةً مِمَّنْ لَمْ يَتَّصِفُ بِها كائِنًا مَن كانَ، ويَدْخُلُ فِيهِ أهْلُ السِّقايَةِ والعِمارَةِ، ويَكْفِي في تَحَقُّقِ حَقِيقَةِ أفْعَلَ
صفحة 69
وُجُودُ أصْلِ الفِعْلِ في بَعْضِ الأفْرادِ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَ العُمُومِ كَما يُقالُ: فُلانٌ أعْلَمُ الخَلْقِ مَعَ أنَّ مِنهم مَن لا يَتَّصِفُ بِشَيْءٍ مِنَ العِلْمِ بَلْ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ أصْلًا، وهَذا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَشُكَّ فِيهِ سِوى أنَّهُ يُعَكِّرُ عَلَيْنا أنَّ المَقْصُودَ بِالمُفَضَّلِ عَلَيْهِ في المِثالِ مَن لَهُ مُشارَكَةٌ في أصْلِ الفِعْلِ ولا كَذَلِكَ ما نَحْنُ فِيهِ، فَإنْ لَمْ يَضُرَّ هَذا فالأمْرُ ذاكَ وإلّا فَهو كَما تَرى، الثّانِي: أنْ يُقالَ: ما أفْهَمَتْهُ الصِّيغَةُ مِن أنَّ لِلسُّقاةِ والعُمّارِ مِنَ المُشْرِكِينَ دَرَجَةً جاءَ عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ وحَسَّنَ ذَلِكَ وُقُوعُ مِثْلِهِ في كَلامِهِمْ مَعَ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهم قالُوا كَما دَلَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الأخْبارِ السّابِقَةِ: السِّقايَةُ والعِمارَةُ خَيْرٌ مِنَ الإيمانِ والجِهادِ، ولا شَكَّ أنَّ ما يُشْعَرُ بِهِ خَيْرٌ مِن أنَّ في الإيمانِ والجِهادِ خَيْرًا إنَّما جاءَ عَلى زَعْمِ المُؤْمِنِينَ فَما في الآيَةِ خارِجٌ مَخْرَجَ المُشاكَلَةِ مَعَ ما في كَلامِهِمْ وإنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظُ، وما قِيلَ: مِن أنَّ جَعْلَ مَعْنى التَّفْضِيلِ بِالنِّسْبَةِ إلى زَعْمِ الكَفَرَةِ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ نَفْعٍ لَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ ضَرَرٍ كَما لا يَخْفى عَلى مَن ذاقَ طَعْمَ البَلاغَةِ ولَوْ بِطَرَفِ اللِّسانِ، ويُشْعِرُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّ التَّفْضِيلَ مَبْنِيٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَطْعِ النَّظَرِ وإغْماضِ العَيْنِ أيِ المُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ أعْلى رُتْبَةً مِمَّنْ خَلا مِنها وإنْ حازَ جَمِيعَ ما عَداها مِمّا هو كَمالٌ في حَدِّ ذاتِهِ كالسِّقايَةِ والعِمارَةِ، والمُرادُ بِسَبِيلِ اللَّهِ هُنا الإخْلاصُ أوْ نَحْوُهُ لا الجِهادُ فالمَعْنى جاهِدُوا مُخْلِصِينَ ( ﴿وأُولَئِكَ﴾ ) المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ ﴿هُمُ الفائِزُونَ﴾ أيِ المُخْتَصُّونَ بِالفَوْزِ العَظِيمِ أوْ بِالفَوْزِ المُطْلَقِ كَأنَّ فَوْزَ مَن عَداهم لَيْسَ بِفَوْزٍ بِالنِّسْبَةِ إلى فَوْزِهِمْ.
والكَلامُ عَلى الثّانِي تَوْبِيخٌ لِمَن يُؤْثِرُ السِّقايَةَ والعِمارَةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى الهِجْرَةِ والجِهادِ، أيْ أجَعَلْتُمْ أهْلَهُما مِنَ المُؤْمِنِينَ في الفَضِيلَةِ والكَرامَةِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِهِ أوْ أجَعَلْتُمُوهُما كالإيمانِ والجِهادِ، قالُوا: وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ الإيمانَ في جانِبِ المُشَبَّهِ مَعَ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا فِيهِ قَطْعًا تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِ الأمْرِ وإشْعارًا بِأنَّ مَدارَ إنْكارِ التَّشْبِيهِ هو السِّقايَةُ والعِمارَةُ دُونَ الإيمانِ، وإنَّما لَمْ يَتْرُكْ ذِكْرَهُ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ أيْضًا تَقْوِيَةً لِلْإنْكارِ وتَذْكِيرًا لِأسْبابِ الرُّجْحانِ ومَبادِئِ الأفْضَلِيَّةِ، وإيذانًا بِكَمالِ التَّلازُمِ بَيْنَ الإيمانِ وما تَلاهُ.
ومَعْنى عَدَمِ الِاسْتِواءِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وأعْظَمِيَّةُ دَرَجَةِ الفَرِيقِ الثّانِي عَلى هَذا التَّقْرِيرِ ظاهِرٌ.
والمُرادُ بِالظُّلْمِ الظُّلْمُ بِوَضْعِ كُلٍّ مِنَ الرّاجِحِ والمَرْجُوحِ في مَوْضِعِ الآخَرِ لا الظُّلْمُ الأعَمُّ، وبِعَدَمِ الهِدايَةِ عَدَمُ هِدايَتِهِ تَعالى لِلْمُؤْثِرِينَ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ لا عَدَمُ الهِدايَةِ مُطْلَقًا، والقَصْرُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( أُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ ) بِالنِّسْبَةِ إلى دَرَجَةِ الفَرِيقِ الثّانِي أوْ إلى الفَوْزِ المُطْلَقِ ادِّعاءٌ كَما مَرَّ ا هـ.
وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ عَدَمَ ذِكْرِ الإيمانِ في جانِبِ المُشَبَّهِ ظاهِرٌ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ ما تَنازَعُوا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ السّابِقُ إلّا فِيما هو الأفْضَلُ بَعْدَهُ فَمِن قائِلٍ: السِّقايَةُ، ومِن قائِلٍ: العِمارَةُ ومِن قائِلٍ: الجِهادُ، نَعَمْ يَحْتاجُ ذِكْرُهُ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ إلى نُكْتَةٍ، والتَّوْبِيخُ في الآيَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أبْلَغُ مِنهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ فَتَأمَّلْ.
9:21Page 190
يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١
Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.
﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهُمْ﴾ أيْ في الدُّنْيا عَلى لِسانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَرَأ حَمْزَةُ ( يَبْشُرُهم ) بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِّينِ والتَّخْفِيفِ عَلى أنَّهُ مِن بَشَرَ الثُّلاثِيِّ وأخْرَجَها أبُو الشَّيْخِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ وكَوْنِهِ سُبْحانَهُ هو المُبَشِّرُ ما لا يَخْفى مِنَ اللَّطافَةِ واللُّطْفِ ﴿بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾ واسِعَةٍ ( ﴿ورِضْوانٍ﴾ ) كَبِيرٍ ( ﴿وجَنّاتٍ﴾ ) عالِيَةِ قُطُوفُها دانِيَةٌ ﴿لَهم فِيها﴾ أيِ: الجَنّاتِ وقِيلَ: الرَّحْمَةِ ﴿نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ لا يَرْتَحِلُ ولا يُسافِرُ عَنْهم، وهو
صفحة 70
اسْتِعارَةٌ لِلدّائِمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences