Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:22–42
10:22–23Page 211
هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٢٢
It is He who enables you to travel on land and sea until, when you are in ships and they sail with them1 by a good wind and they rejoice therein, there comes a storm wind and the waves come upon them from every place and they expect to be engulfed, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion, "If You should save us from this, we will surely be among the thankful."
فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٣
But when He saves them, at once they commit injustice1 upon the earth without right. O mankind, your injustice is only against yourselves, [being merely] the enjoyment of worldly life. Then to Us is your return, and We will inform you of what you used to do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ عادَ بَعْدَ المُخاطَبَةِ لَهم إلى الإخْبارِ عَنْهم. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَن أقامَ الغائِبَ مَقامَ مَن يُخاطِبُهُ جازَ أنْ يَرُدَّهُ إلى الغائِبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ شَطَّتْ مَزارُ العاشِقِينَ فَأصْبَحَتْ عَسِرًا عَلَيَّ طِلابُكِ ابْنَةَ مَخْرَمِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ أيْ: لَيِّنَةٍ. ﴿وَفَرِحُوا بِها﴾ لِلِينِها. ﴿جاءَتْها﴾ يَعْنِي الفُلْكَ. قالَ الفَرّاءُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَها لِلرِّيحِ، كَأنَّكَ قُلْتَ: جاءَتِ الرِّيحَ الطَّيِّبَةَ رِيحٌ عاصِفٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: عاصِفٌ وعاصِفَةٌ، وقَدْ عَصَفَتِ الرِّيحُ وأعْصَفَتْ، والألِفُ لُغَةٌ لِبَنِي أسَدٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِّيحُ العاصِفُ: الشَّدِيدَةُ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ عَصَفَتِ الرِّيحُ، فَهي عاصِفٌ وعاصِفَةٌ، وأعْصَفَتْ، فَهي مُعْصِفٌ ومُعْصِفَةٌ. ﴿وَجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ أمْكِنَةِ المَوْجِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَظَنُّوا﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى اليَقِينِ. والثّانِي: أنَّهُ التَّوَهُّمُ. وفي قَوْلِهِ " أُحِيطَ بِهِمْ " قَوْلانِ:
أحَدُهُما: دَنَوْا مِنَ الهَلَكَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ هَذا أنَّ العَدُوَّ إذا أحاطَ (p-٢٠)بِبَلَدٍ، فَقَدْ دَنا أهْلُهُ مِنَ الهَلَكَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ مَن وقَعَ في بَلاءٍ: قَدْ أُحِيطَ بِفُلانٍ، أيْ: أحاطَ بِهِ البَلاءُ.
والثّانِي: أحاطَتْ بِهِمُ المَلائِكَةُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ دُونَ أوْثانِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَرَكُوا الشِّرْكَ، وأخْلَصُوا لِلَّهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وقالُوا: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ﴾ الرِّيحِ العاصِفِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أيِ: المُوَحِّدِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَبْغُونَ في الأرْضِ﴾ البَغْيُ: التَّرامِي في الفَسادِ. قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: بَغى الجُرْحُ: إذا تَرامى إلى فَسادٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَبْغُونَ في الأرْضِ بِالدُّعاءِ إلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ والعَمَلِ بِالمَعاصِي والفَسادِ.
﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ. ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: جِنايَةُ مَظالِمِكم بَيْنَكم عَلى أنْفُسِكم. وقالَ الزَّجّاجُ: عَمَلُكم بِالظُّلْمِ عَلَيْكم يَرْجِعُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، والحَسَنُ، وحَفْصٌ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ: " مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا " بِنَصْبِ المَتاعِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن رَفَعَ المَتاعَ، فالمَعْنى أنَّ ما تَنالُونَهُ بِهَذا البَغْيِ إنَّما تَنْتَفِعُونَ بِهِ في الدُّنْيا، ومَن نَصَبَ المَتاعَ، فَعَلى المَصْدَرِ. فالمَعْنى: تُمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، واليَزِيدِيُّ في اخْتِيارِهِ، وهارُونُ العَتْكِيُّ عَنْ عاصِمٍ: " مَتاعِ الحَياةِ " بِكَسْرِ العَيْنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا "، أيْ: مَنفَعَةٌ في الدُّنْيا.
10:24Page 211
إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٢٤
The example of [this] worldly life is but like rain which We have sent down from the sky that the plants of the earth absorb - [those] from which men and livestock eat - until, when the earth has taken on its adornment and is beautified and its people suppose that they have capability over it, there comes to it Our command by night or by day, and We make it as a harvest,1 as if it had not flourished yesterday. Thus do We explain in detail the signs for a people who give thought.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلدُّنْيا الفانِيَةِ، فَشَبَّهَها بِمَطَرٍ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ يَعْنِي التَفَّ النَّباتُ بِالمَطَرِ، وكَثُرَ ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ﴾ مِنَ الحُبُوبِ وغَيْرِها ﴿والأنْعامُ﴾ مِنَ المَرْعى. ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: زِينَتُها بِالنَّباتِ. وأصْلُ الزُّخْرُفِ: الذَّهَبُ، ثُمَّ يُقالُ لِلنَّقْشِ والنُّورِ والزَّهْرِ وكُلِّ شَيْءٍ زُيِّنَ: زُخْرُفٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: الزُّخْرُفُ كَمالُ حُسْنِ الشَّيْءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وازَّيَّنَتْ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ " وازَّيَّنَتْ " بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها ساكِنَةً الزّايِ:، عَلى وزْنِ وأفْعَلَتْ. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ " وازَّيَّنَتْ " بِالتَّشْدِيدِ، فالمَعْنى: وتَزَيَّنَتْ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ:، وأُسْكِنَتِ الزّايُ: فاجْتُلِبَتْ لَها ألِفُ الوَصْلِ؛ ومَن قَرَأ " وأزْيَنَتْ " بِالتَّخْفِيفِ عَلى أفْعَلَتْ، فالمَعْنى: جاءَتْ بِالزِّينَةِ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ: " وتَزَيَّنَتْ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَظَنَّ أهْلُها﴾ أيْ: أيْقَنَ أهْلُ الأرْضِ " أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها " أيْ: عَلى ما أنْبَتَتْهُ، فَأخْبَرَ عَنِ الأرْضِ، والمُرادُ النَّباتُ، لِأنَّ المَعْنى مَفْهُومٌ. " أتاها أمْرُنا " أيْ: قَضاؤُنا بِإهْلاكِها ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا﴾ أيْ: مَحْصُودًا لا شَيْءَ فِيها. والحَصِيدُ: المَقْطُوعُ المُسْتَأْصَلُ. ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ تُعْمَرْ. والمَغانِي: المَنازِلُ الَّتِي يَعْمُرُها النّاسُ بِالنُّزُولِ فِيها. يُقالُ: غَنِينا بِالمَكانِ: إذا نَزَلُوا بِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: " كَأنْ لَمْ يَغْنَ " بِالياءِ، يَعْنِي الحَصِيدَ. قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: (p-٢٢)تَأْوِيلُ الآيَةِ: أنَّ الحَياةَ في الدُّنْيا سَبَبٌ لِاجْتِماعِ المالِ وما يَرُوقُ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا ويُعْجِبُ، حَتّى إذا اسْتَتَمَّ ذَلِكَ عِنْدَ صاحِبِهِ، وظَنَّ أنَّهُ مُمَتَّعٌ بِذَلِكَ، سُلِبَ عَنْهُ بِمَوْتِهِ، أوْ بِحادِثَةٍ تُهْلِكُهُ، كَما أنَّ الماءَ سَبَبٌ لِالتِفافِ النَّباتِ وكَثْرَتِهِ، فَإذا تَزَيَّنَتْ بِهِ الأرْضُ، وظَنَّ النّاسُ أنَّهم مُسْتَمْتِعُونَ بِذَلِكَ، أهْلَكَهُ اللَّهُ، فَعادَ ما كانَ فِيها كَأنْ لَمْ يَكُنْ.
10:25–26Page 211
وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٢٥
And Allāh invites to the Home of Peace [i.e., Paradise] and guides whom He wills to a straight path.
۞ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٦
For them who have done good is the best [reward] - and extra.1 No darkness will cover their faces, nor humiliation. Those are companions of Paradise; they will abide therein eternally.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنْعامِ:١٢٧] . واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَمَّ بِالدَّعْوَةِ وخَصَّ الهِدايَةَ مَن شاءَ، لِأنَّ الحُكْمَ لَهُ في خَلْقِهِ.
وَفِي المُرادِ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: كِتابُ اللَّهِ، رَواهُ عَلِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . والثّانِي: الإسْلامُ، رَواهُ النَّوّاسُ بْنُ سَمْعانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . والثّالِثُ: الحَقُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والرّابِعُ: المُخْرِجُ مِنَ الضَّلالاتِ والشُّبَهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
(p-٢٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الحُسْنى: كَلِمَةٌ مُسْتَغْنًى عَنْ وصْفِها ونَعْتِها، لِأنَّ العَرَبَ تُوقِعُها عَلى الخَلَّةِ المَحْبُوبَةِ المَرْغُوبِ فِيها المَفْرُوحِ بِها، فَكانَ الَّذِي تَعَلَّمَهُ العَرَبُ مِن أمْرِها يُغْنِي عَنْ نَعْتِها، فَكَذَلِكَ المَزِيدُ عَلَيْها مَحْمُولٌ عَلى مَعْناها ومُتَعَرَّفٌ مِن جِهَتِها، يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ فَلَمّا تَنازَعْنا الحَدِيثَ وأسْمَحَتْ هَصَرْتُ بِغُصْنٍ ذِي شَمارِيخَ مَيّالِ
؎ فَصِرْنا إلى الحُسْنى ورَقَّ كَلامُنا ∗∗∗ ورُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أيَّ إذْلالِ
أيْ: إلى الأمْرِ المَحْبُوبِ. وهَصَرْتُ بِمَعْنى مَدَدْتُ. والغُصْنُ كِنايَةٌ عَنِ المَرْأةِ. والباءُ مُؤَكِّدَةٌ لِلْكَلامِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: ألْقى بِيَدِهِ إلى الهَلاكِ، يُرِيدُونَ: ألْقى يَدَهُ. والشَّمارِيخُ كِنايَةٌ عَنِ الذَّوائِبِ. ورُضْتُ، مَعْناهُ: أذْلَلْتُ. ومِن أجْلِ هَذا قالَ: أيَّ إذْلالٍ، ولَمْ يَقُلْ: أيَّ رِياضَةٍ.
(p-٢٤)وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالحُسْنى خَمْسَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها الجَنَّةُ، رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِهِ قالَ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: أنَّها الواحِدَةُ مِنَ الحَسَناتِ بِواحِدَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: النُّصْرَةُ قالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سابِطٍ. والرّابِعُ: الجَزاءُ في الآخِرَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والخامِسُ: الأُمْنِيَةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. وفي الزِّيادَةِ سِتَّةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها النَّظَرُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. رَوى مُسْلِمٌ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ صُهَيْبٍ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " الزِّيادَةُ: النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ "» . وبِهَذا القَوْلِ قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ، وحُذَيْفَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّ الزِّيادَةَ غُرْفَةٌ مِن لُؤْلُؤَةٍ واحِدَةٍ لَها أرْبَعَةُ أبْوابٍ، رَواهُ الحَكَمُ عَنْ عَلِيٍّ، ولا يَصِحُّ.
(p-٢٥)والثّالِثُ: أنَّ الزِّيادَةَ: مُضاعَفَةُ الحَسَنَةِ إلى عَشْرِ أمْثالِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.
والرّابِعُ: أنَّ الزِّيادَةَ: مَغْفِرَةٌ ورِضْوانٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والخامِسُ: أنَّ الزِّيادَةَ: أنَّ ما أعْطاهم في الدُّنْيا لا يُحاسِبُهم بِهِ في القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والسّادِسُ: أنَّ الزِّيادَةَ: ما يَشْتَهُونَهُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَرْهَقُ﴾ أيْ: لا يَغْشى ﴿وُجُوهَهم قَتَرٌ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والأعْمَشُ: " قَتْرٌ " بِإسْكانِ التّاءِ، وفِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ السَّوادُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَوادُ الوُجُوهِ مِنَ الكَآبَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: القُتَرُ: الغَبَرَةُ الَّتِي مَعَها سَوادٌ. والثّانِي: أنَّهُ دُخانُ جَهَنَّمَ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ: الخِزْيُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: الغُبارُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
وَفِي الذِّلَّةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: الكَآبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الهَوانُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.
10:27Page 212
وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا وَتَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۖ كَأَنَّمَآ أُغۡشِيَتۡ وُجُوهُهُمۡ قِطَعٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧
But they who have earned [blame for] evil doings - the recompense of an evil deed is its equivalent, and humiliation will cover them. They will have from Allāh no protector. It will be as if their faces are covered with pieces of the night - so dark [are they]. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَمِلُوا الشِّرْكَ. ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، وفي تَقْدِيرِهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ فِيها إضْمارُ " لَهم "، المَعْنى: لَهم جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها، وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
؎ فَإنْ سَألَ الواشُونَ عَنْهُ فَقُلْ لَهم وذاكَ عَطاءٌ لِلْوِشاةِ جَزِيلُ
(p-٢٦)؎ مُلِمٌّ بِلَيْلى لَمَّةً ثُمَّ إنَّهُ ∗∗∗ لَهاجِرُ لَيْلى بَعْدَها فَمُطِيلُ
أرادَ: هو مُلِمٌّ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
والثّانِي: أنَّ فِيها إضْمارَ " مِنهم "، المَعْنى: جَزاءُ سَيِّئَةٍ مِنهم بِمِثْلِها، تَقُولُ العَرَبُ: رَأيْتُ القَوْمَ صائِمٌ وقائِمٌ، أيْ: مِنهم صائِمٌ وقائِمٌ، أنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎ حَتّى إذا ما أضاءَ الصُّبْحُ في غَلَسٍ ∗∗∗ وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ ومَحْصُودُ
أيْ: مِنهُ مَلْوِيٌّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ. وقالَ بَعْضُهم: الباءُ زائِدَةٌ هاهُنا، و " مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِن عاصِمٍ﴾ صِلَةٌ، والعاصِمُ: المانِعُ. ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ﴾ أيْ: أُلْبِسَتْ " قِطَعًا " قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: " قِطَعًا " مَفْتُوحَةَ الطّاءِ، وهي جَمْعُ قِطْعَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ، ويَعْقُوبُ: ﴿قِطَعًا﴾ بِتَسْكِينِ الطّاءِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو اسْمُ ما قُطِعَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وإنَّما قالَ: ﴿مُظْلِمًا﴾ ولَمْ يَقُلْ: " مُظْلِمَةً " لِأنَّ المَعْنى: قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، ثُمَّ حُذِفَتِ الألِفُ واللّامُ مِنَ " المُظْلِمِ " فَلَمّا صارَ نَكِرَةً، وهو مِن نَعْتِ اللَّيْلِ، نُصِبَ عَلى القَطْعِ؛ وقَوْمٌ يُسَمُّونَ ما كانَ كَذَلِكَ حالًا، وقَوْمٌ قَطْعًا.
10:28–29Page 212
وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ مَكَانَكُمۡ أَنتُمۡ وَشُرَكَآؤُكُمۡۚ فَزَيَّلۡنَا بَيۡنَهُمۡۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمۡ إِيَّانَا تَعۡبُدُونَ ٢٨
And [mention, O Muḥammad], the Day We will gather them all together - then We will say to those who associated others with Allāh, "[Remain in] your place, you and your 'partners.'"1 Then We will separate them,2 and their "partners" will say, "You did not used to worship us,3
فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ إِن كُنَّا عَنۡ عِبَادَتِكُمۡ لَغَٰفِلِينَ ٢٩
And sufficient is Allāh as a witness between us and you that we were of your worship unaware."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُجْمَعُ الكُفّارُ وآلِهَتُهم. ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾ أيْ: آلِهَتُكم. قالَ الزَّجّاجُ: (p-٢٧)" مَكانَكم " مَنصُوبٌ عَلى الأمْرِ، كَأنَّهم قِيلَ لَهُمُ: انْتَظَرُوا مَكانَكم حَتّى نَفْصِلَ بَيْنَكم، والعَرَبُ تَتَوَعَّدُ فَتَقُولُ: مَكانَكَ، أيِ: انْتَظِرْ مَكانَكَ، فَهي كَلِمَةٌ جَرَتْ عَلى الوَعِيدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " فَزايَلْنا " بِألِفٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَرَّقْنا بَيْنَهم وبَيْنَ آلِهَتِهِمْ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مَن زالَ يَزُولُ وأزَلْتُهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّما قالَ " فَزَيَّلْنا " ولَمْ يَقُلْ: " فَزِلْنا " لِإرادَةِ تَكْرِيرِ الفِعْلِ وتَكْثِيرِهِ.
فَإنْ قِيلَ: " كَيْفَ تَقَعُ الفُرْقَةُ بَيْنَهم وهم مَعَهم في النّارِ، لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنْبِياءِ:٩٨]
فالجَوابُ: أنَّ الفُرْقَةَ وقَعَتْ بِتَبَرِّي كُلِّ مَعْبُودٍ مِمَّنْ عَبَدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آلِهَتُهم، يُنْطِقُ اللَّهُ الأوْثانَ، فَتَقُولُ: ﴿ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: لا نَعْلَمُ بِعِبادَتِكم لَنا، لِأنَّهُ ما كانَ فِينا رُوحٌ، فَيَقُولُ العابِدُونَ: بَلى قَدْ عَبَدْناكم، فَتَقُولُ الآلِهَةُ: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وبَيْنَكم إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾ لا نَعْلَمُ بِها. قالَ الزَّجّاجُ: ﴿إنْ كُنّا﴾ مَعْناهُ: ما كُنّا إلّا غافِلِينَ.
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ دُخُولِ الباءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّها دَخَلَتْ لِلْمُبالَغَةِ في المَدْحِ كَما قالُوا: أظْرِفْ بِعَبْدِ اللَّهِ، وأنْبِلْ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وناهِيكَ بِأخِينا، وحَسْبُكَ بِصَدِيقِنا، هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ وأصْحابِهِ. والثّانِي أنَّها دَخَلَتْ تَوْكِيدًا لِلْكَلامِ، إذْ سُقُوطُها مُمْكِنٌ، كَما يُقالُ: خُذْ بِالخِطامِ، وخُذِ الخِطامَ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
10:30Page 212
هُنَالِكَ تَبۡلُواْ كُلُّ نَفۡسٖ مَّآ أَسۡلَفَتۡۚ وَرُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٣٠
There, [on that Day], every soul will be put to trial for what it did previously, and they will be returned to Allāh, their master, the Truth, and lost from them is whatever they used to invent.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ تَبْلُو﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: " تَبْلُو " بِالباءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: (p-٢٨)" تَتْلُو " بِالتّاءِ. قالَ الزَّجّاجُ: " هُنالِكَ " ظَرْفٌ، والمَعْنى: في ذَلِكَ الوَقْتِ تَبْلُو، وهو مَنصُوبٌ بِتَبْلُو، إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، واللّامُ زائِدَةٌ، والأصْلُ: هُناكَ، وكُسِرَتِ اللّامُ لِسُكُونِها وسُكُونِ الألِفِ، والكافُ لِلْمُخاطَبَةِ. " وتَبْلُو " تَخْتَبِرُ، أيْ: تَعْلَمُ ومَن قَرَأ " تَتْلُو " بِتاءَيْنِ فَقَدْ فَسَّرَها الأخْفَشُ وغَيْرُهُ: تَتْلُو مِنَ التِّلاوَةِ، أيْ: تَقْرَأُ. وفَسَّرُوهُ أيْضًا: تَتْبَعُ كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ. ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ قَدْ جَعَلَتْ دَلْوِي تَسْتَتْلِينِي ولا أُرِيدُ تَبَعَ القَرِينِ
أيْ: تَسْتَتْبِعُنِي، أيْ: مِن ثِقَلِها تَسْتَدْعِي اتِّباعِي إيّاها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرُدُّوا﴾ أيْ: في الآخِرَةِ ﴿إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ الَّذِي يَمْلِكُ أمْرَهم حَقًّا، لا مَن جَعَلُوا مَعَهُ مِنَ الشُّرَكاءِ. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: زالَ وبَطَلَ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ مِنَ الآلِهَةِ.
10:31Page 212
قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣١
Say, "Who provides for you from the heaven and the earth? Or who controls hearing and sight and who brings the living out of the dead and brings the dead out of the living and who arranges [every] matter?" They will say, "Allāh," so say, "Then will you not fear Him?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماءِ﴾ المَطَرَ، ومِنَ الأرْضِ النَّباتَ، ﴿أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ﴾ أيْ: خَلْقَ السَّمْعِ والأبْصارِ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى إخْراجِ الحَيِّ مِنَ المَيِّتِ، والمَيِّتِ مِنَ الحَيِّ. [آلِ عِمْرانَ:٢٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ: أمْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ لِأنَّهم خُوطِبُوا بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ، فَكانَ في ذَلِكَ دَلِيلُ تَوْحِيدِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ قَوْلانِ؛ أحَدُهُما: أفَلا تَتَّعِظُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: تَتَّقُونَ الشِّرْكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
10:32Page 212
فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ ٣٢
For that is Allāh, your Lord, the Truth. And what can be beyond truth except error? So how are you averted?
(p-٢٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾ قالَ الخَطّابِيُّ: الحَقُّ هو المُتَحَقَّقُ وُجُودُهُ، وكُلُّ شَيْءٍ صَحَّ وُجُودُهُ وكَوْنُهُ، فَهو حَقٌّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَيْفَ تُصْرَفُ عُقُولُكم إلى عِبادَةِ مَن لا يَرْزُقُ ولا يُحْيِي ولا يُمِيتُ ؟
10:33–35Page 212
كَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓاْ أَنَّهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٣
Thus the word [i.e., decree] of your Lord has come into effect upon those who defiantly disobeyed - that they will not believe.
قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٣٤
Say, "Are there of your 'partners' any who begins creation and then repeats it?" Say, "Allāh begins creation and then repeats it, so how are you deluded?"
قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهۡدِي لِلۡحَقِّۗ أَفَمَن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّيٓ إِلَّآ أَن يُهۡدَىٰۖ فَمَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٥
Say, "Are there of your 'partners' any who guides to the truth?" Say, "Allāh guides to the truth. So is He who guides to the truth more worthy to be followed or he who guides not unless he is guided? Then what is [wrong] with you - how do you judge?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " كَلِمَةُ رَبِّكَ "، وفي آخِرِ السُّورَةِ كَذَلِكَ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ الحَرْفَيْنِ " كَلِماتُ " عَلى الجَمْعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: مِثْلَ أفْعالِهِمْ جازاهم رَبُّكَ والمَعْنى: حَقَّ عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بَدَلٌ مِن " كَلِمَةِ رَبِّكَ " . وجائِزٌ أنْ تَكُونَ الكَلِمَةُ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وتَكُونُ الكَلِمَةُ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العِقابِ.
وَذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في " كَذَلِكَ " قَوْلَيْنِ:
(p-٣٠)أحَدُهُما: أنَّها إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ " تُصْرَفُونَ "، والمَعْنى: مِثْلَ ذَلِكَ الصَّرْفِ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ.
والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى هَكَذا.
وَفِي مَعْنى " حَقَّتْ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: وجَبَتْ. والثّانِي: سَبَقَتْ.
وَفِي كَلِمَتِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى وعْدِهِ. والثّانِي: بِمَعْنى قَضائِهِ. ومَن قَرَأ " كَلِماتِ " جَعَلَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الكَلِمِ الَّتِي تُوُعِّدُوا بِها كَلِمَةً. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الكَلِمَةِ في (الأعْرافِ:١٣٧ و١٥٨)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ أيْ: إلى الحَقِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمَّنْ لا يَهِدِّي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ: " يَهَدِّي " بِفَتْحِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ. قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ يَهْتَدِي، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، فَطُرِحَتْ فَتْحَتُها عَلى الهاءِ. وقَرَأ نافِعٌ إلّا ورْشًا، وأبُو عَمْرٍو: " يَهْدِّي " بِفَتْحِ الياءِ وإسْكانِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ يُشِمُّ الهاءَ شَيْئًا مِنَ الفَتْحِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يَهْدِي " بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الهاءِ وتَخْفِيفِ الدّالِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: والمَعْنى: لا يَهْدِي غَيْرَهُ إلّا أنْ يُهْدى هو، ولَوْ هُدِيَ الصُّمُّ لَمْ يَهْتَدِ، ولَكِنْ لَمّا جَعَلُوها كَمَن يَعْقِلُ، أُجْرِيَتْ مَجْراهُ. ورَوى يَحْيى بْنُ آدَمَ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " يِهِدِّي " بِكَسْرِ الياءِ والهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وكَذَلِكَ رَوى أبانُ وجَبَلَةُ عَنِ المُفَضَّلِ وعَبْدِ الوارِثِ، قالَ الزَّجّاجُ: أتْبَعُوا الكَسْرَةَ الكَسْرَةَ، وهي رَدِيئَةٌ لِثِقَلِ الكَسْرَةِ في الياءِ. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْهُ: " يَهِدِّي " بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الهاءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ في الجَوْدَةِ كالمَفْتُوحَةِ الهاءِ، إلّا أنَّ الهاءَ كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: " يَهْتَدِي " بِزِيادَةِ تاءٍ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: " أمْ مَن لا يَهِدِّي " الصُّمُّ (p-٣١)" إلّا أنْ يُهْدى " . وظاهِرُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأصْنامَ إنْ هُدِيَتِ اهْتَدَتْ ولَيْسَتْ كَذَلِكَ، لِأنَّها حِجارَةٌ لا تَهْتَدِي، إلّا أنَّهم لَمّا اتَّخَذُوها آلِهَةً، عَبَّرَ عَنْها كَما يُعَبِّرُ عَمَّنْ يَعْقِلُ، ووُصِفَتْ صِفَةَ مَن يَعْقِلُ وإنْ لَمْ تَكُنْ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ ولِهَذا المَعْنى قالَ في صِفَتِها: " أمَّنْ " لِأنَّهم جَعَلُوها كَمَن يَعْقِلُ. ولَمّا أعْطاها حَقَّها في أصْلِ وضْعِها، قالَ: ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ﴾ [مَرْيَمَ:٤٢] . وقالَ الفَرّاءُ: " أمَّنْ لا يَهِدِّي " أيْ: أتَعْبُدُونَ ما لا يَقْدِرُ أنْ يَنْتَقِلَ مِن مَكانِهِ إلّا أنْ يُحَوَّلَ ؟ وقَدْ صَرَفَ بَعْضُهُمُ الكَلامَ إلى الرُّؤَساءِ والمُضِلِّينَ، والأوَّلُ أصَحُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو كَلامٌ تامٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: أيُّ شَيْءٍ لَكم في عِبادَةِ الأوْثانِ ؟ ثُمَّ قِيلَ لَهم: ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ أيْ: عَلى أيِّ حالٍ تَحْكُمُونَ ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَيْفَ تَقْضُونَ لِأنْفُسِكم ؟ وقالَ مُقاتِلٌ: كَيْفَ تَقْضُونَ بِالجَوْرِ ؟
10:36Page 213
وَمَا يَتَّبِعُ أَكۡثَرُهُمۡ إِلَّا ظَنًّاۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٣٦
And most of them follow not except assumption. Indeed, assumption avails not against the truth at all. Indeed, Allāh is Knowing of what they do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَتَّبِعُ أكْثَرُهُمْ﴾ أيْ: كُلُّهم ﴿إلا ظَنًّا﴾ أيْ: ما يَسْتَيْقِنُونَ أنَّها آلِهَةٌ، بَلْ يَظُنُّونَ شَيْئًا فَيَتَّبِعُونَهُ. ﴿إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ أيْ: لَيْسَ هو كاليَقِينِ، ولا يَقُومُ مَقامَ الحَقِّ وقالَ مُقاتِلٌ: ظَنُّهم بِأنَّها آلِهَةٌ لا يَدْفَعُ عَنْهم مِنَ العَذابِ شَيْئًا، وقالَ غَيْرُهُ: ظَنُّهم أنَّها تَشْفَعُ لَهم لا يُغْنِي عَنْهم.
10:37Page 213
وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٧
And it was not [possible] for this Qur’ān to be produced by other than Allāh, but [it is] a confirmation of what was before it and a detailed explanation of the [former] Scripture, about which there is no doubt,1 from the Lord of the worlds.
(p-٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يُونُسَ:١٥] وجَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿افْتَراهُ﴾ [الفَرْقانِ:٤] . قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى الآيَةِ: ما يَنْبَغِي لِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ، فَجاءَتْ " أنْ " عَلى مَعْنى يَنْبَغِي. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ " أنْ " مَعَ " يُفْتَرى " مَصْدَرًا، وتَقْدِيرُهُ: وما كانَ هَذا القُرْآنُ افْتِراءً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " كانَ " تامَّةً فَيَكُونُ المَعْنى: ما نَزَلَ هَذا القُرْآنُ، وما ظَهَرَ هَذا القُرْآنُ لِأنْ يُفْتَرى، وبِأنْ يُفْتَرى، فَتُنْصَبُ " أنْ " بِفَقْدِ الخافِضِ في قَوْلِ الفَرّاءِ، وتُخَفَضُ بِإضْمارِ الخافِضِ في قَوْلِ الكِسائِيِّ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْنى " أنْ يُفْتَرى " أيْ: يُضافُ إلى غَيْرِ اللَّهِ، أوْ يُخْتَلَقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ تَصْدِيقُ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. فَعَلى هَذا، إنَّما قالَ: " الَّذِي " لِأنَّهُ يُرِيدُ الوَحْيَ.
والثّانِي: ما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ البَعْثِ والنُّشُورِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: تَصْدِيقُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ، لِأنَّهم شاهَدُوا النَّبِيَّ ﷺ وعَرَفُوهُ قَبْلَ سَماعِهِمُ القُرْآنَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ أيْ: وبَيانُ الكِتابِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الفَرائِضَ الَّتِي فَرَضَها عَلَيْهِمْ.
10:38Page 213
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٨
Or do they say [about the Prophet (ﷺ)], "He invented it?" Say, "Then bring forth a sūrah like it and call upon [for assistance] whomever you can besides Allāh, if you should be truthful."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ في " أمْ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الواوِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. والثّانِي: بِمَعْنى بَلْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
(p-٣٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِ سُورَةٍ مِنهُ، فَذَكَرَ المِثْلَ لِأنَّهُ إنَّما التَمَسَ شَبَهَ الجِنْسِ، ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ مِمَّنْ هو في التَّكْذِيبِ مِثْلُكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّهُ اخْتَلَقَهُ.
10:39Page 213
بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٩
Rather, they have denied that which they encompass not in knowledge and whose interpretation has not yet come to them. Thus did those before them deny. Then observe how was the end of the wrongdoers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِ ما فِيهِ ذِكْرُ الجَنَّةِ والنّارِ والبَعْثِ والجَزاءِ. والثّانِي: بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِ التَّكْذِيبِ بِهِ، لِأنَّهم شاكُّونَ فِيهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: تَصْدِيقُ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ الوَعِيدِ. والتَّأْوِيلُ: ما يَؤُولُ إلَيْهِ الأمْرُ. والثّانِي: ولَمْ يَكُنْ مَعَهم عِلْمُ تَأْوِيلِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قِيلَ لِسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: يَقُولُ النّاسُ: كُلُّ إنْسانٍ عَدُوٌّ ما جَهِلَ، فَقالَ: هَذا في كِتابِ اللَّهِ. قِيلَ: أيْنَ ؟ فَقالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ .
وَقِيلَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ: هَلْ تَجِدُ في القُرْآنِ: مَن جَهِلَ شَيْئًا عاداهُ ؟ فَقالَ: نَعَمْ، في مَوْضِعَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحْقافِ:١١]
10:40Page 213
وَمِنۡهُم مَّن يُؤۡمِنُ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن لَّا يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ ٤٠
And of them are those who believe in it, and of them are those who do not believe in it. And your Lord is most knowing of the corrupters.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ:
(p-٣٤)أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: قُرَيْشٌ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ.
وَفِي هاءِ " بِهِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ ودِينِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: إلى القُرْآنِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وَهَذِهِ الآيَةُ تَضَمَّنَتِ الإخْبارَ عَمّا سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ، فالمَعْنى: ومِنهم مَن سَيُؤْمِنُ بِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: مِنهم مَن يَعْلَمُ أنَّهُ حَقٌّ فَيُصَدِّقُ بِهِ ويُعانِدُ فَيَظْهَرُ الكُفْرُ، ﴿وَمِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ: يَشُكُّ ولا يُصَدِّقُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ قالَ عَطاءٌ: يُرِيدُ المُكَذِّبِينَ، وهَذا تَهْدِيدٌ لَهم.
10:41Page 213
وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمۡ عَمَلُكُمۡۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعۡمَلُ وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٤١
And if they deny you, [O Muḥammad], then say, "For me are my deeds, and for you are your deeds. You are disassociated from what I do, and I am disassociated from what you do."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي. . . "﴾ الآيَةُ. قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَسَخَتْها آيَةُ السَّيْفِ؛ ولَيْسَ هَذا بِصَحِيحٍ، لِأنَّهُ لا تَنافِيَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ.
10:42Page 213
وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَۚ أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يَعۡقِلُونَ ٤٢
And among them are those who listen to you. But can you cause the deaf to hear [i.e., benefit from this hearing], although they will not use reason?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: في يَهُودِ المَدِينَةِ، كانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ ويَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَيَعْجَبُونَ ويَشْتَهُونَهُ ويَغْلِبُ عَلَيْهِمُ الشَّقاءُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ، كانُوا يَسْتَمِعُونَ إلى النَّبِيِّ ﷺ لِلِاسْتِهْزاءِ والتَّكْذِيبِ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، والقَوْلانِ مَرْوِيّانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
(p-٣٥)والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ الزَّجّاجُ: ظاهِرُهم ظاهِرُ مَن يَسْتَمِعُ، وهم لِشِدَّةِ عَداوَتِهِمْ بِمَنزِلَةِ الصُّمِّ. ﴿وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ولَوْ كانُوا مَعَ ذَلِكَ جُهّالًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أنَّهم شَرٌّ مِنَ الصُّمِّ، لِأنَّ الصُّمَّ لَهم عُقُولٌ وقُلُوبٌ، وهَؤُلاءِ قَدْ أصَمَّ اللَّهُ قُلُوبَهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences