Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:36–37
9:36Page 192
إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٦
Indeed, the number of months with Allāh is twelve [lunar] months in the register of Allāh [from] the day He created the heavens and the earth; of these, four are sacred.1 That is the correct religion [i.e., way], so do not wrong yourselves during them.2 And fight against the disbelievers collectively as they fight against you collectively. And know that Allāh is with the righteous [who fear Him].
﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أيْ: مَبْلَغَ عَدَدِ شُهُورِ السَّنَةِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ في حُكْمِهِ ﴿اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ وهي الشُّهُورُ القَمَرِيَّةُ المَعْلُومَةُ إذْ عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
وقِيلَ: فِيما أثْبَتَهُ وأوْجَبَ عَلى عِبادِهِ الأخْذَ بِهِ، وقِيلَ: القُرْآنُ لِأنَّ فِيهِ آياتٌ تَدُلُّ عَلى الحِسابِ ومَنازِلِ القَمَرِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ في ابْتِداءِ إيجادِ هَذا العالَمِ، وهَذا الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما في كِتابِ اللَّهِ مِن مَعْنى الثُّبُوتِ الدّالِّ عَلَيْهِ بِمَنطُوقِهِ أوْ بِمُتَعَلِّقِهِ أوْ بِالكِتابِ إنْ كانَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الكِتابَةِ، والمُرادُ أنَّهُ في ابْتِداءِ ذَلِكَ كانَتْ عِدَّتُها ما ذُكِرَ وهي الآنَ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ، و﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ صِفَةُ ﴿اثْنا عَشَرَ﴾ وهي خَبَرُ ( إنَّ ) و( عِنْدَ ) مَعْمُولُ ( عِدَّةَ ) لِأنَّها مَصْدَرٌ كالشَّرِكَةِ و( شَهْرًا ) تَمْيِيزٌ مُؤَكِّدٌ كَما في قَوْلِكَ: عِنْدِي مِنَ الدَّنانِيرِ عِشْرُونَ دِينارًا، وما يُقالُ: إنَّهُ لِرَفْعِ الإبْهامِ إذْ لَوْ قِيلَ: عِدَّةُ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ سَنَةً لَكانَ كَلامًا مُسْتَقِيمًا لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ عَلى ما قِيلَ، وانْتَصَرَ لَهُ بِأنَّ مُرادَ القائِلِ إنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الشُّهُورُ في ابْتِداءِ الدُّنْيا كَذَلِكَ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾ ونَحْوِهِ ولا مانِعَ مِنهُ فَإنَّهُ أحْسَنُ مِنَ الزِّيادَةِ المَحْضَةِ، ولَمْ يُجَوِّزُوا تَعَلُّقَ ( في كِتابٍ ) بِعِدَّةٍ لِأنَّ المَصْدَرَ إذا أُخْبِرَ عَنْهُ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ الخَبَرِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَهُ بَدَلًا مِن ( عِنْدَ اللَّهِ ) وضَعَّفَهُ أبُو البَقاءِ بِأنَّ فِيهِ الفَصْلَ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ بِخَبَرِ العامِلِ في المُبْدَلِ، وجَوَّزَ بَعْضٌ أنْ يَجْعَلَ ﴿اثْنا عَشَرَ﴾ مُبْتَدَأً و( عِنْدَ ) خَبَرًا مُقَدَّمًا والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ أوْ إنَّ الظَّرْفَ لِاعْتِمادِهِ عَمِلَ الرَّفْعَ في ( اثْنا عَشَرَ )، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لاثْنا عَشَرَ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ وأنْ يَكُونَ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً وضَمِيرُ ( مِنها ) عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لِاثْنا عَشَرَ، وهَذِهِ
صفحة 90
الأرْبَعَةُ ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ، واخْتُلِفَ في تَرْتِيبِها فَقِيلَ: أوَّلُها المُحَرَّمُ وآخِرُها ذُو الحِجَّةِ فَهي مِن شُهُورِ عامٍ، وظاهِرُ ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَقْتَضِيهِ.
وقِيلَ: أوَّلُها رَجَبٌ فَهي مِن عامَيْنِ واسْتُدِلَّ لَهُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حِجَّةِ الوَداعِ بِمِنًى في أوْسَطِ أيّامِ التَّشْرِيقِ فَقالَ: ”يا أيُّها النّاسُ إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ فَهو اليَوْمُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ، وإنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ أوَّلُهُنَّ رَجَبُ مُضَرٍ بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، والمُحَرَّمُ»“ .
وقِيلَ: أوَّلُها ذُو القِعْدَةِ وصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ لِتَوالِيها، وأخْرَجَ الشَّيْخانِ «ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاثَةٌ مُتَوالِياتٌ ورَجَبُ مُضَرَ» الحَدِيثَ وأُضِيفَ رَجَبٌ إلَيْهِمْ لِأنَّ رَبِيعَةَ كانُوا يُحَرِّمُونَ رَمَضانَ ويُسَمُّونَهُ رَجَبًا ولِهَذا بَيَّنَ في الحَدِيثِ بِما بَيَّنَ.
وقِيلَ: إنَّ ما ذُكِرَ مِن أنَّها عَلى التَّرْتِيبِ الأوَّلِ مِن شُهُورِ عامٍ وعَلى الثّانِي مِن شُهُورِ عامَيْنِ إنَّما يَتَمَشّى عَلى أنَّ أوَّلَ السَّنَةِ المُحَرَّمُ وهو إنَّما حَدَثَ في زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وكانَ يُؤَرَّخُ قَبْلَهُ بِعامِ الفِيلِ وكَذا بِمَوْتِ هِشامِ بْنِ المُغِيرَةِ ثُمَّ أُرِّخَ بِصَدْرِ الإسْلامِ بِرَبِيعٍ الأوَّلِ وعَلى هَذا التّارِيخِ يَكُونُ الأمْرُ عَلى عَكْسِ ما ذُكِرَ ولَمْ يُبَيِّنْ هَذا القائِلُ ما أوَّلُ شُهُورِ السَّنَةِ عِنْدَ العَرَبِ قَبْلَ الفِيلِ، والَّذِي يُفْهَمُ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ أنَّ أوَّلَ الشُّهُورِ المُحَرَّمُ عِنْدَهُ مِن قَبْلُ أيْضًا إلّا أنَّ عِنْدَهم في اليَمَنِ والحِجازِ تَوارِيخَ كَثِيرَةً يَتَعارَفُونَها خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ ولَعَلَّها كانَتْ بِاعْتِبارِ حَوادِثَ وقَعَتْ في الأيّامِ الخالِيَةِ، وأنَّهُ لَمّا هاجَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اتَّخَذَ المُسْلِمُونَ هِجْرَتَهُ مَبْدَأ التّارِيخِ وتَناسَوْا ما قَبْلَهُ وسَمَّوْا كُلَّ سَنَةٍ أتَتْ عَلَيْهِمْ بِاسْمِ حادِثَةٍ وقَعَتْ فِيها كَسَنَةِ الإذْنِ، وسَنَةِ الأمْرِ، وسَنَةِ الِابْتِلاءِ وعَلى هَذا المِنوالِ إلى خِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَسَألَهُ بَعْضُ الصَّحابَةِ في ذَلِكَ وقالَ: هَذا يَطُولُ ورُبَّما يَقَعُ في بَعْضِ السِّنِينَ اخْتِلافٌ وغَلَطٌ فاخْتارَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عامَ الهِجْرَةِ مَبْدَأً مِن غَيْرِ تَسْمِيَةِ السِّنِينَ بِما وقَعَ فِيها فاسْتَحْسَنَتِ الصَّحابَةُ رَأْيَهُ في ذَلِكَ، وفي بَعْضِ شُرُوحِ البُخارِيِّ أنَّ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ كَتَبَ إلَيْهِ: إنَّهُ يَأْتِينا مِن أمِيرِ المُؤْمِنِينَ كُتُبٌ لا نَدْرِي بِأيِّها نَعْمَلُ، وقَدْ قَرَأْنا صَكًّا مَحَلُّهُ شَعْبانُ فَلَمْ نَدْرِ أيَّ الشَّعْبانَيْنِ الماضِي أمِ الآتِي.
وقِيلَ: إنَّهُ هو رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ رَفَعَ إلَيْهِ صَكَّ مَحِلِّهِ شَعْبانَ فَقالَ: أيُّ شَعْبانَ هُوَ؟ ثُمَّ قالَ: إنَّ الأمْوالَ قَدْ كَثُرَتْ فِينا وما قَسَّمْناهُ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ فَكَيْفَ التَّوَصُّلُ إلى ضَبْطِهِ؟ فَقالَ لَهُ مَلِكُ الأهْوازِ وكانَ قَدْ أُسِرَ وأسْلَمَ عَلى يَدِهِ: إنَّ لِلْعَجَمِ حِسابًا يُسَمُّونَهُ ماهُرُوزَ يُسْنِدُونَهُ إلى مَن غَلَبَ مِنَ الأكاسِرَةِ ثُمَّ شَرَحَهُ لَهُ وبَيَّنَ كَيْفِيَّتَهُ فَقالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ضَعُوا لِلنّاسِ تارِيخًا يَتَعامَلُونَ عَلَيْهِ وتَضْبُطُ أوْقاتَهُمْ، فَذَكَرُوا لَهُ تارِيخَ اليَهُودِ فَما ارْتَضاهُ، والفُرْسِ فَما ارْتَضاهُ، فاسْتَحْسَنُوا الهِجْرَةَ تارِيخًا. انْتَهى.
وما ذُكِرَ مِن أنَّهم كانُوا يُؤَرِّخُونَ في صَدْرِ الإسْلامِ بِرَبِيعٍ الأوَّلِ فِيهِ إجْمالٌ، ويَتَّضِحُ المُرادُ مِنهُ بِما في النِّبْراسِ مِن أنَّهم كانُوا يُؤَرِّخُونَ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِسَنَةِ القُدُومِ وبِأوَّلِ شَهْرٍ مِنها، وهو رَبِيعٌ الأوَّلُ عَلى الأصَحِّ فَلْيُفْهَمْ، والشَّهْرُ عِنْدَهم يَنْقَسِمُ إلى شَرْعِيٍّ وحَقِيقِيٍّ، واصْطِلاحِيٍّ؛ فالشَّرْعِيُّ مُعْتَبَرٌ بِرُؤْيَةِ الهِلالِ بِالشَّرْطِ المَعْرُوفِ في الفِقْهِ، وكانَ أوَّلُ هِلالِ المُحَرَّمِ في التّارِيخِ الهِجْرِيِّ لَيْلَةَ الخَمِيسِ، كَما اعْتَمَدَهُ يُونُسُ الحاكِمِيُّ المِصْرِيُّ وذَكَرَ أنَّ ذَلِكَ بِالنَّظَرِ إلى الحِسابِ، وأمّا بِاعْتِبارِ الرُّؤْيَةِ فَقَدْ حَرَّرَ ابْنُ
صفحة 91
الشّاطِرِ أنَّ هِلالَهُ رُئِيَ بِمَكَّةَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، والحَقِيقِيُّ مُعْتَبَرٌ مِنِ اجْتِماعِ القَمَرِ مَعَ الشَّمْسِ في نُقْطَةِ وعُودِهِ بَعْدَ المُفارَقَةِ إلى ذَلِكَ ولا دَخْلَ لِلْخُرُوجِ مِن تَحْتِ الشُّعاعِ إلّا في إمْكانِ الرُّؤْيَةِ بِحَسَبِ العادَةِ الشّائِعَةِ، قِيلَ: ومُدَّةُ ما ذُكِرَ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا ومِائَةٌ وأحَدٌ وتِسْعُونَ جُزْءًا مِن ثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ جُزْءًا لِلْيَوْمِ بِلَيْلَتِهِ، وتَكُونُ السَّنَةُ القَمَرِيَّةُ ثَلاثَمِائَةٍ وأرْبَعَةً وخَمْسِينَ يَوْمًا وخُمُسَ يَوْمٍ وسُدُسَهُ وثانِيَةً وذَلِكَ إحْدى عَشَرَ جُزْءًا مِن ثَلاثِينَ جُزْءًا مِنَ اليَوْمِ بِلَيْلَتِهِ، وإذا اجْتَمَعَ مِن هَذِهِ الأجْزاءِ أكْثَرُ مِن نِصْفِ عَدْوِهِ يَوْمًا كامِلًا وزادُوهُ في الأيّامِ، وتَكُونُ تِلْكَ السَّنَةُ حِينَئِذٍ كَبِيسَةً وتَكُونُ أيّامُها ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسَةً وخَمْسِينَ يَوْمًا، ولَمّا كانَتِ الأجْزاءُ السّابِقَةُ أكْثَرَ مِن نِصْفٍ جَبَرُوها بِيَوْمٍ كامِلٍ، واصْطَلَحُوا عَلى جَعْلِ الأشْهُرِ شَهْرًا كامِلًا وشَهْرًا ناقِصًا فَهَذا هو الشَّهْرُ الِاصْطِلاحِيُّ، فالمُحَرَّمُ في اصْطِلاحِهِمْ ثَلاثُونَ يَوْمًا وصَفَرُ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ، وهَكَذا إلى آخِرِ السَّنَةِ القَمَرِيَّةِ الأفْرادُ مِنها ثَلاثُونَ وأوَّلُها المُحَرَّمُ والأزْواجُ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ وأوَّلُها صَفَرٌ إلّا ذا الحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ الكَبِيسَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ ثَلاثِينَ يَوْمًا لِاصْطِلاحِهِمْ عَلى جَعْلِ ما زادُوهُ في أيّامِ السَّنَةِ الكَبِيسَةِ في ذِي الحِجَّةِ آخِرَ السَّنَةِ.
وحَيْثُ كانَ مَدارُ الشَّهْرِ الشَّرْعِيِّ عَلى الرُّؤْيَةِ اخْتَلَفَتِ الأشْهُرُ فَكانَ بَعْضُها ثَلاثِينَ وبَعْضُها تِسْعَةً وعِشْرِينَ في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شَهْرا عِيدٍ لا يَنْقُصانِ رَمَضانُ وذُو الحِجَّةِ» مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى لا يَنْقُصُ أجْرُهُما والثَّوابُ المُرَتَّبُ عَلَيْهِما، وإنْ نَقَصَ عَدَدُهُما، وقِيلَ: مَعْناهُ لا يَنْقُصانِ جَمِيعًا في سَنَةٍ واحِدَةٍ غالِبًا، وقِيلَ: لا يَنْقُصُ ثَوابُ ذِي الحِجَّةِ عَنْ ثَوابِ رَمَضانَ حَكاهُ الخَطّابِيُّ وهو ضَعِيفٌ، والأوَّلُ كَما قالَ النَّوَوِيُّ هو الصَّوابُ المُعْتَمَدُ ( ذَلِكَ ) أيْ: تَحْرِيمُ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِتَفْخِيمِ المُشارِ إلَيْهِ، وقِيلَ: هو إشارَةٌ لِكَوْنِ العِدَّةِ كَذَلِكَ، ورَجَّحَهُ الإمامُ بِأنَّهُ كَوْنُها أرْبَعَةً مُحَرَّمَةً مُسَلَّمٌ عِنْدَ الكُفّارِ وإنَّما القَصْدُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ في النَّسِيءِ والزِّيادَةِ عَلى العِدَّةِ، ورَجَّحَ الأوَّلَ بِأنَّ التَّفْرِيعَ الآتِيَ يَقْتَضِيهِ، ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى مَجْمُوعِ ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ والتَّفْرِيعُ لا يَأْبى ذَلِكَ ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ أيِ: المُسْتَقِيمُ دِينُ إبْراهِيمَ، وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَتِ العَرَبُ قَدْ تَمَسَّكَتْ بِهِ وِراثَةً مِنهُما، وكانُوا يُعَظِّمُونَ الأشْهُرَ الحُرُمَ حَتّى إنَّ الرَّجُلَ يَلْقى فِيها قاتِلَ أبِيهِ وأخِيهِ فَلا يَهْجُوهُ ويُسَمُّونَ رَجَبَ الأصَمَّ ومُنْصِلَ الأسِنَّةِ حَتّى أحْدَثُوا النَّسِيءَ فَغَيَّرُوا، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ ( الدِّينُ ) الحُكْمُ والقَضاءُ ومِنَ ( القَيِّمُ ) الدّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ أيْ ذَلِكَ الحُكْمُ الَّذِي لا يُبَدَّلُ ولا يُغَيَّرُ ونُسِبَ ذَلِكَ إلى الكَلْبِيِّ، وقِيلَ: الدِّينُ هُنا بِمَعْنى الحِسابِ ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ» أيْ ذَلِكَ الحِسابُ المُسْتَقِيمُ والعَدَدُ الصَّحِيحُ المُسْتَوِي لا ما تَفْعَلُهُ العَرَبُ مِنَ النَّسِيءِ واخْتارَ ذَلِكَ الطَّبَرَسِيُّ، وعَلَيْهِ فَتَكُونُ الإشارَةُ لِما رَجَّحَهُ الإمامُ ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ بِهَتْكِ حُرْمَتِهِنَّ وارْتِكابِ ما حُرِّمَ فِيهِنَّ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الأشْهُرِ الحُرُمِ وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ واخْتارَهُ الفَرّاءُ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى الشُّهُورِ كُلِّها أيْ فَلا تَظْلِمُوا أنْفُسَكم في جَمِيعِ شُهُورِ السَّنَةِ بِفِعْلِ المَعاصِي وتَرْكِ الطّاعاتِ أوْ لا تَجْعَلُوا حَلالَها حَرامًا وحَرامَها حَلالًا كَما فَعَلَ أهْلُ الشِّرْكِ ونُسِبَ هَذا القَوْلُ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، والعُدُولُ عَنْ ”فِيها“ الأوْفَقُ بِـ ”مِنها“ إلى ( فِيهِنَّ ) مُؤَيِّدٌ لِما عَلَيْهِ الأكْثَرُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ حُرْمَةَ المُقاتَلَةِ فِيهِنَّ مَنسُوخَةٌ وأنَّ
صفحة 92
الظُّلْمَ مُؤَوَّلٌ بِارْتِكابِ المَعاصِي، وتَخْصِيصُها بِالنَّهْيِ عَنِ ارْتِكابِ ذَلِكَ فِيها مَعَ أنَّ الِارْتِكابَ مَنهِيٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا لِتَعْظِيمِها ولِلَّهِ سُبْحانَهُ أنْ يُمَيِّزَ بَعْضَ الأوْقاتِ عَلى بَعْضٍ، فارْتِكابُ المَعْصِيَةِ فِيهِنَّ أعْظَمُ وِزْرًا كارْتِكابِها في الحَرَمِ وحالَ الإحْرامِ، وعَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ أنَّهُ لا يَحِلُّ لِلنّاسِ أنَّ يَغْزُوا في الحَرَمِ والأشْهُرِ الحُرُمِ إلّا أنْ يُقاتَلُوا، واسْتَثْنى هَذا لِأنَّهُ لِلدَّفْعِ فَلا يُمْنَعُ مِنهُ بِالِاتِّفاقِ أوْ لِأنَّ هَتْكَ الحُرْمَةِ في ذَلِكَ لَيْسَ مِنهم بَلْ مِنَ البادِي.
ويُؤَيِّدُ القَوْلَ بِالنَّسْخِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاصَرَ الطّائِفَ وغَزا هَوازِنَ بِحُنَيْنٍ في شَوّالٍ، وذِي القِعْدَةِ سَنَةَ ثَمانٍ ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ أيْ جَمِيعًا، واشْتُهِرَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَنْكِيرِهِ ونَصْبِهِ عَلى الحالِ وكَوْنِ ذِي الحالِ مِنَ العُقَلاءِ، وخَطَّئُوا الزَّمَخْشَرِيَّ في قَوْلِهِ في خُطْبَةِ المُفَصَّلِ: مُحِيطًا بِكافَّةِ الأبْوابِ ومُخَطِّؤُهُ هو المُخْطِئُ لِأنّا إذا عَلِمْنا وضْعَ لَفْظٍ لِمَعْنًى عامٍّ بِنَقْلٍ مِنَ السَّلَفِ وتَتَبُّعٍ لِمَوارِدِ اسْتِعْمالِهِ في كَلامِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ ورَأيْناهُمُ اسْتَعْمَلُوهُ عَلى حالَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِنَ الإعْرابِ والتَّعْرِيفِ والتَّنْكِيرِ ونَحْوِ ذَلِكَ جازَ لَنا عَلى ما هو الظّاهِرُ أنْ نُخْرِجَهُ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ لِأنّا لَوِ اقْتَصَرْنا في الألْفاظِ عَلى ما اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ العارِبَةُ والمُسْتَعْرِبَةُ نَكُونُ قَدْ حَجَرْنا الواسِعَ وعَسُرَ التَّكَلُّمُ بِالعَرَبِيَّةِ عَلى مَن بَعْدَهُمْ، ولَمّا لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ عَمّا وُضِعَ لَهُ فَهو حَقِيقَةٌ فَكافَّةٌ، وإنِ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ مُنَكَّرًا مَنصُوبًا في النّاسِ خاصَّةً يَجُوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ مُعَرَّفًا ومُنَكَّرًا بِوُجُوهِ الإعْرابِ في النّاسِ وغَيْرِهِمْ وهو في كُلِّ ذَلِكَ حَقِيقَةٌ حَيْثُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَعْناهُ الَّذِي وضَعُوهُ لَهُ وهو مَعْنى الجَمِيعِ، ومُقْتَضى الوَضْعِ أنَّهُ لا يَلْزَمُهُ ما ذُكِرَ ولا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلّا جاهِلٌ أوْ مُكابِرٌ، عَلى أنَّهُ ورَدَ في كَلامِ البُلَغاءِ عَلى ما ادَّعَوْهُ، فَفي كِتابِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِآلِ بَنِي كاكِلَةَ: قَدْ جَعَلْتُ لِآلِ بَنِي كاكِلَةَ عَلى كافَّةِ بَيْتِ مالِ المُسْلِمِينَ لِكُلِّ عامٍ مِائَتَيْ مِثْقالٍ عَيْنًا ذَهَبًا إبْرِيزًا، وهَذا كَما في ”شَرْحِ المَقاصِدِ“ مِمّا صَحَّ، والخَطُّ كانَ مَوْجُودًا في آلِ بَنِي كاكِلَةَ إلى قَرِيبِ هَذا الزَّمانِ بِدِيارِ العِراقِ، ولَمّا آلَتِ الخِلافَةُ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عُرِضَ عَلَيْهِ فَنَفَّذَ ما فِيهِ لَهم وكَتَبَ عَلَيْهِ بِخَطِّهِ: ”لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ“ أنا أوَّلُ مَن تَبِعَ أمْرًا مِنَ الإسْلامِ ونَصَرَ الدِّينَ والأحْكامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ ورُسِمَتْ بِمِثْلِ ما رُسِمَ لِآلِ بَنِيَ كاكِلَةَ في كُلِّ عامٍ مِائَتَيْ دِينارٍ ذَهَبًا إبْرِيزًا، واتَّبَعْتُ أثَرَهُ وجَعَلْتُ لَهم مِثْلَ ما رَسَمَ عُمَرُ إذْ وجَبَ عَلَيَّ وعَلى جَمِيعِ المُسْلِمِينَ اتِّباعُ ذَلِكَ. كَتَبَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. فانْظُرْ كَيْفَ اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مَعْرِفَةً غَيْرَ مَنصُوبَةٍ لِغَيْرِ العُقَلاءِ وهو مَن هو في الفَصاحَةِ، وقَدْ سَمِعَهُ مِثْلُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ ولَمْ يُنْكِرْهُ وهو واحِدُ الأحَدِينَ، فَأيُّ إنْكارٍ واسْتِهْجانٍ يُقْبَلُ بَعْدُ. فَقَوْلُهُ في ”المُغْنِي“: - كافَّةً - مُخْتَصٌّ بِمَن يَعْقِلُ ووَهِمَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ إذْ قَدَّرَ كافَّةً نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ رِسالَةً كافَّةً لِأنَّهُ أضافَ إلى اسْتِعْمالِهِ فِيما لا يَعْقِلُ إخْراجَهُ عَمّا التُزِمَ فِيهِ مِنَ الحالِ كَوَهْمِهِ في خُطْبَةِ المُفَصَّلِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وإذا جازَ تَعْرِيفُهُ بِالإضافَةِ جازَ بِالألِفِ واللّامِ أيْضًا ولا عِبْرَةَ بِمَن خَطَّأ فِيهِ كَصاحِبِ القامُوسِ وابْنِ الخَشّابِ، وهو عِنْدَ الأزْهَرِيِّ مَصْدَرٌ عَلى فاعِلَةٍ كالعافِيَةِ والعاقِبَةِ ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ، وقِيلَ: هو اسْمُ فاعِلٍ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ كَتاءِ رِوايَةٍ وعَلامَةٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ الرّاغِبُ، ونُقِلَ أنَّ المَعْنى هُنا: قاتِلُوهم كافِّينَ لَهم كَما يُقاتِلُونَكم كافِّينَ لَكم، وقِيلَ: مَعْناهُ جَماعَةً، وقِيلَ لِلْجَماعَةِ الكافَّةِ كَما يُقالُ لَهُمُ الوَزَعَةُ لِقُوَّتِهِمْ بِاجْتِماعِهِمْ، وِتاؤُهُ كَتاءِ جَماعَةٍ، والحاصِلُ أنَّهم رِوايَةً ودِرايَةً لَمْ يُصِيبُوا
صفحة 93
فِيما التَزَمُوهُ مِن تَنْكِيرِهِ ونَصْبِهِ واخْتِصاصِهِ بِالعُقَلاءِ، وأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أصْلِهِ هَلْ هو مَصْدَرٌ أوِ اسْمُ فاعِلٍ مِنَ الكَفِّ وأنَّ تاءَهُ هَلْ هي لِلْمُبالَغَةِ أوْ لِلتَّأْنِيثِ، ثُمَّ إنَّهم تَصَرَّفُوا فِيهِ واسْتَعْمَلُوهُ لِلتَّعْمِيمِ بِمَعْنى جَمِيعًا وعَلى ذَلِكَ حَمَلَ الأكْثَرُونَ ما في الآيَةِ قالُوا: وهو مَصْدَرُ كَفَّ عَنِ الشَّيْءِ، وإطْلاقُهُ عَلى الجَمِيعِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَكْفُوفٌ عَنِ الزِّيادَةِ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ يَكُفُّ عَنِ التَّعَرُّضِ لَهُ أوِ التَّخَلُّفِ عَنْهُ، وهو حالٌ إمّا مِنَ الفاعِلِ أوْ مِنَ المَفْعُولِ، فَمَعْنى قاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً لا يَتَخَلَّفُ أحَدٌ مِنكم عَنْ قِتالِهِمْ أوْ لا تَتْرُكُوا قِتالَ واحِدٍ مِنهم، وكَذا في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ عَلى أنَّ القِتالَ فَرْضُ عَيْنٍ.
وقِيلَ: وهو كَذَلِكَ في صَدْرِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ وأنْكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ( ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ ) بِالوِلايَةِ والنَّصْرِ فاتَّقُوا لِتَفُوزُوا بِوِلايَتِهِ ونَصْرِهِ سُبْحانَهُ فَهو إرْشادٌ لَهم إلى ما يَنْفَعُهم في قِتالِهِمْ بَعْدَ أمْرِهِمْ بِهِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّ اللَّهَ مَعَكم بِالنَّصْرِ والإمْدادِ فِيما تُباشِرُونَهُ مِنَ القِتالِ، وإنَّما وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرَ مَدْحًا لَهم بِالتَّقْوى وحَثًّا لِلْقاصِرِينَ عَلى ذَلِكَ وإيذانًا بِأنَّهُ المَدارُ في النَّصْرِ، وقِيلَ: هي بِشارَةٌ وضَمانٌ لَهم بِالنُّصْرَةِ بِسَبَبِ تَقْواهم كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ التَّعْلِيقُ بِالمُشْتَقِّ، وما ذَكَرْناهُ نَحْنُ لا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ إلّا أنَّ الأمْرَ بِالتَّقْوى فِيهِ أعَمُّ مِنَ الأحْداثِ والدَّوامِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في الكَلامِ.
9:37Page 193
إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧
Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it1 lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allāh2 and [thus] make lawful what Allāh has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allāh does not guide the disbelieving people.
﴿إنَّما النَّسِيءُ﴾ هو مَصْدَرُ نَسَأهُ إذا أخَّرَهُ وجاءَ النَّسْيُ كالنَّهْيِ والنَّسْءُ كالبَدْءِ والنِّساءُ كالنِّداءِ وثَلاثَتُها مَصادِرُ نَسَأهُ كالنَّسِيءِ، وقِيلَ: هو وصْفٌ كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، واخْتِيرَ الأوَّلُ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى تَقْدِيرٍ بِخِلافِ ما إذا كانَ صِفَةً فَإنَّهُ لا يُخْبَرُ عَنْهُ بِزِيادَةٍ إلّا بِتَأْوِيلِ ”ذُو زِيادَةٍ“ أوْ ”إنْساءُ النَّسِيءِ زِيادَةٌ“، وقَدْ قُرِئَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ.
وقَرَأ نافِعٌ ( النَّسِيُّ ) بِإبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً وإدْغامِها في الياءِ، والمُرادُ بِهِ تَأْخِيرُ حُرْمَةِ شَهْرٍ إلى آخَرَ، وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ كانُوا إذا جاءَ شَهْرٌ حَرامٌ وهم مُحارِبُونَ أحَلُّوهُ وحَرَّمُوا مَكانَهُ شَهْرًا آخَرَ فَيَسْتَحِلُّونَ المُحَرَّمَ ويُحَرِّمُونَ صَفَرًا فَإنِ احْتاجُوا أيْضًا أحَلُّوهُ وحَرَّمُوا رَبِيعًا الأوَّلَ، وهَكَذا كانُوا يَفْعَلُونَ حَتّى اسْتَدارَ التَّحْرِيمُ عَلى شُهُورِ السَّنَةِ كُلِّها، وكانُوا يَعْتَبِرُونَ في التَّحْرِيمِ مُجَرَّدَ العَدَدِ لا خُصُوصِيَّةَ الأشْهُرِ المَعْلُومَةِ، ورُبَّما زادُوا في عَدَدِ الشُّهُورِ بِأنْ يَجْعَلُوها ثَلاثَةَ عَشَرَ أوْ أرْبَعَةَ عَشَرَ لِيَتَّسِعَ لَهُمُ الوَقْتُ ويَجْعَلُوا أرْبَعَةَ أشْهُرٍ مِنَ السَّنَةِ حَرامًا أيْضًا، ولِذَلِكَ نُصَّ عَلى العَدَدِ المُعَيَّنِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وكانَ يَخْتَلِفُ وقْتُ حَجِّهِمْ لِذَلِكَ، وكانَ في السَّنَةِ التّاسِعَةِ مِنَ الهِجْرَةِ الَّتِي حَجَّ بِها أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِالنّاسِ في ذِي القِعْدَةِ وفي حِجَّةِ الوَداعِ في ذِي الحِجَّةِ وهو الَّذِي كانَ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولِذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ» الحَدِيثَ، وفي رِوايَةٍ أنَّهم كانُوا يَحُجُّونَ في كُلِّ شَهْرٍ عامَيْنِ فَحَجُّوا في ذِي الحِجَّةِ عامَيْنِ وفي المُحَرَّمِ عامَيْنِ وهَكَذا، ووافَقَتْ حَجَّةُ الصِّدِّيقِ في ذِي القِعْدَةِ مِن سَنَتِهِمُ الثّانِيَةِ، وكانَتْ حَجَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الوَقْتِ الَّذِي كانَ مِن قَبْلُ ولِذا قالَ ما قالَ، أيْ إنَّما ذَلِكَ التَّأْخِيرُ ( ﴿زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ ) الَّذِي هم عَلَيْهِ لِأنَّهُ تَحْرِيمُ ما أحَلَّ اللَّهُ تَعالى وقَدِ اسْتَحَلُّوهُ واتَّخَذُوهُ شَرِيعَةً وذَلِكَ كُفْرٌ ضَمُّوهُ إلى كَفْرِهِمْ.
وقِيلَ: إنَّهُ مَعْصِيَةٌ ضُمَّتْ إلى الكُفْرِ وكَما يَزْدادُ الإيمانُ بِالطّاعَةِ يَزْدادُ الكُفْرُ بِالمَعْصِيَةِ.
وأوْرَدَ عَلَيْهِ بِأنَّ المَعْصِيَةَ لَيْسَتْ مِنَ الكُفْرِ بِخِلافِ الطّاعَةِ فَإنَّها مِنَ الإيمانِ عَلى رَأْيٍ، وأُجِيبُ عَنْهُ بِما لا يَصْفُو عَنِ الكَدَرِ ( ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ) إضْلالًا عَلى إضْلالِهِمُ القَدِيمِ، وقُرِئَ ( يُضِلُّ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ
صفحة 94
مِنَ الأفْعالِ عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ تَعالى، أيْ يَخْلُقُ فِيهِمُ الضَّلالَ عِنْدَ مُباشَرَتِهِمْ لِمَبادِيهِ وأسْبابِهِ وهو المَعْنى عَلى قِراءَةِ الأُولى أيْضًا، وقِيلَ الفاعِلُ في القِراءَتَيْنِ الشَّيْطانُ، وجُوِّزَ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ فاعِلًا والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ أتْباعُهم، وقِيلَ: الفاعِلُ الرُّؤَساءُ والمَفْعُولُ المَوْصُولُ، وقُرِئَ ( يَضِلُّ ) بِفَتْحِ الياءِ والضّادِ مِن ضَلَلَ يَضْلِلُ، و( نَضِلُّ ) بِنُونِ العَظَمَةِ ( ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ ) أيِ: الشَّهْرَ المُؤَخَّرَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلنَّسِيءِ عَلى أنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ( ﴿عامًا﴾ ) مِنَ الأعْوامِ ويُحَرِّمُونَ مَكانَهُ شَهْرًا آخَرَ مِمّا لَيْسَ بِحَرامٍ ( ﴿ويُحَرِّمُونَهُ﴾ ) أيْ يُحافِظُونَ عَلى حُرْمَتِهِ كَما كانَتْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالتَّحْرِيمِ بِاعْتِبارِ إحْلالِهِمْ في العامِ الماضِي أوْ لِإسْنادِهِمْ لَهُ إلى آلِهَتِهِمْ كَما سَيَجِيءُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ( ﴿عامًا﴾ ) آخَرَ إذا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَغْيِيرِهِ غَرَضٌ مِن أغْراضِهِمْ، قالَ الكَلْبِيُّ: أوَّلُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ يُقالُ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وكانَ إذا هَمَّ النّاسُ بِالصُّدُورِ مِنَ المَوْسِمِ يَقُومُ فَيَخْطُبُ ويَقُولُ لا مَرَدَّ لِما قَضَيْتُ أنا الَّذِي لا أُعابَ ولا أُخابُ فَيَقُولُ لَهُ المُشْرِكُونَ: لَبَّيْكَ، ثُمَّ يَسْألُونَهُ أنْ يُنْسِئَهم شَهْرًا يَغْزُونَ فِيهِ فَيَقُولُ: إنَّ صَفَرَ العامِ حَرامٌ، فَإذا قالَ ذَلِكَ حَلُّوا الأوْتارَ ونَزَعُوا الأسِنَّةَ والأزِجَّةَ وإنْ قالَ: حَلالٌ عَقَدُوا الأوْتارَ ورَكِبُوا الأزِجَّةَ وأغارُوا.
وعَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ الكِنانِيُّ وكانَ مُطاعًا في الجاهِلِيَّةِ وكانَ يَقُومُ عَلى جَمَلٍ في المَوْسِمِ فَيُنادِي بِأعْلى صَوْتِهِ إنَّ آلِهَتَكم قَدْ أحَلَّتْ لَكُمُ المُحَرَّمَ فَأحَلُّوهُ، ثُمَّ يَقُومُ في العامِ القابِلِ فَيَقُولُ: إنَّ آلِهَتَكم قَدْ حَرَّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحَرَّمَ فَحَرِّمُوهُ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: كانَتِ النَّسّاءَةُ حَيًّا مِن بَنِي مالِكِ بْنِ كِنانَةَ وكانَ آخِرُهم رَجُلًا يُقالُ لَهُ القَلَمَّسُ وهو الَّذِي أنْسَأ المُحَرَّمَ وكانَ مَلِكًا في قَوْمِهِ وأنْشَدَ شاعِرُهم:
ومِنّا ناسِئُ الشَّهْرِ القَلَمَّسُ
وقالَ الكُمَيْتُ:
ونَحْنُ النّاسِئُونَ عَلى مَعَدٍّ ∗∗∗ شُهُورُ الحِلِّ نَجْعَلُها حَرامًا
وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ أوَّلَ مَن سَنَّ النَّسِيءَ عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ، والجُمْلَتانِ تَفْسِيرٌ لِلضَّلالِ فَلا مَحَلَّ لَهُما مِنَ الإعْرابِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونا في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُما حالٌ مِنَ المَوْصُولِ والعامِلُ عامِلُهُ ( ﴿لِيُواطِئُوا﴾ ) أيْ لِيُوافِقُوا، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ ( لِيُوَطِّئُوا ) بِالتَّشْدِيدِ ( ﴿عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ مِنَ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”يُحَرِّمُونَهُ“ أيْ يُحَرِّمُونَهُ لِأجْلِ مُوافَقَةِ ذَلِكَ أوْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الفِعْلَيْنِ أيْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا لِأجْلِ المُوافَقَةِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِنَ التَّنازُعِ ( ﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ ) بِخُصُوصِهِ مِنَ الأشْهُرِ المُعَيَّنَةِ، والحاصِلُ أنَّهُ كانَ الواجِبُ عَلَيْهِمُ العِدَّةُ والتَّخْصِيصُ فَحَيْثُ تَرَكُوا التَّخْصِيصَ فَقَدِ اسْتَحَلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ﴾ ) وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو اللَّهُ تَعالى أيْ جَعَلَ أعْمالَهم مُشْتَهاةً لِلطَّبْعِ مَحْبُوبَةً لِلنَّفْسِ، وقِيلَ: خَذَلَهم حَتّى رَأوْا حَسَنًا ما لَيْسَ بِالحَسَنِ، وقِيلَ: المُزَيِّنُ هو الشَّيْطانُ وذَلِكَ بِالوَسْوَسَةِ والإغْواءِ بِالمُقَدِّماتِ الشِّعْرِيَّةِ ( ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ) هِدايَةً مُوَصِّلَةً لِلْمَطْلُوبِ البَتَّةَ وإنَّما يَهْدِيهِمْ إلى ما يُوصَلُ إلَيْهِ عِنْدَ سُلُوكِهِ وهم قَدْ صَدُّوا عَنْهُ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ فَتاهُوا في تِيهِ الضَّلالِ، والمُرادُ مِنَ الكافِرِينَ إمّا المُتَقَدِّمُونَ فَفِيهِ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ أوِ الأعَمِّ ويَدْخُلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences