Al-Alusi · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:40–42, continued
بِـ ”نا“ كانَ سَدًّا لِبابِ الإيحاشِ أمْ لا؟ فَإنْ كانَ الأوَّلَ يَحْصُلُ الإيحاشُ ولا بُدَّ فَنَكُونُ قَدْ وقَعْنا فِيما فَرَرْنا عَنْهُ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَقَدْ زَعَمْتَ لِنَفْسِكَ رُتْبَةً لَمْ تَكُنْ بالِغَها ولَوْ زَهَقَتْ رُوحُكَ، ولَوْ زَعَمْتَ المُساواةَ في فَهْمِ عِباراتِ القُرْآنِ الجَلِيلِ وإشاراتِهِ لِمَصاقِعِ أُولَئِكَ العَرَبِ المُشاهِدِينَ لِلْوَحْيِ ما سَلِمَ لَكَ أوْ تَمُوتَ فَكَيْفَ يَسْلَمُ لَكَ الِامْتِيازُ عَلى الصِّدِّيقِ وهو –هُوَ- وقَدْ فُهِمَ مِن إشارَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَدِيثِ التَّخْيِيرِ ما خَفِيَ عَلى سائِرِ الصَّحابَةِ حَتّى عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فاسْتَغْرَبُوا بُكاءَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى يَوْمَئِذٍ، وما ذُكِرَ مِنَ التَّنْظِيرِ في الآيَةِ مُشِيرٌ إلى التَّقِيَّةِ الَّتِي اتَّخَذَها الرّافِضَةُ دِينًا وحَرَّفُوا لَها الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِها، وقَدْ أسْلَفْنا لَكَ الكَلامَ في ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَتَذَكَّرْهُ، وما ذُكِرَ في أمْرِ السَّكِينَةِ فَجَوابُهُ يُعْلَمُ مِمّا ذَكَرْناهُ، وكَوْنُ التَّخْصِيصِ مُشِيرًا إلى إخْراجِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ زُمْرَةِ المُؤْمِنِينَ كَما رَمَزَ إلَيْهِ الكَلْبُ عَدُوُّ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ لَوْ كانَ ما خَفِيَ عَلى أُولَئِكَ المُشاهِدِينَ لِلْوَحْيِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ الأمِيرُ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ فَكَيْفَ مَكَّنُوهُ مِنَ الخِلافَةِ الَّتِي هي أُخْتُ النُّبُوَّةِ عِنْدَ الشِّيعَةِ وهُمُ الَّذِينَ لا تَأْخُذُهم في اللَّهِ تَعالى لَوْمَةُ لائِمٍ، وكَوْنُ الصَّحابَةِ قَدِ اجْتَمَعُوا في ذَلِكَ عَلى ضَلالَةٍ، والأمِيرُ كانَ مُسْتَضْعَفًا فِيما بَيْنَهم أوْ مَأْمُورًا بِالسُّكُوتِ وغَمْدِ السَّيْفِ إذْ ذاكَ كَما زَعَمَهُ المُخالِفُ قَدْ طَوى بِساطَ رَدِّهِ وعادَ شَذَرَ مَذَرَ فَلا حاجَةَ إلى إتْعابِ القَلَمِ في تَسْوِيدِ وجْهِ زاعِمِهِ، وما ذُكِرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُخْرِجْهُ إلّا حَذَرًا مِن كَيْدِهِ فِيهِ أنَّ الآيَةَ لَيْسَ فِيها شائِبَةٌ دَلالَةً عَلى إخْراجِهِ لَهُ أصْلًا، فَضْلًا عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ حَذَرًا مِنَ الكَيْدِ، عَلى أنَّ الحَذَرَ لَوْ كانَ في مَعِيَّتِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأيُّ فُرْصَةٍ تَكُونُ مِثْلَ الفُرْصَةِ الَّتِي حَصَلَتْ حِينَ جاءَ الطَّلَبُ لِبابِ الغارِ؟ فَلَوْ كانَ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وحاشاهُ أدْنى ما يُقالُ لَقالَ: هَلُمُّوا فَهَهُنا الغَرَضُ، ولا يُقالُ: إنَّهُ خافَ عَلى نَفْسِهِ أيْضًا لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُخَلِّصَها مِنهم بِأُمُورٍ ولا أقَلَّ مِن أنْ يَقُولَ لَهم: خَرَجْتُ لِهَذِهِ المَكِيدَةِ، وأيْضًا لَوْ كانَ الصِّدِّيقُ كَما يَزْعُمُ الزِّنْدِيقُ فَأيُّ شَيْءٍ مَنَعَهُ مِن أنْ يَقُولَ لِابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أوِ ابْنَتِهِ أسْماءَ أوْ مَوْلاهُ عامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ فَقَدْ كانُوا يَتَرَدَّدُونَ إلَيْهِ في الغارِ كَما أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ فَيُخْبِرُ أحَدُهُمُ الكَفّارَ بِمَكانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، عَلى أنَّهُ عَلى هَذا الزَّعْمِ يَجِيءُ حَدِيثُ التَّمْكِينِ وهو أقْوى شاهِدٍ عَلى أنَّهُ هو هُوَ، وأيْضًا إذا انْفَتَحَ بابُ هَذا الهَذَيانِ أمْكَنَ لِلنّاصِبِيِّ أنْ يَقُولَ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالبَيْتُوتَةِ عَلى فِراشِهِ الشَّرِيفِ لَيْلَةَ هاجَرَ إلّا لِيَقْتُلَهُ المُشْرِكُونَ ظَنًّا مِنهم أنَّهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيَسْتَرِيحُ مِنهُ، ولَيْسَ هَذا القَوْلُ بِأعْجَبَ ولا أبْطَلَ مِن قَوْلِ الشِّيعِيِّ: إنَّ إخْراجَ الصِّدِّيقِ إنَّما كانَ حَذَرًا مِن شَرَهٍ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ سُبْحانَهُ مِن فَتْحِ هَذا البابِ المُسْتَهْجَنِ عِنْدَ ذَوِي الألْبابِ، وزَعَمَ أنَّ تَجْهِيزَ الأمِيرِ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ لَهم بِشِراءِ الأباعِرِ إشارَةً إلى ذَلِكَ لا يُشِيرُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ وإنْ ذَكَرْناهُ فِيما قَبْلُ إنَّما جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ المُحْدَثِينَ غَيْرُ ذَلِكَ ولا بَأْسَ بِإيرادِهِ تَكْمِيلًا لِلْفائِدَةِ وتَنْوِيرًا لِفَضْلِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَنَقُولُ:
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَمْ أعْقِلْ أبَوَيَّ قَطُّ إلّا وهُما يَدِينانِ الدِّينَ ولَمْ يَمْرُرْ عَلَيْنا يَوْمٌ إلّا يَأْتِينا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَيِ النَّهارِ بِكُرَةً وعَشِيَّةً ولَمّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ خَرَجَ أبُو بَكْرٍ مُهاجِرًا قَبْلَ أرْضِ الحَبَشَةِ حَتّى إذا بَلَغَ بَرْكَ الغِمادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ وهو سَيِّدُ القارَةِ فَقالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: أيْنَ تُرِيدُ يا أبا بَكْرٍ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أخْرَجَنِي قَوْمِي فَأُرِيدُ أنْ أسِيحَ في الأرْضِ وأعْبُدَ رَبِّي، قالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: مَثَلُكَ يا أبا بَكْرٍ لا يَخْرُجُ ولا يُخْرَجُ إنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ
صفحة 103
وتَصِلُ الرَّحِمَ وتَحْمِلُ الكَلَّ وتَقْرِي الضَّيْفَ وتُعِينُ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ فَأنا لَكَ جارٌ فارْجِعْ فاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ، فارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ فَرَجَعَ مَعَ أبِي بَكْرٍ فَطافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ في كُفّارِ قُرَيْشٍ فَقالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ لا يَخْرُجُ مِثْلُهُ ولا يُخْرَجُ أتُخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ المَعْدُومَ ويَصِلُ الرَّحِمَ ويَحْمِلُ الكَلَّ ويَقْرى الضَّيْفَ ويُعِينُ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ فَأنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ وأمَّنُوا أبا بَكْرٍ وقالُوا لِابْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أبا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ في دارِهِ ولْيُصَلِّ فِيهِ ما شاءَ ولْيَقْرَأْ ما شاءَ ولا يُؤْذِينا ولا يَسْتَعْلِنْ بِالصَّلاةِ والقِراءَةِ في غَيْرِ دارِهِ فَفَعَلَ ثُمَّ بَدا لِأبِي بَكْرٍ فابْتَنى مَسْجِدًا بِفِناءِ دارِهِ فَكانَ يُصَلِّي فِيهِ ويَقْرَأُ فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِساءُ المُشْرِكِينَ وأبْناؤُهم يَعْجَبُونَ مِنهُ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ، وكانَ رَجُلًا بَكّاءً لا يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ القُرْآنَ فَأفْزَعُ ذَلِكَ أشْرافَ قُرَيْشٍ فَأرْسَلُوا إلى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقالُوا: إنَّما أجَرْنا أبا بَكْرٍ عَلى أنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دارِهِ وإنَّهُ جاوَزَ ذَلِكَ فابْتَنى مَسْجِدًا بِفِناءِ دارِهِ وأعْلَنَ بِالصَّلاةِ والقِراءَةِ وإنّا خَشِينا أنْ يُفْتَتَنَ نِساؤُنا وأبْناؤُنا فَإنْ أحَبَّ أنْ يَقْتَصِرَ عَلى أنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ في دارِهِ فَعَلَ وإنْ أبى إلّا أنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ فَسَلْهُ أنْ يَرُدَّ إلَيْكَ ذِمَّتَكَ، فَإنّا قَدْ كَرِهْنا أنْ نُخْفِرَكَ ولَسْنا مُقِرِّينَ لِأبِي بَكْرٍ الِاسْتِعْلانَ فَأتى ابْنُ الدَّغِنَةِ أبا بَكْرٍ فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ فَإمّا أنْ تَقْتَصِرَ عَلى ذَلِكَ وإمّا أنْ تَرُدَّ إلى ذِمَّتِي فَإنِّي لا أُحِبُّ أنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أنِّي أُخْفِرْتُ في عَقْدِ رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فَإنِّي أرُدُّ إلَيْكَ جِوارَكَ وأرْضى بِجِوارِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ، قالَ لِلْمُسْلِمِينَ: قَدْ أرَيْتُ دارَ هِجْرَتِكم أرَيْتُ سَبْخَةً ذاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لابَتَيْنِ وهُما حَرَّتانِ، فَهاجَرَ مَن هاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ وتَجَهَّزَ أبُو بَكْرٍ مُهاجِرًا فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: عَلى رِسْلِكَ فَإنِّي أرْجُو أنْ يُؤْذَنَ لِي.
فَقالَ أبُو بَكْرٍ: وتَرْجُو ذَلِكَ بِأبِي أنْتَ؟ قالَ: نَعَمْ، فَحَبَسَ أبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِصُحْبَتِهِ وعَلَفَ راحِلَتَيْنِ كانَتا عِنْدَهُ ورَقَ السَّمُرِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، فَبَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ في بَيْتِنا في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قالَ قائِلٌ لِأبِي بَكْرٍ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُقْبِلًا في ساعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينا فِيها فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فَداهُ أبِي وأُمِّي إنْ جاءَ بِهِ في هَذِهِ السّاعَةِ إلّا أمْرٌ، فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فاسْتَأْذَنَ مَن عِنْدَكَ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّما هم أهْلُكَ بِأبِي أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: فَإنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي بِالخُرُوجِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فالصَّحابَةَ بِأبِي أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: نَعَمْ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأبِي أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ إحْدى راحِلَتَيَّ هاتَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: بِالثَّمَنِ، قالَتْ عائِشَةُ: فَجَهَّزْناهُما أحَثَّ الجِهازَ فَصَنَعْنا لَهُما سُفْرَةً في جِرابٍ فَقَطَعَتْ أسْماءُ بِنْتُ أبِي بَكْرٍ مِن نِطاقِها فَأوْكَأتْ بِهِ الجِرابَ فَلِذَلِكَ كانَتْ تُسَمّى ذاتَ النِّطاقِ، ولَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَوَأبُو بَكْرٍ بِغارٍ في جَبَلٍ يُقالُ لَهُ ثَوْرٌ، فَمَكَثا فِيهِ ثَلاثَ لَيالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُما عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي بَكْرٍ وهو غُلامٌ شابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ فَيَخْرُجُ مِن عِنْدِهِما سَحَرًا فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبائِتٍ فَلا يَسْمَعُ أمْرًا يُكادانِ بِهِ إلّا وعاهُ حَتّى يَأْتِيَهُما بِخَبَرِ ذَلِكَ حَتّى يَخْتَلِطَ الظَّلامُ ويَرْعى عَلَيْهِما عامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلًى لِأبِي بَكْرٍ مَنِيحَةً مِن غَنَمٍ، فَيُرِيحُها عَلَيْهِما حِينَ يَذْهَبُ بِغَلَسٍ ساعَةً مِنَ اللَّيْلِ، فَيَبِيتانِ في رِسْلِها حَتّى يَنْعَقَ بِها عامِرٌ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ مِن تِلْكَ اللَّيالِي الثَّلاثِ، واسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ رَجُلًا مِنَ الدِّئْلِ مِن بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هادِيًا خِرِّيتًا، قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ في آلِ العاصِ بْنِ وائِلٍ وهو عَلى دِينِ كُفّارِ قُرَيْشٍ فَأمِناهُ فَدَفَعا إلَيْهِ راحِلَتَيْهِما،
صفحة 104
وواعَداهُ غارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاثٍ فَأتاهُما بِراحِلَتَيْهِما صَبِيحَةَ ثَلاثِ لَيالٍ، فَأخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ أذاخِرَ وهو طَرِيقُ السّاحِلِ» " الحَدِيثَ بِطُولِهِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى فَضْلِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ما فِيهِ، وهو نَصٌّ في أنَّ تَجْهِيزَهُما كانَ في بَيْتِ أبِي بَكْرٍ وأنَّ الرّاحِلَتَيْنِ كانَتا لَهُ، وذُكِرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَقْبَلْ إحْداهُما إلّا بِالثَّمَنِ يَرُدُّ عَلى الرّافِضِيِّ زَعْمَ تُهْمَةِ الصَّدِيقَةِ وحاشاها في الحَدِيثِ.
هَذا ومَن أحاطَ خَبَرًا بِأطْرافِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الكَلامِ في هَذا المَقامِ عَلِمَ أنَّ قَوْلَهُ: كانَ شَيْئًا وراءَ ذَلِكَ فَبَيَّنُوهُ لَنا حَتّى نَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ ناشِئٌ عَنْ مُحْصِ الجَهْلِ أوِ العِنادِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ. وبِالجُمْلَةِ إنَّ الشِّيعَةَ قَدِ اجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهم عَلى الكُفْرِ بِدَلالَةِ الآيَةِ عَلى فَضْلِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ويَأْبى اللَّهُ تَعالى إلّا أنْ يَكُونَ كَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَتُهُ هي العُلْيا.
9:41Page 194
ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤١
Go forth, whether light or heavy,1 and strive with your wealth and your lives in the cause of Allāh. That is better for you, if you only knew.
( ﴿انْفِرُوا﴾ ) تَجْرِيدٌ لِلْأمْرِ بِالنُّفُورِ بَعْدَ التَّوْبِيخِ عَلى تَرْكِهِ والإنْكارِ عَلى المُساهَلَةِ فِيهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿خِفافًا وثِقالا﴾ حالانِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ أيْ عَلى كُلِّ حالٍ مِن يُسْرٍ أوْ عُسْرٍ حاصِلِينَ بِأيِّ سَبَبٍ كانَ مِنَ الصِّحَّةِ والمَرَضِ أوِ الغِنى والفَقْرِ أوْ قِلَّةِ العِيالِ وكَثْرَتِهِمْ أوِ الكِبَرِ والحَداثَةِ أوِ السِّمَنِ والهُزالِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَنْتَظِمُ في مُساعَدَةِ الأسْبابِ وعَدَمِها بَعْدَ الإمْكانِ والقُدْرَةِ في الجُمْلَةِ، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي يَزِيدَ المَدِينِيِّ قالَ: كانَ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ، والمِقْدادُ بْنُ الأُسُودِ يَقُولانِ: أُمِرْنا أنْ نَنْفِرَ عَلى كُلِّ حالٍ ويَتَأوَّلانِ الآيَةَ، وأخْرَجا عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالُوا إنَّ فِينا الثَّقِيلَ وذا الحاجَةِ والصَّنْعَةِ، والشُّغْلِ، والمُنْتَشِرَ بِهِ أمْرُهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ وأبى أنْ يَعْذُرَهم دُونَ أنْ يَنْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وعَلى ما كانَ مِنهم، فَما رُوِيَ في تَفْسِيرِهِما مِن قَوْلِهِمْ: خِفافًا مِنَ السِّلاحِ وثِقالًا مِنهُ أوْ رُكْبانًا ومُشاةً أوْ شُبّانًا وشُيُوخًا أوْ أصِحّاءَ ومِراضًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ لَيْسَ تَخْصِيصًا لِلْأمْرَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ بِالإرادَةِ مِن غَيْرِ مُقارِنَةٍ لِلْباقِي، «وعَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أعْلى أنْ أنْفِرَ؟ قالَ: نَعَمْ، حَتّى نَزَلَ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وغَيْرُهُ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ اشْتَدَّ عَلى النّاسِ شَأْنُها فَنَسَخَها اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ الآيَةَ، وقِيلَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، ويُفْهَمُ مِن بَعْضِ الرِّواياتِ أنْ لا نَسْخَ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي راشِدٍ قالَ: رَأيْتُ المِقْدادَ فارِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحِمْصَ يُرِيدُ الغَزْوَ فَقُلْتُ: لَقَدْ أعْذَرَ اللَّهُ تَعالى إلَيْكَ قالَ: أبَتْ عَلَيْنا سُورَةُ البُحُوثِ يَعْنِي هَذِهِ الآيَةَ مِنها.
﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ بِما أمْكَنَ لَكم مِنهُما كِلَيْهِما أوْ أحَدِهِما، والجِهادُ بِالمالِ إنْفاقُهُ عَلى السِّلاحِ وتَزْوِيدُ الغُزاةِ ونَحْوُ ذَلِكَ ( ﴿ذَلِكُمْ﴾ ) أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ النَّفِيرِ والجِهادِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ ( ﴿خَيْرٌ﴾ ) عَظِيمٌ في نَفْسِهِ ( ﴿لَكُمْ﴾ ) في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ خَيْرٌ لَكم مِمّا يُبْتَغى بِتَرْكِهِ مِنَ الرّاحَةِ، والدَّعَةِ، وسَعَةِ العَيْشِ، والتَّمَتُّعِ بِالأمْوالِ والأوْلادِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الخَيْرَ عَلِمْتُمْ أنَّهُ خَيْرٌ أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَيْرٌ إذْ لا احْتِمالَ لِغَيْرِ الصِّدْقِ في أخْبارِهِ تَعالى فَبادِرُوا إلَيْهِ، فَجَوابُ إنَّ مُقَدَّرٌ، وعَلِمَ إمّا مُتَعَدِّيَةٌ لِواحِدٍ بِمَعْنى عَرَفَ تَقْلِيلًا لِلتَّقْدِيرِ أوْ مُتَعَدِّيَةٌ لِاثْنَيْنِ عَلى بابِها هَذا.
* * *
صفحة 105
/ ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أنْ يَحْتَجِبَ بِشَيْءٍ عَنْ مُشاهَدَةِ اللَّهِ تَعالى والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ ومَنِ احْتَجَبَ بِشَيْءٍ وُكِلَ إلَيْهِ، ومِن هُنا قالُوا: اسْتِجْلابُ النَّصْرِ في الذِّلَّةِ والِافْتِقارِ والعَجْزِ، ولَمّا رَأى سُبْحانَهُ نَدَمَ القَوْمِ عَلى عَجَبِهِمْ بِكَثْرَتِهِمْ رَدَّهم إلى ساحَةِ جُودِهِ وألْبَسَهم أنْوارَ قُرْبِهِ وأمَدَّهم بِجُنُودِهِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ، وكانَتْ سَكِينَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما قالَ بَعْضُ العارِفِينَ مِن مُشاهَدَةِ الذّاتِ، وسَكِينَةُ المُؤْمِنِينَ مِن مُعايَنَةِ الصِّفاتِ، ولَهم في تَعْرِيفِ السَّكِينَةِ عِباراتٌ كَثِيرَةٌ مُتَقارِبَةُ المَعْنى فَقِيلَ: هي اسْتِحْكامُ القَلْبِ عِنْدَ جَرَيانِ حُكْمِ الرَّبِّ بِنَعْتِ الطُّمَأْنِينَةِ بِخُمُودِ آثارِ البَشَرِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ والرِّضا بِالبادِي مِنَ الغَيْبِ مِن غَيْرِ مُعارِضَةٍ واخْتِيارٍ، وقِيلَ: هي القَرارُ عَلى بِساطِ الشُّهُودِ وبِشَواهِدِ الصَّحْوِ والتَّأدُّبِ بِإقامَةِ صَفاءِ العُبُودِيَّةِ مِن غَيْرِ لُحُوقِ مَشَقَّةٍ ولا تَحَرُّكِ عَرَقٍ بِمُعارَضَةِ حُكْمٍ وقِيلَ: هي المُقامُ مَعَ اللَّهِ تَعالى بِفَناءِ الحُظُوظِ، والجُنُودُ رَوادِفُ آثارِ قُوَّةٍ تُجْلِي الحَقَّ سُبْحانَهُ، ويُقالُ: هي وُفُودُ اليَقِينِ وزَوائِدُ الِاسْتِبْصارِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ إلَخْ إلى أنَّ مَن تَدَنَّسَ بِالمَيْلِ إلى السِّوى وأشْرَكَ بِعِبادَةِ الهَوى لا يَصْلُحُ لِلْحَضْرَةِ، وهَلْ يَصْلُحُ لِبِساطِ القُدْسِ إلّا المُقَدَّسُ، وذَكَرَ أبُو صالِحٍ حَمْدُونُ أنَّ المُشْرِكَ في عَمَلِهِ مَن يَحْسُنُ ظاهِرُهُ لِمُلاقاةِ النّاسِ ومُخالَطَتِهِمْ ويُظْهِرُ لِلْخَلْقِ أحْسَنَ ما عِنْدَهُ ويَنْظُرُ إلى نَفْسِهِ بِعَيْنِ الرِّضا عَنْها، ويَنْجُسُ باطِنُهُ بِنَحْوِ الرِّياءِ، والسُّمْعَةِ، والعُجْبِ، والحِقْدِ، ونَحْوِ ذَلِكَ فالحَرَمُ الإلَهِيُّ حَرامٌ عَلى هَذا وهَيْهاتَ هَيْهاتَ أنْ يَلِجَ المَلَكُوتَ أوْ يَلِجَ الجُمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: مِن فَقَدَ طَهارَةَ الإسْرارِ بِماءِ التَّوْحِيدِ وبَقِيَ في قاذُوراتِ الظُّنُونِ والأوْهامِ فَذَلِكَ هو المُشْرِكُ وهو مَمْنُوعٌ عَنْ قُرْبانِ المَساجِدِ الَّتِي هي مَشاهِدُ القُرْبِ، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى مَنعِ الِاخْتِلاطِ مَعَ المُشْرِكِينَ، وقاسَ الصُّوفِيَّةُ أهْلَ الدُّنْيا بِهِمْ، ومِن هُنا قالَ الجُنَيْدُ: الصُّوفِيَّةُ أهْلُ غَيْبٍ لا يَدْخُلُ فِيهِمْ غَيْرُهم، وقالَ بَعْضُهم: مَن بَقِيَ في قَلْبِهِ نَظَرٌ إلى غَيْرِ خالِقِهِ لا يَجُوزُ أنْ يَدْنُوَ إلى مَجالِسِ الأوْلِياءِ غَيْرَ مُسْتَشْفٍ بِهِمْ فَإنَّ صُحْبَتَهُ تُشَوِّشُ خَواطِرَهم ويُنَجِّسُ بِنَفْسِهِ أنْفاسَهم، وصُحْبَةُ المُنْكِرِ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى تُورِثُ فَتْقًا يَصْعُبُ عَلى الخَيّاطِ رَتْقُهُ وتُؤْثِرُ خَرْقًا يُعْيِي الواعِظَ رَقْعُهُ، ومِنَ الغَرِيبِ ما يُحْكى أنَّ الجُنَيْدَ قُدِّسَ سِرُّهُ جَلَسَ يَوْمًا مَعَ خاصَّةِ أصْحابِهِ وقَدْ أغْلَقَ بابَ المَجْلِسِ حَذَرًا مَنِ الأغْيارِ وشَرَعُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فَلَمْ يَتِمَّ لَهُمُ الحُضُورُ وفَتَحَ لَهم بابَ التَّجَلِّي الَّذِي يَعْهَدُونَهُ عِنْدَ الذِّكْرِ فَتَعَجَّبُوا مِن ذَلِكَ فَقالَ الجُنَيْدُ، هَلْ مَعَكم مُنْكِرٌ حُرِمْنا بِسَبَبِهِ؟ فَقالُوا: لا، ثُمَّ اجْتَهَدُوا في مَعْرِفَةِ المانِعِ فَلَمْ يَجِدُوا إلّا نَعْلًا لِمُنْكِرٍ فَقالَ الجُنَيْدُ: مِن هُنا أُوتِينا، فانْظُرْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ تَعالى إذا كانَ هَذا حالَ نَعْلِ المُنْكِرِ فَما ظَنُّكَ بِهِ إذا حَضَرَ بِلِحْيَتِهِ؟
ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَمَّ أهْلَ الكِتابَيْنِ بِالِاحْتِجابِ عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ سُبْحانَهُ حَيْثُ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ إشارَةٌ إلى ذَمِّ التَّقْلِيدِ الصِّرْفِ وذَمِّ البُخَلاءِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾ الآيَةَ، ولَعَمْرِي إنَّهم أحِقّاءُ بِالذَّمِّ، وقَدْ قالَ بَعْضُهم: مَن بَخِلَ بِالقَلِيلِ مِن مِلْكِهِ فَقَدْ سَدَّ عَلى نَفْسِهِ بابَ نَجاتِهِ وفَتَحَ عَلَيْها طَرِيقَ هَلاكِهِ.
ولا يَخْفى أنَّ جَمْعَ المالِ وكَنْزَهُ وعَدَمَ الإنْفاقِ لا يَكُونُ إلّا لِاسْتِحْكامِ رَذِيلَةِ الشُّحِّ وكُلُّ رَذِيلَةٍ كَيَّةٌ يُعَذَّبُ بِها صاحِبُها في الآخِرَةِ ويَخْزى بِها في الدُّنْيا، ولَمّا كانَتْ مادَّةُ رُسُوخِ تِلْكَ الرَّذِيلَةِ واسْتِحْكامِها هي ذَلِكَ المالَ كانَ هو الَّذِي يُحْمى عَلَيْهِ في نارِ جَهَنَّمَ الطَّبِيعَةَ وهاوِيَةَ الهَوى فَيُكْوى صاحِبُهُ بِهِ، وخُصَّتْ هَذِهِ الأعْضاءُ لِأنَّ
صفحة 106
الشُّحَّ مَرْكُوزٌ في النَّفْسِ تَغْلِبُ القَلْبَ مِن هَذِهِ الجِهاتِ لا مِن جِهَةِ العُلُوِّ الَّتِي هي جِهَةُ اسْتِيلاءِ الرُّوحِ ومَمَدُّ الحَقائِقِ والأنْوارِ ولا مِن جِهَةِ السُّفْلى الَّتِي هِي جِهَةُ الطَّبِيعَةِ الجُسْمانِيَّةِ لِعَدَمِ تَمَكُّنِ الطَّبِيعَةِ مِن ذَلِكَ، فَبَقِيَتْ سائِرُ الجِهاتِ فَيُؤْذى بِذَلِكَ مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ ويُعَذَّبُ، وهَذا كَما تَراهُ يُعابُ في الدُّنْيا ويَخْزى مِن هَذِهِ الجِهاتِ فَيُواجَهُ بِالذَّمِّ جَهْرًا فَيُفْضَحُ أوْ يَسارُ في جَنْبِهِ أوْ يُغْتابُ مِن وراءِ ظَهْرِهِ قالَهُ بَعْضُ العارِفِينَ، ولَهم في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ يُطْلَبُ مِن مَحِلِّهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ﴾ إلَخْ عِتابٌ لِلْمُتَثاقِلِينَ أوْ لِأهْلِ الأرْضِ كافَّةً وإرْشادٌ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَغْنٍ بِنُصْرَةِ اللَّهِ عَنْ نُصْرَةِ المَخْلُوقِينَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى رُتْبَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَدِ انْفَرَدَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ انْفِرادَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ في مَقامِ قابِ قَوْسَيْنِ، ومَعْنى ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ عَلى ما قالَ ابْنُ عَطاءٍ إنَّهُ مَعَنا في الأزَلِ حَيْثُ وُصِلَ بَيْنَنا بِوَصْلَةِ الصُّحْبَةِ، وأثَرُ هَذِهِ المَعِيَّةِ قَدْ ظَهَرَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلَمْ يُفارِقْهُ حَيًّا ولا مَيِّتًا، وقِيلَ: مَعَنا بِظُهُورِ عِنايَتِهِ ومُشاهَدَتِهِ وقُرْبِهِ الَّذِي لا يُكَيَّفُ، ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ:
يا طالِبَ اللَّهِ في العَرْشِ الرَّفِيعِ بِهِ لا تَطْلُبُ العَرْشَ إنَّ المَجْدَ لِلْغارِ
ولا يَخْفى ما بَيْنَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ وقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ مِنَ الفَرْقِ الظّاهِرِ لِأرْبابِ الأذْواقِ حَيْثُ قَدَّمَ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْمَهُ تَعالى عَلَيْهِ وعَكَسَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأتى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالِاسْمِ الجامِعِ وأتى الكَلِيمُ بِاسْمِ الرَّبِّ، وأتى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنا في ( مَعَنا ) وأتى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِياءِ المُتَكَلِّمِ لِأنَّ نَبِيَّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى خُلُقٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ إنْ كانَ لِلصّاحِبِ فالأمْرُ ظاهِرٌ وإنْ كانَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَيُقالُ: في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَقامِ الفَناءِ في الشَّيْخِ إذْ ذاكَ.
وقالَ بَعْضُ الأكابِرِ: أُنْزِلَتِ السَّكِينَةُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَسْكِينِ قَلْبِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وإذْهابِ الحُزْنِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الِانْعِكاسِ والإشْراقِ ولَوْ أُنْزِلَتْ عَلى الصِّدِّيقِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ لَذابَ لَها ولِعِظَمِها فَكَأنَّهُ قِيلَ: أنْزَلَ سَكِينَةَ صاحِبِهِ عَلَيْهِ.
﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ أيِ انْفِرُوا إلى طاعَةِ مَوْلاكم خِفافًا بِالأرْواحِ ثِقالًا بِالقُلُوبِ، أوْ خِفافًا بِالقُلُوبِ وثِقالًا بِالأجْسامِ بِأنْ يُطِيعُوهُ بِالأعْمالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ، أوْ خِفافًا بِأنْوارِ المَوَدَّةِ وثِقالًا بِأماناتِ المَعْرِفَةِ، أوْ خِفافًا بِالبَسْطِ وثِقالًا بِالقَبْضِ، وقِيلَ: خِفافًا بِالطّاعَةِ وثِقالًا عَنِ المُخالَفَةِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ بِأنْ تُنْفِقُوها لِلْفُقَراءِ ( ﴿وأنْفُسِكُمْ﴾ ) بِأنْ تَجُودُوا بِها لِلَّهِ تَعالى ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في الدّارَيْنِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ لِلرَّشادِ.
9:42Page 194
لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٤٢
Had it been a near [i.e., easy] gain and a moderate trip, they [i.e., the hypocrites] would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allāh,1 "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allāh knows that indeed they are liars.
﴿لَوْ كانَ﴾ أيْ: ما دَعَوْا إلَيْهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾ أيْ غَنَمًا سَهْلَ المَأْخَذِ قَرِيبَ المَنالِ، وأصْلُ العَرَضِ ما عَرَضَ لَكَ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا ومَتاعِها، وفي الحَدِيثِ «الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ يَأْكُلُ مِنهُ البَرُّ والفاجِرُ» ﴿وسَفَرًا قاصِدًا﴾ أيْ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ القُرْبِ والبُعْدِ وهو مِن بابِ تامِرٍ ولِابْنٍ ( ﴿لاتَّبَعُوكَ﴾ ) أيْ لَوافَقُوكَ في النَّفِيرِ طَمَعًا في الفَوْزِ بِالغَنِيمَةِ، وهَذا شُرُوعٌ في تَعْدِيدِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الهَناتِ قَوْلًا وفِعْلًا وبَيانُ قُصُورِ هَمِّهِمْ وما هم عَلَيْهِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: هو تَقْرِيرٌ لِكَوْنِهِمْ مُتَثاقِلِينَ مائِلِينَ إلى الإقامَةِ بِأرْضِهِمْ، وتَعْلِيقُ الِاتِّباعِ بِكِلا الأمْرَيْنِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَحَقُّقِهِ عِنْدَ تَوَسُّطِ السَّفَرِ فَقَطْ
صفحة 107
﴿ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أيِ: المَسافَةُ الَّتِي تُقْطَعُ بِمَشَقَّةٍ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ ( بَعِدَتْ ) بِكَسْرِ العَيْنِ، و( الشِّقَّةُ ) بِكَسْرِ الشِّينِ، وبَعِدَ يَبْعَدُ كَعَلِمَ يَعْلَمُ لُغَةٌ واخْتَصَّ بِبُعْدِ المَوْتِ غالِبًا، وجاءَ لا تُبْعِدُ لِلتَّفَجُّعِ والتَّحَسُّرِ في المَصائِبِ كَما قالَ:
لا يُبْعِدُ اللَّهُ إخْوانًا لَنا ذَهَبُوا أفْناهم حَدَثانُ الدَّهْرِ والأبَدِ
( ﴿وسَيَحْلِفُونَ﴾ ) أيِ: المُتَخَلِّفُونَ عَنِ الغَزْوِ ( ﴿بِاللَّهِ﴾ ) مُتَعَلِّقٌ بِسَيَحْلِفُونَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ كَلامِهِمْ ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ القَوْلِ في الوَجْهَيْنِ أيْ سَيَحْلِفُونَ عِنْدَ رُجُوعِكَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ بِاللَّهِ قائِلِينَ ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا﴾ أوْ سَيَحْلِفُونَ قائِلِينَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا إلَخْ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ القَوْلِ لِأنَّ الحَلِفَ مِن جِنْسِ القَوْلِ وهو أحَدُ المَذْهَبَيْنِ المَشْهُورَيْنِ، والمَعْنى لَوْ كانَ لَنا اسْتِطاعَةٌ مِن جِهَةِ العُدَّةِ أوْ مِن جِهَةِ الصِّحَّةِ أوْ مِن جِهَتَيْهِما مَعًا حَسْبَما عَنَّ لَهم مِنَ التَّعَلُّلِ والكَذِبِ ﴿لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ لِما دَعَوْتُمُونا إلَيْهِ وهَذا جَوابُ القَسَمِ وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ عَلى قاعِدَةِ اجْتِماعِ القَسَمِ والشَّرْطِ إذا تَقَدَّمَ القَسَمُ وهو اخْتِيارُ ابْنِ عُصْفُورٍ، واخْتارَ ابْنُ مالِكٍ أنَّهُ جَوابُ ( لَوْ ) ولَوْ وجَوابُها جَوابُ القَسَمِ، وقِيلَ: إنَّهُ سادَ مَسَدَّ جَوابَيِ القَسَمِ والشَّرْطِ جَمِيعًا، والقَسَمُ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ ظاهِرٌ وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ ﴿لَوِ اسْتَطَعْنا﴾ في قُوَّةٍ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لِأنَّهُ بَيانٌ لِسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ وتَصْدِيقٌ لَهُ كَما قِيلَ.
واعْتُرِضَ القَوْلُ الأخِيرُ بِأنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ أحَدٌ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ، وأُجِيبُ بِأنَّ مُرادَ القائِلِ أنَّهُ لَمّا حُذِفَ جَوابُ ( لَوْ ) دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ جُعِلَ كَأنَّهُ سادَ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ ( لَوُ اسْتَطَعْنا ) بِضَمِّ الواوِ تَشْبِيهًا لَها بِواوِ الجَمْعِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ و﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ وقُرِئَ بِالفَتْحِ أيْضًا ﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ بِإيقاعِها في العَذابِ، قِيلَ: وهو بَدَلٌ مِن ( سَيَحْلِفُونَ ) واعْتُرِضَ بِأنَّ الهَلاكَ لَيْسَ مُرادِفًا لِلْحَلِفِ ولا هو نَوْعٌ مِنهُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُبْدَلَ فِعْلٌ مِن فِعْلٍ إلّا أنْ يَكُونَ مُرادِفًا لَهُ أوْ نَوْعًا مِنهُ.
وأُجِيبُ بِأنَّ الحَلِفَ الكاذِبَ إهْلاكٌ لِلنَّفْسِ ولِذَلِكَ قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اليَمِينُ الفاجِرَةُ تَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ» وحاصِلُهُ أنَّهُما تُرادَفانِ ادِّعاءً فَيَكُونُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، وقِيلَ إنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ إذِ الحَلِفُ سَبَبٌ لِلْهَلاكِ والمُسَبَّبُ يُبْدَلُ مِنَ السَّبَبِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِهِ أيْ سَيَحْلِفُونَ مُهْلِكِينَ أنْفُسَهم، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ( ﴿لَخَرَجْنا﴾ ) جِيءَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ الإخْبارِ عَنْهم كَأنَّهُ قِيلَ: نُهْلِكُ أنْفُسَنا أيْ لَخَرَجْنا مُهْلِكِينَ أنْفُسَنا كَما في قَوْلِكَ: حَلَفَ لِيَفْعَلَنَّ مَكانَ لَأفْعَلَنَّ ولَكِنْ فِيهِ بُعْدٌ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ الِاسْتِئْنافَ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ وفِيما ادَّعَوْا ضِمْنًا مِنِ انْتِفاءِ تَحَقُّقِ المُقَدَّمِ حَيْثُ كانُوا مُسْتَطِيعِينَ لِلْخُرُوجِ ولَمْ يَخْرُجُوا.
واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ القُدْرَةَ قَبْلَ الفِعْلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences