Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
هود
Hud
Hud · Meccan · 123 ayahs
11:1Page 221
الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ١
Alif, Lām, Rā.1 [This is] a Book whose verses are perfected and then presented in detail from [one who is] Wise and Aware2
(p-٧٢)سُورَةُ هُودٍ
عَلَيْهِ السَّلامُ
فَصْلٌ في نُزُولِها
رَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ كُلُّها، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ، إلّا آيَةً، وهي قَوْلُهُ: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هُودٍ:١١٤]، وعَنْ قَتادَةَ نَحْوُهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَكِّيَّةٌ كُلُّها، إلّا قَوْلَهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هُودٍ:١٢] وقَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [هُودٍ:١٧] وقَوْلَهُ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هُودٍ:١١٤] .
وَرَوى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، عُجِّلَ إلَيْكَ الشَّيْبُ، قالَ: " شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها: الحاقَّةُ، والواقِعَةُ، وعَمَّ يَتَساءَلُونَ، وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ "» .
(p-٧٣)فَأمّا " آلر " فَقَدْ ذَكَرْنا تَفْسِيرَها في سُورَةِ ( يُونُسَ )
قالَ الفَرّاءُ: و " كِتابٌ " مَرْفُوعٌ بِالهِجاءِ الَّذِي قَبْلَهُ، كَأنَّكَ قُلْتَ: حُرُوفُ الهِجاءِ هَذا القُرْآنُ، وإنْ شِئْتَ رَفَعْتَهُ بِإضْمارِ " هَذا كِتابٌ "، والكِتابُ: القُرْآنُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أحُكِمَتْ فَما تُنْسَخُ بِكِتابٍ كَما نُسِخَتِ الكُتُبُ والشَّرائِعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أُحْكِمَتْ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: أُحْكِمَتْ عَنِ الباطِلِ أيْ: مُنِعَتْ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
والرّابِعُ: أُحْكِمَتْ بِمَعْنى جُمِعَتْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عَمَّ الآياتِ هاهُنا بِالإحْكامِ، وخَصَّ بَعْضَها في قَوْلِهِ: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ [آلِ عِمْرانَ:٨] ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ.
أحَدُهُما أنَّ الإحْكامَ الَّذِي عَمَّ بِهِ هاهُنا، غَيْرُ الَّذِي خَصَّ بِهِ هُناكَ.
وَفِي مَعْنى الإحْكامِ العامِّ خَمْسَةُ أقْوالٍ، قَدْ أسْلَفْنا مِنها أرْبَعَةً في قَوْلِهِ: " أُحْكِمَتْ آياتُهُ "
والخامِسُ: أنَّهُ إعْجازُ النَّظْمِ والبَلاغَةِ وتَضْمِينُ الحِكَمِ المُعْجِزَةَ.
(p-٧٤)وَمَعْنى الإحْكامِ الخاصِّ: زَوالُ اللَّبْسِ، واسْتِواءُ السّامِعِينَ في مَعْرِفَةِ مَعْنى الآيَةِ.
والجَوابُ الثّانِي: أنَّ الإحْكامَ في المَوْضِعَيْنِ بِمَعْنًى واحِدٍ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: " أُحْكِمَتْ آياتُهُ ": أُحْكِمَ بَعْضُها بِالبَيانِ الواضِحِ ومَنعِ الِالتِباسِ، فَأُوقِعَ العُمُومُ عَلى مَعْنى الخُصُوصِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ أكَلْتُ طَعامَ زَيْدٍ، يَعْنُونَ: بَعْضَ طَعامِهِ، ويَقُولُونَ: قُتِلْنا ورَبِّ الكَعْبَةِ، يَعْنُونَ: قُتِلَ بَعْضُنا، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وَفِي قَوْلِهِ: " ثُمَّ فُصِّلَتْ " سِتَّةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: فُصِّلَتْ بِالحَلالِ والحَرامِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: فُصِّلَتْ بِالثَّوابِ والعِقابِ، رَواهُ جِسْرُ بْنُ فَرَقَدٍ عَنِ الحَسَنِ.
والثّالِثُ: فُصِّلَتْ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، رَواهُ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا.
والرّابِعُ: فُصِّلَتْ بِمَعْنى فُسِّرَتْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: أُنْزِلَتْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ولَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والسّادِسُ: فُصِّلَتْ بِجَمِيعِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّوْحِيدِ، وتَثْبِيتِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ، وإقامَةِ الشَّرائِعِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ﴾ أيْ: مِن عِنْدِهِ.
11:2–4Page 221
أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۚ إِنَّنِي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ ٢
[Through a messenger, saying], "Do not worship except Allāh. Indeed, I am to you from Him a warner and a bringer of good tidings,"
وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُۥۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ كَبِيرٍ ٣
And [saying], "Seek forgiveness of your Lord and repent to Him, [and] He will let you enjoy a good provision for a specified term and give every doer of favor his favor [i.e., reward]. But if you turn away, then indeed, I fear for you the punishment of a great Day.
إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٤
To Allāh is your return, and He is over all things competent."
(p-٧٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى: فُصِّلَتْ آياتُهُ بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا﴾ . و " أنْ " في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِإلْقائِكَ الخافِضَ.
وَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: آمُرُكم أنْ لا تَعْبُدُوا [إلّا اللَّهَ] وأنِ اسْتَغْفِرُوا.
قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِهَذِهِ العِبادَةِ: التَّوْحِيدُ. والخِطابُ لِكُفّارِ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الِاسْتِغْفارَ والتَّوْبَةَ هاهُنا مِنَ الشِّرْكِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّانِي: اسْتَغْفِرُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ السّالِفَةِ، ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ مِنَ المُسْتَأْنَفَةِ مَتى وقَعَتْ. وذُكِرَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: " ثُمَّ " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَتَفَضَّلُ عَلَيْكم بِالرِّزْقِ والسَّعَةِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَعْمَرَكم. وأصْلُ الإمْتاعِ: الإطالَةُ، يُقالُ: أمْتَعَ اللَّهُ بِكَ، ومَتَّعَ اللَّهُ بِكَ، إمْتاعًا ومَتاعًا، والشَّيْءُ الطَّوِيلُ: ماتِعٌ، يُقالُ: جَبَلٌ ماتِعٌ، وقَدْ مَتَعَ النَّهارُ: إذا تَطاوَلَ.
وَفِي المُرادِ بِالأجَلِ المُسَمّى قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ مِن حَسَنَةٍ وخَيْرِ فَضْلِهِ، وهو الجَنَّةُ. والثّانِي: يُؤْتِيهِ فَضْلَهُ مِنَ الهِدايَةِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى العَبْدِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ويُؤْتِ كُلَّ مَن زادَ في إحْسانِهِ (p-٧٦)وَطاعاتِهِ ثَوابَ ذَلِكَ الفَضْلِ الَّذِي زادَهُ، فَيُفَضِّلُهُ في الدُّنْيا بِالمَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ، وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ الجَزِيلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: تُعْرِضُوا عَمّا أُمِرْتُمْ بِهِ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ: " وإنْ تُوَلُّوا " بِضَمِّ التّاءِ. ﴿فَإنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ فِيهِ إضْمارُ " فَقُلْ " . واليَوْمُ الكَبِيرُ: يَوْمُ القِيامَةِ.
11:5Page 221
أَلَآ إِنَّهُمۡ يَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ لِيَسۡتَخۡفُواْ مِنۡهُۚ أَلَا حِينَ يَسۡتَغۡشُونَ ثِيَابَهُمۡ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٥
Unquestionably, they [i.e., the disbelievers] turn away their breasts to hide themselves from him. Unquestionably, [even] when they cover themselves in their clothing, He [i.e., Allāh] knows what they conceal and what they declare. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وكانَ يُجالِسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَحْلِفُ إنَّهُ لِيُحِبُّهُ، ويُضْمِرُ خِلافَ ما يُظْهِرُ لَهُ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ كانُوا يَسْتَحْيُونَ أنْ يُفْضُوا إلى السَّماءِ في الخَلاءِ ومُجامَعَةِ النِّساءِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبّادٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في بَعْضِ المُنافِقِينَ، كانَ إذا مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثَنى صَدْرَهُ وظَهْرَهُ وطَأْطَأ رَأْسَهُ وغَطّى وجْهَهُ لِئَلّا يَراهُ رَسُولُ اللَّهِ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ.
والرّابِعُ: أنَّ طائِفَةً مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا: إذا أغْلَقْنا أبْوابَنا وأرْخَيْنا سُتُورَنا (p-٧٧)واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا وثَنَيْنا صُدُورَنا عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَيْفَ يَعْلَمُ بِنا، فَأخْبَرَ اللَّهُ عَمّا كَتَمُوا، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا لِشِدَّةِ عَداوَتِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إذا سَمِعُوا مِنهُ القُرْآنَ حَنَوْا صُدُورَهم، ونَكَّسُوا رُؤُوسَهم، وتَغَشَّوْا ثِيابَهم لِيَبْعُدَ عَنْهم صَوْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا يَدْخُلُ أسْماعَهم شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ يُقالُ: ثَنَيْتُ الشَّيْءَ إذا عَطَفْتَهَ وطَوَيْتَهَ. وفي مَعْنى الكَلامِ خَمْسَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: يَكْتُمُونَ ما فِيها مِنَ العَداوَةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: يَثْنُونَ صُدُورَهم عَلى الكُفْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: يُحْنُونَها لِئَلّا يَسْمَعُوا كِتابَ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والرّابِعُ: يَثْنُونَها إذا ناجى بَعْضُهم بَعْضًا في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: يَثْنُونَها حَياءً مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو يَخْرُجُ عَلى ما حَكَيْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَؤُها " ألا إنَّهم تَثْنَوْنِي صُدُورُهم " وفَسَّرَها أنَّ ناسًا كانُوا يَسْتَحْيُونَ أنْ يُفْضُوا إلى السَّماءِ في الخَلاءِ ومُجامَعَةِ النِّساءِ. فَتَثْنَوْنِي: تَفْعَوْعِلُ، وهو فِعْلٌ لِلصُّدُورِ، مَعْناهُ: المُبالَغَةُ في تَثَنِّي الصُّدُورِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: احْلَوْلى الشَّيْءُ، يَحْلَوْلِي: إذا بالَغُوا في وصْفِهِ بِالحَلاوَةِ، قالَ عَنْتَرَةُ
؎ ألا قاتَلَ اللَّهُ الطُّلُولَ البَوالِيا وقاتَلَ ذِكْراكَ السِّنِينَ الخَوالِيا ∗∗∗ (p-٧٨)وَقَوْلَكَ لِلشَّيْءِ الَّذِي لا تَنالُهُ ∗∗∗ إذا ما هو احْلَوْلى ألا لَيْتَ ذا لِيا
فَعَلى هَذا القَوْلِ، هو في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، وعَلى بَقِيَّةِ الأقْوالِ، هو في حَقِّ المُنافِقِينَ. وقَدْ خَرَجَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ في مَعْنى ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الصُّدُورِ. والثّانِي: أنَّهُ كِتْمانُ ما فِيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ في هاءِ " مِنهُ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى. والثّانِي: إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَرَبُ تُدْخِلُ " ألا " تَوْكِيدًا وإيجابًا وتَنْبِيهًا. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ أيْ: يَتَغَشَّوْنَها ويَسْتَتِرُونَ بِها. قالَ قَتادَةُ: أخْفى ما يَكُونُ ابْنُ آدَمَ، إذا حَنى ظَهْرَهُ، واسْتَغْشى ثِيابَهُ، وأضْمَرَ هَمَّهُ في نَفْسِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ يَعْلَمُ سَرائِرَهم كَما يَعْلَمُ مُظْهَراتِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ وقَدْ شَرَحْناهُ في (آلِ عِمْرانَ:١١٩) .
11:6–7Page 222
۞ وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلّٞ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٦
And there is no creature on earth but that upon Allāh is its provision, and He knows its place of dwelling and place of storage.1 All is in a clear register.
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ وَلَئِن قُلۡتَ إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧
And it is He who created the heavens and the earth in six days - and His Throne had been upon water - that He might test you as to which of you is best in deed. But if you say, "Indeed, you are resurrected after death," those who disbelieve will surely say, "This is not but obvious magic."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " مِن " مِن حُرُوفِ الزَّوائِدِ، والمَعْنى: وما دابَّةٌ، والدّابَّةُ: اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ يَدُبُّ. وقَوْلُهُ: ﴿إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ قالَ العُلَماءُ: فَضْلًا مِنهُ، لا وُجُوبًا عَلَيْهِ. و " عَلى " هاهُنا بِمَعْنى " مِن " وقَدْ ذَكَرْنا المُسْتَقَرَّ والمُسْتَوْدَعَ في سُورَةِ (الأنْعامِ:٦٧) .
(p-٧٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ في كِتابٍ﴾ أيْ: ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: ذَلِكَ ثابِتٌ في عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَرْشُهُ: سَرِيرُهُ، وكانَ الماءُ إذْ كانَ العَرْشُ عَلَيْهِ عَلى الرِّيحِ. قالَ قَتادَةُ: ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّمَواتِ والأرْضَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أيْ: لِيَخْتَبِرَكُمُ الِاخْتِبارَ الَّذِي يُجازِي عَلَيْهِ، فَيُثِيبُ المُعْتَبِرَ بِما يَرى مِن آياتِ السَّمَواتِ والأرْضِ، ويُعاقِبُ أهْلَ العِنادِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:أحَدُها: أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ، رَواهُ ابْنُ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . والثّانِي: أيُّكم أعْمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أيُّكم أتَمُّ عَقْلًا، قالَهُ قَتادَةُ. والرّابِعُ: أيُّكم أزْهَدُ في الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ وسُفْيانُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: السِّحْرُ باطِلٌ عِنْدَهم، فَكَأنَّهم قالُوا: إنْ هَذا إلّا باطِلٌ بَيِّنٌ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّ القُدْرَةَ عَلى خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ تَدُلُّ عَلى بَعْثِ المَوْتى.
11:8Page 222
وَلَئِنۡ أَخَّرۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٖ مَّعۡدُودَةٖ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحۡبِسُهُۥٓۗ أَلَا يَوۡمَ يَأۡتِيهِمۡ لَيۡسَ مَصۡرُوفًا عَنۡهُمۡ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٨
And if We hold back from them the punishment for a limited time, they will surely say,1 "What detains it?" Unquestionably, on the Day it comes to them, it will not be averted from them, and they will be enveloped by what they used to ridicule.
(p-٨٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَؤُلاءِ كَفّارُ مَكَّةَ، والمُرادُ بِالأُمَّةِ المَعْدُودَةِ: الأجَلُ المَعْلُومُ، والمَعْنى: إلى مَجِيءِ أُمَّةٍ وانْقِراضِ أُخْرى قَبْلَها. ﴿لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ وإنَّما قالُوا ذَلِكَ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ وقالَ: ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ . وقالَ بَعْضُهم: لا يُصْرَفُ عَنْهُمُ العَذابُ إذا أتاهم. وقالَ آخَرُونَ: إذا أخَذَتْهم سُيُوفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ تُغْمَدْ عَنْهم حَتّى يُبادَ أهْلُ الكُفْرِ وتَعْلُوَ كَلِمَةُ الإخْلاصِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: نَزَلَ بِهِمْ وأصابَهم.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الرَّسُولُ والكِتابُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَيَكُونُ المَعْنى: حاقَ بِهِمْ جَزاءُ اسْتِهْزائِهِمْ. والثّانِي: أنَّهُ العَذابُ، كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِقَوْلِهِمْ: " ما يَحْبِسُهُ "، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.
11:9Page 222
وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ كَفُورٞ ٩
And if We give man a taste of mercy from Us and then We withdraw it from him, indeed, he is despairing and ungrateful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ، ذَكَرَهُ الواحِدِيُّ. والثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ هاهُنا اسْمُ جِنْسٍ، والمَعْنى: ولَئِنْ أذَقْنا النّاسَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ: النِّعْمَةُ، مِنَ العافِيَةِ، والمالِ، والوَلَدِ. واليَؤُوسُ: القَنُوطُ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو فَعُولٌ مَن يَئِسْتُ. قالَ مُقاتِلٌ: إنَّهُ لَيَؤُوسٌ عِنْدَ الشِّدَّةِ مِنَ الخَيْرِ، كَفُورٌ لِلَّهِ في نِعَمِهِ في الرَّخاءِ
11:10Page 222
وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَآءَ بَعۡدَ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّيٓۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٞ فَخُورٌ ١٠
But if We give him a taste of favor after hardship has touched him, he will surely say, "Bad times have left me." Indeed, he is exultant and boastful -
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صِحَّةً وسَعَةً في الرِّزْقِ. (p-٨١)﴿بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ بَعْدَ مَرَضٍ وفَقْرٍ. ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ يُرِيدُ الضُّرَّ والفَقْرَ. ﴿إنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ أيْ: بَطِرٌ. ﴿فَخُورٌ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُفاخِرُ أوْلِيائِي بِما أوْسَعْتُ عَلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ عَيْبِ الإنْسانِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾، وما وجْهُ ذَمِّهِ عَلى الفَرَحِ، وقَدْ وصَفَ اللَّهُ الشُّهَداءَ فَقالَ: " فَرِحِينَ " ؟
فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، فَقالَ: إنَّما عابَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَعْتَرِفْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ، ولَمْ يَحْمَدْهُ عَلى ما صُرِفَ عَنْهُ، وإنَّما ذَمَّهُ بِهَذا الفَرَحِ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ إلى مَعْنى المَرَحِ والتَّكَبُّرِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ ولا يُنْسِينِي الحَدَثانُ عِرْضِي ولا أُلْقِي مِنَ الفَرَحِ الإزارا
يَعْنِي مِنَ المَرَحِ. وفَرَحُ الشُّهَداءِ فَرَحٌ لا كِبْرَ فِيهِ ولا خُيَلاءَ، بَلْ هو مَقْرُونٌ بِالشُّكْرِ فَهو مُسْتَحْسَنٌ.
11:11Page 222
إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ ١١
Except for those who are patient and do righteous deeds; those will have forgiveness and great reward.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ قالَ الفَرّاءُ: هَذا الِاسْتِثْناءُ مِنَ الإنْسانِ، لِأنَّهُ في مَعْنى النّاسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العَصْرِ:٢،٣] . وقالَ الزَّجّاجُ: هَذا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى: لَكِنِ الَّذِينَ صَبَرُوا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الوَصْفُ الأوَّلُ لِلْكافِرِ، والَّذِينَ صَبَرُوا أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
11:12Page 222
فَلَعَلَّكَ تَارِكُۢ بَعۡضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَضَآئِقُۢ بِهِۦ صَدۡرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٞۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٌ ١٢
Then would you possibly leave [out] some of what is revealed to you,1 or is your breast constrained by it because they say, "Why has there not been sent down to him a treasure or come with him an angel?" But you are only a warner. And Allāh is Disposer of all things.
(p-٨٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ [يُونُسَ:١٥]، فَهَمَّ النَّبِيُّ ﷺ أنْ لا يُسْمِعَهم عَيْبَ آلِهَتِهِمْ رَجاءَ أنْ يَتَّبِعُوهُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وفي مَعْنى الآيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَلَعَلَّكَ تارِكٌ تَبْلِيغَ بَعْضِ ما يُوحى إلَيْكَ مِن أمْرِ الآلِهَةِ، وضائِقٌ بِما كُلِّفْتَهُ مِن ذَلِكَ صَدْرُكُ، خَشْيَةَ أنْ يَقُولُوا. لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ. والثّانِي: فَلَعَلَّكَ لِعَظِيمٍ ما يَرِدُ عَلى قَلْبِكَ مِن تَخْلِيطِهِمْ تَتَوَهَّمُ أنَّهم يُزِيلُونَكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن أمْرِ رَبِّكَ. فَأمّا الضّائِقُ، فَهو بِمَعْنى الضِّيقِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى " أنْ يَقُولُوا ": كَراهِيَةَ أنْ يَقُولُوا. وإنَّما عَلَيْكَ أنْ تُنْذِرَهم بِما يُوحى إلَيْكَ، ولَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تَأْتِيَهم بِاقْتِراحِهِمْ مِنَ الآياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحافِظُ. والثّانِي: الشَّهِيدُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في (آلِ عِمْرانَ:١٧٣) .
11:13–14Page 223
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٣
Or do they say, "He invented it"? Say, "Then bring ten sūrahs like it that have been invented and call upon [for assistance] whomever you can besides Allāh, if you should be truthful."
فَإِلَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٤
And if they do not respond to you - then know that it [i.e., the Qur’ān] was revealed with the knowledge of Allāh1 and that there is no deity except Him. Then,2 would you [not] be Muslims?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ " أمْ " بِمَعْنى " بَلْ " و " افْتَراهُ " أتى بِهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ. "قُلْ فَأْتُوا" أنْتُمْ في مُعارَضَتِي ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ في البَلاغَةِ (p-٨٣)﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ بِزَعْمِكم ودَعْواكم ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مَنِ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى المُعاوَنَةِ عَلى المُعارَضَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في قَوْلِكُمُ: " افْتَراهُ " .
﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أيْ: يُجِيبُوكم إلى المُعارَضَةِ، فَقَدْ قامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ لَكم.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ وحَّدَ القَوْلَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾ ثُمَّ جَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ فَعَنْهُ جَوابانِ. أحَدُهُما: أنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وحْدَهُ في المَوْضِعَيْنِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لَهُ بِقَوْلِهِ: " لَكم " تَعْظِيمًا، لِأنَّ خِطابَ الواحِدِ بِلَفْظِ الجَمِيعِ تَعْظِيمٌ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ وحَّدَ في الأوَّلِ لِخِطابِ النَّبِيِّ ﷺ . وجَمَعَ في الثّانِي لِمُخاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْلَمُوا أنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْزَلَهُ وهو عالِمٌ بِإنْزالِهِ، وعالِمٌ بِأنَّهُ حَقٌّ مِن عِنْدِهِ. والثّانِي أنْزَلَهُ بِما أخْبَرَ فِيهِ مِنَ الغَيْبِ، ودَلَّ عَلى ما سَيَكُونُ وما سَلَفَ، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: واعْلَمُوا ذَلِكَ. ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الأمْرِ. وفِيمَن خُوطِبَ بِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أهْلُ مَكَّةَ، ومَعْنى إسْلامِهِمْ: إخْلاصُهم لِلَّهِ العِبادَةَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
11:15–16Page 223
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ ١٥
Whoever desires the life of this world and its adornments - We fully repay them for their deeds therein,1 and they therein will not be deprived.
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٦
Those are the ones for whom there is not in the Hereafter but the Fire. And lost is what they did therein,1 and worthless is what they used to do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى (p-٨٤)أرْبَعَةِ أقْوالٍ:أحَدُها: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الخَلْقِ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّها في أهْلِ القِبْلَةِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّها في اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ أنَسٌ. والرّابِعُ: أنَّها في أهْلِ الرِّياءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مَن كانَ يُرِيدُ عاجِلَ الدُّنْيا ولا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ والجَزاءِ. وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما هي في الكافِرِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ يُرِيدُ الدُّنْيا والآخِرَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: أُجُورَ أعْمالِهِمْ " فِيها " . قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أُعْطُوا ثَوابَ ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ في الدُّنْيا. وقالَ مُجاهِدٌ: مَن عَمِلَ عَمَلًا مِن صِلَةٍ، أوْ صَدَقَةٍ، لا يُرِيدُ بِهِ وجْهَ اللَّهِ، أعْطاهُ اللَّهُ ثَوابَ ذَلِكَ في الدُّنْيا، ويَدْرَأُ بِهِ عَنْهُ في الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم فِيها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ في الدُّنْيا. ﴿لا يُبْخَسُونَ﴾ أيْ: لا يُنْقَصُونَ مِن أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا شَيْئًا. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ عَمِلُوا لِغَيْرِ اللَّهِ ﴿لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا﴾ أيْ: ما عَمِلُوا في الدُّنْيا مِن حَسَنَةٍ ﴿وَباطِلٌ ما كانُوا﴾ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ .
فَصْلٌ
وَذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، مِنهم مُقاتِلٌ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ اقْتَضَتْ أنَّ مَن أرادَ الدُّنْيا بِعَمَلِهِ، أُعْطِيَ فِيها ثَوابَ عَمَلِهِ مِنَ الرِّزْقِ والخَيْرِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسْراءِ:١٨]، وهَذا لا يَصِحُّ لِأنَّهُ لا يُوَفِّي إلّا لِمَن يُرِيدُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences