Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:27–29
9:27Page 191
ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٧
Then Allāh will accept repentance after that for whom He wills; and Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ التَّعْذِيبِ ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ مِنهم لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ والمُرادُ يُوَفِّقُهُ لِلْإسْلامِ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ يَتَجاوَزُ عَمّا سَلَفَ مِنهم مَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي ( ﴿رَحِيمٌ﴾ ) يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ ويُثِيبُهم بِلا وُجُوبٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، رَوى البُخارِيُّ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ «أنَّ أُناسًا مِنهم جاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وبايَعُوهُ عَلى الإسْلامِ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْتَ خَيْرُ النّاسِ
صفحة 76
وأبَرُّ النّاسِ وقَدْ سُبِيَ أهْلُونا وأوْلادُنا وأُخِذَتْ أمْوالُنا، وقَدْ سُبِيَ يَوْمَئِذٍ سِتَّةُ آلافِ نَفْسٍ وأُخِذَ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ ما لا يُحْصى فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ عِنْدِي ما تَرَوْنَ إنَّ خَيْرَ القَوْلِ أصْدَقُهُ اخْتارُوا إمّا ذَرارِيَّكم ونِساءَكم وإمّا أمْوالَكم قالُوا: ما كُنّا نَعْدِلُ بِالأحْسابِ شَيْئًا، فَقامَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ جاءُونا مُسْلِمِينَ وإنّا خَيَّرْناهم بَيْنَ الذَّرارِيِّ والأمْوالِ فَلَمْ يَعْدِلُوا بِالأحْسابِ شَيْئًا، فَمَن كانَ بِيَدِهِ شَيْءٌ وطابَتْ بِهِ نَفْسُهُ أنْ يَرُدَّهُ فَشَأْنُهُ، ومَن لا فَلْيُعْطِنا ولْيَكُنْ قَرْضًا عَلَيْنا حَتّى نُصِيبَ شَيْئًا فَنُعْطِيَهُ مَكانَهُ قالُوا: قَدْ رَضِينا وسَلِمْنا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنّا لا نَدْرِي لَعَلَّ فِيكم مَن لا يَرْضى فَمُرُوا عُرَفاءَكم فَلْيَرْفَعُوا ذَلِكَ إلَيْنا فَرَفَعَتْ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ العَرْفاءُ أنَّهم قَدْ رَضُوا» .
9:28Page 191
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٨
O you who have believed, indeed the polytheists are unclean, so let them not approach al-Masjid al-Ḥarām after this, their [final] year. And if you fear privation, Allāh will enrich you from His bounty if He wills. Indeed, Allāh is Knowing and Wise.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ أخْبَرَ عَنْهم بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالِغَةِ كَأنَّهم عَيْنُ النَّجاسَةِ، أوِ المُرادُ ذَوُو نَجَسٍ لِخُبْثِ بَواطِنِهِمْ وفَسادِ عَقائِدِهِمْ أوْ لِأنَّ مَعَهُمُ الشِّرْكَ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ النَّجَسِ أوْ لِأنَّهم لا يَتَطَهَّرُونَ ولا يَغْتَسِلُونَ ولا يَجْتَنِبُونَ النَّجاساتِ فَهي مُلابَسَةٌ لَهم، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( ﴿نَجَسٌ﴾ ) صِفَةً مُشَبَّهَةً وإلَيْهِ ذَهَبَ الجَوْهَرِيُّ، ولا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن تَقْدِيرِ مَوْصُوفٍ مُفْرِدٍ لَفْظًا مَجْمُوعٍ مَعْنًى لِيَصِحَّ الإخْبارُ بِهِ عَنِ الجَمْعِ أيْ جِنْسُ نَجَسٍ ونَحْوُهُ، وتَخْرِيجُ الآيَةِ عَلى أحَدِ الأوْجُهِ لِلذُّكُورَةِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ حَيْثُ ذَهَبُوا إلى أنَّ أعْيانَ المُشْرِكِينَ طاهِرَةٌ ولا فَرْقَ بَيْنَ عَبَدَةِ الأصْنامِ وغَيْرِهِمْ مِن أصْنافِ الكُفّارِ في ذَلِكَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ أعْيانَهم نَجِسَةٌ كالكِلابِ والخَنازِيرِ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن صافَحَ مُشْرِكًا فَلْيَتَوَضَّأْ أوْ لِيَغْسِلْ كَفَّيْهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَناوَلَهُ يَدَهُ فَأبى أنْ يَتَناوَلَها فَقالَ: يا جِبْرِيلُ ما مَنَعَكَ أنْ تَأْخُذَ بِيَدِي؟ فَقالَ: إنَّكَ أخَذْتَ بِيَدِ يَهُودِيٍّ فَكَرِهْتُ أنْ تَمَسَّ يَدِي يَدًا قَدْ مَسَّتْها يَدُ كافِرٍ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِماءٍ فَتَوَضَّأ فَناوَلَهُ يَدَهُ فَتَناوَلَها» وإلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مالَ الإمامُ الرّازِيُّ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الآيَةِ ولا يَعْدِلُ عَنْهُ إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، قِيلَ: وعَلى ذَلِكَ فَلا يَحِلُّ الشُّرْبُ مِن أوانِيهِمْ ولا مُؤاكَلَتُهم ولا لُبْسُ ثِيابِهِمْ لَكِنْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والسَّلَفِ خِلافُهُ، واحْتِمالُ كَوْنِهِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ فَهو مَنسُوخٌ بَعِيدٌ، والِاحْتِياطُ لا يَخْفى، والِاسْتِدْلالُ عَلى طَهارَتِهِمْ بِأنَّ أعْيانَهم لَوْ كانَتْ نَجِسَةً ما أمْكَنَ بِالإيمانِ طَهارَتُها إذْ لا يُعْقَلُ كَوْنُ الإيمانِ مُطَهِّرًا، ألا تَرى أنَّ الخِنْزِيرَ لَوْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ لا يُطَهَّرُ، وإنَّما يُطَهَّرُ نَجَسُ العَيْنِ بِالِاسْتِحالَةِ عَلى قَوْلِ مَن يَرى ذَلِكَ، وعَيْنُ الكافِرِ لَمْ تَسْتَحِلَّ بِالإيمانِ عَيْنًا أُخْرى لَيْسَ بِشَيْءٍ، وإنْ ظَنَّهُ مَن تَهُولُهُ القَعْقَعَةُ شَيْئًا، لِأنَّ الطَّهارَةَ والنَّجاسَةَ أمْرانِ تابِعانِ لِما يُفْهَمُ مِن كَلامِ الشّارِعِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَيْسَتا مَرْبُوطَتَيْنِ بِالِاسْتِحالَةِ وعَدَمِها، فَإذا فُهِمَ مِنهُ نَجاسَةُ شَيْءٍ في وقْتٍ وطَهارَتُهُ في وقْتٍ آخَرَ أوْ ما بِالعَكْسِ كَما في الخَمْرِ اتُّبِعَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ اسْتِحالَةٌ وذَلِكَ ظاهِرٌ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ ( أنْجاسٌ ) عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ ( نِجْسٌ ) بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ الجِيمِ وهو تَخْفِيفُ نَجَسٍ كَكِبْدٍ في كَبَدٍ، ويُقَدَّرُ حِينَئِذٍ مَوْصُوفٌ كَما قَرَّرْناهُ آنِفًا فِيما قالَهُ الجَوْهَرِيُّ، وأكْثَرُ ما جاءَ هَذا اللَّفْظُ تابِعًا لِرِجْسٍ، وقَوْلُ الفَرّاءِ وتَبِعَهُ الحَرِيرِيُّ في دُرَّتِهِ إنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ بِغَيْرِ اتِّباعٍ تَرُدُّهُ هَذِهِ القِراءَةُ إذْ لا اتِّباعَ فِيها ﴿فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى نَجاسَتِهِمْ والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ الدُّخُولِ إلّا أنَّهُ نُهِيَ عَنِ القُرْبِ لِلْمُبالَغَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والنَّحّاسُ عَنْ
صفحة 77
عَطاءٍ أنَّهم نُهُوا عَنْ دُخُولِ الحَرَمِ كُلِّهِ فَيَكُونُ المَنعُ مِن قُرْبِ نَفْسِ المَسْجِدِ عَلى ظاهِرِهِ، وبِالظّاهِرِ أخَذَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إذْ صَرَفَ المَنعُ عَنْ دُخُولِ الحَرَمِ إلى المَنعِ مِنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ فَإنَّ تَقْيِيدَ النَّهْيِ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِوَقْتٍ مِن أوْقاتِ العامِ أيْ: لا يَحُجُّوا ولا يَعْتَمِرُوا بَعْدَ حَجِّ عامِهِمْ هَذا وهو عامُ تِسْعَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ حِينَ أُمِّرَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى المَوْسِمِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ نِداءُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ يَوْمَ نادى بِبَراءَةَ ألا لا يَحُجُّ بَعْدَ عامِنا هَذا مُشْرِكٌ وكَذا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أيْ فَقْرًا بِسَبَبِ مَنعِهِمْ لَمّا أنَّهم كانُوا يَأْتُونَ في المَوْسِمِ بِالمَتاجِرِ فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ إذا مُنِعُوا مِن دُخُولِ الحَرَمِ كَما لا يَخْفى.
والحاصِلُ أنَّ الإمامَ الأعْظَمَ يَقُولُ بِالمَنعِ عَنِ الحَجِّ والعُمْرَةِ ويَحْمِلُ النَّهْيَ عَلَيْهِ ولا يَمْنَعُونَ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ وسائِرِ المَساجِدِ عِنْدَهُ، ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، ومالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم كَما قالَ الخازِنُ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْكافِرِ ذِمِّيًّا كانَ أوْ مُسْتَأْمَنًا أنْ يَدْخُلَ المَسْجِدَ الحَرامَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، فَلَوْ جاءَ رَسُولٌ مِن دارِ الكُفْرِ والإمامُ فِيهِ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ في دُخُولِهِ بَلْ يَخْرُجُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ أوْ يَبْعَثُ إلَيْهِ مَن يَسْمَعُ رِسالَتَهُ خارِجَهُ، ويَجُوزُ دُخُولُهُ سائِرَ المَساجِدِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وعَنْ مالِكٍ: كُلُّ المَساجِدِ سَواءٌ في مَنعِ الكافِرِ عَنْ دُخُولِها، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ المَنعَ في الآيَةِ إنَّما هو عَنْ تَوَلِّي المَسْجِدَ الحَرامَ والقِيامَ بِمَصالِحِهِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، والظّاهِرُ النَّهْيُ عَلى ما عَلِمْتَ، وكَوْنُ العِلَّةِ فِيهِ نَجاسَتَهم إنْ لَمْ نَقُلْ بِأنَّها ذاتِيَّةٌ لا يَقْتَضِي جَوازَ الفِعْلِ مِمَّنِ اغْتَسَلَ ولَبِسَ ثِيابًا طاهِرَةً لِأنَّ خُصُوصَ العِلَّةِ لا يُخَصِّصُ الحُكْمَ كَما في الِاسْتِبْراءِ، والكَلامُ عَلى حَدٍّ- لا أُرِينَكَ هُنا - فَهو كِنايَةٌ عَنْ نَهْيِ المُؤْمِنِينَ عَنْ تَمْكِينِهِمْ مِمّا ذُكِرَ بِدَلِيلِ أنَّ ما قَبْلُ وما بَعْدُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ومَن حَمَلَهُ عَلى ظاهِرِهِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ حَيْثُ إنَّهم نُهُوا فِيهِ والنَّهْيُ مِنَ الأحْكامِ، وكَوْنُهم لا يَنْزَجِرُونَ بِهِ لا يَضُرُّ بَعْدَ مَعْرِفَةِ مَعْنى مُخاطَبَتِهِمْ بِها.
يُرْوى أنَّهُ لَمّا جاءَ النَّهْيُ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ وقالُوا: مَن يَأْتِينا بِطَعامِنا وبِالمَتاعِ فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: عَطائِهِ أوْ تَفْضِيلِهِ بِوَجْهٍ آخَرَ ( فَمَن ) عَلى الأوَّلِ ابْتِدائِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ وعَلى الثّانِي سَبَبِيَّةٌ، وقَدْ أنْجَزَ اللَّهُ تَعالى وعْدَهُ بِأنْ أرْسَلَ السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا ووَفَّقَ أهْلَ نَجْدٍ وتُبالَةَ وجُرَشَ فَأسْلَمُوا وحَمَلُوا إلَيْهِمُ الطَّعامَ وما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في مَعاشِهِمْ، ثُمَّ فَتَحَ عَلَيْهِمُ البِلادَ والغَنائِمَ وتَوَجَّهَ إلَيْهِمُ النّاسُ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ فَسَّرَ الفَضْلَ بِالجِزْيَةِ، ويُؤَيَّدُ بِأنَّ الأمْرَ الآتِيَ شاهِدٌ لَهُ وما ذَكَرْناهُ أوْلى وأمْرُ الشَّهادَةِ هَيِّنٌ وقُرِئَ ( عائِلَةً ) عَلى أنَّهُ إمّا مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ أوِ اسْمُ فاعِلٍ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مُؤَنَّثٍ مُقَدَّرٍ أيْ حالًا عائِلَةً أيْ مُفْتَقِرَةً، وتَقْيِيدُ الإغْناءِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنْ شاءَ﴾ لَيْسَ لِلتَّرَدُّدِ لِيُشْكِلَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ المَقامَ وسَبَبَ النُّزُولِ، بَلْ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ بِإرادَتِهِ لا سَبَبَ لَهُ غَيْرُها حَتّى يَنْقَطِعُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ ويَقْطَعُوا النَّظَرَ عَنْ غَيْرِهِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَفَضِّلٌ بِذَلِكَ الإغْناءِ لا واجِبَ عَلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ لِأنَّهُ لَوْ كانَ بِالإيجابِ لَمْ يُوكَلْ إلى المَشِيئَةِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْيِيدُ لَأنَّ الإغْناءَ لَيْسَ مُطَّرِدًا بِحَسَبِ الأفْرادِ والأحْوالِ والأوْقاتِ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِكم ومَصالِحِكم ( ﴿حَكِيمٌ﴾ ) فِيما يُعْطِي ويَمْنَعُ.
9:29Page 191
قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٢٩
Fight against those who do not believe in Allāh or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allāh and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth [i.e., Islām] from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah1 willingly while they are humbled.
﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾
صفحة 78
أمْرٌ بِقِتالِ أهْلِ الكِتابَيْنِ إثْرَ أمْرِهِمْ بِقِتالِ المُشْرِكِينَ ومَنعِهِمْ مِن أنْ يَحُومُوا حَوْلَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وفي تَضاعِيفِهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى بَعْضِ طُرُقِ الإغْناءِ المَوْعُودِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصَّلاةِ لِلْأمْرِ بِالقِتالِ وبِانْتِظامِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ في سَلَكِ المُشْرِكِينَ وإيمانِهِمُ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ، لَيْسَ عَلى ما يَنْبَغِي فَهو كَلا إيمانٍ ﴿ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أيْ: ما ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِالوَحْيِ مَتْلُوًّا وغَيْرَ مَتْلُوٍّ، فالمُرادُ بِالرَّسُولِ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ رَسُولُهُمُ الَّذِي يَزْعُمُونَ اتِّباعَهُ فَإنَّهم بَدَّلُوا شَرِيعَتَهُ وأحَلُّوا وحَرَّمُوا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمُ اتِّباعًا لِأهْوائِهِمْ، فَيَكُونُ المُرادُ لا يَتَّبِعُونَ شَرِيعَتَنا ولا شَرِيعَتَهم، ومَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ سَبَبٌ لِقِتالِهِمْ وإنْ كانَ التَّحْرِيفُ بَعْدَ النَّسْخِ لَيْسَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً ﴿ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾ أيِ: الدَّيْنَ الثّابِتَ فالإضافَةُ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، والمُرادُ بِهِ دِينُ الإسْلامِ الَّذِي لا يُنْسَخُ بِدِينٍ كَما نُسِخَ كُلُّ دِينٍ بِهِ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِالحَقِّ هو اللَّهُ تَعالى وبِدِينِهِ الإسْلامُ، وقِيلَ: ما يَعُمُّهُ وغَيْرَهُ أيْ لا يَدِينُونَ بِدِينٍ مِنَ الأدْيانِ الَّتِي أنْزَلَها سُبْحانَهُ عَلى أنْبِيائِهِ وشَرْعِها لِعِبادِهِ والإضافَةُ عَلى هَذا عَلى ظاهِرِها ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ: جِنْسَهُ الشّامِلَ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ و( مِن ) بَيانِيَّةٌ لا تَبْعِيضِيَّةٌ حَتّى يَكُونَ بَعْضُهم عَلى خِلافِ ما نَعَتَ ﴿حَتّى يُعْطُوا﴾ أيْ يَقْبَلُوا أنْ يُعْطُوا ( ﴿الجِزْيَةَ﴾ ) أيْ: ما تَقَرَّرَ عَلَيْهِمْ أنْ يُعْطُوهُ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِن جَزى دَيْنَهُ أيْ قَضاهُ أوْ مِن جَزَيْتُهُ بِما فَعَلَ أيْ جازَيْتُهُ لِأنَّهم يُجْزُونَ بِها مَن مُنَّ عَلَيْهِمْ بِالعَفْوِ عَنِ القَتْلِ، وفي ”الهِدايَةِ“ أنَّها جَزاءُ الكُفْرِ فَهي مِنَ المُجازاةِ، وقِيلَ: أصْلُها الهَمْزُ مِنَ الجَزْءِ والتَّجْزِئَةِ لِأنَّها طائِفَةٌ مِنَ المالِ يُعْطى، وقالَ الخُوارِزْمِيُّ: إنَّها مُعَرَّبٌ- كَزَيْتٍ، وهو الخَراجُ بِالفارِسِيَّةِ وجَمْعُها جِزًى كَلِحْيَةٍ ولِحًى ﴿عَنْ يَدٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ( يُعْطُوا ) وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الجِزْيَةِ؛ واليَدُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اليَدَ المُعْطِيَةَ وأنْ تَكُونَ اليَدَ الآخِذَةَ و( عَنْ ) تَحْتَمِلُ السَّبَبِيَّةَ وغَيْرَها أيْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ مُؤاتِيَةٍ أيْ مُنْقادِينَ أوْ مَقْرُونَةٍ بِالِانْقِيادِ أوْ عَنْ يَدِهِمْ أيْ مُسَلِّمِينَ أوْ مُسَلِّمَةً بِأيْدِيهِمْ لا بِأيْدِي غَيْرِهِمْ مِن وكِيلٍ أوْ رَسُولٍ لِأنَّ القَصْدَ فِيها التَّحْقِيرُ وهَذا يُنافِيهِ ولِذا مُنِعَ مِنَ التَّوْكِيلِ شَرْعًا أوْ عَنْ غِنًى أيْ أغْنِياءَ أوْ صادِرَةٍ عَنْهُ ولِذَلِكَ لا تُؤْخَذُ مِنَ الفَقِيرِ العاجِزِ أوْ عَنْ قَهْرٍ وقُوَّةٍ أيْ أذِلّاءَ عاجِزِينَ، أوْ مَقْرُونَةً بِالذُّلِّ أوْ عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ فَإنَّ إبْقاءَ مُهَجِهِمْ بِما بَذَلُوا مِنَ الجِزْيَةِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ أيْ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ أوْ كائِنَةً عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ أوْ نَقْدًا أيْ مُسَلَّمَةً عَنْ يَدٍ إلى يَدٍ أوْ مُسَلِّمِينَ نَقْدًا، واسْتِعْمالُ اليَدِ بِمَعْنى الِانْقِيادِ إمّا حَقِيقَةً أوْ كِنايَةً، ومِنهُ قَوْلُ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: هَذِي يَدِي لِعَمّارٍ أيْ أنا مُنْقادٌ مُطِيعٌ لَهُ، واسْتِعْمالُها بِمَعْنى الغِنى لِأنَّها تَكُونُ مَجازًا عَنِ القُدْرَةِ المُسْتَلْزِمَةِ لَهُ، واسْتِعْمالُها بِمَعْنى الإنْعامِ وكَذا النِّعْمَةُ شائِعٌ ذائِعٌ، وأمّا مَعْنى النَّقْدِيَّةِ فَلِشُهْرَةِ يَدًا بِيَدٍ في ذَلِكَ، ومِنهُ حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في الرِّبا، وما في الآيَةِ يُؤَوَّلُ إلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ اليَدُ الطُّولى في المَعانِي والبَيانِ.
وتَفْسِيرُ اليَدِ هُنا بِالقَهْرِ والقُوَّةِ أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ، وأخْرَجَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَمَلَها عَلى ما يَتَبادَرُ مِنها طَرْزُ ما ذَكَرْناهُ في الوَجْهِ الثّانِي، وسائِرُ الأوْجَهِ ذَكَرَها غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وغايَةُ القِتالِ لَيْسَ نَفْسَ هَذا الإعْطاءِ بَلْ قَبُولَهُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وبِذَلِكَ صَرَّحَ جَمْعٌ مِنَ الفُقَهاءِ حَيْثُ قالُوا: إنَّهم يُقاتِلُونَ إلى أنْ يَقْبَلُوا الجِزْيَةَ، وإنَّما عَبَّرُوا بِالإعْطاءِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ القَبُولِ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ أيْ: أذِلّاءُ
صفحة 79
وذَلِكَ بِأنْ يُعْطُوها قائِمِينَ والقابِضُ مِنهم قاعِدٌ قالَهُ عِكْرِمَةُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تُؤْخَذُ الجِزْيَةُ مِنَ الذِّمِّيِّ ويُوجَأُ عُنُقُهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ يُؤْخَذُ بِتَلْبِيبِهِ ويُهَزُّ هَزًّا ويُقالُ: أعْطِ الجِزْيَةَ يا ذِمِّيُّ، وقِيلَ: هو أنْ يُؤْخَذَ بِلِحْيَتِهِ وتُضْرَبَ لَهْزَمَتُهُ، ويُقالَ: أدِّ حَقَّ اللَّهِ تَعالى يا عَدُوَّ اللَّهِ، ونُقِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ الصَّغارَ هو جَرَيانُ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وكُلُّ الأقْوالِ لَمْ نَرَ اليَوْمَ لَها أثَرًا لِأنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ فِيهِ قَدِ امْتازُوا عَلى المُسْلِمِينَ والأمْرُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِكَثِيرٍ حَتّى أنَّهُ قُبِلَ مِنهم إرْسالُ الجِزْيَةِ عَلى يَدِ نائِبٍ مِنهم، وأصَحُّ الرِّواياتِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنهم بَلْ يُكَلَّفُونَ أنْ يَأْتُوا بِها بِأنْفُسِهِمْ مُشاةً غَيْرَ راكِبِينَ وكُلُّ ذَلِكَ مِن ضَعْفِ الإسْلامِ عامَلَ اللَّهُ تَعالى مَن كانَ سَبَبًا لَهُ بِعَدْلِهِ، وهي تُؤْخَذُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ مِن أهْلِ الكِتابِ مُطْلَقًا ومِن مُشْرِكِي العَجَمِ والمَجُوسِ لا مِن مُشْرِكِي العَرَبِ؛ لِأنَّ كُفْرَهم قَدْ تَغَلَّظَ لِما أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ نَشَأ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ وأُرْسِلَ إلَيْهِمْ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أنْفُسِهِمْ ونَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ، وذَلِكَ مِن أقْوى البَواعِثِ عَلى إيمانِهِمْ، فَلا يُقْبَلُ مِنهم إلّا السَّيْفُ أوِ الإسْلامُ زِيادَةً في العُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ مَعَ اتِّباعِ الوارِدِ في ذَلِكَ، فَلا يُرَدُّ أنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ تَغَلَّظَ كُفْرُهم أيْضًا لِأنَّهم عَرَفُوا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَعْرِفَةً تامَّةً ومَعَ ذَلِكَ أنْكَرُوهُ وغَيَّرُوا اسْمَهُ ونَعْتَهُ مِنَ الكِتابِ، وعِنْدَ أبِي يُوسُفَ لا تُؤْخَذُ مِنَ العَرَبِيِّ كِتابِيًّا كانَ أوْ مُشْرِكًا وتُؤْخَذُ مِنَ العَجَمِيِّ كِتابِيًّا كانَ أوْ مُشْرِكًا، وأخْذُها مِنَ المَجُوسِ إنَّما ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ، فَقَدْ صَحَّ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَأْخُذْها مِنهم حَتّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أخَذَها مِن مَجُوسِ هَجَرَ»، وقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّها تُؤْخَذُ مِن أهْلِ الكِتابِ عَرَبِيًّا كانَ أوْ عَجَمِيًّا ولا تُؤْخَذُ مِن أهْلِ الأوْثانِ مُطْلَقًا لِثُبُوتِها في أهْلِ الكِتابِ بِالكِتابِ وفي المَجُوسِ بِالخَبَرِ، فَبَقِيَ مَن وراءَهم عَلى الأصْلِ.
ولَنا أنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقاقُهم وكُلُّ مَن يَجُوزُ اسْتِرْقاقُهُ يَجُوزُ ضَرْبُ الجِزْيَةِ عَلَيْهِ إذا كانَ مِن أهْلِ النُّصْرَةِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَشْتَمِلُ عَلى سَلْبِ النَّفْسِ، أمّا الِاسْتِرْقاقُ فَظاهِرٌ لِأنَّ نَفْعَ الرَّقِيقِ يَعُودُ إلَيْنا جُمْلَةً، وأمّا الجِزْيَةُ فَلِأنَّ الكافِرَ يُؤَدِّيها مِن كَسْبِهِ، والحالُ أنَّ نَفَقَتَهُ في كَسْبِهِ فَكانَ أداءُ كَسْبِهِ الَّذِي هو سَبَبُ حَياتِهِ إلى المُسْلِمِينَ راتِبَةً في مَعْنى أخْذِ النَّفْسِ مِنهُ حُكْمًا، وذَهَبَ مالِكٌ، والأوْزاعِيُّ إلى أنَّها تُؤْخَذُ مِن جَمِيعِ الكُفّارِ ولا تُؤْخَذُ عِنْدَنا مِنِ امْرَأةٍ ولا صَبِيٍّ ولا زَمِنٍ ولا أعْمى، وكَذَلِكَ المَفْلُوجُ والشَّيْخُ، وعَنْ أبِي يُوسُفَ أنَّها تُؤْخَذُ مِنهُ إذا كانَ لَهُ مالٌ ولا مِن فَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِلٍ خِلافًا لِلشّافِعِيِّ، ولا مِن مَمْلُوكٍ ومَكاتَبٍ ومُدَبَّرٍ، ولا تُؤْخَذُ مِنَ الرّاهِبِينَ الَّذِينَ لا يُخالِطُونَ النّاسَ كَما ذَكَرَهُ بَعْضُ أصْحابِنا، وذَكَرَ مُحَمَّدٌ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّها تُؤْخَذُ مِنهم إذا كانُوا يَقْدِرُونَ عَلى العَمَلِ وهو قَوْلُ أبِي يُوسُفَ.
ثُمَّ إنَّها عَلى ضَرْبَيْنِ؛ جِزْيَةٌ تُوضَعُ بِالتَّراضِي والصُّلْحِ فَتُقَدَّرُ بِحَسَبِ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِاتِّفاقُ كَما صالَحَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَنِي نَجْرانَ عَلى ألْفٍ ومِائَتَيْ حُلَّةٍ ولِأنَّ المُوجِبَ التَّراضِي فَلا يَجُوزُ التَّعَدِّي إلى غَيْرِ ما وقَعَ عَلَيْهِ.
وجِزْيَةٌ يَبْتَدِئُ الإمامُ بِوَضْعِها إذا غَلَبَ عَلى الكُفّارِ وأقَرَّهم عَلى أمْلاكِهِمْ فَيَضَعُ عَلى الغِنِيِّ الظّاهِرِ الغِنى في كُلِّ سَنَةٍ ثَمانِيَةً وأرْبَعِينَ دِرْهَمًا يُؤْخَذُ في كُلِّ شَهْرٍ مِنهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ، وعَلى الوَسَطِ الحالِ أرْبَعَةً وعِشْرِينَ في كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمَيْنِ وعَلى الفَقِيرِ المُعْتَمِلِ وهو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى العَمَلِ وإنْ لَمْ يُحْسِنْ حِرْفَةً اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا في كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمًا، والظّاهِرُ أنَّ مَرْجِعَ الغِنى وغَيْرِهِ إلى عُرْفِ البَلَدِ.
وبِذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ الفَقِيهُ أبُو جَعْفَرٍ، وإلى ما ذَهَبْنا إلَيْهِ مِنِ اخْتِلافِها غِنًى وفَقْرًا وتَوَسُّطًا ذَهَبَ عُمَرُ، وعَلِيٌّ، وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، ونُقِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ الإمامَ يَضَعُ عَلى كُلِّ حالِمٍ دِينارًا أوْ ما يَعْدِلُهُ والغَنِيُّ والفَقِيرُ في ذَلِكَ سَواءٌ، لِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا بَعَثَ مُعاذًا إلى
صفحة 80
اليَمَنِ قالَ لَهُ: خُذْ مِن كُلِّ حالِمٍ دِينارًا أوْ عِدْلَهُ مَعافِرَ ولَمْ يُفَصِّلْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ كانَ صُلْحًا، ويُؤَيِّدُهُ ما في بَعْضِ الرِّواياتِ مِن كُلِّ حالِمٍ وحالِمَةٍ لِأنَّ الجِزْيَةَ لا تَجِبْ عَلى النِّساءِ، والأصَحُّ عِنْدَنا أنَّ الوُجُوبَ أوَّلَ الحَوْلِ لِأنَّ ما وجَبَ بَدَلًا عَنْهُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا في المُسْتَقْبَلِ فَتَعَذَّرَ إيجابُهُ بَعْدَ مُضِيِّ الحَوْلِ فَأوْجَبْناها في أوَّلِهِ، وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّها تَجِبُ في آخِرِهِ اعْتِبارًا بِالزَّكاةِ.
وتَعَقَّبَهُ الزَّيْلَعِيُّ بِأنَّهُ لا يَلْزَمُنا الزَّكاةُ لِأنَّها وجَبَتْ في آخِرِ الحَوْلِ لِيَتَحَقَّقَ النَّماءُ فَهي لا تَجِبُ إلّا في المالِ النّامِي ولا كَذَلِكَ الجِزْيَةُ فالقِياسُ غَيْرُ صَحِيحٍ، واقْتَضى كَما قالَ الجَصّاصُ في أحْكامِ القُرْآنِ وُجُوبَ قَتْلِ مَن ذُكِرَ في الآيَةِ إلى أنْ تُؤْخَذَ مِنهُمُ الجِزْيَةُ عَلى وجْهِ الصَّغارِ والذِّلَّةِ أنَّهُ لا يَكُونُ لَهم ذِمَّةٌ إذا تَسَلَّطُوا عَلى المُسْلِمِينَ بِالوِلايَةِ ونَفاذِ الأمْرِ والنَّهْيِ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنَّما جَعَلَ لَهُمُ الذِّمَّةَ بِإعْطاءِ الجِزْيَةِ وكَوْنِهِمْ صاغِرِينَ فَواجِبُ عَلى هَذا قَتْلُ مَن تَسَلَّطَ عَلى المُسْلِمِينَ بِالغَضَبِ وأخْذِ الضَّرائِبِ بِالظُّلْمِ وإنْ كانَ السُّلْطانُ ولّاهُ ذَلِكَ، وإنْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ وأمْرِهِ فَهو أوْلى وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ اليَهُودَ والنَّصارى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ أعْمالَ السُّلْطانِ وأُمَرائِهِ ويَظْهَرُ مِنهُمُ الظُّلْمُ والِاسْتِعْلاءُ وأخْذُ الضَّرائِبِ لا ذِمَّةَ لَهم وأنَّ دِماءَهم مُباحَةٌ، ولَوْ قَصَدَ المُسْلِمُ مُسْلِمًا لِأخْذِ مالِهِ أُبِيحَ قَتْلُهُ في بَعْضِ الوُجُوهِ فَما بالُكَ بِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ أعْداءِ الدِّينِ.
وقَدْ أفْتى فُقَهاؤُنا بِحُرْمَةِ تَوَلَّيْتِهِمُ الأعْمالَ لِثُبُوتِ ذَلِكَ بِالنَّصِّ، وقَدِ ابْتُلِيَ الحُكّامُ بِذَلِكَ حَتّى احْتاجَ النّاسُ إلى مُراجَعَتِهِمْ بَلْ تَقْبِيلِ أيْدِيهِمْ كَما شاهَدْناهُ مِرارًا، وما كَلُّ ما يُعْلَمُ يُقالُ فَإنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، هَذا وقَدِ اسْتَشْكَلَ أخْذُ الجِزْيَةِ مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ بِأنَّ كُفْرَهم مِن أعْظَمِ الكُفْرِ، فَكَيْفَ يُقِرُّونَ عَلَيْهِ بِأخْذِ دَراهِمَ مَعْدُوداتٍ.
وأجابَ القُطْبُ بِأنَّ المَقْصُودَ مِن أخْذِ الجِزْيَةِ لَيْسَ تَقْرِيرَهم عَلى الكُفْرِ بَلْ إمْهالَ الكافِرِ مُدَّةً رُبَّما يَقِفُ فِيها عَلى مَحاسِنِ الإسْلامِ وقُوَّةِ دَلائِلِهِ فَيُسْلِمُ، وقالَ الأتْقانِيُّ: إنَّ الجِزْيَةَ لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ تَقْرِيرِ الكُفْرِ وإنَّما هي عِوَضٌ عَنِ القَتْلِ والِاسْتِرْقاقِ الواجِبَيْنِ فَجازَتْ كَإسْقاطِ القِصاصِ بِعِوَضٍ، أوْ هي عُقُوبَةٌ عَلى الكُفْرِ كالِاسْتِرْقاقِ، والشِّقُّ الأوَّلِ أظْهَرُ حَيْثُ يُوهِمُ الثّانِي جَوازَ وضْعِ الجِزْيَةِ عَلى النِّساءِ ونَحْوِهِنَّ، وقَدْ يُجابُ بِأنَّها بَدَلٌ عَنِ النُّصْرَةِ لِلْمُقاتِلَةِ مِنّا، ولِهَذا تَفاوَتَتْ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَ مِن أهْلِ دارِ الإسْلامِ يَجِبُ عَلَيْهِ النُّصْرَةُ لِلدّارِ بِالنَّفْسِ والمالِ، وحَيْثُ إنَّ الكافِرَ لا يَصْلُحُ لَها لِمَيْلِهِ إلى دارِ الحَرْبِ اعْتِقادًا أُقِيمَتِ الجِزْيَةُ المَأْخُوذَةُ المَصْرُوفَةُ إلى الغُزاةِ مَقامَها، ولا يَرِدُ أنَّ النُّصْرَةَ طاعَةٌ وهَذِهِ عُقُوبَةٌ فَكَيْفَ تَكُونُ العُقُوبَةُ خَلَفًا عَنِ الطّاعَةِ لِما في النِّهايَةِ مِن أنَّ الخَلِيفَةَ عَنِ النُّصْرَةِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ لِما في ذَلِكَ مِن زِيادَةِ القُوَّةِ لَهُمْ، وهم يُثابُونَ عَلى تِلْكَ الزِّيادَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ أمْوالِهِمْ، وهَذا بِمَنزِلَةِ ما لَوْ أعارُوا دَوابَّهم لِلْغُزاةِ، ومِن هُنا تَعْلَمُ أنَّ مَن قالَ: إنَّها بَدَلٌ عَنِ الإقْرارِ عَلى الكُفْرِ فَقَدْ تَوَهَّمَ وهْمًا عَظِيمًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences