Ibn al-JawziHud · 11:44–59

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Hud 11:44–59

11:44–47Page 226

وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤

And it was said, "O earth, swallow your water, and O sky, withhold [your rain]." And the water subsided, and the matter was accomplished, and it [i.e., the ship] came to rest on the [mountain of] Jūdiyy. And it was said, "Away with the wrongdoing people."

وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٤٥

And Noah called to his Lord and said, "My Lord, indeed my son is of my family; and indeed, Your promise is true; and You are the most just of judges!"

قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٤٦

He said, "O Noah, indeed he is not of your family; indeed, he is [one whose] work was other than righteous, so ask Me not for that about which you have no knowledge. Indeed, I advise you, lest you be among the ignorant."

قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٤٧

[Noah] said, "My Lord, I seek refuge in You from asking that of which I have no knowledge. And unless You forgive me and have mercy upon me, I will be among the losers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ﴾ وقَفَ قَوْمٌ عَلى ظاهِرِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّما ابْتَلَعَتْ ما نَبَعَ مِنها، ولَمْ تَبْتَلِعْ ماءَ السَّماءِ، فَصارَ ذَلِكَ بِحارًا وأنْهارًا، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ المُرادَ: ابْلَعِي ماءَكِ الَّذِي عَلَيْكِ، وهو ما نَبَعَ مِنَ الأرْضِ ونَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ غَرِقَ ما عَلى وجْهِ الأرْضِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيا سَماءُ أقْلِعِي﴾ أيْ: أمْسِكِي عَنْ إنْزالِ الماءِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الماءِ، عَلِمَ أنَّ المَعْنى: أقِلْعِي عَنْ إنْزالِ الماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَغِيضَ الماءُ﴾ أيْ: نَقَصَ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ غاضَ الماءُ يَغِيضُ: إذا غابَ في الأرْضِ. ويَجُوزُ إشْمامُ الضَّمِّ في الغَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: غَرِقَ مَن غَرِقَ، ونَجا مَن نَجا. وقالَ مُجاهِدٌ: قُضِيَ الأمْرُ: هَلاكُ قَوْمِ نُوحٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " وقُضِيَ (p-١١٢)الأمْرُ " أيْ: فُرِغَ مِنهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والمَعْنى: أُحْكِمَتْ هَلَكَةُ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمّا دَلَّتِ القِصَّةُ عَلى ما يُبَيِّنُ هَلَكَتَهم، أغْنى عَنْ نَعْتِ الأمْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَوَتْ﴾ يَعْنِي السَّفِينَةَ ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ وهو اسْمُ جَبَلٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " عَلى الجُودِي " بِسُكُونِ الياءِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وتَشْدِيدُ الياءِ في " الجُودِيِّ " لِأنَّها ياءُ النِّسْبَةِ، فَهي كالياءِ في عَلَوِيٍّ، وهاشِمِيٍّ. وقَدْ خَفَّفَها بَعْضُ القُرّاءِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُخَفِّفُ ياءَ النِّسْبَةِ، فَيُسْكِنُها في الرَّفْعِ، والخَفْضِ، ويَفْتَحُها في النَّصْبِ، فَيَقُولُ: قامَ زَيْدٌ العَلَوِي، ورَأيْت زَيْدًا العَلَوِيَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: دارَتِ السَّفِينَةُ بِالبَيْتِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ وجَّهَها اللَّهُ إلى الجُودِيِّ فاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ.

واخْتَلَفُوا أيْنَ هَذا الجَبَلُ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ بِالمَوْصِلِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: بِالجَزِيرَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو بِالجَزِيرَةِ قَرِيبٌ مِنَ المَوْصِلِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ بِناحِيَة آمِدٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي عِلَّة اسْتِوائِها عَلَيْهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَغْرَقْ، لِأنَّ الجِبالَ تَشامَخَتْ يَوْمَئِذٍ وتَطاوَلَتْ، وتَواضَعَ هو فَلَمْ يَغْرَقُ، فَأرْسَتْ عَلَيْهِ، قالَهُمُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا قَلَّ الماءُ أرْسَتْ عَلَيْهِ، فَكانَ اسْتِواؤُها عَلَيْهِ دَلالَةً عَلى قِلَّةِ الماءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بُعْدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ لِلْقَوْمِ الكافِرِينَ.

(p-١١٣)فَإنْ قِيلَ: ما ذَنْبُ مَن أُغْرِقَ مِنَ البَهائِمِ والأطْفالِ ؟

فالجَوابُ: أنَّ آجالَهم حَضَرَتْ، فَأُمِيتُوا بِالغَرَقِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ إنَّما قالَ نُوحٌ هَذا، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَهُ نَجاةَ أهْلِهِ، فَقالَ: ﴿وَإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أعْدَلُ العادِلِينَ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ بِالحَقِّ.

واخْتَلَفُوا في هَذا الَّذِي سَألَ فِيهِ نُوحٌ عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ ابْنُ نُوحٍ لِصُلْبِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ وُلِدَ عَلى فِراشِهِ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ ولَمْ يَكُنِ ابْنَهُ. رَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ بِإسْنادِهِ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ، إنَّ امْرَأتَهُ فَجَرَتْ. وعَنْ الشَّعْبِيِّ قالَ: لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ، إنَّ امْرَأتَهُ خانَتْهُ، وعَنْ مُجاهِدٍ نَحْوُ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ناداهُ نُوحٌ وهو يَحْسَبُ أنَّهُ ابْنُهُ، وكانَ وُلِدَ عَلى فِراشِهِ. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ، يَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: لَيْسَ مِن أهْلِ دِينِكَ.

والثّانِي: لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ وعَدْتُكَ نَجاتَهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما بَغَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، وإنَّما المَعْنى: لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ وعَدْتُكَ نَجاتَهم. وعَلى القَوْلِ (p-١١٤)الآخَرِ: الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ، والأوَّلُ أصَحُّ، لِمُوافَقَتِهِ ظاهِرَ القُرْآنِ، ولِاجْتِماعِ الأكْثَرِينَ عَلَيْهِ، وهو أوْلى مِن رَمْيِ زَوْجَةِ نَبِيٍّ بِفاحِشَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ﴾ رَفْعٌ مُنَوَّنٌ ﴿غَيْرُ صالِحٍ﴾ بِرَفْعِ الرّاءِ، وفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى السُّؤالِ فِيهِ، فالمَعْنى: سُؤْلُكَ إيّايَ فِيهِ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وهَذا ظاهِرٌ، لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ السُّؤالُ فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ فَرَجَعَتِ الكِنايَةُ إلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى المَسْؤُولِ فِيهِ.

وَفِي هَذا المَعْنى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: أنَّ المَعْنى: إنَّهُ ذُو عَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قالَ: هو لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، قالَ: المَعْنى: إنَّ أصْلَ ابْنِكَ الَّذِي تَظُنُّ أنَّهُ ابْنُكَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ. ومَن قالَ: إنَّهُ ذُو عَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ، قالَ: حَذَفَ المُضافَ، وأقامَ العَمَلَ مَقامَهُ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: عَبْدُ اللَّهِ إقْبالٌ وإدْبارٌ، أيْ: صاحِبُ إقْبالٍ وإدْبارٍ. وقَرَأ الكِسائِيُّ: " عَمِلَ " بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ " غَيْرَ صالِحٍ " بِفَتْحِ الرّاءِ، يُشِيرُ إلى أنَّهُ مُشْرِكٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " فَلا تَسْألَنَّ " بِفَتْحِ اللّامِ، وتَشْدِيدِ النُّونِ، غَيْرَ أنْ نافِعًا، وابْنَ عامِرٍ، كَسَرا النُّونَ، وفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ، وحَذَفُوا الياءَ في الوَصْلِ والوَقْفِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، بِسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ النُّونِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرٍو، (p-١١٥)وَأبا جَعْفَرٍ، أثْبَتا الياءَ في الوَصْلِ، وحَذَفاها في الوَقْفِ، ووَقَفَ عَلَيْها يَعْقُوبُ بِالياءِ، والباقُونَ يَحْذِفُونَها في الحالَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن كَسَرَ النُّونَ، فَقَدْ عَدّى السُّؤالَ إلى مَفْعُولَيْنِ، أحَدُهُما: اسْمُ المُتَكَلِّمِ، والآخَرُ: الِاسْمُ المَوْصُولُ، وحُذِفَتِ النُّونُ المُتَّصِلَةُ بِياءِ المُتَكَلِّمِ لِاجْتِماعِ النُّوناتِ. وأمّا إثْباتُ الياءِ في الوَصْلِ فَهو الأصْلُ، وحَذْفُها أخَفُّ، والكَسْرَةُ تَدُلُّ عَلَيْها، وتُعْلِمُ أنَّ المَفْعُولَ مُرادٌ في المَعْنى.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ، ولَيْسَ مِنهُ.

والثّانِي: في إدْخالِهِ إيّاهُ في جُمْلَةِ أهْلِهِ الَّذِينَ وعَدَهُ نَجاتَهم.

والثّالِثُ: سُؤالُهُ في إنْجاءِ كافِرٍ مِنَ العَذابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ في سُؤالِكَ مَن لَيْسَ مِن حِزْبِكَ.

والثّانِي: مِنَ الجاهِلِينَ بِوَعْدِي، لِأنِّي وعَدْتُ بِإنْجاءِ المُؤْمِنِينَ.

والثّالِثُ: مِنَ الجاهِلِينَ بِنَسَبِكَ، لِأنَّهُ لَيْسَ مَن أهْلِكَ.

11:48Page 227

قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٤٨

It was said, "O Noah, disembark in security from Us and blessings upon you and upon nations [descending] from those with you. But other nations [of them] We will grant enjoyment; then there will touch them from Us a painful punishment."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مِنَ السَّفِينَةِ إلى الأرْضِ. ﴿بِسَلامٍ مِنّا﴾ أيْ: بِسَلامَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: البَرَكاتُ عَلَيْهِ: أنَّهُ صارَ أبًا لِلْبَشَرِ جَمِيعًا، لِأنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ مِن نَسْلِهِ. ﴿وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مِن ولَدِكَ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: مِن ذَرارِي مَن مَعَكَ، والمُرادُ: (p-١١٦)المُؤْمِنُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ الكُفّارَ، فَقالَ: ﴿وَأُمَمٌ﴾ أيْ: مِنَ الذُّرِّيَّةِ أيْضًا، والمَعْنى: وفِيمَن نَصِفُ لَكَ أُمَمٌ، وفِيمَن نَقُصُّ عَلَيْكَ أمْرَهُ أُمَمٌ. ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ في الآخِرَةِ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: لَمْ يَبْقَ مُؤْمِنٌ ولا مُؤْمِنَةٌ في أصْلابِ الرِّجالِ وأرْحامِ النِّساءِ يَوْمَئِذٍ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ إلّا وقَدْ دَخَلَ في ذَلِكَ السَّلامِ والبَرَكاتِ، ولَمْ يَبْقَ كافِرٌ إلّا دَخَلَ في ذَلِكَ المَتاعِ والعَذابِ.

11:49–53Page 227

تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَاۖ فَٱصۡبِرۡۖ إِنَّ ٱلۡعَٰقِبَةَ لِلۡمُتَّقِينَ ٤٩

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muḥammad]. You knew it not, neither you nor your people, before this. So be patient; indeed, the [best] outcome is for the righteous.

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۖ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُفۡتَرُونَ ٥٠

And to ʿAad [We sent] their brother Hūd. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. You are not but inventors [of falsehood].

يَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٥١

O my people, I do not ask you for it [i.e., my advice] any reward. My reward is only from the one who created me. Then will you not reason?

وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ ٥٢

And O my people, ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. He will send [rain from] the sky upon you in showers and increase you in strength [added] to your strength. And do not turn away, [being] criminals."

قَالُواْ يَٰهُودُ مَا جِئۡتَنَا بِبَيِّنَةٖ وَمَا نَحۡنُ بِتَارِكِيٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوۡلِكَ وَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ ٥٣

They said, "O Hūd, you have not brought us clear evidence, and we are not ones to leave our gods on your say-so. Nor are we believers in you.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِـ " تِلْكَ " قَوْلانِ:

أحَدُهُما: قِصَّةُ نُوحٍ. والثّانِي: آياتُ القُرْآنِ، والمَعْنى: تِلْكَ مِن أخْبارِ ما غابَ عَنْكَ وعَنْ قَوْمِكَ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ هاهُنا: " تِلْكَ "، وفي مَكانٍ آخَرَ " ذَلِكَ " ؟

فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، فَقالَ: " تِلْكَ " إشارَةٌ إلى آياتِ القُرْآنِ، و " ذَلِكَ " إشارَةٌ إلى الخَبَرِ والحَدِيثِ، وكِلاهُما مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ، يَقُولُ (p-١١٧)الرَّجُلُ: قَدْ قَدِمَ فُلانٌ، فَيَقُولُ سامِعُ قَوْلِهِ: قَدْ فَرِحْتُ بِهِ، وقَدْ سُرِرْتُ بِها، فَإذا ذَكَّرَ، عَنى القُدُومَ، وإذا أنَّثَ، ذَهَبَ إلى القَدْمَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ. ﴿فاصْبِرْ﴾ كَما صَبَرَ نُوحٌ عَلى أذى قَوْمِهِ ﴿إنَّ العاقِبَةَ﴾ أيْ: آخِرَ الأمْرِ بِالظَّفَرِ والتَّمْكِينِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: لَكَ ولِقَوْمِكَ كَما كانَ لِمُؤْمِنِي قَوْمِ نُوحٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ إلّا كاذِبُونَ في إشْراكِكم مَعَ اللَّهِ الأوْثانَ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [يُونُسَ:٧٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ وهَذا أيْضًا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ [الأنْعامِ:٦١] . والسَّبَبُ في قَوْلِهِ لَهم ذَلِكَ، أنَّ اللَّهَ تَعالى حَبَسَ المَطَرَ عَنْهم ثَلاثَ سِنِينَ، وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ، فَوَعَدَهم إحْياءَ بِلادِهِمْ وبَسْطَ الرِّزْقِ لَهم إنْ آمَنُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ الوَلَدُ ووَلَدُ الوَلَدِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَزِدْكم شِدَّةً إلى شِدَّتِكم، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: خِصْبًا إلى خِصْبِكم، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لا تُعْرِضُوا عَنِ التَّوْحِيدِ مُشْرِكِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ. ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ يَعْنُونَ الأصْنامَ. ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ أيْ: بِقَوْلِكَ، " والباءُ " و " عَنْ " يَتَعاقَبانِ.

11:54–56Page 228

إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٖۗ قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٥٤

We only say that some of our gods have possessed you with evil [i.e., insanity]." He said, "Indeed, I call Allāh to witness, and witness [yourselves] that I am free from whatever you associate with Allāh

مِن دُونِهِۦۖ فَكِيدُونِي جَمِيعٗا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ٥٥

Other than Him. So plot against me all together; then do not give me respite.

إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٦

Indeed, I have relied upon Allāh, my Lord and your Lord. There is no creature but that He holds it by its forelock [i.e., controls it]. Indeed, my Lord is on a path [that is] straight.

(p-١١٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَقُولُ﴾ أيْ: ما نَقُولُ في سَبَبِ مُخالَفَتِكَ إيّانا إلّا أنَّ بَعْضَ آلِهَتِنا أصابَكَ بِجُنُونٍ لِسَبِّكِ إيّاها، فالَّذِي تُظْهِرُ مِن عَيْبِها لِما لَحِقَ عَقْلَكَ مِنَ التَّغْيِيرِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ عَرانِي كَذا، واعْتَرانِي: إذا ألَمَّ بِي. ومِنهُ قِيلَ لِمَن أتاكَ يَطْلُبُ نائِلَكَ، عارٍ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:

؎ أتَيْتُكَ عارِيًا خَلَقًا ثِيابِي عَلى خَوْفٍ تُظَنُّ بِيَ الظُّنُونُ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. حَرَّكَ ياءَ " إنِّي " نافِعٌ. ومَعْنى الآيَةِ: إنْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الآلِهَةَ عاقَبَتْنِي لِطَعْنِي عَلَيْها، فَإنِّي عَلى يَقِينٍ مِن عَيْبِها والبَراءَةِ مِنها، وها أنا ذا أزِيدُ في الطَّعْنِ عَلَيْها، ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ أيِ: احْتالُوا أنْتُمْ وأوْثانُكم في ضُرِّي، ثُمَّ لا تُمْهِلُونِ. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا مِن أعْظَمِ آياتِ الرُّسُلِ، أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ وحْدَهُ، وأُمَّتُهُ مُتَعاوَنَةٌ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ لَهم: كِيدُونِي، فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنهم ضُرَّهُ، وكَذَلِكَ قالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يُونُسَ:٧١] . وقالَ مُحَمَّدٌ ﷺ: ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المُرْسَلاتِ:٣٩] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: أنَّها في قَبْضَتِهِ ومُلْكِهِ وسُلْطانِهِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ النّاصِيَةَ ؟

فالجَوابُ: أنَّ النّاصِيَةَ شَعْرُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، فَإذا أخَذْتَ بِها مِن شَخْصٍ، فَقَدْ مَلَكْتَ سائِرَ بَدَنِهِ، وذَلَّ لَكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: عَلى الحَقِّ، وقالَ غَيْرُهُ: في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: إنَّ رَبِّي يَدُلُّ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.

(p-١١٩)فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ المُناسِبَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: " إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها " وبَيْنَ كَوْنِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ آخِذٌ بِنَواصِي الخَلْقِ، كانَ مَعْناهُ: أنَّهم لا يَخْرُجُونَ عَنْ قَبْضَتِهِ، فَأخْبَرَ أنَّهُ عَلى طَرِيقٍ لا يَعْدِلُ عَنْهُ هارِبٌ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ مُسْتَتِرٌ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: أنَّهُ وإنْ كانَ قادِرًا عَلَيْهِمْ، فَهو لا يَظْلِمُهم، ولا يُرِيدُ إلّا العَدْلَ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

11:57Page 228

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَيَسۡتَخۡلِفُ رَبِّي قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٥٧

But if you turn away, then I have already conveyed that with which I was sent to you. My Lord will give succession to a people other than you, and you will not harm Him at all. Indeed my Lord is, over all things, Guardian."1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، مَعْناهُ: فَإنْ أعْرَضُوا. فَعَلى هَذا، في الآيَةِ إضْمارٌ، تَلْخِيصُهُ: فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ لَهم: قَدْ أبْلَغْتُكم، هَذا مَذْهَبُ مُقاتِلٍ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْحاضِرِينَ، وتَقْدِيرُهُ فَإنْ تَتَوَلَّوْا، فاسْتَثْقَلُوا الجَمْعَ بَيْنَ تاءَيْنِ مُتَحَرِّكَتَيْنِ، فاقْتُصِرَ عَلى إحْداهُما، وأُسْقِطَتِ الأُخْرى، كَما قالَ النّابِغَةُ

؎ المَرْءُ يَهْوى أنْ يَعِيـ شَ وطُولُ عَيْشٍ قَدْ يَضُرُّهْ

(p-١٢٠)؎ تَفْنى بَشاشَتُهُ ويَبْـ ∗∗∗ قى بَعْدَ حُلْوِ العَيْشِ مَرُّهْ

؎ وتَصَرَّفُ الأيّامُ حَـ ∗∗∗ تّى ما يَرى شَيْئًا يَسُرُّهْ

أرادَ: وتَتَصَرَّفُ الأيّامُ، فَأسْقَطَ إحْدى التّاءَيْنِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ فِيهِ وعِيدٌ لَهم بِالهَلاكِ. ﴿إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: حَفِيظٌ عَلى أعْمالِ العِبادِ حَتّى يُجازِيَهم بِها. والثّانِي: أنْ " عَلى " بِمَعْنى اللّامِ، فالمَعْنى: لِكُلِّ شَيْءٍ حافِظٌ، فَهو يَحْفَظُنِي مِن أنْ تَنالُونِي بِسُوءٍ.

11:58Page 228

وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ ٥٨

And when Our command came, We saved Hūd and those who believed with him, by mercy from Us; and We saved them from a harsh punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: جاءَ عَذابُنا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: جاءَ أمْرُنا بِهَلاكِهِمْ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: نَجَّيْناهم مِنَ العَذابِ بِنِعْمَتِنا. والثّانِي: نَجَّيْناهم بِأنْ هَدَيْناهم إلى الإيمانِ، وعَصَمْناهم مِنَ الكُفْرِ، رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ: شَدِيدٍ، وهو ما اسْتَحَقَّهُ قَوْمُ هُودٍ مِن عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

11:59Page 228

وَتِلۡكَ عَادٞۖ جَحَدُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَعَصَوۡاْ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ٥٩

And that was ʿAad, who rejected the signs of their Lord and disobeyed His messengers and followed the order of every obstinate tyrant.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ عادٌ﴾ يَعْنِي القَبِيلَةَ. ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّما أُرْسِلَ إلَيْهِمْ هُودٌ وحْدَهُ، فَكَيْفَ ذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ ؟

(p-١٢١)فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ لَفْظُ الجَمْعِ ويُرادُ بِهِ الواحِدُ، كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ [النِّساءِ:٥٤] والمُرادُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وحْدَهُ.

والثّانِي: أنَّ مَن كَذَّبَ رَسُولًا واحِدًا فَقَدْ كَذَّبَ الكُلَّ.

والثّالِثُ: أنَّ كُلَّ مَرَّةٍ يُنْذِرُهم فِيها هي رِسالَةٌ مُجَدَّدَةٌ وهو بِها رَسُولٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا﴾ أيْ: واتَّبَعَ الأتْباعُ أمْرَ الرُّؤَساءِ.

والجَبّارُ: الَّذِي طالَ وفاتَ اليَدَ.

وَلِلْعُلَماءِ في الجَبّارِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ الَّذِي يَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ ويُعاقِبُ عَلى الغَضَبِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ المُسَلَّطُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، المُتَكَبِّرُ عَلى العِبادِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. والَّذِي ذَكَرْناهُ يَجْمَعُ هَذِهِ الأقْوالَ، وقَدْ زِدْنا هَذا شَرْحًا في [المائِدَةِ:٢٢] .

وَأمّا العَنِيدُ: فَهو الَّذِي لا يَقْبَلُ الحَقَّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَنُودُ، والعَنِيدُ، والعانِدُ: المُعارِضُ لَكَ بِالخِلافِ عَلَيْكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском