Al-AlusiAd‑Duhaa · 93:1–3

Al-Alusi · Tafsir · in Arabic

الضحى

Ad-Duhaa

The Morning Hours · Meccan · 11 ayahs

93:1Page 596

وَٱلضُّحَىٰ ١

By the morning brightness

سُورَةُ الضُّحى

مَكِّيَّةٌ وآيُها إحْدى عَشْرَةَ آيَةً بِلا خِلافٍ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ فِيما قَبْلَها ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ وكانَ سَيِّدُ الأتْقَيْنِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، عَقَّبَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِذِكْرِ نِعَمِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقالَ الإمامُ: لَمّا كانَتِ الأُولى سُورَةَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهَذِهِ سُورَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَقَّبَ جَلَّ وعَلا بِها ولَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُما واسِطَةً لِيُعْلَمَ أنْ لا واسِطَةَ بَيْنَ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وتَقْدِيمُ سُورَةِ الصِّدِّيقِ عَلى سُورَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَدُلُّ عَلى أفْضَلِيَّتِهِ مِنهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى أقْسَمَ أوَّلًا بِشَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ سُبْحانَهُ ثُمَّ أقْسَمَ بِنَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنها السُّورَةُ السّابِقَةُ عَلى ما عَلِمْتَ، والخَدَمُ قَدْ تَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدِي السّادَةِ، وكَثِيرٌ مِنَ السُّنَنِ أُمِرَ بِتَقْدِيمِهِ عَلى فُرُوضِ العِبادَةِ ولا يَضُرُّ النَّوْرَ تَأخُّرُهُ عَنْ أغْصانِهِ ولا السِّنانَ كَوْنُهُ في أطْرافِ مِرانِهِ، ثُمَّ إنَّ ما ذَكَرَهُ زَهْرَةُ رَبِيعٍ لا تَتَحَمَّلُ الفَرْكَ كَما لا يَخْفى.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿والضُّحى﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ والمُرادُ بِهِ هُنا وقْتُ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ الَّذِي يَلِي وقْتَ بُرُوزِها لِلنّاظِرِينَ دُونَ ضَوْئِها وارْتِفاعِها؛ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِما بَعْدُ. وتَخْصِيصُهُ بِالإقْسامِ بِهِ لِأنَّهُ شَبابُ النَّهارِ، وقَوْلُهُ فِيهِ قُوَّةٌ غَيْرُ قَرِيبَةٍ مِن ضِدِّها. ولِذا عُدَّ شَرَفًا يَوْمِيًّا لِلشَّمْسِ وسَعْدًا ولِأنَّهُ عَلى ما قالُوا السّاعَةُ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى فِيها مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأُلْقِيَ فِيهِ السَّحَرَةُ سُجَّدًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ فَفِيهِ مُناسَبَةٌ لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ وهو أنَّهُ تَعالى لَمْ يَتْرُكِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ يُفارِقْهُ إلْطافُهُ تَعالى وتَكْلِيمُهُ سُبْحانَهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ النَّهارُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى﴾ واعْتُرِضَ بِالفَرْقِ؛ فَإنَّهُ وقَعَ هُناكَ في مُقابَلَةِ البَياتِ وهو مُطْلَقُ اللَّيْلِ، وهُنا في مُقابَلَةِ اللَّيْلِ مُقَيَّدًا مَعْنًى بِاشْتِدادِ ظُلْمَتِهِ فالمُناسِبُ أنْ يُرادَ بِهِ وقْتُ ارْتِفاعِهِ وقُوَّةُ إضاءَتِهِ. وأُجِيبَ بِمَنعِ دَلالَةِ القَيْدِ عَلى الِاشْتِدادِ وسَتَسْمَعُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما في ذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الجِنْسُ؛ أيْ: وجِنْسِ الضُّحى

93:2Page 596

وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ ٢

And [by] the night when it covers with darkness,1

﴿واللَّيْلِ﴾ أيْ: وجِنْسِ اللَّيْلِ ﴿إذا سَجى﴾ أيْ: سَكَنَ أهْلُهُ عَلى أنَّهُ مِنَ السُّجُوِّ وهو السُّكُونُ مُطْلَقًا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ، والإسْنادُ مَجازِيٌّ أوْ هو عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ كَما قِيلَ، ونَحْوُهُ ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ؛ أيْ: سَكَنَ النّاسُ والأصْواتُ فِيهِ، وهَذا يَكُونُ في الغالِبِ فِيما بَيْنَ طَرَفَيْهِ أوْ بَعْدَ مُضِيِّ بُرْهَةٍ مِن أوَّلِهِ أوْ رَكَدَ ظَلامُهُ مِن سَجا البَحْرُ؛ سَكَنَتْ أمْواجُهُ. قالَ الأعْشى:

صفحة 154

وما ذَنْبُنا أنْ جاشَ بَحْرُ ابْنِ عَمِّكم وبَحْرُكَ ساجٍ لا يُوارِي الدَّعامِصا

فالسَّجْوُ قِيلَ: عَلى هَذا في الأصْلِ سُكُونُ الأمْواجِ ثُمَّ عَمَّ، والمُرادُ بِسُكُونِ ظَلامِهِ عَدَمُ تَغَيُّرِهِ بِالِاشْتِدادِ والتَّنْزِيلِ؛ أيْ: فِيما يُحَسُّ ويَظْهَرُ، وذَلِكَ إذا كَمُلَ حِسًّا بِوُصُولِ الشَّمْسِ إلى سَمْتِ القَدَمِ وقَبِيلَهُ وبُعَيْدَهُ. وصَرَّحَ بِاعْتِبارِ الِاشْتِدادِ ابْنُ الأعْرابِيِّ حَيْثُ قالَ: سَجا اللَّيْلُ: اشْتَدَّ ظَلامُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: أيْ إذا أقْبَلَ فَغَطّى كُلَّ شَيْءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ سَجا بِأقْبَلَ بِدُونِ ذِكْرِ التَّغْطِيَةِ، وأخْرَجاهُما وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: سَجا إذا ذَهَبَ، وكِلا التَّفْسِيرَيْنِ خِلافُ المَشْهُورِ. وشاعَ: لَيْلٌ ساكِنٌ أوْ ساجٍ لِما لا رِيحَ فِيهِ، ووَصْفُهُ بِذَلِكَ أعْنِي السُّكُونَ قِيلَ: عَلى الحَقِيقَةِ كَما إذا قِيلَ: لَيْلٌ لا رِيحَ فِيهِ، ولا يُقالُ: إنَّ السّاكِنَ هو الرِّيحُ بِالحَقِيقَةِ لِأنَّ السُّكُونَ عَلَيْها حَقِيقَةً مُحالٌ؛ لِأنَّهُ هَواءٌ مُتَحَرِّكٌ ثُمَّ إنَّهم يَقُولُونَهُ لِما لا رِيحَ فِيهِ لا لِما سَكَنَ رِيحُهُ والتَّحْقِيقُ أنْ يُقالَ: إنَّ السُّكُونَ عَلى تَفْسِيرَيْهِ أعْنِي عَدَمَ الحَرَكَةِ عَمّا مِن شَأْنِهِ الحَرَكَةُ أوْ كَوْنَيْنِ في حَيِّزٍ واحِدٍ لا يَصِحُّ عَلى اللَّيْلِ لِأنَّهُ زَمانٌ خاصٌّ، لَكِنْ لَمّا كانَ سُكُونُ الهَواءِ بِمَنزِلَةِ عَدَمٍ لَهُ في العُرْفِ العامِّيِّ لِعَدَمِ الإحْساسِ أوْ لِتَضَمُّنِهِ عَدَمَ الرِّيحِ لا الهَواءِ قِيلَ: لَيْلٌ ساجٍ وساكِنٌ. وُصِفُ اللَّيْلُ عَلى الحَقِيقَةِ؛ أيْ: لا إسْنادَ فِيهِ إلى غَيْرِ مُلائِمٍ عَلى أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ السُّكُونُ بِهَذا المَعْنى حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً، وجُوِّزَ حَمْلُ ما في الآيَةِ عَلى هَذا الشّائِعِ ولَعَلَّ التَّقْيِيدَ بِذَلِكَ لِأنَّ اللَّيْلَ الَّذِي لا رِيحَ فِيهِ أبْعَدُ عَنِ الغَوائِلِ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الفُقَهاءِ أنَّ الرِّيحَ الشَّدِيدَةَ لَيْلًا عُذْرٌ مِن أعْذارِ الجَماعَةِ. ونُقِلَ عَنْ قَتادَةَ ومُقاتِلٍ أنَّ المُرادَ بِالضُّحى هو الضُّحى الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِاللَّيْلِ لَيْلَةُ المِعْراجِ.

ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ الضُّحى بِوَجْهِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ واللَّيْلَ بِشَعْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما ذَكَرَ الإمامُ، وقالَ: لا اسْتِبْعادَ فِيهِ، وهو كَما تَرى. ومِثْلُهُ ما قِيلَ: الضُّحى ذُكُورُ أهْلِ بَيْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، واللَّيْلُ إناثُهُمْ، وقالَ الإمامُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: الضُّحى رِسالَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، واللَّيْلُ زَمانُ احْتِباسِ الوَحْيِ فِيهِ؛ لِأنَّ في حالِ النُّزُولِ حَصَلَ الِاسْتِئْناسُ، وفي زَمانِ الِاحْتِباسِ حَصَلَ الِاسْتِيحاشُ، أوِ الضُّحى نُورُ عِلْمِهِ تَعالى الَّذِي يَعْرِفُ المَسْتُورَ مِنَ الغُيُوبِ واللَّيْلُ عَفْوُهُ تَعالى الَّذِي بِهِ يُسْتَرُ جَمِيعُ العُيُوبِ، أوِ الضُّحى إقْبالُ الإسْلامِ بَعْدَ أنْ كانَ غَرِيبًا، واللَّيْلُ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سَيَعُودُ غَرِيبًا، أوِ الضُّحى كَمالُ العَقْلِ، واللَّيْلُ حالُ المَوْتِ، أوِ الضُّحى عَلانِيَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّتِي لا يَرى الخَلْقُ عَلَيْها عَيْبًا، واللَّيْلُ سِرُّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَعْلَمُ عالَمُ الغَيْبِ عَلَيْها عَيْبًا انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ التَّفْسِيرِ في شَيْءٍ، وبابُ التَّأْوِيلِ والإشارَةِ يَدْخُلُ فِيهِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ.

وتَقْدِيمُ الضُّحى عَلى اللَّيْلِ بِناءً عَلى ما قُلْنا أوَّلًا لِرِعايَةِ شَرَفِهِ لِما فِيهِ مِن ظُهُورِ زِيادَةِ النُّورِ ولِلنُّورِ شَرَفٌ ذاتِيٌّ عَلى الظُّلْمَةِ لِكَوْنِهِ وُجُودِيًّا أوْ لِكَثْرَةِ مَنافِعِهِ أوْ لِمُناسَبَتِهِ لِعالَمِ المَلائِكَةِ فَإنَّها نُورانِيَّةٌ، وتَقْدِيمُ اللَّيْلِ في السُّورَةِ السّابِقَةِ لِما فِيهِ مِنَ الظُّلْمَةِ الَّتِي هي لِعَدَمِيَّتِها أصْلٌ لِلنُّورِ الحادِثِ بِإزالَتِها لِأسْبابٍ حادِثَةٍ، وقِيلَ: تَقْدِيمُهُ هُناكَ لِأنَّ السُّورَةَ في أبِي بَكْرٍ وهو قَدْ سَبَقَهُ كُفْرٌ، وتَقْدِيمُ الضُّحى هُنا لِأنَّ السُّورَةَ في رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَسْبِقْهُ ذَلِكَ.

وتَخْصِيصُهُ تَعالى الوَقْتَيْنِ بِالإقْسامِ قِيلَ: لِيُشِيرَ سُبْحانَهُ بِحالِهِما إلى حالِ ما وقَعَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُؤَيِّدُ عَزَّ وجَلَّ نَفْيَ ما تُوُهِّمَ فِيهِ؛ فَكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: الزَّمانُ ساعَةٌ؛ فَساعَةٌ ساعَةُ لَيْلٍ وساعَةُ نَهارٍ، ثُمَّ تارَةً تَزْدادُ ساعاتُ اللَّيْلِ وتَنْقُصُ ساعاتُ النَّهارِ، وأُخْرى بِالعَكْسِ، فَلا الزِّيادَةُ لِهَوًى ولا النُّقْصانُ لِقِلًى بَلْ كُلٌّ لِحِكْمَةِ، وكَذا أمْرُ الوَحْيِ مَرَّةً إنْزالٌ وأُخْرى حَبْسٌ، فَلا كانَ الإنْزالُ عَنْ هَوًى ولا الحَبْسُ عَنْ قِلًى بَلْ كُلٌّ لِحِكْمَةٍ. وقِيلَ: لِيُسَلِّي عَزَّ وجَلَّ بِحالِهِما حَبِيبَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: انْظُرْ إلى هَذَيْنِ المُتَجاوِرَيْنِ لا يَسْلَمُ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ بَلِ اللَّيْلُ يَغْلِبُ تارَةً والنَّهارُ أُخْرى فَكَيْفَ تَطْمَعُ أنْ تَسْلَمَ مِنَ الخَلْقِ؟ والقَوْلانِ مَبْنِيّانِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالضُّحى

صفحة 155

النَّهارُ كُلُّهُ وبِاللَّيْلِ إذا سَجى جَمِيعُ اللَّيْلِ، وتَخْصِيصُ الضُّحى عَلى ما سَمِعْتَ أوَّلًا لِما سَمِعْتَ، وتَخْصِيصُ اللَّيْلِ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ وقْتُ اشْتِدادِ الظُّلْمَةِ قِيلَ: لِأنَّهُ وقْتُ خُلُوِّ المُحِبِّ بِالمَحْبُوبِ والأمْنِ مِن كُلِّ واشٍ ورَقِيبٍ. وقالَ الطِّيبِيُّ طَيَّبَ اللَّهُ تَعالى ثَراهُ في ذَلِكَ: إنَّهُ تَعالى أقْسَمَ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِوَقْتَيْنِ فِيهِما صَلاتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّتِي جُعِلَتْ قُرَّةَ عِينَهِ وسَبَبَ مَزِيدِ قُرْبِهِ وأُنْسِهِ، أمّا الضُّحى فَلِما رَواهُ اَلدّارَقُطْنِيُّ في المُجْتَبى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: ««كُتِبَ عَلَيَّ النَّحْرُ ولَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، وأُمِرْتُ بِصَلاةِ الضُّحى ولَمْ تُؤْمَرُوا بِها»».

وأمّا اللَّيْلُ فَلِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ إرْغامًا لِأعْدائِهِ وتَكْذِيبًا لَهم في زَعْمِ قِلاهُ وجَفائِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وحَقِّ قُرْبِكَ لَدَيْنا وزُلْفاكَ عِنْدَنا إنّا اصْطَفَيْناكَ وما هَجَرْناكَ وقَلَيْناكَ فَهو كَقَوْلِهِ:

وثَناياكَ إنَّها إغْرِيضٌ

وهُوَ مِمّا تَسْتَطِيبُهُ أهْلُ الأذْواقِ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الإقْسامُ بِاللَّيْلِ عَلى ما نُقِلَ عَنْ قَتادَةَ مِن بابِ وثَناياكَ أيْضًا، وكَذا الإقْسامُ بِهِما عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ المارَّةِ كَما لا يَخْفى. وعَلى كَوْنِ المُرادِ بِالضُّحى الوَقْتَ المَعْرُوفَ مِنَ النَّهارِ وبِاللَّيْلِ جَمِيعَهُ. قِيلَ: إنَّ التَّفْرِقَةَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ تُوازِي جَمِيعَ اللَّيْلِ كَما أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُوازِي جَمِيعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولِلْإشارَةِ لِكَوْنِ النَّهارِ وقْتَ السُّرُورِ واللَّيْلِ وقْتَ الوَحْشَةِ والغَمِّ إلى أنَّ هُمُومَ الدُّنْيا وغُمُومَها أدْوَمُ مِن سُرُورِها.

وقَدْ رُوِيَ «أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ العَرْشَ أظَلَّتْ عَنْ يَسارِهِ غَمامَةٌ فَنادَتْ: ماذا أُمْطِرُ؟ فَأُمِرَتْ أنْ تُمْطِرَ الغُمُومَ والأحْزانَ فَأمْطَرَتْ مِائَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ انْكَشَفَتْ فَأُمِرَتْ مَرَّةً أُخْرى بِذَلِكَ، وهَكَذا إلى إتْمامِ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ ثُمَّ أظَلَّتْ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ غَمامَةٌ بَيْضاءُ فَنادَتْ: ماذا أُمْطِرُ؟ فَأُمِرَتْ أنْ تُمْطِرَ السُّرُورَ ساعَةً». فَلِذا تَرى الغُمُومَ والأحْزانَ أدْوَمَ مِنَ المَسارِّ في الدُّنْيا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ الخَبَرِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

93:3Page 596

مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣

Your Lord has not taken leave of you, [O Muḥammad], nor has He detested [you].

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ إلَخْ. جَوابُ القَسَمِ، ووَدَّعَ مِنَ التَّوْدِيعِ، وهو في الأصْلِ مِنَ الدَّعَةِ وهو أنْ تَدْعُوَ لِلْمُسافِرِ بِأنْ يَدْفَعَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَآبَةَ السَّفَرِ، وأنْ يُبَلِّغَهُ الدَّعَةَ وخَفْضَ العَيْشِ كَما أنَّ التَّسْلِيمَ دُعاءٌ لَهُ بِالسَّلامَةِ، ثُمَّ صارَ مُتَعارَفًا في تَشْيِيعِ المُسافِرِ وتَرْكِهِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في التَّرْكِ مُطْلَقًا وفُسِّرَ بِهِ هُنا؛ أيْ: ما تَرَكَكَ رَبُّكَ. وفي البَحْرِ والكَشّافِ: التَّوْدِيعُ مُبالَغَةٌ في الوَدْعِ أيِ التَّرْكِ لِأنَّ مَن ودَّعَكَ مُفارِقًا فَقَدْ بالَغَ في تَرْكِكَ، قِيلَ: وعَلَيْهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ المَنفِيُّ التَّرْكَ المُبالَغَ فِيهِ دُونَ أصْلِ التَّرْكِ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ نَفْيُ ذَلِكَ فَلا بُدَّ مِن أنْ يُقالَ: إنَّهُ إنَّما نَفى ذَلِكَ لِأنَّهُ الواقِعُ في كَلامِ المُشْرِكِينَ الَّذِي نَزَلَتْ لَهُ الآيَةُ، أوْ أنَّ المُبالَغَةَ تَعُودُ عَلى النَّفْيِ فَيَكُونُ المُرادُ المُبالَغَةَ في النَّفْيِ لا نَفْيَ المُبالَغَةِ، وقَدْ ذَكَرُوا نَظِيرَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فَتَدَبَّرْ. وقِيلَ: إنَّ المَعْنى ما قَطَعَكَ قَطْعَ المُوَدِّعِ عَلى أنَّ التَّوْدِيعَ مُسْتَعارٌ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً لِلتَّرْكِ وفِيهِ مِنَ اللُّطْفِ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى؛ فَإنَّ الوَداعَ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ الأحْبابِ ومَن تَعِزُّ مُفارَقَتُهُ كَما قالَ المُتَنَبِّي:

حَشاشَةُ نَفْسٍ ودَّعَتْ يَوْمَ ودَّعَوْا فَلَمْ أدْرِ أيَّ الظّاعِنِينَ أُشَيِّعُ

وحَقِيقَةُ التَّوْدِيعِ المُتَعارَفِ غَيْرُ مُتَصَوَّرَةٍ هاهُنا، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ عَلى هَذا لا يَكُونُ رَدًّا لِما قالَهُ المُشْرِكُونَ لِأنَّهم لَمْ يَقُولُوا: ودَّعَهُ رَبُّهُ عَلى هَذا المَعْنى؛ كَيْفَ وهم بِمَعْزِلٍ عَنِ اعْتِقادِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمَحَلِّ الَّذِي هو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فِيهِ مِن رَبِّهِ سُبْحانَهُ؟ وقِيلَ في الجَوابِ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَدُلَّ ودَّعَهُ رَبُّهُ عَلى ذَلِكَ إلّا أنَّهم -قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى- قالُوهُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والسُّخْرِيَةِ، وحِينَ رَدَّ عَلَيْهِمْ قَصَدَ ما يُشْعِرُ بِهِ اللَّفْظُ عَلى التَّحْقِيقِ. وقِيلَ: إنَّ التَّرْكَ مُطْلَقٌ في كَلامِهِمْ، والظّاهِرُ مِن حالِهِمْ أنَّهم لَمْ يُرِيدُوا الماهِيَّةَ مِن حَيْثُ هي ولا مِن حَيْثُ تَحَقُّقُها في ضِمْنِ ما لا يُخِلُّ بِشَرِيفِ مَقامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلِ الماهِيَّةُ مِن حَيْثُ تَحَقُّقُها في ضِمْنِ ما يُخِلُّ بِذَلِكَ، ولَمّا كانَ المَقْصُودُ إيناسَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإزالَةَ وحْشَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جِيءَ بِما يَتَضَمَّنُ نَفْيَ ما زَعَمُوهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا

صفحة 156

النَّوْعَ الغَيْرَ المُخِلِّ بِمَقامِكَ مِنَ التَّرْكِ لَمْ يَكُنْ فَضْلًا عَمّا زَعَمُوهُ مِنَ التَّرْكِ المُخِلِّ بِعَزِيزِ مَقامِكَ، وعِنْدِي أنَّ الظّاهِرَ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ بِأيِّ مَعْنًى كانَ صادِرٌ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ إذا كانَ المُرادُ بِالرَّبِّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وكانَ القائِلُ مِنَ المُشْرِكِينَ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَأمِّلِ.

وقَرَأ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وابْنُهُ هِشامٌ وأبُو حَيْوَةَ وأبُو بَحْرِيَّةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: «ما ودَعَكَ» بِالتَّخْفِيفِ وهي عَلى ما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ قِراءَةُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وخَرَجَتْ عَلى أنْ ودَعَ مُخَفَّفُ ودَّعَ ومَعْناهُ مَعْناهُ. قالَ في القامُوسِ: ودَعَهُ كَوَضَعَهُ ووَدَّعَ بِمَعْنًى، وقِيلَ: لَيْسَ بِمُخَفَّفَةٍ، بَلْ هو فِعْلٌ بِرَأْسِهِ بِمَعْنى تَرَكَ، وأنَّهُ يُعَكِّرُ عَلى قَوْلِ النُّحاةِ أماتَتِ العَرَبُ ماضِيَ يَدَعُ ويَذَرُ ومَصْدَرَهُما واسْمَ فاعِلِهِما واسْمَ مَفْعُولِهِما واسْتَغْنَوْا بِما لِيَتْرُكَ مِن ذَلِكَ. وفي المُغْرِبِ أنَّ النُّحاةَ زَعَمُوا أنَّ العَرَبَ أماتَتْ ذَلِكَ والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أفْصَحُهُمْ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لِيَنْتَهِيَنَّ أقْوامٌ عَنْ ودْعِهُمُ الجَماعاتِ»».

وقَرَأ: «ما ودَعَكَ». وقالَ أبُو الأُسُودِ:

لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيلِي ما الَّذِي ∗∗∗ غالَهُ في الحُبِّ حَتّى ودَعَهْ

ومِثْلُهُ قَوْلُ آخَرَ:

وثُمَّ ودَعْنا آلَ عَمْرٍو وعامِرٍ ∗∗∗ فَرائِسَ أطْرافِ المُثَقَّفَةِ السُّمْرِ

وهُوَ دَلِيلٌ أيْضًا عَلى اسْتِعْمالِ ودَعَ وهو بِمَعْنى تَرَكَ المُتَعَلِّقِ بِمَفْعُولَيْنِ فَلا تَغْفُلْ.

وفِي الحَدِيثِ: ««اتْرُكُوا التُّرْكَ ما تَرَكُوكُمْ، ودَعَوُا الحَبَشَةَ ما ودَعُوكُمْ»».

وفِي المُسْتَوْفى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ قَدْ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ ولا عِبْرَةَ بِكَلامِ النُّحاةِ. وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ. نَعَمْ وُرُودُهُ نادِرٌ وقالَ الطِّيبِيُّ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ وُرُودَهُ نَظْمًا ونَثْرًا: إنَّما حَسَّنَ هَذِهِ القِراءَةَ المُوافَقَةُ بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ؛ يَعْنِي هَذِهِ وما بَعْدَها كَما في حَدِيثِ التُّرْكِ والحَبَشَةِ؛ لِأنَّ رَدَّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ وصَنْعَةَ التَّرْصِيعِ قَدْ جَبَرا مِنهُ. وقِيلَ: إنَّ القائِلِينَ إنَّما قالُوا: «ودَعَهُ رَبُّهُ» بِالتَّخْفِيفِ فَنَزَلَتْ فَيَكُونُ المُحْسِنُ لَهُ قَصْدُ المُشاكَلَةِ لِما قالُوهُ وهم تَكَلَّمُوا بِغَيْرِ المَعْرُوفِ طِيرَةً مِنهم كانَ غَيْرُ المَعْرُوفِ مِنَ اللَّفْظِ مِمّا يُتَشاءَمُ بِهِ مِنَ الفَأْلِ الرَّدِيءِ أوْ أنَّهم لَمّا قَصَدُوا السُّخْرِيَةَ حَسُنَ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ، وقَدْ قالُوا: يَحْسُنُ اسْتِعْمالُ الألْفاظِ الغَرِيبَةِ ونَحْوَها في الهِجاءِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في السُّخْرِيَةِ كَذَلِكَ. والحَقُّ أنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ وُرُودِهِ لا يَحْتاجُ إلى تَكْلِيفٍ مُحَسِّنٍ لَهُ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالرَّبِّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ وإضافَتِهِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ اللُّطْفِ ما لا يَخْفى فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما تَرَكَكَ المُتَكَفِّلُ بِمَصْلَحَتِكَ والمُبَلِّغُ لَكَ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ كَمالَكَ اللّائِقَ بِكَ.

﴿وما قَلى﴾ أيْ: وما أبْغَضَكَ، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِئَلّا يُواجَهَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِنِسْبَةِ القِلى وإنْ كانَتْ في كَلامٍ مَنفِيٍّ لُطْفًا بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وشَفَقَةً عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ لِنَفْيِ صُدُورِهِ عَنْهُ عَزَّ وجَلَّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِأحَدٍ مِن أصْحابِهِ ومَن أحَبَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ بِذِكْرِهِ مِن قَبْلُ مَعَ أنَّ فِيهِ مُراعاةً لِلْفَواصِلِ. واللُّغَةُ المَشْهُورَةُ في مُضارِعِ قَلى يَقْلِي كَيَرْمِي، وطَيِّئٌ تَقُولُ: يَقْلَ بِفَتْحِ العَيْنِ كَيَرْضى، وتَفْسِيرُ القِلى بِالبُغْضِ شائِعٌ. وفي القامُوسِ مِنَ الواوِيِّ قَلا زَيْدًا قِلًا وقَلاهُ أبْغَضَهُ ومِنَ اليائِيِّ قَلاهُ كَرَماهُ ورَضِيَهُ قِلًى وقَلاهُ مَقْيِلَةً أبْغَضَهُ وكَرِهَهُ غايَةَ الكَراهَةِ فَتَرَكَهُ أوْ قَلاهُ في الهَجْرِ وقَلِيَهُ في البُغْضِ. وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ القِلى شِدَّةُ البُغْضِ؛ يُقالُ: قَلاهُ يَقْلُوهُ ويَقْلِيهِ فَمَن جَعَلَهُ مِنَ الواوِيِّ فَهو مِنَ القُلُوِّ؛ أيِ الرَّمْيِ مِن قَوْلِهِمْ:

قَلَتِ النّاقَةُ بِراكِبِها قَلْوًا، وقَلَوْتُ بِالقُلَةِ فَكَأنَّ المَقْلُوَّ هو الَّذِي يَقْذِفُهُ القَلْبُ مِن بُغْضِهِ فَلا يَقْبَلُهُ، ومَن جَعَلَهُ مِنَ اليائِيِّ فَمِن قَلَيْتُ البُسْرَ والسَّوِيقَ عَلى المِقْلاةِ انْتَهى. وبَيْنَهُما مُخالَفَةٌ لا تَخْفى.

وعَلى اعْتِبارِ شِدَّةِ البُغْضِ فالظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ في الآيَةِ لَيْسَ إلّا لِأنَّهُ الواقِعُ في كَلامِهِمْ، قالَ المُفَسِّرُونَ: أبْطَأجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ قَلاهُ رَبُّهُ ووَدَّعَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ.

وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ إلَخْ قِيلَ لِامْرَأةِ أبِي لَهَبٍ أُمِّ جَمِيلٍ: إنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ

صفحة 157

وسَلَّمَ قَدْ هَجاكِ. فَأتَتْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ جالِسٌ في المَلَأِ فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، عَلامَ تَهْجُونِي؟ قالَ: «إنِّي واللَّهِ ما هَجَوْتُكِ ما هَجاكِ إلّا اللَّهُ تَعالى». فَقالَتْ: هَلْ رَأيْتَنِي أحْمِلُ حَطَبًا أوْ في جِيدِي حَبْلًا مِن مَسَدٍ؟ ثُمَّ انْطَلَقَتْ فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ فَأتَتْهُ فَقالَتْ: ما أرى صاحِبَكَ إلّا قَدْ ودَّعَكَ وقَلاكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ».

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ واللَّفْظُ لَهُ عَنْ جُنْدُبٍ البَجَلِيِّ قالَ: «رُمِيَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِحَجَرٍ في أُصْبُعِهِ فَقالَ:

ما أنْتِ إلّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ وفي سَبِيلِ اللَّهِ ما لَقِيتِ. فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا لا يَقُومُ فَقالَتْ لَهُ امْرَأةٌ: ما أرى شَيْطانَكَ إلّا قَدْ تَرَكَكَ».

وفِي رِوايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ أيْضًا والإمامِ أحْمَدَ والبُخارِيِّ ومُسْلِمٍ والنَّسائِيِّ وجَماعَةٍ بِلَفْظِ: «اشْتَكى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾» .

ولَيْسَ فِيهِ حَدِيثُ المَرْأةِ ولا الحَجَرِ والرِّجْزِ وذَلِكَ لا يَطْعَنُ في صِحَّتِهِ.

وقالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: «إنَّ اليَهُودَ سَألُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وعَنِ الرُّوحِ، وعَنْ قِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «سَأُخْبِرُكم غَدًا» ولَمْ يَسْتَثْنِ. فاحْتَبَسَ عَنْهُ الوَحْيُ فَقالَ المُشْرِكُونَ ما قالُوا فَنَزَلَتْ.»

وقِيلَ: «إنَّ عُثْمانَ أهْدى إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عُنْقُودَ عِنَبٍ وقِيلَ: عَذْقَ تَمْرٍ فَجاءَ سائِلٌ فَأعْطاهُ ثُمَّ اشْتَراهُ عُثْمانُ بِدِرْهَمٍ فَقَدَّمَهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثانِيًا، ثُمَّ عادَ السّائِلُ فَأُعْطِيَهُ وهَكَذا ثَلاثَ مَرّاتٍ. فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُلاطِفًا لا غَضْبانَ: «أسائِلٌ أنْتَ يا فُلانُ أمْ تاجِرٌ؟» فَتَأخَّرَ الوَحْيُ أيّامًا فاسْتَوْحَشَ فَنَزَلَتْ،» ولَعَلَّهم أيْضًا قالُوا ما قالُوا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن «حَدِيثِ خَوْلَةَ وكانَتْ تَخْدِمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنَّ جَرْوًا دَخَلَ تَحْتَ سَرِيرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَماتَ ولَمْ نَشْعُرْ بِهِ، فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أرْبَعَةَ أيّامٍ لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فَقالَ: «يا خَوْلَةُ، ما حَدَثَ في بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جِبْرِيلُ لا يَأْتِينِي؟». فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، ما أتى عَلَيْنا يَوْمٌ خَيْرٌ مِنّا اليَوْمَ، فَأخَذَ بُرْدَهُ فَلَبِسَهُ وخَرَجَ فَقُلْتُ في نَفْسِي: لَوْ هَيَّأْتُ البَيْتَ وكَنَسْتُهُ فَأهْوَيْتُ بِالمِكْنَسَةِ تَحْتَ السَّرِيرِ فَإذا بِشَيْءٍ ثَقِيلٍ فَلَمْ أزَلْ بِهِ حَتّى بَدا لِي الجَرْوُ مَيِّتًا فَأخَذْتُهُ بِيَدِي فَألْقَيْتُهُ خَلْفَ الدّارِ، فَجاءَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَرْعِدُ لِحْيَتُهُ وكانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ أخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ. فَقالَ: يا خَوْلَةُ، دَثِّرِينِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَتَرْضى﴾» .

وهَذِهِ الرِّوايَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الِانْقِطاعَ كانَ أرْبَعَةَ أيّامٍ.

وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّهُ كانَ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وعَنِ الكَلْبِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وقِيلَ: بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ خَمْسَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، وعَنِ السُّدِّيِّ ومُقاتِلٍ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مِمّا يَتَفاوَتُ العِلْمُ بِمَبْدَئِهِ ولا يَكادُ يُعْلَمُ عَلى التَّحْقِيقِ إلّا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ قائِلَ ذَلِكَ هو النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

فَعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: «أبْطَأ الوَحْيُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقالَ لِخَدِيجَةَ: «إنَّ رَبِّي ودَّعَنِي وقَلانِي». يَشْكُو إلَيْها، فَقالَتْ: كَلّا والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما ابْتَدَأكَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الكَرامَةِ إلّا وهو سُبْحانُهُ يُرِيدُ أنْ يُتِمَّها لَكَ فَنَزَلَتْ».

واسْتُشْكِلَ هَذا بِأنَّهُ لا يَلِيقُ بِالرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَظُنَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ ودَّعَهُ وقَلاهُ، وهَلْ إلّا نَحْوٌ مَنِ العَزْلِ، وعَزْلُ النَّبِيِّ عَنِ النُّبُوَّةِ غَيْرُ جائِزٍ في حِكْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْلَمُ بِذَلِكَ ويَعْلَمُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أيْضًا أنَّ إبْطاءَ الوَحْيِ وعَكْسَهُ لا يَخْلُو كُلٌّ مِنهُما عَنْ مَصْلَحَةٍ وحِكْمَةٍ. وأُجِيبَ بِأنَّ مُرادَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنْ صَحَّ أنْ يُجَرِّبَها لِيَعْرِفَ قَدْرَ عِلْمِها أوْ لِيَعْرِفَ النّاسُ ذَلِكَ. فَقالَ ما قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ كَأنْ يَكُونَ قَدْ قَصَدَ إنَّ رَبِّي ودَّعَنِي وقَلانِي بِزَعْمِ المُشْرِكِينَ، أوْ أنَّ مُعامَلَتَهُ سُبْحانَهُ إيّايَ بِإبْطاءِ الوَحْيِ تُشْبِهُ صُورَةَ مُعامَلَةِ المُوَدِّعِ والقالِي. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ شاذَّةٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْها ولا يُلْتَفَتُ إلَيْها فَلا يَنْبَغِي إتْعابُ الذِّهْنِ بِتَأْوِيلِها.

صفحة 158

ونَحْوَها ما دَلَّ عَلى أنَّ قائِلَ ذاكَ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: أبْطَأ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا فَقالَتْ خَدِيجَةُ: أرى رَبَّكَ قَدْ قَلاكَ مِمّا أرى مِن جَزَعِكَ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ﴾ . إلى آخِرِها، والقَوْلُ بِأنَّها رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أرادَتْ أنَّ هَذا الجَزَعَ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ إلّا مِن قِلى رَبِّكَ إيّاكَ، وحاشى أنْ يَقْلاكَ، فَما هَذا الجَزَعُ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ، والمُعَوَّلُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وصَحَّتْ بِهِ الأخْبارُ أنَّ القائِلَ هُمُ المُشْرِكُونَ وأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما أحْزَنَهُ بِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ تَعْبِيرُهم وعَدَمُ رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ مَزِيدِ حُبِّهِ إيّاهُ.

وفِي بَعْضِ الآثارِ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ما جِئْتَنِي حَتّى اشْتَقْتُ إلَيْكَ». فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: كُنْتُ أنا إلَيْكَ أشْوَقَ، ولَكِنِّي عَبْدٌ مَأْمُورٌ، وتَلا: ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾» .

وفِي رِوايَةٍ أنَّهُ عاتَبَهُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: أما عَلِمْتَ أنّا لا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ولا صُورَةٌ.

وراوِي هَذا يَرْوِي أنَّ السَّبَبَ في إبْطاءِ الوَحْيِ وُجُودُ جَرْوٍ في بَيْتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والرِّواياتُ في ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ الإبْطاءُ لِتَجَمُّعِ الأسْبابِ، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ زَعَمَ بَعْضٌ بِناءً عَلى بَعْضِ الرِّواياتِ السّابِقَةِ جَوازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِرَبِّكَ فِي: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ دُونَ ما بَعْدَ صاحِبِكَ والمُرادُ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو كَما تَرى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском