Al-AlusiAt‑Tawbah · 9:66–71

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:66–71

9:66Page 197

لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٦٦

Make no excuse; you have disbelieved [i.e., rejected faith] after your belief. If We pardon one faction of you - We will punish another faction because they were criminals.

﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ أيْ لا تَشْتَغِلُوا بِالِاعْتِذارِ وتَسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ، فَلَيْسَ النَّهْيُ عَنْ أصْلِهِ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ، وإنَّما نُهُوا عَنْ ذَلِكَ لِأنَّ ما يَزْعُمُونَهُ مَعْلُومُ الكَذِبِ بَيِّنُ البُطْلانِ والِاعْتِذارُ قِيلَ: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ مَحْوِ أثَرِ الذَّنْبِ مِن قَوْلِهِمْ: اعْتَذَرْتُ المَنازِلَ إذا دَرَسَتْ لِأنَّ المُعْتَذِرَ يُحاوِلُ إزالَةَ أثَرِ ذَنْبِهِ وانْدِراسِهِ.

وقِيلَ هو القَطْعُ، ومِنهُ يُقالُ لِلْقُلْفَةِ عُذْرَةٌ لِأنَّها تُعْذَرُ أيْ تُقْطَعُ ولِلْبَكارَةِ عُذْرَةٌ لِأنَّها تُقْطَعُ بِالِافْتِراعِ، ويُقالُ: اعْتَذَرَتِ المِياهُ إذا انْقَطَعَتْ فالعُذْرُ لَمّا كانَ سَبَبًا لِقَطْعِ اللَّوْمِ سُمِّيَ عُذْرًا، والقَوْلانِ مَنقُولانِ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ وهُما عَلى ما قالَ الواحِدِيُّ مُتَقارِبانِ ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ أيْ أظْهَرْتُمُ الكُفْرَ بِإيذاءِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والطَّعْنُ فِيهِ ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ أيْ: إظْهارِكُمُ الإيمانَ وهَذا وما قَبْلَهُ لِأنَّ القَوْمَ مُنافِقُونَ فَأصْلُ الكُفْرِ في باطِنِهِمْ ولا إيمانَ في نَفْسِ الأمْرِ لَهم.

واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ الجِدَّ واللَّعِبَ في إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ سَواءٌ ولا خِلافَ بَيْنِ الأئِمَّةِ في ذَلِكَ ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكُمْ﴾ لِتَوْبَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ عَلى أنَّ الخِطابَ لِجَمِيعِ المُنافِقِينَ أوْ لِتَجَنُّبِهِمْ عَنِ الإيذاءِ والِاسْتِهْزاءِ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْذِينَ والمُسْتَهْزِئِينَ مِنهم، والعَفْوُ في ذَلِكَ عَنْ عُقُوبَةِ الدُّنْيا العاجِلَةِ ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مُصِرِّينَ عَلى النِّفاقِ وهم غَيْرُ التّائِبِينَ أوْ مُباشِرِينَ لَهُ وهم غَيْرُ المُجْتَنِبِينَ.

أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ مِن خَبَرٍ فِيهِ طُولٌ: كانَ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ مَخْشِيَّ بْنَ حِمْيَرٍ الأشْجَعِيَّ فَتَسَمّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ وسَألَ اللَّهَ تَعالى أنْ يُقْتَلَ شَهِيدًا لا يُعْلَمُ مَقْتَلُهُ، فَقُتِلَ يَوْمَ اليَمامَةِ فَلَمْ يُعْلَمْ مَقْتَلُهُ ولا قاتِلُهُ ولَمْ يُرَ لَهُ عَيْنٌ ولا أثَرٌ.

وفِي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تابَ عَنْ نِفاقِهِ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي لا أزالُ أسْمَعُ آيَةً تَقْشَعِرُّ مِنها

صفحة 132

الجُلُودُ وتَجُبُ مِنها القُلُوبُ اللَّهُمَّ اجْعَلْ وفاتِي قَتْلًا في سَبِيلِكَ لا يَقُولُ أحَدٌ أنا غَسَّلْتُ أنا كَفَّنْتُ أنا دَفَنْتُ فَأُصِيبَ يَوْمَ اليَمامَةِ واسْتُجِيبَ دُعاؤُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، ومِن هُنا قالَ مُجاهِدٌ: إنَّ الطّائِفَةَ تُطْلَقُ عَلى الواحِدِ إلّا الألْفَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: الطّائِفَةُ الواحِدُ والنَّفَرُ، وقُرِئَ ( يَعْفُ ) و( يُعَذِّبُ ) بِالياءِ وبِناءِ الفاعِلِ فِيهِما وهو اللَّهُ تَعالى، وقُرِئَ ( إنْ تَعْفُ ) و( يُعَذَّبْ ) بِالتّاءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، واسْتَشْكَلَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِأنَّ الفِعْلَ الأوَّلَ مُسْنَدٌ فِيها إلى الجارِّ والمَجْرُورِ، ومِثْلُهُ يَلْزَمُ تَذْكِيرُهُ ولا يَجُوزُ تَأْنِيثُهُ إذا كانَ المَجْرُورُ مُؤَنَّثًا، فَيُقالُ: سَيْرٌ عَلى الدّابَّةِ ولا يُقالُ سَيَّرْتُ عَلَيْها، وأُجِيبُ بِأنَّ ذَلِكَ مِنَ المَيْلِ مَعَ المَعْنى والرِّعايَةِ لَهُ، فَلِذا أُنِّثَ لِتَأْنِيثِ المَجْرُورِ إذْ مَعْنى ( تَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ ) تُرْحَمُ طائِفَةٌ وهو مِن غَرائِبِ العَرَبِيَّةِ، وقِيلَ: لَوْ قِيلَ بِالمُشاكَلَةِ لَمْ يَبْعُدْ، وقِيلَ: إنَّ نائِبَ الفاعِلِ ضَمِيرُ الذُّنُوبِ، والتَّقْدِيرُ: إنْ تُعْفَ هي أيْ الذُّنُوبُ، ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَشْكَلَ الشَّرْطِيَّةَ مِن حَيْثُ هي بِأنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ( ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ ) جَوابًا لِلشَّرْطِ السّابِقِ ومِن شَرْطِ الشَّرْطِ، والجَزاءُ الِاتِّصالُ بِطَرِيقِ السَّبَبِيَّةِ أوِ اللُّزُومِ في الجُمْلَةِ، وكِلاهُما مَفْقُودٌ في الجُمْلَةِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ العِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ في أمالِيهِ ونَقَلَهُ عَنْهُ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ في ذَيْلِ الفَتاوِي وذَكَرَ أنَّهُ لَمْ يَرَ أحَدًا نَبَّهَ عَلى الجَوابِ عَنْهُ لَكِنَّهُ يُعْلَمُ مِن سَبَبِ النُّزُولِ، وتَكَلَّمَ بَعْدَ أنْ ساقَ الخَبَرَ بِما لا يَخْلُو عَنْ غُمُوضٍ، ولَقَدْ ذَكَرْتُ السُّؤالَ وأنا في عُنْفُوانِ الشَّبابِ مَعَ جَوابِهِ لِلْعَلّامَةِ المَذْكُورِ لَدى شَيْخٍ مِن أهْلِ العِلْمِ قَدْ حَلَبَ الدَّهْرُ أشْطُرَهُ وطَلَبْتُ مِنهُ حَلَّ ذَلِكَ فَأعْرَضَ عَنْ تَقْرِيرِ الجَوابِ الَّذِي في الذَّيْلِ، وأظُنُّ أنَّ ذَلِكَ لِجَهْلِهِ بِهِ، وشَمَّرَ الذَّيْلَ وكَشَفَ عَنْ ساقٍ لِلْجَوابِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ فَقالَ: إنِ الشَّرْطِيَّةُ اتِّفاقِيَّةٌ نَحْوَ قَوْلِكَ: إنْ كانَ الإنْسانُ ناطِقًا فالحِمارُ ناهِقٌ، وشَرَعَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ بِما تَضْحَكُ مِنهُ الثَّكْلى، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.

وأجابَ مَوْلانا سَرِيُّ الدِّينِ: بِأنَّ الجَزاءَ مَحْذُوفٌ مُسَبَّبٌ عَنِ المَذْكُورِ أيْ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَفْتَرُوا أوْ فَلا يَفْتَرُوا فَلا بُدَّ مِن تَعْذِيبِ طائِفَةٍ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ قِيلَ هَذا التَّقْدِيرُ لا يُفِيدُ سَبَبِيَّةَ مَضْمُونِ الشَّرْطِ لِمَضْمُونِ الجَزاءِ، قُلْتُ: يُحْمَلُ عَلى سَبَبِيَّتِهِ لِلْإخْبارِ بِمَضْمُونِ الجَزاءِ أوْ سَبَبِيَّتِهِ لِلْأمْرِ بِعَدَمِ الِاغْتِرارِ قِياسًا عَلى الأخْبارِ، وقَدْ حَقَّقَ الكَلامَ في ذَلِكَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ ) مِن سُورَةِ البَقَرَةِ في حاشِيَةِ الكَشّافِ.

9:67Page 197

ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٦٧

The hypocrite men and hypocrite women are of one another. They enjoin what is wrong and forbid what is right and close their hands.1 They have forgotten Allāh, so He has forgotten them [accordingly]. Indeed, the hypocrites - it is they who are the defiantly disobedient.

﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ أيْ مُتَشابِهُونَ في النِّفاقِ كَتَشابُهِ أبْعاضِ الشَّيْءِ الواحِدِ، والمُرادُ الِاتِّحادُ في الحَقِيقَةِ والصُّورَةِ كالماءِ والتُّرابِ، والآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِجَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن قَبائِحِهِمْ، وقِيلَ: هي مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ والمُرادُ مِنها تَكْذِيبُ قَوْلِهِمُ المَذْكُورِ وإبْطالٌ لَهُ وتَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وما هم مِنكُمْ﴾ وما بَعْدُ مِن تَغايُرِ صِفاتِهِمْ وصِفاتِ المُؤْمِنِينَ كالدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ، و( مِن ) عَلى التَّقْرِيرَيْنِ اتِّصالِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أنْتَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى» والتَّعَرُّضُ لِأحْوالِ الإناثِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ عَراقَتَهِمْ في الكُفْرِ والنِّفاقِ ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ أيْ بِالتَّكْذِيبِ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾ أيْ: شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والإقْرارِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما.

وأُخْرِجَ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ مُنْكَرٍ ذُكِرَ في القُرْآنِ المُرادُ مِنهُ عِبادَةُ الأوْثانِ والشَّيْطانِ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِالمُنْكَرِ والمَعْرُوفِ ما يَعُمُّ ما ذُكِرَ وغَيْرُهُ ويَدْخُلُ فِيهِ المَذْكُورُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ

صفحة 133

لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ مُفْصِحٌ عَنْ مُضادَّةِ حالِهِمْ لِحالِ المُؤْمِنِينَ أوْ خَبَرٌ ثانٍ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ عَنِ الإنْفاقِ في طاعَةِ اللَّهِ ومَرْضاتِهِ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، والحَسَنِ، وقَبْضُ اليَدِ كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ والبُخْلِ كَما أنَّ بَسْطَها كِنايَةٌ عَنِ الجُودِ لِأنَّ مَن يُعْطِي يَمُدُّ يَدَهُ بِخِلافِ مَن يَمْنَعُ، وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ المُرادَ يُمْسِكُونَ أيْدِيَهم عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وهو خِلافُ الشّائِعِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ النِّسْيانُ مَجازٌ عَنِ التَّرْكِ وهو كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِ الطّاعَةِ فالمُرادُ لَمْ يُطِيعُوهُ سُبْحانَهُ ( ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ ) مَنَعَ لُطْفَهُ وفَضْلَهُ عَنْهم، والتَّعْبِيرُ بِالنِّسْيانِ لِلْمُشاكَلَةِ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في التَّمَرُّدِ والفِسْقِ الَّذِي هو الخُرُوجُ عَنِ الطّاعَةِ والِانْسِلاخِ عَنْ كُلٍّ حَتّى كَأنَّهُمُ الجِنْسُ كُلُّهُ، ومِن هُنا صَحَّ الحَصْرُ المُسْتَفادُ مِنَ الفَصْلِ وتَعْرِيفِ الخَبَرِ وإلّا فَكَمْ فاسِقٌ سِواهم.

والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، ولَعَلَّهُ لَمْ يَذْكُرِ المُنافِقاتِ اكْتِفاءً بِقُرْبِ العَهْدِ، ومِثْلُهُ في نُكْتَةِ الإظْهارِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ﴾ أيِ: المُجاهِرِينَ فَهو مِن عَطْفِ المُغايِرِ، وقَدْ يَكُونُ مِن عَطْفِ العامِّ عَلى الخاصِّ ﴿نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن مَفْعُولِ.

9:68Page 197

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ هِيَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٦٨

Allāh has promised the hypocrite men and hypocrite women and the disbelievers the fire of Hell, wherein they will abide eternally. It is sufficient for them. And Allāh has cursed them, and for them is an enduring punishment.

﴿وعَدَ﴾ أيْ: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ، قِيلَ: والمُرادُ دُخُولُهم وتَعْذِيبُهم بِنارِ جَهَنَّمَ في تِلْكَ الحالِ لِما يَلُوحُ لَهم يُقَدِّرُونَ الخُلُودَ في أنْفُسِهِمْ، فَلا حاجَةَ لِما قالَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ التَّقْدِيرَ مُقَدَّرِي الخُلُودِ بِصِيغَةِ المَفْعُولِ.

والإضافَةُ إلى الخُلُودِ لِأنَّهم لَمْ يُقَدِّرُوهُ وإنَّما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم، وقِيلَ: إذا كانَ المُرادُ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِنارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ لا يَحْتاجُ إلى التَّقْدِيرِ، والتَّعْبِيرُ بِالوَعْدِ لِلتَّهَكُّمِ نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ )، ( ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ ) عِقابًا وجَزاءً أيْ فِيها ما يَكْفِي مِن ذَلِكَ، وفِيهِ ما يَدُلُّ عَلى عِظَمِ عِقابِها وعَذابِها فَإنَّهُ إذا قِيلَ لِلْمُعَذَّبِ كَفى هَذا دَلَّ عَلى أنَّهُ بَلَغَ غايَةَ النِّكايَةِ ﴿ولَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ وخَيْرِهِ وأهانَهُمْ؛ وفي إظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مِنَ الإيذانِ بِشِدَّةِ السُّخْطِ ما لا يَخْفى ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أيْ: نَوْعٌ مِنَ العَذابِ غَيْرُ عَذابِ النّارِ دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ أبَدًا فَلا تَكْرارَ مَعَ ما تَقَدَّمَ، ولا يُنافِي ذَلِكَ ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ لِأنَّهُ بِالنَّظَرِ إلى تَعْذِيبِهِمْ بِالنّارِ، وقِيلَ: في دَفْعِ التَّكْرارِ إنَّ ما تَقَدَّمَ وعِيدٌ وهَذا بَيانٌ لِوُقُوعِ ما وعَدُوا بِهِ عَلى أنَّهُ لا مانِعَ مِنَ التَّأْكِيدِ، وقِيلَ: إنَّ الأوَّلَ عَذابُ الآخِرَةِ وهَذا عَذابُ ما يُقاسُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ التَّعَبِ والخَوْفِ في الفَضِيحَةِ والقَتْلِ ونَحْوِهِ، وفُسِّرَتِ الإقامَةُ بِعَدَمِ الِانْقِطاعِ لِأنَّها مِن صِفاتِ العُقَلاءِ فَلا يُوصَفُ بِها العَذابُ فَهي مَجازٌ عَمّا ذُكِرَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ وصْفُ العَذابِ بِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ فالمَجازُ حِينَئِذٍ عَقْلِيٌّ.

9:69Page 198

كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٩

[You disbelievers are] like those before you; they were stronger than you in power and more abundant in wealth and children. They enjoyed their portion [of worldly enjoyment], and you have enjoyed your portion as those before you enjoyed their portion, and you have engaged [in vanities] like that in which they engaged. [It is] those whose deeds have become worthless in this world and in the Hereafter, and it is they who are the losers.

﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِلتَّشْدِيدِ، والكافُ في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أنْتُمْ مِثْلُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ أوْ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ أيْ فَعَلْتُمْ مِثْلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، ونَحْوُهُ قَوْلُ النَّمِرِ يَصِفُ ثَوْرَ وحْشٍ وكِلابًا:

حَتّى إذا الكِلابُ قالَ لَها كاليَوْمِ مَطْلُوبًا ولا طالِبا

فَإنَّ أصْلَهُ لَمْ أرَ مَطْلُوبًا كَمَطْلُوبٍ رَأيْتُهُ اليَوْمَ ولا طِلْبَةً كَطِلْبَةَ رَأيْتُها اليَوْمَ فاخْتَصَرَ الكَلامَ فَقِيلَ: لَمْ أرَ مَطْلُوبًا كَمَطْلُوبِ اليَوْمِ لِمُلابَسَتِهِ لَهُ ثُمَّ حُذِفَ المُضافُ اتِّساعًا وعُدِمَ الباسُّ، وقِيلَ: كاليَوْمِ وقُدِّمَ عَلى المَوْصُوفِ فَصارَ

صفحة 134

حالًا لِلِاعْتِناءِ والمُبالَغَةِ وحُذِفَ الفِعْلُ لِلْقَرِينَةِ الحالِيَّةِ ووَجْهُ الشَّبَهِ المَعْمُولِيَّةُ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالا وأوْلادًا﴾ إلَخْ تَفْسِيرٌ لِلتَّشْبِيهِ وبَيانٌ لِوَجْهِ الشَّبَهِ بَيْنَ المُخاطَبِينَ ومَن قَبْلَهم فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ المُخاطَبِينَ أوْلى وأحَقُّ بِأنْ يُصِيبَهم ما أصابَهم ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ أيْ تَمَتَّعُوا بِنَصِيبِهِمْ مِن مَلاذِ الدُّنْيا، وفي صِيغَةِ الِاسْتِفْعالِ ما لَيْسَ في التَّفَعُّلِ مِنَ الِاسْتِفادَةِ والِاسْتِدامَةِ في التَّمَتُّعِ، واشْتِقاقُ الخَلاقِ مِنَ الخَلْقِ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ وهو أصْلُ مَعْناهُ لُغَةً ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ ذَمَّ الأوَّلِينَ بِاسْتِمْتاعِهِمْ بِحُظُوظِهِمُ الخَسِيسَةِ مِنَ الشَّهَواتِ الفانِيَةِ والتِهائِهِمْ فِيها عَنِ النَّظَرِ في العاقِبَةِ والسَّعْيِ في تَحْصِيلِ اللَّذائِذِ الحَقِيقِيَّةِ تَمْهِيدًا لِذَمِّ المُخاطَبِينَ بِمُشابِهَتِهِمْ واقْتِفاءِ أثَرِهِمْ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ الإطْنابُ بِزِيادَةِ ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ وهَذا كَما تُرِيدُ أنَّ تُنَبِّهَ بَعْضَ الظَّلَمَةِ عَلى سَماجَةِ فِعْلِهِ فَتَقُولُ أنْتَ مِثْلُ فِرْعَوْنَ كانَ يَقْتُلُ بِغَيْرِ جُرْمٍ ويُعَذِّبُ ويَعْسِفُ وأنْتَ تَفْعَلُ مِثْلَهُ، ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيِ اسْتَمْتَعْتُمُ اسْتِمْتاعًا كاسْتِمْتاعِ الَّذِينَ ( ﴿وخُضْتُمْ﴾ ) أيْ دَخَلْتُمْ في الباطِلِ ﴿كالَّذِي خاضُوا﴾ أيْ كالَّذِينِ فَحُذِفَتْ نُونُهُ تَخْفِيفًا كَما في قَوْلِهِ:

إنَّ الَّذِينَ حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِي صِفَةً لِمُفْرَدِ اللَّفْظِ مَجْمُوعَ المَعْنى كالفَوْجِ والفَرِيقِ فَلُوحِظَ في الصِّفَةِ اللَّفْظُ وفي الضَّمِيرِ المَعْنى أوْ هو صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ كالخَوْضِ الَّذِي خاضُوهُ ورُجِّحَ بِعَدَمِ التَّكَلُّفِ فِيهِ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ الَّذِي تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً وخَرَجَ هَذا عَلَيْهِ أيْ كَخَوْضِهِمْ وهو كَما قالَ أبُو البَقاءِ نادِرٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها، وحِينَئِذٍ إمّا أنْ يُقَدَّرَ فِيها ما يَجْعَلُها عَلى طَرْزِهِ لِعَطْفِها عَلَيْهِ أوْ لا يُقَدَّرُ إشارَةً إلى الِاعْتِناءِ بِالأوَّلِ ( أُولَئِكَ ) إشارَةٌ إلى المُتَّصِفِينَ بِالصِّفاتِ المَعْدُودَةِ مِنَ المُشَبَّهِينَ والمُشَبَّهِ بِهِمْ، وكَوْنُهُ إشارَةً إلى الأخِيرِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حُكْمُ المُشَبَّهِينَ مَفْهُومًا ضِمْنًا ويُؤَدِّي إلى خُلُوِّ تَلْوِينِ الخِطابِ عَنِ الفائِدَةِ إذِ الظّاهِرُ حِينَئِذٍ أُولَئِكم والخِطابُ لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ أيْ: أُولَئِكَ المُتَّصِفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ القَبائِحِ ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيِ: الَّتِي كانُوا يَسْتَحِقُّونَ بِها أُجُورًا حَسَنَةً لَوْ قارَنَتِ الإيمانَ، والحَبْطُ السُّقُوطُ والبُطْلانُ والِاضْمِحْلالُ؛ والمُرادُ لَمْ يَسْتَحِقُّوا عَلَيْها ثَوابًا وكَرامَةً ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أمّا في الآخِرَةِ فَظاهِرٌ وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّ ما حَصَلَ لَهم مِنَ الصِّحَّةِ والسِّعَةِ ونَحْوِهِما لَيْسَ إلّا بِطَرِيقِ الِاسْتِدْراجِ كَما نَطَقَتْ بِهِ الآياتُ دُونَ الكَرامَةِ ( ﴿وأُولَئِكَ﴾ ) المَوْصُوفُونَ بِحَبْطِ الأعْمالِ في الدّارَيْنِ ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ الجامِعُونَ لِمَبادِيهِ وأسْبابِهِ طُرًّا.

وإيرادُ اسْمِ الإشارَةِ في المَوْضِعَيْنِ لِلْأشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الأوْصافِ المُشارِ إلَيْها لِلْحَبْطِ والخُسْرانِ.

9:70Page 198

أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٧٠

Has there not reached them the news of those before them - the people of Noah and [the tribes of] ʿAad and Thamūd and the people of Abraham and the companions [i.e., dwellers] of Madyan and the towns overturned?1 Their messengers came to them with clear proofs. And Allāh would never have wronged them, but they were wronging themselves.

﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ﴾ أيِ: المُنافِقِينَ ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ خَبَرُهُمُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ واسْتِفْهامٌ لِلتَّقْرِيرِ والتَّحْذِيرِ ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أُغْرِقُوا بِالطُّوفانِ ( ﴿وعادٍ﴾ ) أُهْلِكُوا بِالرِّيحِ ( ﴿وثَمُودَ﴾ ) أُهْلِكُوا بِالرَّجْفَةِ، وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ في القَوْمَيْنِ لِأنَّهم لَمْ يَشْتَهِرُوا بِنَبِيِّهِمْ، وقِيلَ: لِأنَّ الكَثِيرَ مِنهم آمَنَ ﴿وقَوْمِ إبْراهِيمَ﴾ أُهْلِكَ نُمْرُوذُ رَئِيسُهم بِبَعُوضٍ وأُبِيدُوا بَعْدَهُ لَكِنْ لا بِسَبَبٍ سَماوِيٍّ كَغَيْرِهِمْ ﴿وأصْحابِ مَدْيَنَ﴾ أيْ: أهْلِها وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أُهْلِكُوا

صفحة 135

بِالنّارِ يَوْمَ الظُّلَّةِ أوْ بِالصَّيْحَةِ والرَّجْفَةِ أوْ بِالنّارِ والرَّجْفَةِ عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ ( ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ ) جُمَعُ مُؤْتَفِكَةٍ مِنَ الِائْتِفاكِ وهو الِانْقِلابُ بِجَعْلِ أعْلى الشَّيْءِ أسْفَلَ بِالخَسْفِ، والمُرادُ بِها إمّا قُرَيّاتُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فالِائْتِفاكُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَإنَّها انْقَلَبَتْ بِهِمْ وصارَ عالِيها سافِلَها وأمْطَرَ عَلى مَن فِيها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ وإمّا قُرَيّاتُ المُكَذِّبِينَ المُتَمَرِّدِينَ مُطْلَقًا فالِائْتِفاكُ مَجازٌ عَنِ انْقِلابِ حالِها مِنَ الخَيْرِ إلى الشَّرِّ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ كَقَوْلِ ابْنِ الرُّومِيِّ:

وما الخَسْفُ أنْ تَلْقى أسافِلُ بَلْدَةٍ أعالِيَها بَلْ أنْ تَسُودَ الأراذِلُ

لِأنَّها لَمْ يُصِبْها كُلَّها الِائْتِفاكُ الحَقِيقِيُّ ﴿أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ نَبَئِهِمْ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِلْجَمِيعِ لا لِلْمُؤْتَفِكاتِ فَقَطْ ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أيْ فَكَذَّبُوهم فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَما كانَ إلَخْ، فالفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى ذَلِكَ المُقَدَّرِ الَّذِي يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ، أيْ لَمْ يَكُنْ مِن عادَتِهِ سُبَحانَهُ ما يُشْبِهُ ظُلْمَ النّاسِ كالعُقُوبَةِ بِلا جُرْمٍ، وقَدْ يُحْمَلُ عَلى اسْتِمْرارِ النَّفْيِ أيْ لا يَصْدُرُ مِنهُ سُبْحانَهُ ذَلِكَ أصْلًا بَلْ هو أبْلَغُ كَما لا يَخْفى، وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: أيْ فَما صَحَّ مِنهُ أنْ يَظْلِمَهم وهو حَكِيمٌ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ القَبِيحُ مَبْنِيٌّ عَلى الِاعْتِزالِ.

﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ عَرَضُوها بِمُقْتَضى اسْتِعْدادِهِمْ لِلْعِقابِ بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ عَلى ما قَرَّرَهُ بَعْضُ الأفاضِلِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِهِ مَعَ مُراعاةِ الفاصِلَةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى قَصْرِ المَظْلُومِّيَةِ عَلَيْهِمْ عَلى رَأْيِ مَن لا يَرى التَّقْدِيمَ مُوجِبًا لِلْقَصْرِ كابْنِ الأثِيرِ فِيما قِيلَ.

9:71Page 198

وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٧١

The believing men and believing women are allies of one another. They enjoin what is right and forbid what is wrong and establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. Those - Allāh will have mercy upon them. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ﴾ بَيانٌ لِحُسْنِ حالِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ حالًا ومَآلًا بَعْدَ بَيانِ حالِ أضِّدادِهِمْ عاجِلًا وآجِلًا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ يُقابِلُ قَوْلَهُ تَعالى فِيما مَرَّ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِلْإشارَةِ إلى تَناصُرِهِمْ وتَعاضُدِهِمْ بِخِلافِ أُولَئِكَ؛ وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ ظاهِرُ المُقابَلَةِ لِـ ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ إلَخْ والكَلامُ في المُنْكَرِ والمَعْرُوفِ مَعْرُوفٌ، وقَوْلُهُ جَلَّ وعَلا: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ في مُقابَلَةِ ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى جَدُّهُ: ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ في مُقابَلَةِ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ في سائِرِ الأُمُورِ في مُقابَلَةِ وصْفِ المُنافِقِينَ بِكَمالِ الفِسْقِ والخُرُوجِ عَنِ الطّاعَةِ وقِيلَ: هو في مُقابَلَةِ ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ زِيادَةُ مَدْحِ، وقَوْلُهُ تَعالى شَأْنُهُ: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ في مُقابَلَةِ ( ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ ) المُفَسَّرِ بِمَنعِ لُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: في مُقابَلَةِ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ لِأنَّهُ بِمَعْنى المُتَّقِينَ المَرْحُومِينَ، والإشارَةُ إلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما سَلَفَ مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ، والإتْيانُ بِما يَدُلُّ عَلى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ.

والسِّينُ عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ غَيْرُ واحِدٍ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ وهي كَما تُفِيدُ ذَلِكَ تُفِيدُ تَأْكِيدَ الوَعِيدِ، ونَظَرَ فِيهِ صاحِبُ التَّقْرِيبِ ووَجَّهَ ذَلِكَ بِأنَّ السِّينَ في الإثْباتِ في مُقابَلَةِ لَنْ في النَّفْيِ فَتَكُونُ بِهَذا الِاعْتِبارِ تَأْكِيدًا لِما دَخَلَتْ عَلَيْهِ ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ وعْدًا أوْ وعِيدًا أوْ غَيْرُهُما، وقالَ العَلّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ: ما زَعَمَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ السِّينَ تُفِيدُ القَطْعَ بِمَدْخُولِها مَرْدُودٌ بِأنَّ القَطْعَ إنَّما فُهِمَ مِنَ المَقامِ لا مِنَ الوَضْعِ وهو تَوْطِئَةٌ

صفحة 136

لِمَذْهَبِهِ الفاسِدِ في تَحَتُّمِ الجَزاءِ، ومَن غَفَلَ عَنْ هَذِهِ الدَّسِيسَةِ وجَّهَهُ وتَعَقَّبَهُ الفَهّامَةُ ابْنُ قاسِمٍ بِأنَّ هَذا لا وجْهَ لَهُ لِأنَّهُ أمْرٌ نَقْلِيٌّ لا يَدْفَعُهُ ما ذُكِرَ ونِسْبَةُ الغَفْلَةِ لِلْأئِمَّةِ إنَّما أوْجَبَهُ حُبُّ الِاعْتِراضِ، وحِينَئِذٍ فالمَعْنى أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما فُصِّلَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ يَرْحَمُهُمُ اللَّهُ تَعالى لا مَحالَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ قَوِيٌّ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ ما يُرِيدُهُ ( ﴿حَكِيمٌ﴾ ) يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها ومِن ذَلِكَ النِّعْمَةُ والنِّقْمَةُ؛ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْوَعْدِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском