Al-AlusiAt‑Tawbah · 9:43–48

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:43–48

9:43Page 194

عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٤٣

Allāh has pardoned you, [O Muḥammad, but] why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.

﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ أيْ لِأيِّ سَبَبٍ أذِنْتَ لِهَؤُلاءِ الحالِفِينَ المُتَخَلِّفِينَ في التَّخَلُّفِ حِينَ اسْتَأْذَنُوا فِيهِ مُعْتَذِرِينَ بِعَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ، وهَذا عِتابٌ لَطِيفٌ مِنَ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ سُبْحانَهُ لِحَبِيبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى تَرْكِ الأُولى وهو التَّوَقُّفُ عَنِ الإذْنِ إلى انْجِلاءِ الأمْرِ وانْكِشافِ الحالِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أيْ: فِيما أخْبَرُوا بِهِ عِنْدَ الِاعْتِذارِ مِن عَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ ﴿وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ أيْ في ذَلِكَ، فَحَقَّ سَواءٌ كانَتْ بِمَعْنى اللّامِ أوْ إلى مُتَعَلِّقَةٍ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ سارَعْتَ إلى الإذْنِ لَهم ولَمْ تَتَوَقَّفْ حَتّى يَنْجَلِيَ الأمْرُ كَما هو قَضِيَّةُ الحَزْمِ اللّائِقِ بِشَأْنِكَ الرَّفِيعِ يا سَيِّدَ أُولِي العَزْمِ.

ولا يَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِالمَذْكُورِ نَفْسُهُ مُطْلَقًا لِاسْتِلْزامِهِ أنْ يَكُونَ إذْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهم مُعَلَّلًا أوْ مُغَيًّا بِالتَّبَيُّنِ

صفحة 108

والعِلْمِ ويَكُونُ تَوَجُّهُ الِاسْتِفْهامِ إلَيْهِ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ وهو بَيِّنُ الفَسادِ، وكِلْتا اللّامَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالإذْنِ وهُما مُخْتَلِفَتانِ مَعْنًى فَإنَّ الأُولى لِلتَّعْلِيلِ والثّانِيَةَ لِلتَّبْلِيغِ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِجَمِيعِ مَن أُشِيرَ إلَيْهِ.

وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإذْنِ بِاعْتِبارِ شُمُولِهِ لِلْكُلِّ لا بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٌ لِتَحَقُّقِ عَدَمِ اسْتِطاعَةِ البَعْضِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ ما في حَيِّزِ ( حَتّى ) والتَّعْبِيرُ عَنِ الفَرِيقِ الأوَّلِ بِالمَوْصُولِ الَّذِي صِلَتُهُ فِعْلٌ دالٌّ عَلى الحُدُوثِ وعَنِ الفَرِيقِ الثّانِي باسِمِ الفاعِلِ المُفِيدِ لِلدَّوامِ لِلْيَدانِ بِأنَّ ما ظَهَرَ مِنَ الأوَّلِينَ صِدْقٌ حادِثٌ في أمْرٍ خاصٍّ غَيْرِ مُصَحِّحٍ لِنَظْمِهِمْ في سِلْكِ الصّادِقِينَ وأنَّ ما صَدَرَ مِنَ الآخَرِينَ وإنْ كانَ كَذِبًا حادِثًا مُتَعَلِّقًا بِأمْرٍ خاصٍّ لَكِنَّهُ جارٍ عَلى عادَتِهِمُ المُسْتَمِرَّةِ ناشِئٌ عَنْ رُسُوخِهِمْ في الكَذِبِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ظُهُورِ الصِّدْقِ بِالتَّبَيُّنِ وعَمّا يَتَعَلَّقُ بِالكَذِبِ بِالعِلْمِ لِما اشْتُهِرَ مِن أنَّ مَدْلُولَ الخَبَرِ هو الصِّدْقُ والكَذِبُ احْتِمالٌ عَقْلِيٌّ وإسْنادُ العِلْمِ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ دُونَ المَعْلُومِينَ بِأنْ يُبْنى الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ مَعَ إسْنادِ التَّبَيُّنِ لِلْأوَّلِينَ لِما أنَّ المَقْصُودَ هَهُنا عِلْمُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِمْ ومُؤاخَذَتُهم بِمُوجِبِهِ بِخِلافِ الأوَّلِينَ حَيْثُ لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِمْ؛ وإسْنادُ التَّبَيُّنِ إلَيْهِمْ وتَعْلِيقُ العِلْمِ بِالآخَرِينَ مِن أنَّ مَدارَ الإسْنادِ والتَّعَلُّقِ أوَّلًا وبِالذّاتِ هو وصْفُ الصِّدْقِ والكَذِبِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ لِما أنَّ القَصْدَ هو العِلْمُ بِكِلا الفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِما بِوَصْفَيْهِما المَذْكُورَيْنِ ومُعامَلَتِهِما بِحَسَبِ اسْتِحْقاقِهِما لا العِلْمِ بِالوَصْفَيْنِ بِذاتَيْهِما أوْ بِاعْتِبارِ قِيامِهِما بِمَوْصُوفَيْهِما قالَهُ شَيْخُ الإسْلامِ ولا يَخْفى حُسْنُهُ، وفي تَصْدِيرِ الخِطابِ بِما صَدَرَ بِهِ تَعْظِيمٌ لِقَدْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَوْقِيرٌ لَهُ وتَوْفِيرٌ لِحُرْمَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَثِيرًا ما يَصْدُرُ الخِطابُ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ لِتَعْظِيمِ المُخاطَبِ فَيُقالُ: عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْكَ ما صَنَعْتَ في أمْرِي؟ ورَضِيَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْكَ ما جَوابُكَ عَنْ كَلامِي؟ والغَرَضُ التَّعْظِيمُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ الجَهْمِ يُخاطِبُ المُتَوَكِّلَ وقَدْ أمَرَ بِنَفْيِهِ:

عَفا اللَّهُ عَنْكَ ألا حُرْمَةٌ تَجُودُ بِفَضْلِكَ يا ابْنَ العُلا

ألَمْ تَرَ عَبْدًا عَدا طَوْرَهُ ∗∗∗ ومَوْلًى عَفا ورُشْدًا هُدى

أقِلْنِي أقالَكَ مَن لَمْ يَزَلْ ∗∗∗ يَقِيكَ ويَصْرِفُ عَنْكَ الرَّدى

ومِمّا يُنْظَمُ في هَذا السَّلَكِ ما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «لَقَدْ عَجِبْتُ مِن يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَرَمِهِ وصَبْرِهِ، واللَّهُ تَعالى يَغْفِرُ لَهُ حِينَ سُئِلَ عَنِ البَقَراتِ العِجافِ والسِّمانِ ولَوْ كُنْتُ مَكانَهُ ما أخْبَرْتُهم حَتّى أشْتَرِطَ أنْ يُخْرِجُونِي» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهُ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُمْ بِمُعاتَبَةٍ أحْسَنَ مِن هَذا بَدَأ بِالعَفْوِ قَبْلَ المُعاتَبَةِ، وقالَ السَّجاوَنْدِيُّ: إنَّ فِيهِ تَعْلِيمَ تَعْظِيمِ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ وسَلامُهُ ولَوْلا تَصْدِيرُ العَفْوِ في العِتابِ لَما قامَ بِصَوْلَةِ الخِطابِ، وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أنَّهُ قالَ: انْظُرُوا إلى هَذا اللُّطْفِ بَدَأ بِالعَفْوِ قَبْلَ ذِكْرِ المَعْفُوِّ، ولَقَدْ أخْطَأ وأساءَ الأدَبَ وبِئْسَما فَعَلَ فِيما قالَ وكَتَبَ صاحِبُ الكَشّافِ كَشَفَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سِتْرَهُ ولا إذْنَ لَهُ لِيَذْكُرَ عُذْرَهُ حَيْثُ زَعَمَ أنَّ الكَلامَ كِنايَةٌ عَنِ الجِنايَةِ وأنَّ مَعْناهُ أخْطَأْتُ وبِئْسَما فَعَلْتَ، وفي الِانْتِصافِ لَيْسَ لَهُ أنَّ يُفَسِّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِهَذا التَّفْسِيرِ وهو بَيْنَ أحَدِ الأمْرَيْنِ إمّا أنْ لا يَكُونَ هو المُرادَ أوْ يَكُونَ ولَكِنْ قَدْ أجَلَّ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ الكَرِيمَ عَنْ مُخاطَبَتِهِ بِذَلِكَ ولَطَفَ بِهِ في الكِنايَةِ عَنْهُ أفَلا يَتَأدَّبُ بِآدابِ اللَّهِ خُصُوصًا في حَقِّ المُصْطَفى ﷺ، فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو ذاهِلٌ عَمّا يَجِبُ مِن حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

ويا سُبْحانَ اللَّهِ مِن أيْنَ أخَذَ عامَلَهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدْلِهِ ما عَبَّرَ عَنْهُ بِبِئْسَما، والعَفْوُ لَوْ سَلِمَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْخَطَأِ فَهو

صفحة 109

غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِكَوْنِهِ مِنَ القُبْحِ واسْتِتْباعِ اللّائِمَةِ بِحَيْثُ يُصَحِّحُ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ المُشافَهَةِ بِالسُّوءِ ويُسَوِّغُ إنْشاءَ الِاسْتِقْباحِ بِكَلِمَةِ بِئْسَما المُنْبِئَةِ عَنْ بُلُوغِ القُبْحِ إلى رُتْبَةٍ يُتَعَجَّبُ مِنها، واعْتَذَرَ عَنْهُ صاحِبُ الكَشْفِ حَيْثُ قالَ: أرادَ أنَّ الأصْلَ ذَلِكَ وأُبْدِلَ بِالعَفْوِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وتَنْبِيهًا عَلى لُطْفِ مَكانِهِ ولِذَلِكَ قَدَّمَ العَفْوَ عَلى ذِكْرِ ما يُوجِبُ الجِنايَةَ، ولَيْسَ تَفْسِيرُهُ هَذا بِناءًا عَلى أنَّ العُدُولَ إلى عَفا اللَّهُ لا لِلتَّعْظِيمِ حَتّى يُخَطَّأ.

وأمّا المُسْتَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ التَّعْظِيمِ فَهو إذا كانَ دُعاءً لا خَبَرًا، عَلى أنَّ الدُّعاءَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلتَّعْرِيضِ بِالِاسْتِقْصاءِ كَقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «رَحِمَ اللَّهُ تَعالى أخِي لُوطًا لَقَدْ كانَ يَأْوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» وتَحْقِيقُهُ أنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ حَقارَةٍ بِشَأْنِ المُخاطَبِ أوِ الغائِبِ حَسَبَ اخْتِلافِ الصِّيغَةِ، وأمّا التَّعْظِيمُ أوِ التَّعْرِيضُ فَقَدْ وقَدِ انْتَهى، ولا يَخْفى ما فِيهِ فَهو اعْتِذارٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ، وكَمْ لِهَذِهِ السَّقْطَةِ في الكَشّافِ نَظائِرُ، ولِذَلِكَ امْتَنَعَ مِن إقْرائِهِ بَعْضُ الأكابِرِ كالإمامِ السُّبْكِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، ولَيْتَ العَلّامَةَ البَيْضاوِيَّ لَمْ يُتابِعْهُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، هَذا واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن زَعَمَ صُدُورَ الذَّنْبِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ العَفْوَ يَسْتَدْعِي سابِقَةَ الذَّنْبِ.

الثّانِي: أنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الإذْنَ كانَ مَعْصِيَةً، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّها خارِجَةٌ مَخْرَجَ العِتابِ كَما عَلِمْتَ عَلى تَرْكِ الأوْلى والأكْمَلِ قالُوا: لا يَخْفى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَما في خُرُوجِهِمْ مُصْلِحَةً لِلدِّينِ أوْ مَنفَعَةً لِلْمُسْلِمِينَ بَلْ كانَ فِيهِ فَسادٌ وخَبالٌ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا﴾ إلَخْ، وقَدْ كَرِهَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ الآيَةَ، نَعَمْ كانَ الأوْلى تَأْخِيرَ الإذْنِ حَتّى يَظْهَرَ كَذِبُهم ويَفْتَضِحُوا عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، ولا يَتَمَكَّنُوا مِنَ التَّمَتُّعِ بِالعَيْشِ عَلى الأمْنِ والدَّعَةِ ولا يَتَسَنّى لَهُمُ الِابْتِهاجُ فِيما بَيْنَهم بِأنَّهم غَرُّوهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأرْضَوْهُ بِالأكاذِيبِ عَلى أنَّهم لَمْ يَهْنَأْ لَهم عَيْشٌ ولا قَرَّتْ لَهم عَيْنٌ إذْ لَمْ يَكُونُوا عَلى أمْنٍ واطْمِئْنانٍ بَلْ كانُوا عَلى خَوْفٍ مِن ظُهُورِ أمْرِهِمْ، وقَدْ كانَ.

ومِنَ النّاسِ مَن ضَعَّفَ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ بِأنّا لَوْ نُسَلِّمُ أنَّ ﴿عَفا اللَّهُ﴾ يَسْتَدْعِي سابِقَةَ الذَّنْبِ، والسَّنَدُ ما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما مَرَّ سَلَّمْنا لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ مَقُولٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ لا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ صَدَرَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ذَنْبٌ في هَذِهِ الواقِعَةِ أوْ لَمْ يَصْدُرْ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ما ذُكِرَ إنْكارًا، أمّا عَلى الأوَّلِ فَلِأنَّهُ إذا لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ذَنْبٌ فَكَيْفَ يَتَأتّى الإنْكارُ عَلَيْهِ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِأنَّ صَدْرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ العَفْوِ وبَعْدَ حُصُولِهِ يَسْتَحِيلُ تَوَجُّهُ الإنْكارِ فافْهَمْ.

واسْتَدَلَّ بِها جَمْعٌ عَلى أنَّ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اجْتِهادًا وأنَّهُ قَدْ يَنالُهُ مِنهُ أجْرٌ واحِدٌ والوَجْهُ فِيهِ ظاهِرٌ، وما فَعَلَهُ ﷺ في هَذِهِ الواقِعَةِ أحَدُ أمْرَيْنِ فَعَلَهُما ولَمْ يُؤْمَرْ بِفِعْلِهِما كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، ثانِيهِما أخْذُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الفِداءَ مِنَ الأُسارى وقَدْ تَقَدَّمَ، وادَّعى بَعْضُهُمُ الحَصْرَ في هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإنَّ لَهُما ثالِثًا وهو المَذْكُورُ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ وغَيْرِ ذَلِكَ كالمَذْكُورِ في سُورَةِ عَبَسَ، وأُجِيبُ بِأنَّهُ يُمْكِنُ تَقْيِيدُ الأمْرَيْنِ بِما يَتَعَلَّقُ بِأمْرِ الجِهادِ واللَّهُ تَعالى ولِيُّ الرَّشادِ.

9:44Page 194

لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ٤٤

Those who believe in Allāh and the Last Day would not ask permission of you to be excused from striving [i.e., fighting] with their wealth and their lives. And Allāh is Knowing of those who fear Him.

﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَسْتَدِلَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاسْتِئْذانِهِمْ عَلى حالِهِمْ ولا يَأْذَنُ لَهم أيْ لَيْسَ مِن شَأْنِ المُؤْمِنِينَ وعادَتِهِمْ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في ﴿أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾

صفحة 110

فَإنَّ الخُلَّصَ مِنهم يُبادِرُونَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى الإذْنِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَأْذِنُوكَ في التَّخَلُّفِ عَنْهُ، أخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مِن خَيْرِ مَعاشِ النّاسِ رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنانِ فَرَسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ يَطِيرُ عَلى مَتْنِهِ كُلَّما سَمِعَ هَيْعَةً أوْ فَزَعًا طارَ عَلى مَتْنِهِ يَبْتَغِي القَتْلَ أوِ المَوْتَ مَظانَّهُ» ونَفْيُ العادَةِ مُسْتَفادٌ مِن نَفْيِ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِمْرارِ نَحْوَ فُلانٍ يَقْرِي الضَّيْفَ ويَحْمِي الحَرِيمَ، فالكَلامُ مَحْمُولٌ عَلى نَفْيِ الِاسْتِمْرارِ، ولَوْ حُمِلَ عَلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ، فَيَكُونُ المَعْنى عادَتُهم عَدَمُ الِاسْتِئْذانِ لَمْ يَبْعُدْ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ الحَماسِيِّ:

لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانا

قِيلَ: وهَذا الأدَبُ يَجِبُ أنْ يُقْتَفى مُطْلَقًا فَلا يَلِيقُ بِالمَرْءِ أنْ يَسْتَأْذِنَ أخاهُ في أنْ يُسْدِيَ إلَيْهِ مَعْرُوفًا ولا بِالمُضِيفِ أنَّ يَسْتَأْذِنَ ضَيْفَهُ في أنْ يُقَدِّمَ إلَيْهِ طَعامًا، فَإنَّ الِاسْتِئْذانَ في مِثْلِ هَذِهِ المَواطِنِ أمارَةُ التَّكَلُّفِ والتَّكَرُّهِ، ولَقَدْ بَلَغَ مِن كَرَمِ الخَلِيلِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ وأدَبِهِ مَعَ ضُيُوفِهِ أنَّهُ لا يَتَعاطى شَيْئًا مِن أسْبابِ التَّهَيُّؤِ لِلضِّيافَةِ بِمَرْأًى مِنهم فَلِذَلِكَ مَدَحَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهَذِهِ الخَلَّةِ الجَمِيلَةِ والآدابِ الجَلِيلَةِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ أيْ ذَهَبَ عَلى خَفاءٍ مِنهم كَيْلا يَشْعُرُوا بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ الِاسْتِئْذانِ مَحْذُوفًا و﴿أنْ يُجاهِدُوا﴾ بِتَقْدِيرِ كَراهَةِ أنْ يُجاهِدُوا، والمَحْذُوفُ قِيلَ: التَّخَلُّفُ عَلَيْهِ، والمَعْنى لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في التَّخَلُّفِ كَراهَةَ الجِهادِ، والنَّفْيُ مُتَوَجِّهٌ لِلِاسْتِئْذانِ والكَراهَةِ مَعًا، وقالَ بَعْضٌ: إنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلى القَيْدِ وبِهِ ويَمْتازُ المُؤْمِنُ مِنَ المُنافِقِ وهو وإنْ كانَ في نَفْسِهِ أمْرًا خَفِيًّا لا يُوقَفُ عَلَيْهِ بادِئَ الأمْرِ لَكِنَّ عامَّةَ أحْوالِهِمْ لَمّا كانَتْ مُنْبِئَةً عَنْ ذَلِكَ جُعِلَ أمْرًا ظاهِرًا مُقَرَّرًا.

وقِيلَ: الجِهادُ أيْ لا يَسْتَأْذِنُكَ المُؤْمِنُونَ في الجِهادِ كَراهَةَ أنْ يُجاهِدُوا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاسْتِئْذانَ في الجِهادِ بِما يَكُونُ لِكَراهَةٍ، ولا يَخْفى أنَّ الِاسْتِئْذانَ في الشَّيْءِ لِكَراهَتِهِ مِمّا لا يَقَعُ بَلْ لا يُعْقَلُ، ولَوْ سَلِمَ وُقُوعُهُ فالِاسْتِئْذانُ لِعِلَّةِ الكَراهَةِ مِمّا لا يَمْتازُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مِنَ الِاسْتِئْذانِ لِعِلَّةِ الرَّغْبَةِ، لَوْ سَلِمَ فالَّذِي نُفِيَ عَنِ المُؤْمِنِينَ يَجِبُ أنْ يَثْبُتَ لِلْمُنافِقِينَ وظاهِرٌ أنَّهم لَمْ يَسْتَأْذِنُوا في الجِهادِ لِكَراهَتِهِمْ لَهُ بَلْ إنَّما اسْتَأْذَنُوا في التَّخَلُّفِ فَتَدَبَّرْ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ شَهادَةٌ لَهم بِالتَّقْوى لِوَضْعِ المُظْهَرِ فِيهِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ أوْ إرادَةِ جِنْسِ المُتَّقِينَ ودُخُولِهِمْ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا وعِدَةٌ لَهم بِالثَّوابِ الجَزِيلِ، فَإنَّ قَوْلَنا: أحْسَنْتَ إلَيَّ فَأنا أعْلَمُ بِالمُحْسِنِ وُعِدَ بِأجْزَلِ الثَّوابِ وأسَأْتَ إلَيَّ فَأنا أعْلَمُ بِالمُسِيءِ وُعِدَ بِأشَدِّ العِقابِ، قِيلَ: وفي ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ كَأنَّهُ قِيلَ: واللَّهُ عَلِيمٌ بِأنَّهم كَذَلِكَ وإشْعارٌ بِأنَّ ما صَدَرَ عَنْهم مُعَلَّلٌ بِالتَّقْوى.

9:45Page 194

إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ ٤٥

Only those would ask permission of you who do not believe in Allāh and the Last Day and whose hearts have doubted, and they, in their doubt, are hesitating.

﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أيْ في التَّخَلُّفِ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ تَخْصِيصُ الإيمانِ بِهِما في المَوْضِعَيْنِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الباعِثَ عَلى الجِهادِ والمانِعَ عَنْهُ الإيمانُ بِهِما وعَدَمُ الإيمانِ بِهِما، فَمَن آمَنَ بِهِما قاتَلَ في سَبِيلِ دِينِهِ وتَوْحِيدِهِ وهانَ عَلَيْهِ القَتْلُ فِيهِ لِما يَرْجُوهُ في اليَوْمِ الآخِرِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ ومَن لَمْ يُؤْمِن بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ، عَلى أنَّ الإيمانَ بِهِما مُسْتَلْزِمٌ لِلْإيمانِ بِسائِرِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الرَّيْبِ وتَقَرُّرِهِ ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ﴾ وشَكِّهِمُ المُسْتَمِرِّ في قُلُوبِهِمْ ( ﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾ ) أيْ يَتَحَيَّرُونَ، وأصْلُ مَعْنى التَّرَدُّدِ الذَّهابُ والمَجِيءُ وأُرِيدَ بِهِ هُنا التَّحَيُّرُ مَجازًا أوْ كِنايَةً لِأنَّ المُتَحَيِّرَ لا يَقَرُّ في مَكانٍ، والآيَةُ نَزَلَتْ كَما

صفحة 111

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في المُنافِقِينَ حِينَ اسْتَأْذَنُوا في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ بِغَيْرِ عُذْرٍ وكانُوا عَلى ما في بَعْضِ الرِّواياتِ تِسْعَةً وثَلاثِينَ رَجُلًا، وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنً المُنْذِرِ، وغَيْرُهُما عَنْهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ إلَخْ نَسَخَتْهُ الآيَةُ الَّتِي في النُّورِ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ إلى ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فَجَعَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأعْلى النَّظَرَيْنِ في ذَلِكَ مَن غَزا غَزا في فَضِيلَةٍ ومَن قَعَدَ قَعَدَ في غَيْرِ حَرَجٍ إنْ شاءَ.

9:46Page 194

۞ وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٤٦

And if they had intended to go forth, they would have prepared for it [some] preparation. But Allāh disliked their being sent, so He kept them back, and they were told, "Remain [behind] with those who remain."1

﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ أيْ: أُهْبَةً مِنَ الزّادِ والرّاحِلَةِ وسائِرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ في السَّفَرِ الَّذِي يُرِيدُهُ.

وقُرِئَ ( عُدَّهُ ) بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ والإضافَةِ إلى ضَمِيرِ الخُرُوجِ، قالَ ابْنُ جِنِّي: سُمِعَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ يَقْرَأُ بِها، وخُرِّجَتْ عَلى أنَّ الأصْلَ عُدَّتُهُ إلّا أنَّ التّاءَ سَقَطَتْ كَما في إقامِ الصَّلاةِ وهو سَماعِيٌّ وإلى هَذا ذَهَبَ الفَرّاءُ، والضَّمِيرُ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ واحِدٍ عِوَضٌ عَنِ التّاءِ المَحْذُوفَةِ، قِيلَ: ولا تُحْذَفُ بِغَيْرِ عِوَضٍ وقَدْ فَعَلُوا مِثْلَ ذَلِكَ في عِدَةٍ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنى الوَعْدِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ:

إنَّ الخَلِيطَ أجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدُوا وأخْلَفُوكَ عِدى الأمْرِ الَّذِي وعَدُوا

وقُرِئَ ( عِدَهُ ) بِكَسْرِ العَيْنِ بِإضافَةٍ وغَيْرِها ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ أيْ: خُرُوجَهم كَما رُوِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أوْ نُهُوضَهم لِلْخُرُوجِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ ( ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ ) أيْ: حَبَسَهم وعَوَّقَهم عَنْ ذَلِكَ: والِاسْتِدْراكُ قِيلَ عَمّا يُفْهَمُ مِن مُقَدَّمِ الشَّرْطِيَّةِ فَإنَّ انْتِفاءَ إرادَةِ الخُرُوجِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفاءَ خُرُوجِهِمْ وكَراهَةَ اللَّهِ تَعالى انْبِعاثَهَمْ يَسْتَلْزِمُ تَثَبُّطَهم عَنِ الخُرُوجِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما خَرَجُوا لَكِنْ تَثَبَّطُوا عَنِ الخُرُوجِ، فَهو اسْتِدْراكُ نَفْيِ الشَّيْءِ بِإثْباتِ ضِدِّهِ كَما يُسْتَدْرَكُ نَفْيُ الإحْسانِ بِإثْباتِ الإساءَةِ في قَوْلِكَ: ما أحْسَنَ إلَيَّ لَكِنْ أساءَ، والِاتِّفاقُ في المَعْنى لا يَمْنَعُ الوُقُوعَ بَيْنَ طَرَفَيْ لَكِنْ بَعْدَ تَحَقُّقِ الِاخْتِلافِ نَفْيًا وإثْباتًا في اللَّفْظِ، وبَحَثَ فِيهِ بَعْضُهم بِأنَّ ( لَكِنْ ) تَقَعُ بَيْنَ ضِدَّيْنِ أوْ نَقِيضَيْنِ أوْ مُخْتَلِفَيْنِ عَلى قَوْلٍ ووَقَعَتْ فِيما نَحْنُ فِيهِ بَيْنَ مُتَّفِقَيْنِ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ فالظّاهِرُ أنَّها لِلتَّأْكِيدِ كَما أثْبَتُوا مَجِيئَها لِذَلِكَ وفِيهِ نَظَرٌ: واسْتَظْهَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ كَوْنَ الِاسْتِدْراكِ مِن نَفْسِ المُقَدَّمِ عَلى نَهْجِ ما في الأقْيِسَةِ الِاسْتِثْنائِيَّةِ، والمَعْنى لَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ ما أرادُوهُ لَمّا أنَّهُ تَعالى كَرِهَ انْبِعاثَهم مِنَ المَفاسِدِ فَحَبَسَهم بِالجُبْنِ والكَسَلِ فَتَثَبَّطُوا عَنْهُ ولَمْ يَسْتَعِدُّوا لَهُ.

﴿وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ تَمْثِيلٌ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى داعِيَةً القُعُودَ فِيهِمْ وإلْقائِهِ سُبْحانَهُ كَراهَةَ الخُرُوجِ في قُلُوبِهِمْ بِالأمْرِ بِالقُعُودِ أوْ تَمْثِيلٌ لِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ بِذَلِكَ فَلَيْسَ هُناكَ قَوْلٌ حَقِيقَةً، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ أيْ أماتَهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةَ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ أوْ إذْنَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهم في القُعُودِ، فالقَوْلُ عَلى حَقِيقَتِهِ، والمُرادُ بِالقاعِدِينَ الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ والجُثُومُ في البُيُوتِ كالنِّساءِ والصِّبْيانِ والزَّمْنى أوِ الرِّجالِ الَّذِينَ يَكُونُ لَهم عُذْرٌ يَمْنَعُهم عَنِ الخُرُوجِ، وفِيهِ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ مِنَ الذَّمِّ ما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ.

9:47Page 194

لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧

Had they gone forth with you, they would not have increased you except in confusion, and they would have been active among you, seeking [to cause] you fitnah [i.e., chaos and dissension]. And among you are avid listeners to them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ بَيانٌ لِكَراهَةِ اللَّهِ تَعالى انْبِعاثَهم أيْ لَوْ خَرَجُوا مُخالِطِينَ لَكم ﴿ما زادُوكُمْ﴾ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا خَبالا﴾ أيْ: شَرًّا وفَسادًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَجْزًا وجُبْنًا، وعَنِ الضَّحّاكِ غَدْرًا ومَكْرًا، وأصْلُ الخَبالِ كَما قالَ الخازِنُ: اضْطِرابٌ ومَرَضٌ يُؤَثِّرُ في العَقْلِ كالجُنُونِ، وفي مُجْمَعِ البَيانِ أنَّهُ الِاضْطِرابُ في الرَّأْيِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مُتَّصِلٌ والمُسْتَثْنى مِنهُ ما عَلِمْتَ

صفحة 112

ولا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ لَهم خَبالٌ حَتّى لَوْ خَرَجُوا زادُوهُ لَأنَّ الزِّيادَةَ بِاعْتِبارِ أعَمِّ العامِّ الَّذِي وقَعَ مِنهُ الِاسْتِثْناءُ، وقالَ بَعْضُهم: تَوَهُّمًا مِنهُ لُزُومَ ما ذُكِرَ هو مُفَرَّغٌ مُنْقَطِعٌ والتَّقْدِيرُ ما زادُوكم قُوَّةً وخَيْرًا لَكِنْ شَرًّا وخَبالًا.

واعْتُرِضَ بِأنَّ المُنْقَطِعَ لا يَكُونُ مُفَرَّغًا وفِيهِ بَحْثٌ لِأنَّهُ مانِعٌ مِنهُ إذا دَلَّتِ القَرِينَةُ عَلَيْهِ كَما إذا قِيلَ: ما أنِيسُكَ في البادِيَةِ؟ فَقُلْتُ: ما لِي بِها إلّا اليَعافِيرُ، أيْ ما لِي بِها أنِيسٌ إلّا ذَلِكَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في وُجُودِ القَرِينَةِ هَهُنا مَقالًا.

وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّهُ كانَ في تِلْكَ الغَزْوَةِ مُنافِقُونَ لَهم خَبالٌ فَلَوْ خَرَجَ هَؤُلاءِ أيْضًا واجْتَمَعُوا بِهِمْ زادَ الخَبالُ فَلا فَسادَ في ذَلِكَ الِاسْتِلْزامِ لَوْ تَرَتَّبَ ( ﴿ولأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ ) الإيضاعُ سَيْرُ الإبِلِ يُقالُ: أوْضَعَتِ النّاقَةُ تَضَعُ إذا أسْرَعَتْ وأوْضَعْتُها أنا إذا حَمَلْتَها عَلى الإسْراعِ، والخِلالُ جَمْعُ خَلَلٍ وهو الفُرْجَةُ اسْتُعْمِلَ ظَرْفًا بِمَعْنى بَيْنَ ومَفْعُولُ الإيضاعِ مُقَدَّرٌ أيِ النَّمائِمَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، وفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ حَيْثُ شُبِّهَتِ النَّمائِمُ بِالرَّكائِبِ في جَرَيانِها وانْتِقالِها، وأثْبَتَ لَها الإيضاعَ عَلى سَبِيلِ التَّخْيِيلِ، والمَعْنى ولَسَعَوْا بَيْنَكم بِالنَّمِيمَةِ وإفْسادِ ذاتِ البَيْنِ.

وقالَ العَلّامَةُ الطِّيبِيُّ: فِيهِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَ سُرْعَةَ إفْسادِهِمْ ذاتَ البَيْنِ بِالنَّمائِمِ بِسُرْعَةِ سَيْرِ الرّاكِبِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لَها الإيضاعُ وهو لِلْإبِلِ والأصْلُ ولَأوْضَعُوا رَكائِبَ نَمائِمِهِمْ خِلالَكم ثُمَّ حُذِفَ النَّمائِمُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فَقِيلَ لَأوْضَعُوا رَكائِبَهم ثُمَّ حُذِفَتِ الرَّكائِبُ، ومَنَعَ الأخْفَشُ في كِتابِ الغاياتِ أنْ يُقالَ: أوْضَعَتِ الرَّكائِبُ ووَضَعَ البَعِيرُ بِمَعْنى أسْرَعَ وإنَّما يُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ بِدُونِ قَيْدٍ، وجَوَّزَ ذَلِكَ غَيْرُهُ واسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِهِ:

فَلَمْ أرَ سُعْدى بَعْدَ يَوْمِ لَقِيتُها غَداةً بِها أجْمالُها صاحَ تَوْضَعُ

وقُرِئَ ( ولَأرْقَصُوا ) مِن رَقَصَتِ النّاقَةُ إذا أسْرَعَتْ وأرْقَصْتُها ومِنهُ قَوْلُهُ:

يا عامُ لَوْ قَدَرَتْ عَلَيْكَ رِماحُنا ∗∗∗ والرّاقِصاتُ إلى مِنًى فالغَبْغَبِ

وقُرِئَ ( لَأوْفَضُوا ) والمُرادُ لَأسْرَعُوا أيْضًا يُقالُ: أوْفَضَ واسْتَوْفَضَ إذا اسْتَعْجَلَ وأسْرَعَ والوَفْضُ العَجَلَةُ، وكَتَبَ قَوْلَهُ تَعالى: ( لَأوْضَعُوا ) في الإمامِ بِألِفَيْنِ الثّانِيَةُ مِنهُما هي فَتْحَةُ الهَمْزَةِ والفُتْحَةُ تُرْسَمُ لَها ألِفٌ كَما ذَكَرَهُ الدّانِي، وفي الكَشّافِ كانَتِ الفَتْحَةُ تُكْتَبُ ألِفًا قَبْلَ الخَطِّ العَرَبِيِّ اخْتُرِعَ قَرِيبًا مِن نُزُولِ القُرْآنِ وقَدْ بَقِيَ مِن ذَلِكَ الألِفِ أثَرٌ في الطِّباعِ فَكَتَبُوا صُورَةَ الهَمْزَةِ ألِفًا وفَتْحَتَها ألِفًا أُخْرى ومِثْلُ ذَلِكَ ﴿أوْ لأذْبَحَنَّهُ﴾ ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَ أنْ يَفْتِنُوكم بِإيقاعِ الخِلافِ فِيما بَيْنَكم وتَهْوِيلِ أمْرِ العَدُوِّ عَلَيْكم وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِكم وهَذا هو المَرْوِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ الفِتْنَةَ بِمَعْنى الشِّرْكِ أيْ يُرِيدُونَ أنْ تَكُونُوا مُشْرِكِينَ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ أوْضَعُوا أيْ باغِينَ لَكُمُ الفِتْنَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ أيْ نَمّامُونَ يَسْمَعُونَ حَدِيثَكم لِأجْلِ نَقْلِهِ إلَيْهِمْ كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ أوْ فِيكم أُناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ضَعَفَةٌ يَسْمَعُونَ قَوْلَهم ويُطِيعُونَهم كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، وابْنِ إسْحاقَ، وجَماعَةٍ.

واللّامُ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ لِلتَّعْلِيلِ وعَلى الثّانِي لِلتَّقْوِيَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾، والجُمْلَةُ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( ﴿يَبْغُونَكُمُ﴾ ) أوْ مِن فاعِلِهِ لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرِهِما أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ.

قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ولَعَلَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَكُونُوا في كَمِّيَّةِ العَدَدِ وكَيْفِيَّةِ الفَسادِ بِحَيْثُ يَخِلُّ مَكانُهم فِيما بَيْنَ المُؤْمِنِينَ بِأمْرِ الجِهادِ إخْلالًا عَظِيمًا ولَمْ يَكُنْ فَسادُ خُرُوجِهِمْ مُعادِلًا لِمَنفَعَتِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَقْتَضِ الحِكْمَةُ عَدَمَ خُرُوجِهِمْ فَخَرَجُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ، ولَكِنْ حَيْثُ كانَ انْضِمامُ المُنافِقِينَ القاعِدِينَ إلَيْهِمْ مُسْتَتْبَعًا لِخَلَلٍ كُلِّيٍّ كَرِهَ اللَّهُ تَعالى انْبِعاثَهم فَلَمْ

صفحة 113

يَتَسَنَّ اجْتِماعُهم فانْدَفَعَ فَسادُهُمُ. انْتَهى، والِاحْتِياجُ إلَيْهِ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ أظْهَرُ مِنهُ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِأنَّ الظّاهِرَ عَلَيْهِ أنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، ووَجْهُ العِتابِ عَلى الإذْنِ في قُعُودِهِمْ مَعَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ أنَّهم لَوْ قَعَدُوا بِغَيْرِ إذْنٍ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَظَهَرَ نِفاقُهم فِيما بَيْنَ المُسْلِمِينَ مِن أوَّلِ الأمْرِ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُخالَطَتِهِمْ والسَّعْيِ فِيما بَيْنَهم بِالأراجِيفِ ولَمْ يَتَسَنَّ لَهُمُ التَّمَتُّعُ بِالعَيْشِ إلى أنْ يَظْهَرَ حالُهم بِقَوارِعِ الآياتِ النّازِلَةِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ عِلْمًا مُحِيطًا بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ وأفْعالِهِمُ الماضِيَةِ والمُسْتَقْبَلَةِ فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ والتَّشْدِيدِ في الوَعِيدِ والإشْعارِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى الظُّلْمِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالظّالِمِينَ الجِنْسُ ويَدْخُلَ المَذْكُورُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والمُرادُ مِنهم إمّا القاعِدُونَ أوْ هم والسَّمّاعُونَ.

9:48Page 195

لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٤٨

They had already desired dissension before and had upset matters for you1 until the truth came and the ordinance [i.e., victory] of Allāh appeared, while they were averse.

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ﴾ تَشْتِيتَ شَمْلِكَ وتَفَرُّقَ أصْحابِكَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وذَلِكَ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ انْصَرَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ بِأصْحابِهِ المُنافِقِينَ، وقَدْ تَخَلَّفَ بِهِمْ عَنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ أيْضًا بَعْدَ أنْ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إلى قَرِيبٍ مِن ثَنِيَّةِ الوَداعِ، ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، أنَّ المُرادَ بِالفِتْنَةِ الفَتْكُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ اجْتَمَعَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ ووَقَفُوا عَلى الثَّنِيَّةِ لِيَفْتِكُوا بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَرَدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى خاسِئِينَ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ أيِ: المَكايِدَ تَقْلِيبُها مَجازٌ عَنْ تَدْبِيرِها أوِ الآراءِ وهو مَجازٌ عَنْ تَفْتِيشِها، أيْ دَبَّرُوا لَكَ المَكايِدَ والحِيَلَ أوْ دَوَّرُوا الآراءَ في إبْطالِ أمْرِكَ، وقُرِئَ ( وقَلَبُوا ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ﴾ أيِ: النَّصْرُ والظَّفَرُ الَّذِي وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى ﴿وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ غَلَبَ دِينُهُ وعَلا شَرْعُهُ سُبْحانَهُ ﴿وهم كارِهُونَ﴾ أيْ في حالِ كَراهَتِهِمْ لِذَلِكَ أيْ عَلى رَغْمٍ مِنهم، والإتْيانُ كَما قالُوا لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ عَنْ تَخَلُّفِ المُتَخَلِّفِينَ وبَيانِ ما ثَبَّطَهُمُ اللَّهُ تَعالى لِأجْلِهِ وهَتْكِ أسْتارِهِمْ وإزاحَةِ أعْذارِهِنَّ تَدارُكًا لِما عَسى يَفُوتُ بِالمُبادَرَةِ إلى الإذْنِ وإيذَنًا بِأنَّ ما فاتَ بِها لَيْسَ مِمّا لا يُمْكِنُ تَلافِيهِ تَهْوِيلًا لِلْخَطْبِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском