Ibn al-JawziYusuf · 12:15–23

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:15–23

12:15Page 237

فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَٰذَا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١٥

So when they took him [out] and agreed to put him into the bottom of the well...1 But We inspired to him, "You will surely inform them [someday] about this affair of theirs while they do not perceive [your identity]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ في الكَلامِ اخْتِصارٌ وإضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: فَأرْسَلَهُ مَعَهم فَلَمّا ذَهَبُوا. ﴿وَأجْمَعُوا﴾ أيْ: عَزَمُوا عَلى أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ.

(p-١٨٩)الإشارَةُ إلى قِصَّةِ ذَهابِهِمْ

قالَ المُفَسِّرُونَ: قالُوا لِيُوسُفَ: أما تَشْتاقُ أنْ تَخْرُجَ مَعَنا فَتَلْعَبَ وتَتَصَيَّدَ ؟ قالَ: بَلى، قالُوا: فَسَلْ أباكَ أنْ يُرْسِلَكَ مَعَنا، قالَ: أفْعَلُ، فَدَخَلُوا بِجَماعَتِهِمْ عَلى يَعْقُوبَ، فَقالُوا: يا أبانا إنَّ يُوسُفَ قَدْ أحَبَّ أنْ يَخْرُجَ مَعَنا، فَقالَ: ما تَقُولُ يا بُنَيَّ ؟ قالَ: نَعَمْ يا أبَتِ قَدْ أرى مِن إخْوَتِي اللِّينَ واللُّطْفَ، فَأنا أُحِبُّ أنْ تَأْذَنَ لِي، فَأرْسَلَهُ مَعَهم، فَلَمّا أصَحَرُوا، أظْهَرُوا لَهُ ما في أنْفُسِهِمْ مِنَ العَداوَةِ، وأغْلَظُوا لَهُ القَوْلَ، وجَعَلَ يَلْجَأُ إلى هَذا، فَيَضْرِبُهُ وإلى هَذا، فَيُؤْذِيهِ، فَلَمّا فَطِنَ لِما قَدْ عَزَمُوا عَلَيْهِ، جَعَلَ يُنادِي: يا أبَتاهُ، يا يَعْقُوبُ، لَوْ رَأيْتَ يُوسُفَ وما يَنْزِلُ بِهِ مِن إخْوَتِهِ لَأحْزَنَكَ ذَلِكَ وأبْكاكَ، يا أبَتاهُ ما أسْرَعَ ما نَسُوا عَهْدَكَ، وضَيَّعُوا وصِيَّتَكَ؛ وجَعَلَ يَبْكِي بُكاءً شَدِيدًا. قالَ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَأخَذَهُ رُوبِيلُ فَجَلَدَ بِهِ الأرْضَ، ثُمَّ جَثَمَ عَلى صَدْرِهِ وأرادَ قَتْلَهُ، فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: مَهْلًا يا أخِي لا تَقْتُلْنِي، قالَ: يا ابْنَ راحِيلَ صاحِبَ الأحْلامِ، قُلْ لِرُؤْياكَ تُخَلِّصْكَ مِن أيْدِينا، ولَوى عُنُقَهُ لِيَكْسِرَها، فَنادى يُوسُفُ: يا يَهُوذا: اتَّقِ اللَّهَ فِيَّ، وخَلِّ بَيْنِي وبَيْنَ مَن يُرِيدُ قَتْلِي، فَأدْرَكَتْهُ لَهُ رَحْمَةٌ، فَقالَ: يَهُوذا: يا إخْوَتاهُ، ألا أدُلُّكم عَلى أمْرٍ هو خَيْرٌ لَكم وأرْفَقُ بِهِ ؟ قالُوا: وما ذاكَ ؟ قالَ: تُلْقُونَهُ في هَذا الجُبِّ فَيَلْتَقِطُهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ، قالُوا: نَفْعَلُ؛ فانْطَلَقُوا بِهِ إلى الجُبِّ، فَخَلَعُوا قَمِيصَهُ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ لِمَ نَزَعْتُمْ قَمِيصِي ؟ رُدُّوهُ عَلَيَّ أسْتُرُ بِهِ عَوْرَتِي ويَكُونُ كَفَنًا لِي في مَماتِي؛ فَأخْرَجَ اللَّهُ لَهُ حَجَرًا في البِئْرِ مُرْتَفِعًا مِنَ الماءِ، فاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ قَدَماهُ. وقالَ السُّدِّيُّ: جَعَلُوا يُدْلُونَهُ في البِئْرِ، فَيَتَعَلَّقُ بِشَفِيرِ البِئْرِ؛ فَرَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ، فَقالَ: يا إخْوَتاهُ، (p-١٩٠)رَدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي أتَوارى بِهِ، فَقالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ والقَمَرَ والأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا فَدَلَّوْهُ في البِئْرِ، حَتّى إذا بَلَغَ نِصْفَها ألْقَوْهُ إرادَةَ أنْ يَمُوتَ، فَكانَ في البِئْرِ ماءٌ فَسَقَطَ فِيهِ، ثُمَّ أوى إلى صَخْرَةٍ فِيها فَقامَ عَلَيْها؛ فَلَمّا ألْقَوْهُ في الجُبِّ جَعَلَ يَبْكِي، فَنادَوْهُ فَظَنَّ أنَّها رَحْمَةٌ أدْرَكَتْهم فَأجابَهم، فَأرادُوا أنْ يَرْضَخُوهُ بِصَخْرَةٍ، فَمَنَعَهم يَهُوذا، وكانَ يَهُوذا يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ. وقالَ كَعْبٌ: جَمَعُوا يَدَيْهِ إلى عُنُقِهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكًا، فَحَلَّ عَنْهُ وأخْرَجَ لَهُ حَجْرًا مِنَ الماءِ، فَقَعَدَ عَلَيْهِ؛ وكانَ يَعْقُوبُ قَدْ أدْرَجَ قَمِيصَ إبْراهِيمَ الَّذِي كَساهُ اللَّهُ إيّاهُ يَوْمَ أُلْقِيَ في النّارِ في قَصَبَةٍ، وجَعَلَها في عُنُقِ يُوسُفَ، فَألْبَسَهُ إيّاهُ المَلَكُ حِينَئِذٍ، وأضاءَ لَهُ الجُبُّ. وقالَ الحَسَنُ: أُلْقِيَ في الجُبِّ فَعَذُبَ ماؤُهُ، فَكانَ يُغْنِيهِ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ؛ ودَخَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ، فَأنِسَ بِهِ، فَلَمّا أمْسى، نَهَضَ جِبْرِيلُ لِيَذْهَبَ، فَقالَ لَهُ يُوسُفُ: إنَّكَ إذا خَرَجْتَ عَنِّي اسْتَوْحَشْتُ، فَقالَ: إذا رَهِبْتَ شَيْئًا فَقُلْ: يا صَرِيخَ المُسْتَصْرِخِينَ، ويا غَوْثَ المُسْتَغِيثِينَ، ويا مُفَرِّجَ كَرْبِ المَكْرُوبِينَ، قَدْ تَرى مَكانِي وتَعَلَمُ حالِي ولا يَخْفى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن أمْرِي. فَلَمّا قالَها حَفَّتْهُ المَلائِكَةُ، فاسْتَأْنَسَ في الجُبِّ ومَكَثَ فِيهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وكانَ إخْوَتُهُ يَرْعَوْنَ حَوْلَ الجُبِّ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطّائِفِيُّ: لَمّا أُلْقِيَ يُوسُفُ في الجُبِّ، قالَ: يا شاهِدًا غَيْرَ غائِبٍ، ويا قَرِيبًا غَيْرَ بَعِيدٍ، ويا غالِبًا غَيْرَ مَغْلُوبٍ، اجْعَلْ لِي فَرَجًا مِمّا أنا فِيهِ؛ قالَ: فَما باتَ فِيهِ.

وَفِي مِقْدارِ سِنِّهِ حِينَ أُلْقِيَ في الجُبِّ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: سِتُّ سِنِينَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: سَبْعَ عَشْرَةَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا. والرّابِعُ: ثَمانِي عَشْرَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

(p-١٩١)أحَدُهُما: أنَّهُ إلْهامٌ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ وحْيٌ حَقِيقَةً.

قالَ المُفَسِّرُونَ: أُوحِيَ إلَيْهِ لَتُخْبِرَنَّ إخْوَتَكَ بِأمْرِهِمْ، أيْ: بِما صَنَعُوا بِكَ وأنْتَ عالٍ عَلَيْهِمْ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: لا يَشْعُرُونَ أنَّكَ يُوسُفُ وقْتَ إخْبارِكَ لَهم، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: لا يَشْعُرُونَ بِالوَحْيِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الكَلامُ مِن صِلَةِ " لَتُنَبِئَنَّهم "؛ وعَلى الثّانِي مِن صِلَةِ ﴿وَأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ . قالَ حُمَيْدٌ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: أيَحْسُدُ المُؤْمِنُ المُؤْمِنَ ؟ قالَ: لا أبا لَكَ، ما نَسّاكَ بَنِي يَعْقُوبَ ؟

12:16–17Page 237

وَجَآءُوٓ أَبَاهُمۡ عِشَآءٗ يَبۡكُونَ ١٦

And they came to their father at night, weeping.

قَالُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبۡنَا نَسۡتَبِقُ وَتَرَكۡنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِينَ ١٧

They said, "O our father, indeed we went racing each other and left Joseph with our possessions, and a wolf ate him. But you would not believe us, even if we were truthful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والأعْمَشُ: " عُشاءً " بِضَمِّ العَيْنِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: جاؤُوا وقْتَ العَتَمَةِ لِيَكُونُوا أجْرَأ في الظُّلْمَةِ عَلى الِاعْتِذارِ بِالكَذِبِ، فَلَمّا سَمِعَ صَوْتَهم فَزِعَ، وقالَ: مالَكم يا بَنِيَّ، هَلْ أصابَكم في غَنَمِكم شَيْءٌ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَما أصابَكم ؟ وأيْنَ يُوسُفُ ؟ " قالُوا: يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ " وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: نَنْتَضِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: والمَعْنى، يُسابِقُ بَعْضُنا (p-١٩٢)بَعْضًا في الرَّمْيِ. والثّانِي: نَشْتَدُّ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: نَتَصَيَّدُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. فَيَكُونُ المَعْنى عَلى الأوَّلِ: نَسْتَبِقُ في الرَّمْيِ لِنَنْظُرَ أيُّنا أسْبَقُ سَهْمًا، وعَلى الثّانِي: نَسْتَبِقُ عَلى الأقْدامِ؛ وعَلى الثّالِثِ: لِلصَّيْدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا﴾ أيْ: ثِيابِنا. " وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا " أيْ: بِمُصَدِّقٍ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: وإنْ كُنّا قَدْ صَدَقْنا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. والثّانِي: لَوْ كُنّا عِنْدَكَ مِن أهْلِ الصِّدْقِ لاتَّهَمْتَنا في يُوسُفَ لِمَحَبَّتِكَ إيّاهُ، وظَنَنْتَ أنّا قَدْ كَذَبْناكَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

12:18Page 237

وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٖ كَذِبٖۚ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٞۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ١٨

And they brought upon his shirt false blood.1 [Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. And Allāh is the one sought for help against that which you describe."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: مَعْناهُ: بِدَمٍ مَكْذُوبٍ فِيهِ، والعَرَبُ تَجْعَلُ المَصْدَرَ في كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ مَفْعُولًا، فَيَقُولُونَ لِلْكَذِبِ مَكْذُوبٌ، ولِلْعَقْلِ مَعْقُولٌ، ولِلْجَلْدِ مَجْلُودٌ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ حَتّى إذا لَمْ يَتْرُكُوا لِعِظامِهِ لَحْمًا ولا لِفُؤادِهِ مَعْقُولا

أرادَ: عَقْلًا. وقالَ الآخَرُ:

؎ قَدْ والَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بِقُدْرَةٍ ∗∗∗ بُلِغَ العَزاءُ وأُدْرِكَ المَجْلُودُ

يُرِيدُ: أُدْرِكَ الجَلْدُ. ويَقُولُونَ: لَيْسَ لِفُلانٍ عَقْدُ رَأْيٍ، ولا مَعْقُودُ رَأْيٍ، ويَقُولُونَ: هَذا ماءٌ سَكْبٌ، يُرِيدُونَ: مَسْكُوبًا، وهَذا شَرابٌ صَبٌّ، يُرِيدُونَ: مَصْبُوبًا، (p-١٩٣)وَماءٌ غَوْرٌ، يَعْنُونَ: غائِرًا، ورَجُلٌ صَوْمٌ، يُرِيدُونَ: صائِمًا، وامْرَأةٌ نَوْحٌ، يُرِيدُونَ: نائِحَةً؛ وهَذا الكَلامُ مَجْمُوعُ قَوْلِ الفَرّاءِ، والأخْفَشِ، والزَّجّاجِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخَذُوا جَدْيًا فَذَبَحُوهُ، ثُمَّ غَمَسُوا قَمِيصَ يُوسُفَ في دَمِهِ، وأتَوْهُ بِهِ ولَيْسَ فِيهِ خَرْقٌ، فَقالَ: كَذَبْتُمْ، لَوْ كانَ أكْلَهُ الذِّئْبُ لَخَرَقَ القَمِيصَ. وقالَ قَتادَةُ: كانَ دَمَ ظَبْيَةٍ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " بِدَمٍ كَذِبًا " بِالنَّصْبِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ: " بِدَمٍ كَدِبٍ " بِالدّالِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ، أيْ: بِدَمٍ طَرِيٍّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ أيْ: زَيَّنَتْ ﴿لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ غَيْرَ ما تَصِفُونَ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ قالَ الخَلِيلُ: المَعْنى: فَشَأْنِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، والَّذِي أعْتَقِدُهُ صَبْرٌ جَمِيلٌ. وقالَ الفَرّاءُ: الصَّبْرُ مَرْفُوعٌ، لِأنَّهُ عَزّى نَفْسَهُ وقالَ: ما هو إلّا الصَّبْرُ، ولَوْ أمَرَهم بِالصَّبْرِ، لَكانَ نَصْبًا. وقالَ قُطْرُبٌ: المَعْنى: فَصَبْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيٌّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: " فَصَبْرًا جَمِيلًا " بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّجّاجُ: والصَّبْرُ الجَمِيلُ، لا جَزَعَ فِيهِ، ولا شَكْوى إلى النّاسِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: عَلى ما تَصِفُونَ مِنَ الكَذِبِ. والثّانِي: عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَ.

12:19Page 237

وَجَآءَتۡ سَيَّارَةٞ فَأَرۡسَلُواْ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُۥۖ قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٞۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٩

And there came a company of travelers; then they sent their water drawer, and he let down his bucket. He said, "Good news! Here is a boy." And they concealed him, [taking him] as merchandise;1 and Allāh was Knowing of what they did.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾ أيْ: قَوْمٌ يَسِيرُونَ ﴿فَأرْسَلُوا وارِدَهُمْ﴾ قالَ الأخْفَشُ: أنَّثَ السَّيّارَةَ وذَكَّرَ الوارِدَ، لِأنَّ السَّيّارَةَ في المَعْنى لِلرِّجالِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الوارِدُ: الَّذِي يَرِدُ الماءَ لِيَسْتَقِيَ لِلْقَوْمِ.

(p-١٩٤)وَفِي اسْمِ هَذا الوارِدِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: مالِكُ بْنُ ذُعْرَ بْنِ يُؤِيبَ بْنِ عِيفا بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: مِجْلِثُ بْنُ رَعْوِيلَ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ أيْ: أرْسَلَها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ أدْلَيْتُ الدَّلْوَ: إذا أرْسَلْتَها لِتَمْلَأها، ودَلَوْتُها: إذا أخْرَجْتَها. " قالَ يا بُشْرايَ " قَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: " يا بُشْرايَ " بِفَتْحِ الياءِ وإثْباتِ الألِفِ. ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ " بُشْرايْ " و " مَحْيايَ " [الأنْعامِ:١٦٢] و﴿مَثْوايَ﴾ [يُوسُفَ:٢٣] بِسُكُونِ الياءِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " يا بُشْرى " بِألِفٍ بِغَيْرِ ياءٍ. وعاصِمٌ بِفَتْحِ الرّاءِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ يُمِيلانِها. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ يا " بُشْرايَ " فَهَذا النِّداءُ تَنْبِيهٌ لِلْمُخاطِبِينَ، لِأنَّ البُشْرى لا تُجِيبُ ولا تَعْقِلُ؛ فالمَعْنى: أبْشِرُوا، ويا أيَّتُها البُشْرى هَذا مِن أوانِكِ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: يا عَجَباهُ، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: اعْجَبُوا، ويا أيُّها العَجَبُ هَذا مِن حِينِكَ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى [هُودٍ: ٦٩ و٧٤] .

فَأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ " يا بُشْرى " فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يا مَن حَضَرَ، هَذِهِ بُشْرى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يا بُشْرى هَذا أوانُكِ عَلى ما سَبَقَ بَيانُهُ مِن تَنْبِيهِ الحاضِرِينَ. وذَكَرَ السُّدِّيُّ أنَّهُ نادى بِذاكَ أحَدَهم وكانَ اسْمُهُ بُشْرى. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يَجُوزُ فِيهِ هَذِهِ الأقْوالُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ امْرَأةٍ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " يا بُشْرَيَّ " بِتَشْدِيدِ الياءِ وفَتْحِها مِن غَيْرِ ألِفٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أدْلى دَلْوَهُ؛ تَعَلَّقَ يُوسُفُ بِالحَبْلِ فَنَظَرَ إلَيْهِ فَإذا غُلامٌ أحْسَنُ ما يَكُونُ مِنَ الغِلْمانِ، فَقالَ لِأصْحابِهِ: البُشْرى، فَقالُوا: ما وراءَكَ ؟ قالَ: هَذا غُلامٌ في البِئْرِ، فَأقْبَلُوا يَسْألُونَهُ الشَّرِكَةَ فِيهِ، واسْتَخْرَجُوهُ مِنَ الجُبِّ، (p-١٩٥)فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اكْتُمُوهُ عَنْ أصْحابِكم لِئَلّا يَسْألُوكُمُ الشَّرِكَةَ فِيهِ، فَإنْ قالُوا: ما هَذا ؟ فَقُولُوا: اسْتَبْضَعَناهُ أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ؛ فَجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ في البِئْرِ، فَنَظَرُوا، فَإذا هم بِالقَوْمِ ومَعَهم يُوسُفُ، فَقالُوا لَهم: هَذا غُلامٌ أبِقَ مِنّا، فَقالَ مالِكُ بْنُ ذُعْرٍ: فَأنا أشْتَرِيهِ مِنكم، فَباعُوهُ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا وحُلَّةٍ ونَعْلَيْنِ، وأسَرَهُ مالِكُ بْنُ ذُعْرٍ مِن أصْحابِهِ، وقالَ: اسْتَبْضَعَناهُ أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " بِضاعَةً " مَنصُوبٌ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ: وأسَرُّوهُ جاعِلِيهِ بِضاعَةً. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ أنَّهُ بِضاعَةٌ وتِجارَةٌ. في الفاعِلَيْنِ لِذاكَ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم وارِدُو الجُبِّ: أسَرُّوا ابْتِياعَهُ عَنْ باقِي أصْحابِهِمْ، وتَواصَوْا أنَّهُ بِضاعَةٌ اسْتَبْضَعْهم إيّاها أهْلُ الماءِ، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهم إخْوَتُهُ، أسَرُّوا أمْرَهُ، وباعُوهُ، وقالُوا: هو بِضاعَةٌ لَنا، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ يَعُمُّ الباعَةَ والمُشْتَرِينَ.

12:20Page 237

وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ٢٠

And they sold him for a reduced price - a few dirhams - and they were, concerning him, of those content with little.

(p-١٩٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَشَرَوْهُ﴾ هَذا حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الأضْدادِ، تَقُولُ شَرَيْتُ الشَّيْءَ، بِمَعْنى بِعْتَهُ؛ وشَرَيْتُهُ، بِمَعْنى اشْتَرَيْتَهُ. فَإنْ كانَ بِمَعْنى باعُوهُ، فَفِيهِمْ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم إخْوَتُهُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ السَّيّارَةُ، ولَمْ يَبِعْهُ إخْوَتُهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. وإنْ كانَ بِمَعْنى اشْتَرُوهُ، فَإنَّهُمُ السَّيّارَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ الحَرامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ القَلِيلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: البَخْسُ: الخَسِيسُ الَّذِي بُخِسَ بِهِ البائِعُ.

والثّالِثُ: النّاقِصُ، وكانَتِ الدَّراهِمُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا في العَدَدِ، وهي تَنْقُصُ عَنْ عِشْرِينَ في المِيزانِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قِيلَ: " مَعْدُودَةٍ " لِيُسْتَدَلَّ بِها عَلى القِلَّةِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: يَسِيرَةٍ، سَهُلَ عَدَدُها لِقِلَّتِها، فَلَوْ كانَتْ كَثِيرَةً لَثَقُلَ عَدَدُها. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا في ذَلِكَ الزَّمانِ لا يَزِنُونَ أقَلَّ مِن أرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وقِيلَ: إنَّما لَمْ يَزِنُوها لِزُهْدِهِمْ فِيهِ.

وَفِي عَدَدِ تِلْكَ الدَّراهِمِ خَمْسَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: عِشْرُونَ دِرْهَمًا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وعِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، ونَوْفِ الشّامِيِّ، ووَهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، والشَّعْبِيُّ، وعَطِيَّةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ في آخَرِينَ.

والثّانِي: عِشْرُونَ دِرْهَمًا وحُلَّةٌ، ونَعْلانِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

(p-١٩٧)والثّالِثُ: اثْنانِ وعِشْرُونَ دِرْهَمًا، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، وابْنُ إسْحاقَ.

والخامِسُ: ثَلاثُونَ دِرْهَمًا، ونَعْلانِ، وحُلَّةٌ، وكانُوا قالُوا لَهُ بِالعِبْرانِيَّةِ: إمّا أنْ تُقِرَّ لَنا بِالعُبُودِيَّةِ، وإمّا أنْ نَأْخُذَكَ مِنهم فَنَقْتُلَكَ، قالَ: بَلْ أُقِرُّ لَكم بِالعُبُودِيَّةِ، ذَكَرَهُ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ بَعْضِ أشْياخِهِ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: اقْتَسَمُوا ثَمَنَهُ، فاشْتَرَوْا بِهِ نِعالًا وخِفافًا.

وَكانَ بَعْضُ الصّالِحِينَ يَقُولُ: واللَّهِ ما يُوسُفُ - وإنْ باعَهُ أعْداؤُهُ - بِأعْجَبَ مِنكَ في بَيْعِكَ نَفْسَكَ بِشَهْوَةِ ساعَةٍ مِن مَعاصِيكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ الزُّهْدُ: قِلَّةُ الرَّغْبَةِ في الشَّيْءِ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم إخْوَتُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ فَعَلى هَذا، في هاءِ " فِيهِ " قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى يُوسُفَ، لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا مَكانَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الثَّمَنِ. وفي عِلَّةِ زُهْدِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: رَداءَتُهُ. والثّانِي: أنَّهم قَصَدُوا بُعْدَ يُوسُفَ، لا الثَّمَنَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ السَّيّارَةُ الَّذِينَ اشْتَرَوْهُ.

وَفِي عِلَّةِ زُهْدِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُمُ ارْتابُوا لِقِلَّةِ ثَمَنِهِ. والثّانِي: أنَّ إخْوَتَهُ وصَفُوهُ عِنْدَهم بِالخِيانَةِ والإباقِ. والثّالِثُ: لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّهُ حُرٌّ.

12:21Page 237

وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢١

And the one from Egypt1 who bought him said to his wife, "Make his residence comfortable. Perhaps he will benefit us, or we will adopt him as a son." And thus, We established Joseph in the land that We might teach him the interpretation of events [i.e., dreams]. And Allāh is predominant over His affair, but most of the people do not know.

(p-١٩٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ﴾ قالَ وهْبٌ: لَمّا ذَهَبَتْ بِهِ السَّيّارَةُ إلى مِصْرَ، وقَفُوهُ في سُوقِها يَعْرِضُونَهُ لِلْبَيْعِ، فَتُزايِدَ النّاسُ في ثَمَنِهِ حَتّى بَلَغَ ثَمَنُهُ وزْنَهُ مِسْكًا، ووَزْنَهُ ورِقًا، ووَزْنَهُ حَرِيرًا، فاشْتَراهُ بِذَلِكَ الثَّمَنِ رَجُلٌ يُقالُ: لَهُ قِطْفِيرٌ، وكانَ أمِينَ فِرْعَوْنَ وخازِنَهُ، وكانَ مُؤْمِنًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما اشْتَراهُ قِطْفِيرٌ مِن مالِكِ بْنِ ذُعْرٍ بِعِشْرِينَ دِينارًا، وزَوْجَيْ نَعْلٍ، وثَوْبَيْنِ أبْيَضَيْنِ، فَلَمّا رَجَعَ إلى مَنزِلِهِ قالَ لِامْرَأتِهِ: أكْرِمِي مَثْواهُ. وقالَ قَوْمٌ: اسْمُهُ أطْفِيرٌ

وَفِي اسْمِ المَرْأةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: راعَيِلُ بِنْتُ رَعايِيلَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. والثّانِي. أزْلِيخا بِنْتُ تَمْلِيخا، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " أكْرِمِي مَثْواهُ " يَعْنِي أكْرِمِي مَنزِلَهُ ومَقامَهُ عِنْدَكِ، مِن قَوْلِكَ: ثَوَيْتُ بِالمَكانِ: إذا أقَمْتَ بِهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أحْسِنِي إلَيْهِ في طُولِ مَقامِهِ عِنْدَنا. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أفَرَسُ النّاسِ ثَلاثَةُ: العَزِيزُ حِينَ تَفَرَّسَ في يُوسُفَ، فَقالَ لِامْرَأتِهِ: ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾، وابْنَةُ شُعَيْبٍ حِينَ قالَتْ: ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القَصَصِ:٢٦]، وأبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يَكْفِينا إذا بَلَغَ أُمُورَنا. والثّانِي: بِالرِّبْحِ في ثَمَنِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَتَبَنّاهُ. وقالَ غَيْرُهُ: لَمْ يَكُنْ لَهُما ولَدٌ، وكانَ العَزِيزُ لا يَأْتِي النِّساءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ أيْ: وكَما أنْجَيْناهُ مِن إخْوَتِهِ وأخْرَجْناهُ مِن ظُلْمَةِ الجُبِّ، مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ، أيْ: مَلَّكْناهُ في أرْضِ مِصْرَ فَجَعَلْناهُ عَلى خَزائِنِها. ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما دَخَلَتِ الواوُ في " ولِنُعَلِّمَهُ " لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هو المُجْتَلَبُ لِلّامِ، والمَعْنى: مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ، واخْتَصَصْناهُ (p-١٩٩)بِذَلِكَ لِكَيْ نُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ. وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ " تَأْوِيلِ الأحادِيثِ " [يُوسُفَ:٦] .

﴿واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ، فالمَعْنى: أنَّهُ غالِبٌ عَلى ما أرادَ مِن قَضائِهِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى يُوسُفَ، فالمَعْنى: غالِبٌ عَلى أمْرِ يُوسُفَ حَتّى يُبَلِّغَهُ ما أرادَهُ لَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ مُقاتِلٍ. وقالَ بَعْضُهم: واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ حَيْثُ أمَرَ يَعْقُوبُ يُوسُفَ أنْ لا يَقُصُّ رُؤْياهُ عَلى إخْوَتِهِ، فَعَلِمُوا بِها، ثُمَّ أرادَ يَعْقُوبُ أنْ لا يَكِيدُوهُ، فَكادُوهُ، ثُمَّ أرادَ إخْوَةُ يُوسُفَ قَتْلَهُ، فَلَمْ يُقَدِّرْ لَهم، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَلْتَقِطَهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ فَيَنْدَرِسَ أمْرُهُ، فَعَلا أمْرُهُ، ثُمَّ باعُوهُ لِيَكُونَ مَمْلُوكًا، فَغَلَبَ أمْرُهُ حَتّى مَلَكَ، وأرادُوا أنْ يُعَطِّفُوا أباهم، فَأباهم، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَغُرُّوا يَعْقُوبَ بِالبُكاءِ والدَّمِ الَّذِي ألْقَوْهُ عَلى القَمِيصِ، فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ، فَنَسُوا ذَنْبَهم إلى أنْ أقَرُّوا بِهِ بَعْدَ سِنِينَ فَقالُوا: ﴿إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ [يُوسُفَ:٩٧]، ثُمَّ أرادُوا أنْ يَمْحُوا مَحَبَّتَهُ مِن قَلْبِ أبِيهِ، فازْدادَتْ، ثُمَّ أرادَتْ أزْلِيخا أنْ تُلْقِيَ عَلَيْهِ التُّهْمَةَ بِقَوْلِها: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ [يُوسُفَ:٢٥]، فَغَلَبَ أمْرُهُ، حَتّى شَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها، وأرادَ يُوسُفُ أنْ يَتَخَلَّصَ مِنَ السَّجْنِ بِذِكْرِ السّاقِي، فَنَسِيَ السّاقِي حَتّى لَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ.

12:22Page 237

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٢

And when he [i.e., Joseph] reached maturity, We gave him judgement and knowledge. And thus We reward the doers of good.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ قَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الأشُدِّ في (الأنْعامِ:١٥٢)، (p-٢٠٠)واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِهِ هاهُنا عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ. والثّانِي: ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: بُلُوغُ الحُلُمِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، ورَبِيعَةُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ. والخامِسُ: عِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ. والسّادِسُ: أنَّهُ مِن نَحْوِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً إلى نَحْوِ الأرْبَعِينَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والسّابِعُ: أنَّهُ بُلُوغُ ثَمانٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّامِنُ: ثَلاثُونَ سَنَةً، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ الفِقْهُ والعَقْلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: أنَّهُ جُعِلَ حَكِيمًا، قالَهُ الزَّجّاجُ، قالَ: ولَيْسَ كُلُّ عالَمٍ حَكِيمًا، إنَّما الحَكِيمُ: العالِمُ المُسْتَعْمِلُ عِلْمَهُ، المُمْتَنِعُ بِهِ مِنِ اسْتِعْمالِ ما يُجَهَّلُ فِيهِ. والرّابِعُ: أنَّهُ الإصابَةُ في القَوْلِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الحُكْمُ عِنْدَ العَرَبِ ما يَصْرِفُ عَنِ الجَهْلِ والخَطَإ، ويَمْنَعُ مِنهُما، ويَرُدُّ النَّفْسَ عَمّا يَشِينُها ويَعُودُ عَلَيْها بِالضَّرَرِ، ومِنهُ حِكْمَةُ الدّابَّةِ. وأصْلُ أحْكَمْتُ في اللُّغَةِ: مَنَعْتُ، وسُمِّي الحاكِمُ حاكِمًا، لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الظُّلْمِ والزَّيْغِ.

(p-٢٠١)وَفِي المُرادِ بِالعِلْمِ هاهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: الفِقْهُ. والثّانِي: عِلْمُ الرُّؤْيا

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: ومِثْلَ ما وصَفْنا مِن تَعَلُّمِ يُوسُفَ وحِراسَتِهِ، نُثِيبُ مَن أحْسَنَ عَمَلَهُ، واجْتَنَبَ المَعاصِيَ، فَنُنْجِيهِ مِنَ الهَلَكَةِ، ونَسْتَنْقِذُهُ مِنَ الضَّلالَةِ فَنَجْعَلُهُ مِن أهْلِ العِلْمِ والحِكْمَةِ كَما فَعَلْنا بِيُوسُفَ.

وَفِي المُرادِ بِالمُحْسِنِينَ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: الصّابِرُونَ عَلى النَّوائِبِ. والثّانِي: المُهْتَدُونَ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: المُؤْمِنُونَ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: هَذا، وإنْ كانَ مَخْرَجُ ظاهِرِهِ عَلى كُلِّ مُحْسِنٍ، فالمُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَعْنى: كَما فَعَلْتُ بِيُوسُفَ بَعْدَ ما لَقِيَ مِنَ البَلاءِ فَمَكَّنْتُهُ في الأرْضِ وآتَيْتُهُ العِلْمَ، كَذَلِكَ أفْعَلُ بِكَ وأُنْجِيكَ مِن مُشْرِكِي قَوْمِكَ.

12:23Page 238

وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣

And she, in whose house he was, sought to seduce him. She closed the doors and said, "Come, you." He said, "[I seek] the refuge of Allāh. Indeed, he1 is my master, who has made good my residence. Indeed, wrongdoers will not succeed."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ: طَلَبَتْ مِنهُ المُواقَعَةَ، وقَدْ سَبَقَ اسْمُها. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: راوَدَتْهُ عَمّا أرادَتْهُ مِمّا يُرِيدُ النِّساءَ مِنَ الرِّجالِ. ﴿وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " هَيْتُ لَكَ " بِفَتْحِ الهاءِ وتَسْكِينِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " هِيْتَ لَكَ " بِكَسْرِ الهاءِ وتَسْكِينِ الياءِ وفَتْحِ التّاءِ. وهي مَرْوِيَّةٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. ورَوى الحَلَوانِيُّ عَنْ هِشامٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ هَمَزَهُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هو خَطَأٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: " هِئْتُ لَكَ " بِكَسْرِ الهاءِ وهَمْزِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي الدَّرْداءِ، وقَتادَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: هو مِنَ الهَيْئَةِ، كَأنَّها قالَتْ: تَهَيَّأْتُ لَكَ. وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ مِثْلُ قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ (p-٢٠٢)إلّا أنَّها بِغَيْرِ هَمْزٍ. وعَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ بِفَتْحِ الهاءِ وكَسْرِ التّاءِ. وهي قِراءَةُ أبِي رَزِينٍ، وحُمَيْدٍ. وعَنِ الوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بِكَسْرِ الهاءِ والتّاءِ مَعَ الهَمْزِ، وهي قِراءَةُ أبِي العالِيَةِ. وقَرَأ ابْنُ خُثَيْمٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَهْمِزْ. وعَنِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ التّاءِ مَعَ الهَمْزِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: " هُيِّئْتُ لَكَ " بِرَفْعِ الهاءِ والتّاءِ وبِياءٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ ساكِنَةٌ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: " ها أنا لَكَ " . وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الهاءِ والتّاءِ بِغَيْرِ هَمْزٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وهو أجْوَدُ اللُّغاتِ، وأكْثَرُها في كَلامِ العَرَبِ، ومَعْناها: هَلُمَّ لَكَ، أيْ: أقْبِلْ عَلى ما أدْعُوكَ إلَيْهِ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎ أبْلِغْ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أخا العِراقِ إذا أتَيْتا أنَّ العِراقَ وأهْلَهُ عُنُقٌ إلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتا

أيْ: فَأقْبِلْ وتَعالَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ هَيَّتَ فَلانٌ لِفُلانٍ: إذا دَعاهُ وصاحَ بِهِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ قَدْ رابَنِي أنَّ الكَرِيَّ أسْكَتا ∗∗∗ لَوْ كانَ مَعْنِيًّا بِها لَهَيَّتا

أيْ: صارَ ذا سُكُوتٍ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ: " هَيْتَ لَكَ " بِأيِّ لُغَةٍ هي، عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها عَرَبِيَّةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ قِيلَ: إنَّها مِن كَلامِ (p-٢٠٣)قُرَيْشٍ، إلّا أنَّها مِمّا دَرَسَ وقَلَّ في أفْواهِهِمْ آخِرًا، فَأتى اللَّهُ بِهِ، لِأنَّ أصْلَهُ مِن كَلامِهِمْ، وهَذِهِ الكَلِمَةُ لا مَصْدَرَ لَها، ولا تَصَرُّفَ، ولا تَثْنِيَةَ، ولا جَمْعَ، ولا تَأْنِيثَ، يُقالُ لِلِاثْنَيْنِ: هَيْتَ لَكُما، ولِلْجَمِيعِ: هَيْتَ لَكم، ولِلنِّسْوَةِ: هَيْتَ لَكُنَّ.

والثّانِي: أنَّها بِالسُّرْيانِيَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: بِالحَوْرانِيَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، والكِسائِيُّ. وقالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: إنَّها لُغَةٌ لَأهِلَ حَوَرانَ، سَقَطَتْ إلى أهْلِ مَكَّةَ فَتَكَلَّمُوا بِها.

والرّابِعُ: أنَّها بِالقِبْطِيَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَصْدَرٌ، والمَعْنى: أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أفْعَلَ هَذا، يُقالُ عُذْتُ عِياذًا ومَعاذًا ومَعاذَةً. ﴿إنَّهُ رَبِّي﴾ أيْ: إنَّ العَزِيزَ صاحِبِي " أحْسَنَ مَثْوايَ "، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " إنَّهُ رَبِّي " يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ﴿أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ أيْ: تَوَلّانِي في طُولِ مُقامِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: إنْ فَعَلْتُ هَذا فَخُنْتُهُ في أهْلِهِ بَعْدَما أكْرَمَنِي فَأنا ظالِمٌ. وقِيلَ: الظّالِمُونَ هاهُنا: الزُّناةُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском