Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:44–52
12:44Page 241
قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ ٤٤
They said, "[It is but] a mixture of false dreams, and we are not learned in the interpretation of dreams."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: واحِدُها ضِغْثٌ مَكْسُورَةً، وهي ما لا تَأْوِيلَ لَهُ مِنَ الرُّؤْيا تَراهُ جَماعاتٍ، تُجْمَعُ مِنَ الرُّؤْيا كَما يُجْمَعُ الحَشِيشُ، فَيُقالُ: ضِغْثٌ، أيْ: مَلْءُ كَفٍّ مِنهُ. وقالَ الكِسائِيُّ: الأضْغاثُ: الرُّؤْيا المُخْتَلِطَةُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " أضْغاثُ أحْلامٍ " أيْ: أخْلاطٌ مِثْلُ أضْغاثِ النَّباتِ يَجْمَعُها الرَّجُلُ، فَيَكُونُ فِيها ضُرُوبٌ مُخْتَلِفَةٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: الضِّغْثُ في اللُّغَةِ: الحِزْمَةُ والباقَةُ مِنَ الشَّيْءِ، كالبَقْلِ وما أشْبَهَهُ، فَقالُوا لَهُ: رُؤْياكَ أخْلاطٌ أضْغاثٌ، أيْ: حِزَمٌ أخْلاطٌ، لَيْسَتْ بِرُؤْيا بَيِّنَةٍ، " وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ " أيْ: لَيْسَ لِلرُّؤْيا المُخْتَلِطَةِ عِنْدَنا تَأْوِيلٌ. وقالَ غَيْرُهُ: وما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ الَّذِي هَذا وصَفُها بِعالِمِينَ. والأحْلامُ: جَمَعَ حُلُمٍ، وهو ما يَراهُ الإنْسانُ في نَوْمِهِ مِمّا يَصِحُّ ومِمّا يَبْطُلُ.
12:45–48Page 241
وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ ٤٥
But the one who was freed and remembered after a time said, "I will inform you of its interpretation, so send me forth."
يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٤٦
[He said], "Joseph, O man of truth, explain to us about seven fat cows eaten by seven [that were] lean, and seven green spikes [of grain] and others [that were] dry - that I may return to the people [i.e., the king and his court]; perhaps they will know [about you]."
قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ ٤٧
[Joseph] said, "You will plant for seven years consecutively; and what you harvest leave in its spikes, except a little from which you will eat.
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ ٤٨
Then will come after that seven difficult [years] which will consume what you advanced [i.e., saved] for them, except a little from which you will store.
(p-٢٣١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما﴾ يَعْنِي الَّذِي تَخَلَّصَ مِنَ القَتْلِ مِنَ الفَتَيَيْنِ، وهو السّاقِي، و " ادَّكَرَ " أيْ: تَذَكَّرُ شَأْنَ يُوسُفَ وما وصّاهُ بِهِ، قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ ادَّكَرَ: اذْتَكَرَ، ولَكِنَّ التّاءَ أُبْدِلَتْ مِنها الدّالُ، وأُدْغِمَتِ الذّالُ في الدّالِ. وقَرَأ الحَسَنُ: " واذَّكَرْ " بِالذّالِ المُشَدَّدَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أيْ: بَعْدَ حِينٍ، وهو الزَّمانُ الَّذِي لَبِثَهُ يُوسُفُ بَعْدَهُ في السِّجْنِ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ " بَعْدَ أُمَّةٍ " أرادَ: بَعْدَ نِسْيانٍ.
فَإنْ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ النّاسِيَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ هو السّاقِي، ولا شَكَّ أنَّ مَن قالَ: إنَّ النّاسِيَ يُوسُفُ يَقُولُ: لَمْ يَنْسَ السّاقِي.
فالجَواب أنَّ مَن قالَ: إنَّ يُوسُفَ نَسِيَ، يَقُولُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وادَّكَرَ﴾ ذَكَرَ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: احْتَلَبَ بِمَعْنى حَلَبَ، واغْتَدى بِمَعْنى غَدا، فَلا يَدُلُّ إذًا عَلى نِسْيانٍ سَبَقَهُ. وقَدْ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: إنَّما لَمْ يَذْكُرِ السّاقِي خَبَرَ يُوسُفَ لِلْمَلِكِ حَتّى احْتاجَ المَلِكُ إلى تَأْوِيلِ رُؤْياهُ، خَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ لِيُوسُفَ سَبَبًا لِذِكْرِهِ الذَّنْبَ الَّذِي مِن أجْلِهِ حُبِسَ، ذَكَرَ هَذا الجَوابَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنا أُنَبِّئُكم بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ: مِن جِهَةِ يُوسُفَ ﴿فَأرْسِلُونِ﴾ أثْبَتَ الياءَ فِيها وفي ﴿وَلا تَقْرَبُونِ﴾ [يُوسُفَ:٦٠] ﴿أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يُوسُفَ:٩٤] يَعْقُوبُ في الحالَيْنِ، فَخاطَبَ المَلِكَ وحْدَهُ بِخِطابِ الجَمِيعِ، تَعْظِيمًا، وقِيلَ: خاطَبَهُ وخاطَبَ أتْباعَهُ. وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ، المَعْنى: فَأرْسَلُوهُ فَأتى يُوسُفَ فَقالَ: يا يُوسُفُ يا أيُّها الصِّدِّيقُ. والصِّدِّيقُ: الكَثِيرُ الصِّدْقِ، كَما يُقالُ: فِسِّيقٌ، وسِكِّيرٌ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [النِّساءِ:٦٩] .
(p-٢٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ يَعْنِي المَلِكَ وأصْحابَهُ والعُلَماءَ الَّذِينَ جَمَعَهم لِتَعْبِيرِ رُؤْياهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ رُؤْيا المَلِكِ. والثّانِي: يَعْلَمُونَ بِمَكانِكَ فَيَكُونُ سَبَبَ خَلاصِكَ.
وَذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: في تَكْرِيرِ " لِعَلِّي " قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ " لَعَلَّ " الأوْلى مُتَعَلِّقَةٌ بِالإفْتاءِ. والثّانِيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى الرُّجُوعِ. وكِلْتاهُما بِمَعْنى " كَيْ " .
والثّانِي: أنَّ الأوْلى بِمَعْنى " عَسى "، والثّانِيَةَ بِمَعْنى " كَيْ " فَأُعِيدَتْ لِاخْتِلافِ المَعْنَيَيْنِ، وهَذا هو الجَوابُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [يُوسُفَ:٦٣] . قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ سَيِّدُهُ العَزِيزُ قَدْ ماتَ. واشْتَغَلَتْ عَنْهُ امْرَأتُهُ. وقالَ بَعْضُهم: لَمْ يَكُنِ العَزِيزُ قَدْ ماتَ، فَقالَ يُوسُفُ لِلسّاقِي: قُلْ لِلْمَلِكِ: هَذِهِ سَبْعُ سِنِينَ مُخْصِباتٌ، ومِن بَعْدِهِنَّ سَبْعُ سِنِينَ شِدادٌ، إلّا أنْ يُحْتالَ لَهُنَّ، فانْطَلَقَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ. فَقالَ لَهُ المَلِكُ: ارْجِعْ إلَيْهِ فَقُلْ: لَهُ كَيْفَ يَصْنَعُ ؟ فَقالَ: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " دَأْبًا " ساكِنَةَ الهَمْزَةِ، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو كانَ إذا أدْرَجَ القِراءَةَ لَمْ يَهْمِزْها. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ " دَأبًا " بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأكْثَرُ في " دَأبَ " الإسْكانُ، ولَعَلَّ الفَتْحَ لُغَةٌ، ومَعْنى " دَأبًا " أيْ: زِراعَةً مُتَوالِيَةً عَلى عادَتِكم، والمَعْنى: تَزْرَعُونَ دائِبِينَ. فَنابَ " دَأبَ " عَنْ " دائِبِينَ " . وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: تَدْأبُونَ دَأبًا، ودَلَّ عَلى تَدْأبُونَ " تَزْرَعُونَ " والدَّأْبُ: المُلازَمَةُ لِلشَّيْءِ والعادَةِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ حَكَمَ بِعِلْمِ الغَيْبِ، فَقالَ: ﴿تَزْرَعُونَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ ؟ فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ:
(p-٢٣٣)أحَدُها: أنَّهُ كانَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. والثّانِي: أنَّهُ بَنى عَلى عِلْمِ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ التَّأْوِيلِ الحَقِّ، فَلَمْ يَشُكَّ. والثّالِثُ: أنَّهُ أضْمَرَ " إنْ شاءَ اللَّهُ " كَما أضْمَرَ إخْوَتُهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿وَنَمِيرُ أهْلَنا ونَحْفَظُ أخانا﴾ [يُوسُفَ:٦٥] فَأضْمَرُوا الِاسْتِثْناءَ في نِيّاتِهِمْ لِأنَّهم عَلى غَيْرِ ثِقَةٍ مِمّا وعَدُوا، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. والرّابِعُ: أنَّهُ كالآمِرِ لَهم، فَكَأنَّهُ قالَ: ازْرَعُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَرُوهُ في سُنْبُلِهِ﴾ فَإنَّهُ أبْقى لَهُ، وأبْعَدُ مِنَ الفَسادِ، والشِّدادُ: المُجْدِباتُ الَّتِي تَشْتَدُّ عَلى النّاسِ. " يَأْكُلْنَ " أيْ: يُذْهِبْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ في السِّنِينَ المُخْصِباتِ، فَوَصَفَ السِّنِينَ بِالأكْلِ، وإنَّما يُؤْكَلُ فِيها، كَما يُقالُ: لَيْلٌ نائِمٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ أيْ: تُحْرِزُونَ وتَدَّخِرُونَ.
12:49Page 241
ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ ٤٩
Then will come after that a year in which the people will be given rain and in which they will press [olives and grapes]."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ﴾ إنْ قِيلَ: لِمَ أشارَ إلى السِّنِينَ وهي مُؤَنَّثَةٌ بِـ " ذَلِكَ " ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ ذَكَرَهُما ابْنُ القاسِمِ:
أحَدُهُما: أنَّ السَّبْعَ مُؤَنَّثَةٌ، ولا عَلامَةَ لِلتَّأْنِيثِ في لَفْظِها، فَأشْبَهَتِ المُذَكَّرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المُزَّمِّلِ:١٨] فَذَكَّرَ مُنْفَطِرًا لَمّا لَمْ يَكُنْ في السَّماءِ عَلَمُ التَّأْنِيثِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ فَلا مُزْنَةٌ ودَقَتْ ودْقَها ولا أرْضٌ أبَقَلَ إبْقالَها
فَذَكَّرَ " أبَقَلَ " لِما وصَفْنا.
(p-٢٣٤)والثّانِي: أنَّ " ذَلِكَ " إشارَةٌ إلى الجَدْبِ، وهَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ، والأوَّلُ قَوْلُ الكَلْبِيِّ. قالَ قَتادَةُ: زادَهُ اللَّهُ عِلْمَ عامٍ لَمْ يَسْألُوهُ عَنْهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: يُصِيبُهُمُ الغَيْثُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: يُغاثُونَ بِالخِصْبِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: " يَعْصِرُونَ " بِالياءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالتّاءِ، فَوَجَّها الخِطابَ إلى المُسْتَفْتِينَ.
وَفِي قَوْلِهِ: " يَعْصِرُونَ " خَمْسَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: يَعْصِرُونَ العِنَبَ والزَّيْتَ والثَّمَراتِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: يَعْصِرُونَ بِمَعْنى يَحْتَلِبُونَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أحْمَدَ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: تَفْسِيرُ " يَعْصِرُونَ " يَحْتَلِبُونَ الألْبانَ لِسَعَةِ خَيْرِهِمْ واتِّساعِ خِصْبِهِمْ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ فَما عِصْمَةُ الأعْرابِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهم ∗∗∗ طَعامٌ ولا دَرٌّ مِنَ المالِ يُعْصَرُ
أيْ: يُحْلَبُ.
والثّالِثُ: يَنْجُونَ، وهو مِنَ العَصَرِ، والعَصَرِ: النَّجاءُ، والعُصْرَةُ: المَنجاةُ. ويُقالُ: فُلانٌ في عُصْرَةٍ: إذا كانَ في حِصْنٍ لا يُقْدَرُ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٣٥)
؎ صادِيًا يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغاثٍ ∗∗∗ ولَقَدْ كانَ عُصْرَةَ المَنجُودِ
أيْ: غِياثًا لِلْمَغْلُوبِ المَقْهُورِ، وقالَ عَدِيٌّ:
؎ لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقٌ ∗∗∗ كُنْتُ كالغَصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي
والرّابِعُ: يُصِيبُونَ ما يُحِبُّونَ، رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أيْضًا أنَّهُ قالَ: المُعْتَصِرُ: الَّذِي يُصِيبُ الشَّيْءَ ويَأْخُذُهُ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ:
؎ فَإنَّما العَيْشُ بِرَيّانِهِ ∗∗∗ وأنْتَ مِن أفْنانِهِ مُعْتَصَرُ
والخامِسُ: يُعْطُونَ ويُفْضِلُونَ لِسَعَةِ عَيْشِهِمْ، رَواهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: " يُعْصَرُونَ " بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أرادَ يُمْطَرُونَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ [النَّبَإ:١٤] .
12:50–51Page 241
وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيۡدِهِنَّ عَلِيمٞ ٥٠
And the king said, "Bring him to me." But when the messenger came to him, [Joseph] said, "Return to your master and ask him what is the case of the women who cut their hands. Indeed, my Lord is Knowing of their plan."
قَالَ مَا خَطۡبُكُنَّ إِذۡ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِۦۚ قُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمۡنَا عَلَيۡهِ مِن سُوٓءٖۚ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡـَٰٔنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٥١
Said [the king to the women], "What was your condition when you sought to seduce Joseph?" They said, "Perfect is Allāh!1 We know about him no evil." The wife of al-ʿAzeez said, "Now the truth has become evident. It was I who sought to seduce him, and indeed, he is of the truthful.
(p-٢٣٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا رَجَعَ السّاقِي إلى المَلِكِ وأخْبَرَهُ بِتَأْوِيلِ رُؤْياهُ، وقَعَ في نَفْسِهِ صِحَّةُ ما قالَ، فَقالَ: ائْتُونِي بِالَّذِي عَبَّرَ رُؤْيايَ، فَجاءَهُ الرَّسُولُ، فَقالَ: أجِبِ المَلِكَ، فَأبى أنْ يَخْرُجَ حَتّى تُبَيَّنَ بَراءَتُهُ مِمّا قُرِفَ بِهِ، فَقالَ: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ يَعْنِي المَلِكَ ﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " النُّسْوَةِ " بِضَمِّ النُّونِ، والمَعْنى: فاسْألِ المَلِكَ أنْ يَتَعَرَّفَ ما شَأْنُ تِلْكَ النِّسْوَةِ وحالُهُنَّ لِيَعْلَمَ صِحَّةَ بَراءَتِي، وإنَّما أشْفَقَ أنْ يَراهُ المَلِكُ بِعَيْنِ مَشْكُوكٍ في أمْرِهِ أوْ مُتَّهَمٍ بِفاحِشَةٍ، وأحَبَّ أنْ يَراهُ بَعْدَ اسْتِقْرارِ بَراءَتِهِ عِنْدَهُ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ أنَّهُ يَعْنِي اللَّهَ تَعالى، وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّهُ أرادَ بِهِ سَيِّدَهُ العَزِيزَ، والمَعْنى: أنَّهُ يَعْلَمُ بَراءَتِي. وقَدْ رُوِيَ عَنْ نَبِيِّنا ﷺ أنَّهُ اسْتَحْسَنَ حَزْمَ يُوسُفَ وصَبْرَهُ عَنِ التَّسَرُّعِ إلى الخُرُوجِ، فَقالَ ﷺ: " «إنَّ الكَرِيمَ بْنَ الكَرِيمِ بْنِ الكَرِيمِ [ابْنِ الكَرِيمِ] يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ لَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسُفُ، ثُمَّ جاءَنِي الدّاعِي لَأجَبْتُ» " .
وَفِي ذِكْرِهِ لِلنِّسْوَةِ دُونَ امْرَأةِ العَزِيزِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ خَلَطَها بِالنِّسْوَةِ، لِحُسْنِ عِشْرَةٍ فِيهِ وأدَبٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّانِي: لِأنَّها زَوْجَةُ مَلِكٍ، فَصانَها. والثّالِثُ: لِأنَّ النِّسْوَةَ شاهِداتٌ عَلَيْها لَهُ. والرّابِعُ: لِأنَّ في ذِكْرِهِ لَها نَوْعَ تُهْمَةٍ، ذَكَرَ الأقْوالَ الثَّلاثَةَ الماوَرْدِيُّ. قالَ المُفَسِّرُونَ: فَرَجَعَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ بِرِسالَةِ يُوسُفَ، فَدَعا المَلِكُ النِّسْوَةَ وفِيهِنَّ (p-٢٣٧)امْرَأةُ العَزِيزِ، فَقالَ: ﴿ما خَطْبُكُنَّ﴾ أيْ: ما شَأْنُكُنَّ وقِصَّتُكُنَّ ﴿إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: إنَّما راوَدَتْهُ واحِدَةٌ، فَلِمَ جَمَعَهُنَّ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ:
أحَدُها: أنَّهُ جَمَعَهُنَّ في السُّؤالِ لِيَعْلَمَ عَيْنَ المُراوَدَةِ. والثّانِي: أنَّ أزْلِيخا راوَدَتْهُ عَلى نَفْسِهِ، وراوَدَهُ باقِي النِّسْوَةِ عَلى القَبُولِ مِنها. والثّالِثُ: أنَّهُ جَمَعَهُنَّ في الخِطابِ، والمَعْنى لِواحِدَةٍ مِنهُنَّ، لِأنَّهُ قَدْ يُوقَعُ عَلى النَّوْعِ وصْفُ الجنْسِ إذا أُمِنَ مِنَ اللَّبْسِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيَّ ﷺ لِلنِّساءِ: " «إنَّكُنَّ أكْثَرُ أهْلِ النّارِ» "، فَجَمَعَهُنَّ في الخِطابِ والمَعْنى لِبَعْضِهِنَّ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَرَأ الحَسَنُ بِتَسْكِينِ الشِّينِ، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الإسْكانَ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَجُوزُ، ولا هو مِن كَلامِ العَرَبِ. فَأعْلَمَ النِّسْوَةُ المَلِكَ بَراءَةَ يُوسُفَ مِنَ السُّوءِ، فَقالَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ أيْ: بَرَزَ وتَبَيَّنَ، واشْتِقاقُهُ في اللُّغَةِ مِنَ الحِصَّةِ، أيْ: بانَتْ حِصَّةُ الحَقِّ وجِهَتُهُ مِن حِصَّةِ جِهَةِ الباطِلِ. وقالَ ابْنُ القاسِمِ: (p-٢٣٨)" حَصْحَصَ " بِمَعْنى وضُحَ وانْكَشَفَ، تَقُولُ العَرَبُ: حَصْحَصَ البَعِيرُ في بُرُوكِهِ: إذا تَمَكَّنَ، وأثَّرَ في الأرْضِ، وفَرَّقَ الحَصى.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في ابْتِداءِ أزْلِيخا بِالإقْرارِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها لَمّا رَأتِ النِّسْوَةَ قَدْ بَرَّأْنَهُ، قالَتْ: لَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقْبِلْنَ عَلىَّ بِالتَّقْرِيرِ، فَأقَرَّتْ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّها أظْهَرَتِ التَّوْبَةُ وحَقَّقَتْ صِدْقَ يُوسُفَ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ.
12:52Page 241
ذَٰلِكَ لِيَعۡلَمَ أَنِّي لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَيۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ ٥٢
That is so he [i.e., al-ʿAzeez] will know that I did not betray him in [his] absence and that Allāh does not guide the plan of betrayers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: " ذَلِكَ " بِمَعْنى هَذا. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ هَذا وذَلِكَ يَصْلُحانِ في هَذا المَوْضِعِ وأشْباهِهِ، لِقُرْبِ الخَبَرِ مِن أصْحابِهِ، فَصارَ كالمُشاهَدِ الَّذِي يُشارُ إلَيْهِ بِهَذا، ولَمّا كانَ مُتَقَضِّيًا، أمْكَنَ أنْ يُشارَ إلَيْهِ بِذَلِكَ، لِأنَّ المُتَقَضِّي كالغائِبِ.
واخْتَلَفُوا في القائِلِ لِهَذا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ يُوسُفُ، وهو مِن أغْمَضِ ما يَأْتِي مِنَ الكَلامِ أنْ تَحْكِيَ عَنْ شَخْصٍ شَيْئًا ثُمَّ تَصِلَهُ بِالحِكايَةِ عَنْ آخَرَ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾ [الأعْرافِ:١١٠] هَذا قَوْلُ المَلَإ ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ قَوْلُ فِرْعَوْنَ ومِثْلُهُ ﴿وَجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾ [النَّمْلِ:٣٤] هَذا قَوْلُ بِلْقِيسَ ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى. ومِثْلُهُ ﴿مَن بَعَثَنا مَن مَرْقَدِنا﴾ [يَس:٥٢] هَذا قَوْلُ الكُفّارِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ وإنَّما يَجُوزُ مِثْلُ هَذا في الكَلامِ، لِظُهُورِ الدَّلالَةِ عَلى المَعْنى.
(p-٢٣٩)واخْتَلَفُوا، أيْنَ قالَ يُوسُفُ هَذا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما أنَّهُ لَمّا رَجَعَ السّاقِي إلى يُوسُفَ فَأخْبَرَهُ وهو في السِّجْنِ بِجَوابِ امْرَأةِ العَزِيزِ والنِّسْوَةِ لِلْمَلِكِ، قالَ حِينَئِذٍ: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: أنَّهُ قالَهُ بَعْدَ حُضُورِهِ مَجْلِسَ المَلِكِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي فَعَلْتُ مِن رَدِّي رَسُولَ المَلِكِ لِيَعْلَمَ.
واخْتَلَفُوا في المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿لَمْ أخُنْهُ﴾ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ العَزِيزُ، والمَعْنى: لِيَعْلَمَ العَزِيزُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ في امْرَأتِهِ ﴿بِالغَيْبِ﴾ أيْ: إذا غابَ عَنِّي، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ المَلِكُ، والمُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ أخُنْهُ﴾ العَزِيزُ، والمَعْنى: لِيَعْلَمَ المَلِكُ أنِّي لَمْ أخُنِ العَزِيزَ في أهْلِهِ بِالغَيْبِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِالشَّيْئَيْنِ، المَلِكُ، فالمَعْنى: لِيَعْلَمَ المَلِكُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ، يَعْنِي المَلِكَ أيْضًا، بِالغَيْبِ.
وَفِي وجْهِ خِيانَةِ المَلِكِ في ذَلِكَ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: لِكَوْنِ العَزِيزِ وزِيرَهُ، فالمَعْنى: لَمْ أخُنْهُ في امْرَأةِ وزِيرِهِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والثّانِي: لَمْ أخُنْهُ في بِنْتِ أُخْتِهِ، وكانَتْ أزْلِيخا بِنْتَ أُخْتِ المَلِكِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
(p-٢٤٠)والرّابِعُ: أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ اللَّهُ، فالمَعْنى لِيَعْلَمَ اللَّهُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: نَسَبَ العِلْمَ إلى اللَّهِ في الظّاهِرِ، وهو في المَعْنى لِلْمَخْلُوقِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكُمْ﴾ [مُحَمَّدٍ:٣١] .
فَإنْ قِيلَ: إنْ كانَ يُوسُفُ قالَ هَذا في مَجْلِسِ المَلِكِ، فَكَيْفَ قالَ: " لِيَعْلَمَ " ولَمْ يَقُلْ: لِتَعْلَمَ، وهو يُخاطِبُهُ ؟
فالجَوابُ: أنّا إنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ حاضِرًا عِنْدَ المَلِكِ، فَإنَّما آثَرَ الخِطابَ بِالياءِ تَوْقِيرًا لِلْمَلِكِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِلْوَزِيرِ: إنْ رَأى الوَزِيرُ أنْ يُوقِّعَ في قِصَّتِي. وإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ غائِبًا، فَلا وجْهَ لِدُخُولِ التّاءِ، وكَذَلِكَ إنْ قُلْنا: إنَّهُ عَنى العَزِيزَ، والعَزِيزُ غائِبٌ عَنْ مَجْلِسِ المَلِكِ حِينَئِذٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ امْرَأةِ العَزِيزِ، فَعَلى هَذا يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ، والمَعْنى: لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ في غَيْبَتِهِ الآنَ بِالكَذِبِ عَلَيْهِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ العَزِيزِ، والمَعْنى: لِيَعْلَمَ يُوسُفُ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ، فَلَمْ أغْفُلْ عَنْ مُجازاتِهِ عَلى أمانَتِهِ، حَكى القَوْلَيْنِ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يُصَوِّبُ عَمَلَ الزُّناةِ، وقالَ غَيْرُهُ: لا يُرْشِدُ مَن خانَ أمانَتَهُ ويَفْضَحُهُ في عاقِبَتِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences