Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:34–35
9:34Page 192
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤
O you who have believed, indeed many of the scholars and the monks devour the wealth of people unjustly1 and avert [them] from the way of Allāh. And those who hoard gold and silver and spend it not in the way of Allāh - give them tidings of a painful punishment.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ الأحْبارِ والرُّهْبانِ في إغْوائِهِمْ لِأراذِلِهِمْ إثْرَ بَيانِ سُوءِ حالِ الأتْباعِ في اتِّخاذِهِمْ لَهم أرْبابًا، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حَتّى لا يَحُومُوا حَوْلَ ذَلِكَ الحِمى ولِذا وجَّهَ الخِطابَ إلَيْهِمْ ﴿إنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ يَأْخُذُونَها بِالِارْتِشاءِ لِتَغْيِيرِ الأحْكامِ والشَّرائِعِ والتَّخْفِيفِ والمُسامَحَةِ فِيها، والتَّعْبِيرُ عَنِ الأخْذِ بِالأكْلِ مَجازٌ مُرْسَلٌ والعَلاقَةُ العِلِّيَّةُ والمُعْلَوْلِيَةُ أوِ اللّازِمِيَّةُ والمَلْزُومِيَّةُ فَإنَّ الأكْلَ مَلْزُومٌ لِلْأخْذِ كَما قِيلَ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الأمْوالِ الأطْعِمَةَ الَّتِي تُؤْكَلُ بِها مَجازًا مُرْسَلًا ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:
يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكافًا
فَإنَّهُ يُرِيدُ عَلَفًا يُشْتَرى بِثَمَنِ إكافٍ، واخْتارَ هَذا العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ وهو أحَدُ وجْهَيْنِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ، وثانِيهِما أنْ يُسْتَعارَ الأكْلُ لِلْأخْذِ وذَلِكَ عَلى ما قَرَّرَهُ العَلّامَةُ أنْ يُشَبِّهَ حالَةَ أخْذِهِمْ أمْوالَ النّاسِ مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وتَفْرِقَةٍ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ لِلتَّهالُكِ عَلى جَمْعِ حُطامِها بِحالَةِ مُنْهَمِكٍ جائِعٍ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ طَعامٍ وطَعامٍ في التَّناوُلِ، ثُمَّ ادَّعى أنَّهُ لا طائِلَ تَحْتَ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ وأنَّ اسْتِشْهادَهُ بِأخْذِ الطَّعامِ وتَناوُلِهِ سَمِجٌ، وأُجِيبُ بِأنَّ الِاسْتِشْهادَ بِهِ عَلى أنَّ بَيْنَ الأخْذِ والتَّناوُلِ شَبَهًا وإلّا فَذاكَ عَكْسُ المَقْصُودِ، وفائِدَةُ الِاسْتِعارَةِ المُبالَغَةُ في أنَّهُ أُخِذَ بِالباطِلِ لِأنَّ الأكْلَ غايَةُ الِاسْتِيلاءِ عَلى الشَّيْءِ ويَصِيرُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿بِالباطِلِ﴾ ) عَلى هَذا زِيادَةَ مُبالَغَةٍ ولا كَذَلِكَ لَوْ قِيلَ يَأْخُذُونَ ( ﴿ويَصُدُّونَ﴾ ) النّاسَ
صفحة 87
﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: دِينِ الإسْلامِ أوْ عَنِ المَسْلَكِ المُقَرَّرِ في كُتُبِهِمْ إلى ما افْتَرَوْهُ وحَرَّفُوهُ بِأخْذِ الرِّشا.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( يَصُدُّونَ ) مِنَ الصُّدُودِ عَلى مَعْنى أنَّهم يُعْرِضُونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَيُحَرِّفُونَ ويَفْتَرُونَ بِأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ أيْ يَجْمَعُونَهُما ومِنهُ: ناقَةٌ كِنازُ اللَّحْمِ أيْ مُجْتَمِعَتُهُ، ولا يُشْتَرَطُ في الكَنْزِ الدَّفْنُ بَلْ يَكْفِي مُطْلَقُ الجَمْعِ والحِفْظِ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ إمّا الكَثِيرُ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لِأنَّ الكَلامَ في ذَمِّهِمْ ويَكُونُ ذَلِكَ مُبالَغَةً فِيهِ حَيْثُ وُصِفُوا بِالحِرْصِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِما سَبَقَ مِن أخْذِ البَرَطِيلِ في الأباطِيلِ وإمّا المُسْلِمُونَ لِجَرْيِ ذِكْرِهِمْ أيْضًا وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ يُشْعِرُ بِأنَّهم مِمَّنْ يُنْفِقُ في سَبِيلِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ مِنَ النَّفْيِ عُرْفًا فَيَكُونُ نَظْمُهم في قَرْنِ المُرْتَشِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ تَغْلِيظًا ودَلالَةً عَلى كَوْنِهِمْ أُسْوَةً لَهم في اسْتِحْقاقِ البِشارَةِ بِالعَذابِ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ حَمْلَهُ عَلى العُمُومِ ويَدْخُلُ فِيهِ الأحْبارُ والرُّهْبانُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفَسَّرَ غَيْرُ واحِدٍ الإنْفاقَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالزَّكاةِ لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كَبُرَ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أنا أُفَرِّجُ عَنْكم فانْطَلَقَ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّهُ كَبُرَ عَلى أصْحابِكَ هَذِهِ الآيَةُ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَفْرِضِ الزَّكاةَ إلّا لِيُطَيِّبَ ما بَقِيَ مِن أمْوالِكم» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ”قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أُدِّيَ زَكاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ»“ أيْ بِكَنْزٍ أُوعَدُ عَلَيْهِ فَإنَّ الوَعِيدَ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الإنْفاقِ فِيما أمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُنْفَقَ فِيهِ، ولا يُعارِضَ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن تَرَكَ صَفْراءَ أوْ بَيْضاءَ كُوِيَ بِها» لِأنَّ المُرادَ بِذَلِكَ ما لَمْ يُؤَدِّ حَقَّهُ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «ما مِن صاحِبِ ذَهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي مِنها حَقَّها إلّا إذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفائِحُ مِن نارٍ فَيُكْوى بِها جَنْبُهُ وجَبِينُهُ» وقِيلَ: إنَّهُ كانَ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الزَّكاةُ وعَلَيْهِ حُمِلَ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الصُّفَّةِ فَوُجِدَ في مِئْزَرِهِ دِينارٌ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ كَيَّةٌ، ثُمَّ تُوُفِّيَ آخَرُ فَوُجِدَ في مِئْزَرِهِ دِينارانِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَيَّتانِ»، وقِيلَ: بَلْ هَذا لِأنَّ الرَّجُلَيْنِ أظْهَرا الفَقْرَ ومَزِيدَ الحاجَةِ بِانْتِظامِهِما في سَلَكِ أهْلِ الصُّفَّةِ الَّذِينَ هم بِتِلْكَ الصِّفَةِ مَعَ أنَّ عِنْدَهُما ما عِنْدَهُما فَكانَ جَزاؤُهُما الكَيَّةَ والكَيَّتَيْنِ لِذَلِكَ، وأخَذَ بِظاهِرِ الآيَةِ فَأوْجَبَ إنْفاقَ جَمِيعِ المالِ الفاضِلِ عَنِ الحاجَةِ أبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وجَرى بَيْنَهُ لِذَلِكَ وبَيْنَ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الشّامِ ما شَكاهُ لَهُ إلى عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في المَدِينَةِ فاسْتَدْعاهُ إلَيْها فَرَآهُ مُصِرًّا عَلى ذَلِكَ حَتّى إنَّ كَعْبَ الأحْبارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لَهُ: يا أبا ذَرٍّ إنَّ المِلَّةَ الحَنِيفِيَّةَ أسْهَلُ المِلَلِ وأعْدَلُها، وحَيْثُ لَمْ يَجِبْ إنْفاقُ كُلِّ المالِ في المِلَّةِ اليَهُودِيَّةِ وهي أضْيَقُ المِلَلِ وأشَدُّها كَيْفَ يَجِبُ فِيها، فَغَضِبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكانَتْ فِيهِ حِدَّةٌ وهي الَّتِي دَعَتْهُ إلى تَعْيِيرِ بِلالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأُمِّهِ وشِكايَتِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَوْلُهُ فِيهِ: «إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِلِيَّةٌ» فَرَفَعَ عَصاهُ لِيَضْرِبَهُ وقالَ لَهُ: يا يَهُودِيُّ ما ذاكَ مِن هَذِهِ المَسائِلِ، فَهَرَبَ كَعْبٌ فَتَبِعَهُ حَتّى اسْتَعاذَ بِظَهْرِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلَمْ يَرْجِعْ حَتّى ضَرَبَهُ، وفي رِوايَةٍ أنَّ الضَّرْبَةَ وقَعَتْ عَلى عُثْمانَ، وكَثُرَ المُعْتَرِضُونَ عَلى أبِي ذَرٍّ في دَعْواهُ تِلْكَ، وكانَ النّاسُ يَقْرَءُونَ لَهُ آيَةَ المَوارِيثِ ويَقُولُونَ: لَوْ وجَبَ إنْفاقُ كُلِّ المالِ لَمْ يَكُنْ لِلْآيَةِ وجْهٌ، وكانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مُزْدَحِمِينَ حَيْثُ حَلَّ مُسْتَغْرِبِينَ مِنهُ ذَلِكَ فاخْتارَ العُزْلَةَ فاسْتَشارَ عُثْمانَ فِيها فَأشارَ إلَيْهِ بِالذَّهابِ إلى الرَّبَذَةِ فَسَكَنَ فِيها حَسْبَما
صفحة 88
تُرِيدُ، وهَذا ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في هَذِهِ القِصَّةِ، ورَواها الشِّيعَةُ عَلى وجْهٍ جَعَلُوهُ مِن مُطاعِنِ ذِي النُّورَيْنِ وغَرَضُهم بِذَلِكَ إطْفاءُ نُورِهِ ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ خَبَرُ المَوْصُولِ، والفاءُ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ( فَبَشِّرْهم ) والتَّعْبِيرُ بِالبِشارَةِ لِلتَّهَكُّمِ.
9:35Page 192
يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ ٣٥
The Day when it1 will be heated in the fire of Hell and seared therewith will be their foreheads, their flanks, and their backs, [it will be said], "This is what you hoarded for yourselves, so taste what you used to hoard."
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ﴾ مَنصُوبٌ بِعَذابٍ ألِيمٍ أوْ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ أيْ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ أوْ بِـ ”اذْكُرْ“، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ عَذابُ يَوْمٍ والمُقَدَّرُ بَدَلٌ مِنَ المَذْكُورِ فَلَمّا حُذِفَ المُضافُ أُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ ﴿يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: تُوقَدُ النّارُ ذاتَ حِمًى وحَرٍّ شَدِيدٍ عَلَيْها، وأصْلُهُ تُحْمى بِالنّارِ مِن قَوْلِكَ حَمَيْتُ المِيسَمَ وأحْمَيْتُهُ فَجَعَلَ الإحْماءَ لِلنّارِ مُبالَغَةً لِأنَّ النّارَ في نَفْسِها ذاتُ حِمًى فَإذا وُصِفَتْ بِأنَّها تُحْمى دَلَّ عَلى شِدَّةِ تَوَقُّدِها ثُمَّ حُذِفَتِ النّارُ وحُوِّلَ الإسْنادُ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ تَنْبِيهًا عَلى المَقْصُودِ بِأتَمِّ وجْهٍ فانْتَقَلَ مِن صِيغَةِ التَّأْنِيثِ إلى التَّذْكِيرِ كَما تَقُولُ: رَفَعْتُ القِصَّةَ إلى الأمِيرِ فَإذا طُرِحَتِ القِصَّةُ وأُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ قُلْتَ رُفِعَ إلى الأمِيرِ، وعَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ ( تُحْمِي ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ بِإسْنادِهِ إلى النّارِ كَأصْلِهِ وإنَّما قِيلَ ( عَلَيْها ) والمَذْكُورُ شَيْئانِ لِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِهِما مِقْدارًا مُعَيَّنًا مِنهُما ولا الجِنْسُ الصّادِقُ بِالقَلِيلِ والكَثِيرِ بَلِ المُرادُ الكَثِيرُ مِنَ الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ لِأنَّهُ الَّذِي يَكُونُ كَنْزًا فَأتى بِضَمِيرِ الجَمْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الكَثْرَةِ ولَوْ أتى بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ احْتَمَلَ خِلافَهُ، وكَذا يُقالُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يُنْفِقُونَها﴾ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِكُنُوزِ الأمْوالِ المَفْهُومَةِ مِنَ الكَلامِ فَيَكُونُ الحُكْمُ عامًّا ولِذا عَدَلَ فِيهِ عَنِ الظّاهِرِ، وتَخْصِيصُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما الأصْلُ الغالِبُ في الأمْوالِ لا لِلتَّخْصِيصِ أوْ لِلْفِضَّةِ، واكْتَفى بِها لِأنَّها أكْثَرُ والنّاسُ إلَيْها أحْوَجُ ولِأنَّ الذَّهَبَ يُعْلَمُ مِنها بِالطَّرِيقِ الأوْلى مَعَ قُرْبِها لَفْظًا ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهُمْ﴾ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأنَّ غَرَضَ الكانِزِينَ مِنَ الكَنْزِ والجَمْعِ أنْ يَكُونُوا عِنْدَ النّاسِ ذَوِي وجاهَةٍ ورِياسَةٍ بِسَبَبِ الغِنى وأنْ يَتَنَعَّمُوا بِالمَطاعِمِ الشَّهِيَّةِ والمَلابِسِ البَهِيَّةِ فَلِوَجاهَتِهِمْ كانَ الكَيُّ بِجِباهِهِمْ ولِامْتِلاءِ جُنُوبِهِمْ بِالطَّعامِ كُوُوا عَلَيْها ولِما لَبِسُوهُ عَلى ظُهُورِهِمْ كُوِيَتْ، أوْ لِأنَّهم إذا رَأوُا الفَقِيرَ السّائِلَ زَوَوْا ما بَيْنَ أعْيُنِهِمْ وازْوَرُّوا عَنْهُ وأعْرَضُوا وطَوَوْا كَشْحًا ووَلَّوْهُ ظُهُورَهم واسْتَقْبَلُوا جِهَةً أُخْرى، أوْ لِأنَّها أشْرَفُ الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ فَإنَّها المُشْتَمِلَةُ عَلى الأعْضاءِ الرَّئِيسَةِ الَّتِي هي الدِّماغُ والقَلْبُ والكَبِدُ، وقِيلَ: لِأنَّها أُصُولُ الجِهاتِ الأرْبَعِ الَّتِي هي مَقادِيمُ البَدَنِ ومَآخِيرِهِ وجَنْبَتاهُ فَيَكُونُ ما ذُكِرَ كِنايَةً عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ، ويَبْقى عَلَيْهِ نُكْتَةُ الِاقْتِصارِ عَلى هَذِهِ الأرْبَعِ مِن بَيْنِ الجِهاتِ السِّتِّ وتَكَلَّفَ لَها بَعْضُهم بِأنَّ الكانِزَ وقْتَ الكَنْزِ لِحَذَرِهِ مِن أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أحَدٌ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وشِمالًا وأمامًا ووَراءً ولا يَكادُ يَنْظُرُ إلى فَوْقُ أوْ يَتَخَيَّلُ أنَّ أحَدًا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِن تَحْتُ؛ فَلَمّا كانَتْ تِلْكَ الجِهاتُ الأرْبَعُ مَطْمَحَ نَظَرِهِ ومَظِنَّةَ حَذَرِهِ دُونَ الجِهَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ اقْتَصَرَ عَلَيْها دُونَهُما، وهو مَعَ ابْتِنائِهِ عَلى اعْتِبارِ الدَّفْنِ في الكَنْزِ في حَيِّزِ المَنعِ كَما لا يَخْفى.
وقِيلَ: إنَّما خُصَّتْ هَذِهِ المَواضِعُ لِأنَّ داخِلَها جَوْفًا بِخِلافِ اليَدِ والرِّجْلِ، وفِيهِ أنَّ البَطْنَ كَذَلِكَ، وفي جَمْعِهِ مَعَ الظّاهِرِ لَطافَةٌ أيْضًا، وقِيلَ: لِأنَّ الجَبْهَةَ مَحَلُّ الوَسْمِ لِظُهُورِها والجَنْبَ مَحَلُّ الألَمِ والظَّهْرَ مَحَلُّ الحُدُودِ لِأنَّ الدّاعِيَ لِلْكانِزِ عَلى الكَنْزِ وعَدَمِ الإنْفاقِ خَوْفُ الفَقْرِ الَّذِي هو المَوْتُ الأحْمَرُ حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ لِلْكَدِّ وعَرَقِ الجَبِينِ والِاضْطِرابِ يَمِينًا وشِمالًا وعَدَمِ اسْتِقْرارِ الجَنْبِ لِتَحْصِيلِ المَعاشِ مَعَ خُلُوِّ المُتَّصَفِ بِهِ عَمّا يَسْتَنِدُ إلَيْهِ
صفحة 89
ويُعَوَّلُ في المُهِمّاتِ عَلَيْهِ، فَلِمُلاحَظَةِ الأمْنِ مِنَ الكَدِّ وعَرَقِ الجَبِينِ تُكْوى جَبْهَتُهُ، ولِمُلاحَظَةِ الأمْنِ مِنَ الِاضْطِرابِ والطَّمَعِ في اسْتِقْرارِ الجَنْبِ يُكْوى جَنْبُهُ، ولِمُلاحَظَةِ اسْتِنادِ الظَّهْرِ والِاتِّكالِ عَلى ما يَزْعُمُ أنَّهُ الرَّكْنُ الأقْوى والوِزْرُ الأوْقى يُكْوى ظَهْرُهُ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وهي أقْوالٌ يُشْبِهُ بَعْضُها بَعْضًا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهُ يُوضَعُ دِينارٌ عَلى دِينارٍ أوْ دِرْهَمٌ عَلى دِرْهَمٍ فَيُكْوى بِها ولا أنَّهُ يُكْوى بِكُلٍّ بِأنْ يُرْفَعَ واحِدٌ ويُوضَعَ بَدَلُهُ آخَرُ حَتّى يُؤْتِيَ عَلى آخِرِها بَلْ أنَّهُ يُوَسِّعُ جِلْدَ الكانِزِ فَيُوضَعُ كُلُّ دِينارٍ ودِرْهَمٍ عَلى حِدَتِهِ كَما نَطَقَتْ بِذَلِكَ الآثارُ وتَظافَرَتْ بِهِ الأخْبارُ ﴿هَذا ما كَنَزْتُمْ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ وبِهِ يَتَعَلَّقُ الظَّرْفُ السّابِقُ في قَوْلٍ أيْ يُقالُ لَهُ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها: هَذا ما كَنَزْتُمْ ( ﴿لأنْفُسِكُمْ﴾ ) أيْ لِمَنفَعَتِها فَكانَ عَيْنَ مُضِرَّتِها وسَبَبَ تَعْذِيبِها، فاللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وأنْتُ في تَقْدِيرِ المُضافِ في النُّظُمِ بِالخِيارِ، ولَمْ تُجْعَلِ اللّامُ لِلْمِلْكِ لِعَدَمِ جَدْواهُ ( وما ) في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أيْ وبالُ كَنْزِكم أوْ وبالُ كَوْنِكم كانِزِينَ ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ في كَوْنِ كانَ النّاقِصَةِ لَها مَصْدَرٌ كَلامًا وبِأنَّ المَقْصُودَ الخَبَرُ، وكانَ إنَّما ذُكِرَتْ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أيْ وبالُ الَّذِي تَكْنِزُونَهُ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ أوْ تَبَعِيَّةٌ، وقُرِئَ ( تَكْنُزُونَ ) بِضَمِّ النُّونِ فالماضِي كَنَزَ كَضَرَبَ وقَعَدَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences