Al-AlusiAt‑Tawbah · 9:49–57

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:49–57

9:49Page 195

وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٩

And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen.1 And indeed, Hell will encompass the disbelievers.

﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ أيْ لا تُوقِعْنِي في الفِتْنَةِ بِنِساءِ الرُّومِ.

أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «لَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَخْرُجَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: يا جَدُّ بْنَ قَيْسٍ ما تَقُولُ في مُجاهَدَةِ بَنِي الأصْفَرِ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرُؤٌ صاحِبُ نِساءٍ ومَتى أرى نِساءَ بَنِي الأصْفَرِ أُفْتَتَنُ فائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي فَنَزَلَتْ»، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عائِشَةَ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوَّلًا تُوقِعُنِي في المَعْصِيَةِ والَإثْمِ بِمُخالَفَةِ أمْرِكَ في الخُرُوجِ إلى الجِهادِ، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ الجُبّائِيُّ، وفي الكَلامِ عَلى هَذا إشْعارٌ بِأنَّهُ لا مَحالَةَ مُتَخَلِّفٌ أذِنَ لَهُ ﷺ أوْ لَمْ يَأْذَنْ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الفِتْنَةَ بِالضَّرَرِ أيْ لا تُوقِعُنِي في ذَلِكَ فَإنِّي إنْ خَرَجْتُ مَعَكَ هَلَكَ مالِي وعِيالِي لِعَدَمِ مَن يَقُومُ بِمَصالِحِهِمْ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ لا تُعَذِّبْنِي بِتَكْلِيفِ الخُرُوجِ في شِدَّةِ الحَرِّ، وقُرِئَ ﴿ولا تَفْتِنِّي﴾ مِن أفْتَنَهُ بِمَعْنى فِتْنَةٍ ﴿ألا في الفِتْنَةِ﴾ أيْ في نَفْسِها وعَيْنِها وأكْمَلِ أفْرادِها الغِنى عَنِ الوَصْفِ بِالكَمالِ الحَقِيقِ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الجِنْسِ بِهِ ( ﴿سَقَطُوا﴾ ) لا في شَيْءٍ مُغايِرٍ لَها فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مَهْرَبًا ومُخَلَّصًا عَنْها، وذَلِكَ بِما فَعَلُوا مِنَ العَزِيمَةِ عَلى التَّخَلُّفِ والجَراءَةِ عَلى هَذا الِاسْتِئْذانِ والقُعُودِ بِالإذْنِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ وعَلى الِاعْتِذاراتِ الكاذِبَةِ، وفي

صفحة 114

مُصْحَفِ أُبَيٍّ ( سُقِطَ ) بِالإفْرادِ مُراعاةً لِلَفْظِ ( مِن ) ولا يَخْفى ما في تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِأداةِ التَّنْبِيهِ مِنَ التَّحْقِيقِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الِافْتِتانِ بِالسُّقُوطِ في الفِتْنَةِ تَنْزِيلٌ لَها مَنزِلَةَ المُهْواةِ المُهْلِكَةِ المُفْصِحَةِ عَنْ تَرَدِّيهِمْ في دَرَكاتِ الرَّدى أسْفَلَ سافِلِينَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لا يَخْفى وجْهُهُ ( ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ) وعِيدٌ لَهم عَلى ما فَعَلُوا وهو عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ داخِلٌ تَحْتَ التَّنْبِيهِ، أيْ جامِعَةٌ لَهم مِن كُلِّ جانِبٍ لا مَحالَةَ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، فالمَجازُ في اسْمِ الفاعِلِ حَيْثُ اسْتُعْمِلَ في الِاسْتِقْبالِ بِناءً عَلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّها حِيطَةٌ بِهِمُ الآنَ بِأنْ يُرادَ مِن جَهَنَّمَ أسْبابُها مِنَ الكُفْرِ والفِتْنَةِ الَّتِي سَقَطُوا فِيها ونَحْوَ ذَلِكَ مَجازًا.

وقَدْ يُجْعَلُ الكَلامُ تَمْثِيلًا بِأنْ تُشَبَّهَ حالُهم في إحاطَةِ الأسْبابِ بِحالِهِمْ عِنْدَ إحاطَةِ النّارِ، وكَوْنُ الأعْمالِ الَّتِي هم فِيها هي النّارَ بِعَيْنِها لَكِنَّها ظَهَرَتْ بِصُورَةِ الأعْمالِ في هَذِهِ النَّشْأةِ وتَظْهَرُ بِالصُّورَةِ النّارِيَّةِ في النَّشْأةِ الأُخْرى كَما قِيلَ نَظِيرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ ) مَنزَعٌ صُوفِيٌّ، والمُرادُ بِالكافِرِينَ إمّا المُنافِقُونَ المَبْحُوثُ عَنْهم، وإيثارُ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ والإشْعارِ بِأنَّهُ مُعْظَمُ أسْبابِ الإحاطَةِ المَذْكُورَةِ وإمّا جَمِيعُ الكافِرِينَ ويَدْخُلُ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

9:50Page 195

إِن تُصِبۡكَ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡۖ وَإِن تُصِبۡكَ مُصِيبَةٞ يَقُولُواْ قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا مِن قَبۡلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ ٥٠

If good befalls you, it distresses them; but if disaster strikes you, they say, "We took our matter [in hand] before,"1 and turn away while they are rejoicing.

﴿إنْ تُصِبْكَ﴾ في بَعْضِ مُغازِيكَ ﴿حَسَنَةٌ﴾ مِنَ الظُّفْرِ والغَنِيمَةِ ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تِلْكَ الحَسَنَةُ أيْ تُورِثُهم مَساءَةً وحُزْنًا لِفَرِطِ حَسَدِهِمْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى وعَداوَتَهِمْ ( ﴿وإنْ تُصِبْكَ﴾ ) في بَعْضِها ( ﴿مُصِيبَةٌ﴾ ) كانْكِسارِ جَيْشٍ وشَدَّةٍ ( ﴿يَقُولُوا﴾ ) مُتَبَجِّحِينَ بِما صَنَعُوا حامِدِينَ لِآرائِهِمْ ( ﴿قَدْ أخَذْنا أمْرَنا﴾ ) أيْ تَلا فِينا ما يُهِمُّنا مِنَ الأمْرِ يَعْنُونَ بِهِ التَّخَلُّفَ والقُعُودَ عَنِ الحَرْبِ والمُداراةِ مَعَ الكَفَرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِ الكُفْرِ والنِّفاقِ قَوْلًا وفِعْلًا ( ﴿مِن قَبْلُ﴾ ) أيْ: مِن قَبْلِ إصابَةِ المُصِيبَةِ حَيْثُ يَنْفَعُ التَّدارُكُ، يُشِيرُونَ بِذَلِكَ إلى أنَّ نَحْوَ ما صَنَعُوهُ إنَّما يُرَوَّجُ عِنْدَ الكَفَرَةِ بِوُقُوعِهِ حالَ قُوَّةِ الإسْلامِ لا بَعْدَ إصابَةِ المُصِيبَةِ ( ﴿ويَتَوَلَّوْا﴾ ) أيْ ويَنْصَرِفُوا عَنْ مُتَحَدِّثِهِمْ، ومَحَلُّ اجْتِماعِهِمْ إلى أهْلِيهِمْ وخاصَّتِهِمْ أوْ يَتَفَرَّقُوا ويَنْصَرِفُوا عَنْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ( ﴿وهم فَرِحُونَ﴾ ) بِما صَنَعُوا وبِما أصابَكَ مِنَ السَّيِّئَةِ، والجُمْلَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ( يَقُولُوا، ويَتَوَلَّوْا ) فَإنَّ الفَرَحَ مُقارِنٌ لِلْأمْرَيْنِ مَعًا، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ السُّرُورِ، وإنَّما لَمْ يُؤْتَ بِالشَّرْطِيَّةِ الثّانِيَةِ عَلى طَرْزِ الأوْلى بِأنْ يُقالَ: وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ تَسُرُّهم بَلْ أُقِيمَ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مَقامَهَ مُبالَغَةً في فَرْطِ سُرُورِهِمْ مَعَ الإيذانِ بِأنَّهم في مَعْزِلٍ عَنْ إدْراكِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ لِاقْتِضاءِ المَقامِ ذَلِكَ، وقُلْ: إنَّ إسْنادَ المَساءَةِ إلى الحَسَنَةِ والمَسَرَّةِ إلى أنْفُسِهِمْ لِلْإيذانَ بِاخْتِلافِ حالِهِمْ حالَتَيْ عُرُوضِ المَساءَةِ والمَسَرَّةِ بِأنَّهم في الأُولى مُضْطَرُّونَ وفي الثّانِيَةِ مُخْتارُونَ، وقُوبِلَ هُنا الحَسَنَةُ بِالمُصِيبَةِ ولَمْ تُقابَلْ بِالسَّيِّئَةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ( ﴿وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ ) لِأنَّ الخِطابَ هُنا لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو هُناكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وفَرَّقَ بَيْنَ المُخاطَبِينَ فَإنَّ الشِّدَّةَ لا تَزِيدُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلّا ثَوابًا فَإنَّهُ المَعْصُومُ في جَمِيعِ أحْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَقْيِيدِ الإصابَةِ في بَعْضِ الغَزَواتِ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ بَعْضًا مُعَيَّنًا هو هَذِهِ الغَزْوَةُ الَّتِي اسْتَأْذَنُوا في التَّخَلُّفِ عَنْها وهو ظاهِرٌ، نَعَمْ سَبَبُ النُّزُولِ يُوهِمُ ذَلِكَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: جُعِلَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا في المَدِينَةِ يُخْبِرُونَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ

صفحة 115

أخْبارَ السُّوءِ يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ وأصْحابَهُ قَدْ جَهِدُوا في سَفَرِهِمْ وهَلَكُوا فَبَلَغَهم تَكْذِيبُ حَدِيثِهِمْ وعافِيَةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأصْحابِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ. فَتَأمَّلْ.

9:51Page 195

قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٥١

Say, "Never will we be struck except by what Allāh has decreed for us; He is our protector." And upon Allāh let the believers rely.

﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿لَنْ يُصِيبَنا﴾ أبَدًا ﴿إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ أيْ: ما اخْتَصَّنا بِإثْباتِهِ وإيجابِهِ مِنَ المَصْلَحَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ أوِ الأُخْرَوِيَّةِ كالنُّصْرَةِ أوِ الشَّهادَةِ المُؤَدِّيَةِ لِلنَّعِيمِ الدّائِمِ، فالكَتْبُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكَتْبِ الخَطَّ في اللَّوْحِ واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ والأجْلِ، أيْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما خَطَّ اللَّهُ تَعالى لِأجْلِنا في اللَّوْحِ ولا يَتَغَيَّرُ بِمُوافَقَتِكم ومُخالَفَتِكم، فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ الحَوادِثَ كُلَّها بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ ) أيْ: ناصِرُنا ومُتَوَلِّي أُمُورِنا يُعَيِّنُ الأوَّلَ لِأنَّهُ يُبَيِّنُ أنَّ مَعْنى اللّامِ الِاخْتِصاصُ ويُخَصِّصُ المَوْصُولَ بِالنَّصْرِ والشَّهادَةِ أيْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ذَلِكَ دُونَ الخِذْلانِ والشَّقاوَةِ كَما هو مَصِيرُ حالِكم لِأنّا مُؤْمِنُونَ وأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهم، وقَدْ يُقالُ: هو تَعْلِيلٌ لِما يُسْتَفادُ مِنَ القَوْلِ السّابِقِ مِنَ الرِّضا أيْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَلا يَضُرُّنا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ونَحْنُ بِما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى راضُونَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ مالِكُنا ونَحْنُ عَبِيدُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ( هَلْ يُصِيبُنا ) وطَلْحَةُ ( هَلْ يُصَيِّبُنا ) بِتَشْدِيدِ الياءِ مِن صَيَّبَ الَّذِي وزْنُهُ فَيْعَلَ لا فَعَّلَ بِالتَّضْعِيفِ لِأنَّ قِياسَهُ صَوَّبَ لِأنَّهُ مِنَ الواوِيِّ فَلا وجْهَ لِقَلْبِها ياءً بِخِلافِ ما إذا كانَ صَيْوَبَ عَلى وزْنِ فَيْعَلَ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَتِ الواوُ والياءُ والأوَّلُ مِنهُما ساكِنٌ قُلِبَتِ الواوُ ياءًا وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ كَوْنَهُ مِنَ التَّفْعِيلِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ صابَ يُصِيبُ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ:

واسْتَبى الكاعِبَ العَقِيلَةَ إذْ أسْهُمِي الصّائِباتُ والصُّيُبُ

( ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ ) وحْدَهُ ( ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ) بِأنْ يُفَوِّضُوا الأمْرَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ التَّشَبُّثَ بِالأسْبابِ العادِيَّةِ إذا لَمْ يُعْتَمَدْ عَلَيْها، وظاهِرُ كَلامِ جَمْعٍ أنَّ الجُمْلَةَ مِن تَمامِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِهِ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَقامِ الإضْمارِ لِإظْهارِ التَّبَرُّكِ والِاسْتِلْذاذِ بِهِ.

ووَضَعَ المُؤْمِنِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِيُؤْذِنَ بِأنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِينَ اخْتِصاصُ التَّوَكُّلِ بِاللَّهِ تَعالى، وجِيءَ بِالفاءِ الجَزائِيَّةِ لِتُشْعِرَ بِالتَّرَتُّبِ أيْ إذا كانَ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ أيْ خَصَّنا اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ أوِ الشَّهادَةِ وأنَّهُ مُتَوَلِّي أمْرَنا فَلْنَفْعَلْ ما هو حَقُّنا مِنِ اخْتِصاصِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِالتَّوَكُّلِ، قالَ الطِّيبِيُّ: وكَأنَّهُ قُوبِلَ قَوْلُ المُنافِقِينَ بِهَذِهِ الفاصِلَةِ، والمَعْنى دَأْبُ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يَتَّكِلُوا عَلى حَزْمِهِمْ وتَيَقُّظِ أنْفُسِهِمْ كَما أنَّ دَأْبَ المُنافِقِينَ ذَلِكَ بَلْ أنْ يَتَّكِلُوا عَلى اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ ويُفَوِّضُوا أُمُورَهم إلَيْهِ، ولا يَبْعُدُ تَفَرُّعُ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ ) كَما لا يَخْفى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَسُوقَةً مِن قِبَلِهِ تَعالى أمْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ إثْرَ أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِما ذُكِرَ، وأمْرُ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ في المَوْضِعَيْنِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ وكَذا إعادَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ تَعالى:

9:52Page 195

قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ٥٢

Say, "Do you await for us except one of the two best things [i.e., martyrdom or victory] while we await for you that Allāh will afflict you with punishment from Himself or at our hands? So wait; indeed we, along with you, are waiting."

﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ﴾ بِنا لِانْقِطاعِ حُكْمِ الأمْرِ الأوَّلِ بِالثّانِي، وإنْ كانَ أمْرًا لِغائِبٍ، وأمّا عَلى كَلامِ الجَماعَةِ فالإعادَةُ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ، والتَّرَبُّصُ الِانْتِظارُ والتَّمَهُّلُ وإحْدى التّاءَيْنِ مَحْذُوفَةٌ والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ ما تَنْتَظِرُونَ بِنا ( ﴿إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ ) أيْ إحْدى العاقِبَتَيْنِ اللَّتَيْنِ

صفحة 116

كُلٌّ مِنهُما أحْسَنُ مِن جَمِيعِ العَواقِبِ غَيْرِ الأُخْرى أوْ أحْسَنُ مِن جَمِيعِ عَواقِبِ الكَفَرَةِ، أوْ كُلٌّ مِنهُما أحْسَنُ مِمّا عَداهُ مِن جِهَةٍ، والمُرادُ بِهِما النُّصْرَةُ والشَّهادَةُ والحاصِلُ أنَّ ما تَنْتَظِرُونَهُ لا يَخْلُو مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وكُلٌّ مِنهُما عاقِبَتُهُ حُسْنى لا كَما تَزْعُمُونَ مِن أنَّ ما يُصِيبُنا مِنَ القَتْلِ في الغَزْوِ سُوءٌ ولِذَلِكَ سُرِرْتُمْ بِهِ

وصَحَّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «تَكَفَّلَ اللَّهُ تَعالى لِمَن جاهَدَ في سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ مِن بَيْتِهِ إلّا الجِهادُ في سَبِيلِهِ وتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أوْ يُرْجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ مَعَ ما نالَ مِن أجْرٍ وغَنِيمَةٍ» ( ﴿ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ ) إحْدى السَّوْأيَيْنِ مِنَ العَواقِبِ إمّا أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ فَيُهْلِكَكم كَما فَعَلَ بِالأُمَمِ الخالِيَةِ قَبْلَكُمْ، والظَّرْفُ صِفَةُ ( عَذابٍ ) وكَوْنُهُ مِن عِنْدِهِ تَعالى كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِنهُ جَلَّ شَأْنُهُ بِلا مُباشَرَةِ البَشَرِ، ويُظْهِرُ ذَلِكَ المُقابَلَةُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿أوْ بِأيْدِينا﴾ ) أيْ أوْ بِعَذابٍ كائِنٍ بِأيْدِينا كالقَتْلِ عَلى الكُفْرِ والعَطْفِ عَلى صِفَةِ عَذابٍ فَهو صِفَةٌ أيْضًا لا أنَّ هُناكَ عَذابًا مُقَدَّرًا، وتَقْيِيدُ القَتْلِ بِكَوْنِهِ عَلى الكُفْرِ لِأنَّهُ بِدُونِهِ شَهادَةٌ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم لا يُقْتَلُونَ حَتّى يُظْهِرُوا الكُفْرَ ويُصِرُّوا عَلَيْهِ لِأنَّهم مُنافِقُونَ والمُنافِقُ لا يُقْتَلُ ابْتِداءً ( ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ ) الفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَتَرَبَّصُوا بِنا ما هو عاقِبَتُنا ( ﴿إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ ) ما هو عاقِبَتُكم فَإذا لَقِيَ كُلٌّ مِنّا ومِنكم ما يَتَرَبَّصُهُ لا نُشاهِدُ إلّا ما يَسُوءُكم ولا تُشاهِدُونَ إلّا ما يَسُرُّنا، وما ذَكَرْناهُ مِن مَفْعُولِ التَّرَبُّصِ هو الظّاهِرُ ولَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْ فَتَرَبَّصُوا مَواعِيدَ الشَّيْطانِ إنّا مُتَرَبِّصُونَ مُواعِدَ اللَّهِ تَعالى مِن إظْهارِ دِينِهِ واسْتِئْصالِ مَن خالَفَهُ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ التَّهْدِيدُ.

9:53Page 195

قُلۡ أَنفِقُواْ طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمۡ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٣

Say, "Spend willingly or unwillingly; never will it be accepted from you. Indeed, you have been a defiantly disobedient people."

﴿قُلْ أنْفِقُوا﴾ أمْوالَكم في مَصالِحِ الغُزاةِ طَوْعًا وكَرْهًا أيْ طائِعِينَ أوْ كارِهِينَ فَهُما مَصْدَرانِ وقَعا مَوْقِعَ الحالِ، وصِيغَةُ ( ﴿أنْفِقُوا﴾ ) وإنْ كانَتْ لِلْأمْرِ إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ الخَبَرُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ الأمْرُ بِمَعْنى الخَبَرِ كَعَكْسِهِ ومِنهُ قَوْلُ كُثَيِّرِ عَزَّةَ:

أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةٌ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ

وهُوَ كَما قالَ الفَرّاءُ في مَعْنى الشَّرْطِ أيْ إنْ أنْفَقْتُمْ عَلى أيِّ حالٍ ( ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾ ) وأخْرَجَ الكَلامَ مَخْرَجَ الأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في تَساوِي الأمْرَيْنِ في عَدَمِ القَبُولِ كَأنَّهم أُمِرُوا أنْ يُجَرِّبُوا فَيُنْفِقُوا في الحالَيْنِ فَيَنْظُرُوا هَلْ يُتَقَبَّلُ مِنهم فَيُشاهِدُوا عَدَمَ القَبُولِ، وفِيهِ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ شَبَّهَتْ حالَهم في النَّفَقَةِ وعَدَمِ قَبُولِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ بِحالِ مَن يُؤْمَرُ بِفِعْلٍ لِيُجَرِّبَهُ فَيَظْهَرُ لَهُ عَدَمُ جَدْواهُ فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ إذا أُمِرَ بِالإنْفاقِ كَيْفَ لا يُقْبَلُ.

والآيَةُ نَزَلَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما جَوابًا عَمّا في قَوْلِ الجِدِّ بْنِ قَيْسٍ حِينَ قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: هَلْ لَكَ في جِلادِ بَنِي الأصْفَرِ؟ إنِّي إذا رَأيْتُ النِّساءَ لَمْ أصْبِرْ حَتّى أُفْتَتَنَ، لَكِنْ أُعِينُكَ بِمالِي،» ونَفْيُ التَّقَبُّلِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى عَدَمِ الأخْذِ مِنهم ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى عَدَمِ الإثابَةِ عَلَيْهِ، وكُلٌّ مِنَ المَعْنَيَيْنِ واقِعٌ في الِاسْتِعْمالِ فَقَبُولُ النّاسِ لَهُ أخْذُهُ وقَبُولُ اللَّهِ تَعالى ثَوابُهُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُما، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿إنَّكم كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ ) تَعْلِيلٌ لِرَدِّ إنْفاقِهِمْ، والمُرادُ بِالفِسْقِ العُتُوُّ والتَّمَرُّدُ فَلا يُقالُ: كَيْفَ عَلَّلَ مَعَ الكُفْرِ بِالفِسْقِ الَّذِي هو دُونَهُ، وكَيْفَ صَحَّ ذَلِكَ مَعَ التَّصْرِيحِ بِتَعْلِيلِهِ بِالكُفْرِ في قَوْلِهِ تَعالى:

9:54Page 195

وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٥٤

And what prevents their expenditures from being accepted from them but that they have disbelieved in Allāh and in His Messenger and that they come not to prayer except while they are lazy and that they do not spend except while they are unwilling.

صفحة 117

﴿وما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلا أنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ﴾ وقَدْ يُرادُ بِهِ ما هو الكامِلُ وهو الكُفْرُ، ويَكُونُ هَذا مِنهُ تَعالى بَيانًا وتَقْرِيرًا لِذَلِكَ، والِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ الأشْياءِ أيْ ما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ نَفَقاتُهم شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا كُفْرُهُمْ، ومَنَعَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ بِنَفْسِهِ وقَدْ تَعَدّى إلى الثّانِي بِحَرْفِ الجَرِّ وهو مِن أوْ عَنْ، وإذا عُدِّيَ بِحَرْفٍ صَحَّ أنْ يُقالَ: مَنَعَهُ مِن حَقِّهِ ومَنَعَ حَقَّهُ مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنى الحَيْلُولَةِ بَيْنَهُما والحِمايَةِ، ولا قَلْبَ فِيهِ كَما يُتَوَهَّمُ وجازَ فِيما نَحْنُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا لِلثّانِي بِنَفْسِهِ وأنْ يُقْدَّرَ حَرْفٌ، وحَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ إنْ وأنْ مَقِيسٌ مُطَّرِدٌ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ( ﴿أنْ تُقْبَلَ﴾ ) بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن هم في ( ﴿مَنَعَهُمْ﴾ ) وهو خِلافُ الظّاهِرِ وفاعِلُ مَنَعَ ما في حَيِّزِ الِاسْتِثْناءِ وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى ( وأنَّهم كَفَرُوا ) بِتَقْدِيرِ لِأنَّهم كَفَرُوا.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”يُقْبَلَ“ بِالتَّحْتانِيَّةِ لِأنَّ تَأْنِيثَ النَّفَقاتِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ مَعَ كَوْنِهِ مَفْصُولًا عَنِ الفِعْلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وقُرِئَ ”نَفَقَتُهم“ عَلى التَّوْحِيدِ.

وقَرَأ السُّلَمِيُّ ”أنْ يَقْبَلَ مِنهم نَفَقاتِهِمْ“ بِبِناءِ ”يَقْبَلَ“ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ النَّفَقاتِ، والفاعِلُ إمّا ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى أوْ ضَمِيرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِناءً عَلى أنَّ القَبُولَ بِمَعْنى الأخْذِ ( ﴿ولا يَأْتُونَ الصَّلاةَ﴾ ) المَفْرُوضَةَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ( ﴿إلا وهم كُسالى﴾ ) أيْ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُتَثاقِلِينَ ( ﴿ولا يُنْفِقُونَ إلا وهم كارِهُونَ﴾ ) الإنْفاقَ لِأنَّهم لا يَرْجُونَ بِهِما ثَوابًا ولا يَخافُونَ عَلى تَرْكِهِما عِقابًا، وهاتانِ الجُمْلَتانِ داخِلَتانِ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ، واسْتَشْكَلَ بِأنَّ الكُفْرَ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ لِعَدَمِ القَبُولِ، فَما وجْهُ التَّعْلِيلِ بِمَجْمُوعِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وعِنْدَ حُصُولِ السَّبَبِ المُسْتَقِلِّ لا يَبْقى لِغَيْرِهِ أثَرٌ، وأجابَ الإمامُ بِأنَّهُ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى المُعْتَزِلَةِ القائِلِينَ بِأنَّ الكُفْرَ لِكَوْنِهِ كُفْرًا يُؤَثِّرُ في هَذا الحُكْمِ، وأمّا عَلى أهْلِ السُّنَّةِ فَلا لِأنَّهم يَقُولُونَ: هَذِهِ الأسْبابُ مُعَرِّفاتُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلثَّوابِ ولا لِلْعِقابِ، واجْتِماعُ المُعَرِّفاتِ الكَثِيرَةِ عَلى الشَّيْءِ الواحِدِ جائِزٌ، والقَوْلُ بِأنَّهُ إنَّما جِيءَ بِهِما لِمُجَرَّدِ الذَّمِّ ولَيْسَتا داخِلَتَيْنِ في حَيِّزِ التَّعْلِيلِ، وإنْ كانَ يَنْدَفِعُ بِهِ الإشْكالُ عَلى رَأْيِالمُعْتَزِلَةِ خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى، فَإنْ قِيلَ: الكَراهِيَةُ خِلافُ الطَّواعِيَةِ، وقَدْ جُعِلَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ فِيما تَقَدَّمَ طائِعِينَ ووُصِفُوا هاهُنا بِأنَّهم لا يُنْفِقُونَ إلّا وهم كارِهُونَ، وظاهِرُ ذَلِكَ المُنافاةُ. وأُجِيبُ بِأنَّ المُرادَ بِطَوْعِهِمْ أنَّهم يَبْذُلُونَ مِن غَيْرِ إلْزامٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا أنَّهم يَبْذُلُونَ رَغْبَةً فَلا مُنافاةَ. وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في ذَلِكَ: إنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ( ﴿أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ ) لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم يُنْفِقُونَ طائِعِينَ بَلْ غايَتُهُ أنَّهُ رَدَّدَ حالَهم بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وكَوْنُ التَّرْدِيدِ يُنافِي القَطْعَ مَحَلُّ نَظَرٍ، كَما إذا قُلْتَ: إنْ أحْسَنْتَ أوْ أسَأْتَ لا أزُورُكَ مَعَ أنَّهُ لا يَحْسُنُ قَطْعًا، ويَكُونُ التَّرْدِيدُ لِتَوَسُّعِ الدّائِرَةِ وهو مُتَّسِعُ الدّائِرَةِ.

9:55Page 196

فَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ٥٥

So let not their wealth or their children impress you. Allāh only intends to punish them through them in worldly life and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهُمْ﴾ أيْ لا يَرُوقُكَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَإنَّهُ اسْتِدْراجٌ لَهم ووَبالٌ عَلَيْهِمْ، حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ) والخِطابُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ ) ومَفْعُولُ الإرادَةِ قِيلَ: التَّعْذِيبُ واللّامُ زائِدَةٌ وقِيلَ: مَحْذُوفٌ واللّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ، أيْ يُرِيدُ إعْطاءَهم لِتَعْذِيبِهِمْ، وتَعْذِيبُهم بِالأمْوالِ والأوْلادِ في الدُّنْيا لِما أنَّهم يُكابِدُونَ بِجَمْعِها وحِفْظِها المَتاعِبَ ويُقاسُونَ فِيها الشَّدائِدَ والمَصائِبَ ولَيْسَ عِنْدَهم مِنَ الِاعْتِقادِ بِثَوابِ اللَّهِ تَعالى ما يُهَوِّنُ عَلَيْهِمْ ما يَجِدُونَهُ، وقِيلَ: تَعْذِيبُهم في الدُّنْيا بِالأمْوالِ لِأخْذِ الزَّكاةِ مِنهم والنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ

صفحة 118

تَعالى مَعَ عَدَمِ اعْتِقادِهِمُ الثَّوابَ عَلى ذَلِكَ، وتَعْذِيبُهم فِيها بِالأوْلادِ أنَّهم قَدْ يُقْتَلُونَ في الغَزْوِ فَيَجْزَعُونَ لِذَلِكَ أشَدَّ الجَزَعِ حَيْثُ لا يَعْتَقِدُونَ شَهادَتَهم وأنَّهم أحْياءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وأنَّ الِاجْتِماعَ بِهِمْ قَرِيبٌ ولا كَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ فِيما ذُكِرَ، وقِيلَ: تَعْذِيبُهم بِالأمْوالِ بِأنْ تَكُونَ غَنِيمَةً لِلْمُسْلِمِينَ وبِالأوْلادِ بِأنْ يَكُونُوا سَبَبًا لَهم إذا أظْهَرُوا الكُفْرَ وتَمَكَّنُوا مِنهم.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ في الآيَةِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا أيْ لا تُعْجِبُكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم في الحَياةِ الدُّنْيا إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ ( ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهُمْ﴾ ) أيْ يَمُوتُونَ وأصْلُ الزُّهُوقِ الخُرُوجُ بِصُعُوبَةٍ ( ﴿وهم كافِرُونَ﴾ ) في مَوْضِعِ الحالِ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ كافِرِينَ، والفِعْلُ عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الإرادَةِ، واسْتُدِلَّ بِتَعْلِيقِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ بِإرادَتِهِ تَعالى عَلى أنَّ كُفْرَ الكافِرِ بِإرادَتِهِ سُبْحانَهُ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ.

وأجابَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأنَّ المُرادَ إنَّما هو إمْهالُهم وإدامَةُ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ إلى أنْ يَمُوتُوا عَلى الكُفْرِ مُشْتَغِلِينَ بِما هم فِيهِ عَنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ، والإمْهالُ والإدامَةُ المَذْكُورَةُ مِمّا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُرادًا لَهُ تَعالى، واعْتَرَضَهُ الطِّيبِيُّ بِأنَّ ذَلِكَ لا يُجْدِيهِ شَيْئًا لِأنَّ سَبَبَ السَّبَبِ سَبَبٌ في الحَقِيقَةِ، وحاصِلُهُ أنَّ ما يُؤَدِّي إلى القُبْحِ ويَكُونُ سَبَبًا لَهُ حُكْمُهُ حُكْمُهُ في القُبْحِ وهو في حَيِّزِ المَنعِ، وأجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ زَهُوقَ أنْفُسِهِمْ في حالِ الكُفْرِ وهو لا يَقْتَضِي كَوْنَهُ سُبْحانَهُ مُرِيدًا لِلْكُفْرِ فَإنَّ المَرِيضَ يُرِيدُ المُعالَجَةَ في وقْتِ المَرَضِ ولا يُرِيدُ المَرَضَ، والسُّلْطانُ يَقُولُ لِعَسْكَرِهِ: اقْتُلُوا البُغاةَ حالَ هُجُومِهِمْ ولا يُرِيدُ هُجُومَهم، ورَدَّهُ الإمامُ بِأنَّهُ لا مَعْنى لِما ذُكِرَ مِنَ المِثالِ إلّا إرادَةَ إزالَةِ المَرَضِ وطَلَبِ إزالَةِ هُجُومِ البُغاةِ، وإذا كانَ المُرادُ إعْدامَ الشَّيْءِ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ مُرادًا بِخِلافِ إرادَةِ زُهُوقِ نَفْسِ الكافِرِ، فَإنَّها لَيْسَتْ عِبارَةً عَنْ إرادَةِ إزالَةِ الكُفْرِ، فَلَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى زُهُوقَ أنْفُسِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ كافِرِينَ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِكُفْرِهِمْ، وكَيْفَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ والزُّهُوقُ حالَ الكُفْرِ يَمْتَنِعُ حُصُولُهُ إلّا حالَ حُصُولِ الكُفْرِ، وإرادَةُ الشَّيْءِ تَقْتَضِي إرادَةَ ما هو مِن ضَرُورِيّاتِهِ فَيَلْزَمُ كَوْنُهُ تَعالى مُرِيدًا لِلْكُفْرِ.

وفِيهِ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ إرادَةَ المُعالَجَةِ شَيْءٌ غَيْرُ إرادَةِ إزالَةِ المَرَضِ وكَذا إرادَةُ القَتْلِ غَيْرُ إرادَةِ إزالَةِ الهُجُومِ، ولِهَذا يُعَلَّلُ إحْدى الإرادَتَيْنِ بِالأُخْرى فَكَيْفَ تَكُونُ نَفْسَها، وأمّا أنَّ كَوْنَ إرادَةِ ضَرُورِيّاتِ الشَّيْءِ مِن لَوازِمِ إرادَتِهِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فَكَمْ مِن ضَرُورِيٍّ لِشَيْءٍ لا يَخْطُرُ بِالبالِ عِنْدَ إرادَتِهِ فَضْلًا عَمّا ادَّعاهُ، فالِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى ما ذُكِرَ غَيْرُ تامٍّ.

9:56Page 196

وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ وَمَا هُم مِّنكُمۡ وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ ٥٦

And they swear by Allāh that they are from among you while they are not from among you; but they are a people who are afraid.

﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ أيْ في الدِّينِ والمُرادُ أنَّهم يَحْلِفُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ مِثْلَكم ( ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ ) في ذَلِكَ لِكُفْرِ قُلُوبِهِمْ ( ﴿ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ ) أيْ يَخافُونَ مِنكم أنْ تَفْعَلُوا بِهِمْ ما تَفْعَلُوا بِالمُشْرِكِينَ، فَيُظْهِرُونَ الإسْلامَ تَقِيَّةً ويُؤَيِّدُونَهُ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ، وأصْلُ الفَرَقِ انْزِعاجُ النَّفْسِ بِتَوَقُّعِ الضَّرَرِ، قِيلَ: وهو مِن مُفارَقَةِ الأمْنِ إلى حالِ الخَوْفِ.

9:57Page 196

لَوۡ يَجِدُونَ مَلۡجَـًٔا أَوۡ مَغَٰرَٰتٍ أَوۡ مُدَّخَلٗا لَّوَلَّوۡاْ إِلَيۡهِ وَهُمۡ يَجۡمَحُونَ ٥٧

If they could find a refuge or some caves or any place to enter [and hide], they would turn to it while they run heedlessly.

﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ أيْ حِصْنًا يَلْجَأُونَ إلَيْهِ كَما قالَ قَتادَةُ ﴿أوْ مَغاراتٍ﴾ أيْ: غَيْرَ أنْ يُخْفُونَ فِيها أنْفُسَهم وهو جَمْعُ مَغارَةٍ بِمَعْنى الغارِ، ومِنهم مَن فَرَّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ الغارَ في الجَبَلِ والمَغارَةَ في الأرْضِ، وقُرِئَ ( ﴿مَغاراتٍ﴾ ) بِضَمِّ المِيمِ مِن أغارَ الرَّجُلُ إذا دَخَلَ الغَوْرَ، وقِيلَ: هو تَعْدِيَةُ غارَ الشَّيْءُ وأغَرْتُهُ أنا أيْ أمْكِنَةٍ يُغَيِّرُونَ فِيها أشْخاصَهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن أغارَ الثَّعْلَبُ إذا أسْرَعَ بِمَعْنى مَهارِبَ

صفحة 119

ومَغارٍ ( ﴿أوْ مُدَّخَلا﴾ ) أيْ نَفَقًا كَنَفَقِ اليَرْبُوعِ يَنْجَحِرُونَ فِيهِ، وهو مُفْتَعَلٌ مِنَ الدُّخُولِ فَأُدْغِمَ بَعْدَ قَلْبِ تائِهِ دالًّا، وقَرَأ يَعْقُوبُ، وسَهْلٌ ( مَدْخَلًا ) بِفَتْحِ المِيمِ اسْمُ مَكانٍ مِن دَخَلَ الثُّلاثِيِّ وهي قِراءَةُ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والحَسَنِ، وقَرَأ سَلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ ( مُدْخَلًا ) بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الخاءِ مِن أدْخَلَ المَزِيدِ أيْ مَكانًا يُدْخِلُونَ فِيهِ أنْفُسَهم أوْ يُدْخِلُهُمُ الخَوْفُ فِيهِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ( مُتَدَخَّلًا ) اسْمُ مَكانٍ مِن تَدَخَّلَ تَفَعَّلَ مِنَ الدُّخُولِ، وقُرِئَ ( مُنْدَخَلًا ) مِنِ انْدَخَلَ، وقَدْ ورَدَ في شِعْرِ الكُمَيْتِ:

ولا يَدِي في حَمِيتِ السَّمْنِ تَنْدَخِلُ

وأنْكَرَ أبُو حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ وقالَ: إنَّما هي بِالتّاءِ بِناءً عَلى إنْكارِ هَذِهِ اللُّغَةِ ولَيْسَ بِذاكَ ( ﴿لَوَلَّوْا﴾ ) أيْ لَصَرَفُوا وُجُوهَهم وأقْبَلُوا، وقُرِئَ ( لَوَأْلَوُا ) أيْ لالتَجَأُوا ( ﴿إلَيْهِ﴾ ) أيْ إلى أحَدِ ما ذُكِرَ ( ﴿وهم يَجْمَحُونَ﴾ ) أيْ يُسْرِعُونَ في الذَّهابِ إلَيْهِ بِحَيْثُ لا يَرُدُّهم شَيْءٌ كالفَرَسِ الجَمُوحِ وهو النُّفُورُ الَّذِي لا يَرُدُّهُ لِجامٌ، ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قَرَأ ( يَجْمِزُونَ ) بِالزّايِ وهو بِمَعْنى يَجْمَحُونَ ويَشْتَدُّونَ، ومِنهُ الجَمّازَةُ النّاقَةُ الشَّدِيدَةُ العَدْوِ، وأنْكَرَ بَعْضُهم كَوْنَ ما ذُكِرَ قِراءَةً، وزَعَمَ أنَّهُ تَفْسِيرٌ وهو مَرْدُودٌ.

والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ مِن أنَّهم لَيْسُوا مِنَ المُسْلِمِينَ وأنَّ التِجاءَهم إلى الِانْتِماءِ إلَيْهِمْ إنَّما هو لِلتَّقِيَّةِ اضْطِرارًا، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في الشَّرْطِ وإنْ كانَ المَعْنى عَلى المُضِيِّ لِإفادَةِ اسْتِمْرارِ عَدَمِ الوِجْدانِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ونَظِيرُ ذَلِكَ: لَوْ تُحْسِنُ إلَيَّ لَشَكَرْتُكَ، نَعَمْ كَثِيرًا ما يَكُونُ المُضارِعُ المَنفِيُّ الواقِعُ مَوْقِعَ الماضِي لِإفادَةِ انْتِفاءِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ لَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُرادٍ هَهُنا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском