Ibn al-JawziAr‑Ra'd · 13:34–43

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Ar-Ra'd 13:34–43

13:34Page 253

لَّهُمۡ عَذَابٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَقُّۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٣٤

For them will be punishment in the life of [this] world, and the punishment of the Hereafter is more severe. And they will not have from Allāh any protector.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهو القَتْلُ، والأسْرُ، والسَّقَمُ، فَهو لَهم في الدُّنْيا عَذابٌ، ولِلْمُؤْمِنِينَ كَفّارَةٌ، " ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ " أيْ: أشَدُّ ﴿وَما لَهم مِنَ اللَّهِ مِنَ واقٍ﴾ أيْ: مانِعٌ يَقِيهِمْ عَذابَهُ.

13:35Page 254

۞ مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ٣٥

The example [i.e., description] of Paradise, which the righteous have been promised, is [that] beneath it rivers flow. Its fruit is lasting, and its shade. That is the consequence for the righteous, and the consequence for the disbelievers is the Fire.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ أيْ: صِفَتُها أنَّ الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِها، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ثَعْلَبٌ: خَبَرُ المَثَلِ مُضْمَرٌ قَبْلَهُ، والمَعْنى: فِيما نَصِفُ لَكم مَثَلُ الجَنَّةِ، وفِيما نَقُصُّهُ عَلَيْكم خَبَرُ الجَنَّةِ ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ قالَ الحَسَنُ: يُرِيدُ أنَّ ثِمارَها لا تَنْقَطِعُ كَثِمارِ الدُّنْيا " وظِلُّها " لِأنَّهُ لا يَزُولُ ولا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ: عاقِبَةُ أمْرِهِمُ المَصِيرُ إلَيْها.

13:36Page 254

وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَۖ وَمِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ مَن يُنكِرُ بَعۡضَهُۥۚ قُلۡ إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشۡرِكَ بِهِۦٓۚ إِلَيۡهِ أَدۡعُواْ وَإِلَيۡهِ مَـَٔابِ ٣٦

And [the believers among] those to whom We have given the [previous] Scripture rejoice at what has been revealed to you, [O Muḥammad], but among the [opposing] factions are those who deny part of it [i.e., the Qur’ān]. Say, "I have only been commanded to worship Allāh and not associate [anything] with Him. To Him I invite, and to Him is my return."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

(p-٣٣٥)أحَدُها: أنَّهم مُسْلِمُو اليَهُودِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ.

والثّانِي: أنَّهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: مُؤْمِنُو أهْلٍ الكِتابَيْنِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْهِ: القُرْآنُ، فَرِحَ بِهِ المُسْلِمُونَ وصَدَّقُوهُ، وفَرِحَ بِهِ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، لِأنَّهُ صَدَّقَ ما عِنْدَهم. وقِيلَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ مِن أهْلِ الكِتابِ، ساءَهم قِلَّةُ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ في القُرْآنِ مَعَ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ في التَّوْراةِ. فَلَمّا نَزَلَ ذِكْرُهُ فَرِحُوا، وكَفَرَ المُشْرِكُونَ بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

فَأمّا الأحْزابُ، فَهُمُ الكُفّارُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالمُعاداةِ، وفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ وآلُ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ العُزّى، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: كُفّارُ قُرَيْشٍ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي بَعْضِهِ الَّذِي أنْكَرُوهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ ذِكْرُ الرَّحْمَنِ والبَعْثِ ومُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهم عَرَفُوا بَعْثَةَ الرَّسُولِ في كُتُبِهِمْ وأنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ.

والثّالِثُ: أنَّهم عَرَفُوا صِدْقَهُ، وأنْكَرُوا تَصْدِيقَهُ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.

13:37Page 254

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا وَاقٖ ٣٧

And thus We have revealed it as an Arabic legislation.1 And if you should follow their inclinations after what has come to you of knowledge, you would not have against Allāh any ally or any protector.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ﴾ أيْ: وكَما أنْزَلَنا الكُتُبَ عَلى الأنْبِياءِ (p-٣٣٦)بِلُغاتِهِمْ، أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ ما فِيهِ مِنَ الفَرائِضِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دَيْنًا عَرَبِيًّا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ

أحَدُهُما: في صَلاتِكَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ " بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ " أنَّ قِبْلَتَكَ الكَعْبَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: في قَبُولِ ما دَعَوْكَ إلَيْهِ مِن مِلَّةِ آبائِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنَ ولِيٍّ﴾ أيْ: ما لَكَ مِن عَذابِ اللَّهِ مِن قَرِيبٍ يَنْفَعُكَ ﴿وَلا واقٍ﴾ يَقِيكَ.

13:38Page 254

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ ٣٨

And We have already sent messengers before you and assigned to them wives and descendants. And it was not for a messenger to come with a sign except by permission of Allāh. For every term is a decree.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ. . .﴾ الآيَةُ، سَبَبُ نُزُولِها أنَّ اليَهُودَ عَيَّرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَثْرَةِ التَّزْوِيجِ، وقالُوا: لَوْ كانَ نَبِيًّا كَما يَزْعُمُ، شَغَلَتْهُ النُّبُوَّةُ عَنْ تَزْوِيجِ النِّساءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَكَ كانُوا بَشَرًا لَهم أزْواجٌ، يَعْنِي النِّساءَ، وذُرِّيَّةٌ، يَعْنِي الأوْلادَ. " ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾: " أيْ: بِأمْرِهِ، وهَذا جَوابٌ لِلَّذِينِ اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ الآياتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: لِكُلِّ أجَلٍ مِن آجالِ الخَلْقِ كِتابٌ عِنْدَ اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ، والمَعْنى: لِكُلِّ كِتابٍ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ أجَلٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ والفَرّاءُ.

(p-٣٣٧)والثّالِثُ: لِكُلِّ أجَلٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ولِكُلِّ أمْرٍ قَضاهُ، كِتابٌ أُثْبِتَ فِيهِ، ولا تَكُونُ آيَةٌ ولا غَيْرُها إلّا بِأجَلٍ قَدْ قَضاهُ اللَّهُ في كِتابٍ، هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ جَرِيرٍ.

13:39Page 254

يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ ٣٩

Allāh eliminates what He wills or confirms, and with Him is the Mother of the Book.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: " ويُثْبِتُ " ساكِنَةَ الثّاءِ خَفِيفَةَ الباء. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " ويُثَبِّتُ " مُشَدَّدَةَ الباءِ مَفْتُوحَةَ الثّاءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: ويُثَبِّتُهُ، فاسْتَغْنى بِتَعْدِيَةِ الأوَّلِ مِنَ الفِعْلَيْنِ عَنْ تَعْدِيَةِ الثّانِي.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالَّذِي يَمْحُو ويُثْبِتُ عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ عامٌّ في الرِّزْقِ، والأجَلِ، والسَّعادَةِ، والشَّقاوَةِ، وهَذا مَذْهَبُ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي وائِلٍ، والضَّحّاكِ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّهُ النّاسِخُ والمَنسُوخُ، فَيَمْحُو المَنسُوخَ، ويُثْبِتُ النّاسِخَ، رَوى هَذا المَعْنى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والقُرَظِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: يَنْسَخُ مِنَ القُرْآنِ ما يَشاءُ ﴿وَيُثْبِتُ﴾ أيْ: يَدَعُهُ ثابِتًا لا يَنْسَخُهُ، وهو المُحْكَمُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يَمْحُو ما يَشاءُ، ويُثْبِتُ، إلّا الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ، والحَياةَ والمَوْتَ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ ما رَوى مُسْلِمٌ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إذا مَضَتْ عَلى النُّطْفَةِ خَمْسٌ وأرْبَعُونَ لَيْلَةً، يَقُولُ المَلَكُ المُوَكَّلُ: أذَكَرٌ أمْ أُنْثى ؟ فَيَقْضِي (p-٣٣٨)اللَّهُ تَعالى، ويَكْتُبُ المَلَكُ، فَيَقُولُ: أشَقِىٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ، ويَكْتُبُ المَلَكُ، فَيَقُولُ: عَمَلُهُ وأجَلُهُ ؟ فَيَقْضِي اللَّهُ، ويَكْتُبُ المَلَكُ،ثُمَّ تُطْوى الصَّحِيفَةُ، فَلا يُزادُ فِيها ولا يُنْقَصُ مِنها» " .

والرّابِعُ: يَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، إلّا الشَّقاوَةَ والسَّعادَةَ لا يُغَيَّرانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: يَمْحُو مَن جاءَ أجْلُهُ، ويُثْبِتُ مَن لَمْ يَجِئْ أجْلُهُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والسّادِسُ: يَمْحُو مِن ذُنُوبِ عِبادِهِ ما يَشاءُ فَيَغْفِرُها، ويُثْبِتُ ما يَشاءُ فَلا يَغْفِرُها، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والسّابِعُ: يَمْحُو ما يَشاءُ بِالتَّوْبَةِ، ويُثْبِتُ مَكانَها حَسَناتٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّامِنُ: يَمْحُو مِن دِيوانِ الحَفَظَةِ ما لَيْسَ فِيهِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ، ويَثْبُتُ ما فِيهِ ثَوابٌ وعِقابٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وأبُو صالِحٍ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: القَوْلُ كُلُّهُ يُكْتَبُ، حَتّى إذا كانَ في يَوْمِ الخَمِيسِ، طُرِحَ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ ثَوابٌ ولا عِقابٌ، مِثْلُ قَوْلِكَ: أكَلْتُ، شَرِبْتُ، دَخَلْتُ، خَرَجْتُ، ونَحْوُهُ، وهو صادِقٌ، ويُثْبِتُ ما فِيهِ الثَّوابُ والعِقابُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُ الكِتابِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: (p-٣٣٩)وَهُوَ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي أُثْبِتَ فِيهِ ما يَكُونُ ويَحْدُثُ. ورَوى أبُو الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «إنَّ اللَّهَ تَعالى في ثَلاثِ ساعاتٍ يَبْقَيْنَ مِنَ اللَّيْلِ يَنْظُرُ في الكِتابِ الَّذِي لا يَنْظُرُ فِيهِ أحَدٌ غَيْرُهُ، فَيَمْحُو ما يَشاءُ ويُثْبِتُ» " . ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هُما كِتابانِ، كِتابٌ سِوى أُمِّ الكِتابِ يَمْحُو مِنهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ لا يُغَيَّرُ مِنهُ شَيْءٌ.

13:40Page 254

وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ ٤٠

And whether We show you part of what We promise them or take you in death, upon you is only the [duty of] notification, and upon Us is the account.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ وأنْتَ حَيٌّ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ أنْ نُرِيَكَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ إلّا أنْ تُبَلِّغَ، ﴿وَعَلَيْنا الحِسابُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي الجَزاءَ. ورَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ وفَرْضِ الجِهادِ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

13:41Page 254

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٤١

Have they not seen that We set upon the land, reducing it from its borders?1 And Allāh decides; there is no adjuster of His decision. And He is swift in account.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ:

(p-٣٤٠)أحَدُها: أنَّهُ ما يَفْتَحُ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ مِنَ الأرْضِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ. قالَ مُقاتِلٌ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ يَعْنِي: كَفّارَ مَكَّةَ، " أنّا نَأْتِي الأرْضَ " يَعْنِي: أرْضَ مَكَّةَ ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ يَعْنِي: ما حَوْلَها.

والثّانِي: أنَّها القَرْيَةُ تُخَرَّبُ حَتّى تَبْقى الأبْياتُ في ناحِيَتِها، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَقْصُ أهْلِها وبَرَكَتِها، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ الشَّعْبِيُّ نَقْصُ الأنْفُسِ والثَّمَراتِ.

والرّابِعُ: أنَّهُ ذَهابُ فُقَهائِها وخِيارِ أهْلِها، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ مَوْتُ أهْلِها، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَتَعَقَّبُهُ أحَدٌ بِتَغْيِيرٍ ولا نَقْصٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى سُرْعَةِ الحِسابِ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:٢٠٢) .

13:42Page 254

وَقَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَلِلَّهِ ٱلۡمَكۡرُ جَمِيعٗاۖ يَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٖۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلۡكُفَّٰرُ لِمَنۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٤٢

And those before them had plotted, but to Allāh belongs the plan entirely. He knows what every soul earns, and the disbelievers will know for whom is the final home.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، (p-٣٤١)مَكَرُوا بِأنْبِيائِهِمْ يَقْصِدُونَ قَتْلَهم، كَما مَكَرَتْ قُرَيْشٌ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَقْتُلُوهُ. ﴿فَلِلَّهِ المَكْرُ جَمِيعًا﴾ يَعْنِي: أنَّ مَكْرَ الماكِرِينَ مَخْلُوقٌ لَهُ، ولا يَضُرُّ إلّا بِإرادَتِهِ؛ وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَسْكِينٌ لَهُ. ﴿يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، ولا يَقَعُ ضَرَرٌ إلّا بِإذْنِهِ. " وسَيَعْلَمُ الكافِرُ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: " وسَيَعْلَمُ الكافِرُ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: أبا جَهْلٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الكافِرُ هاهُنا: اسْمُ جِنْسٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " الكُفّارُ " عَلى الجَمْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ أيْ: لِمَنِ الجَنَّةُ آخِرَ الأمْرِ.

13:43Page 255

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسۡتَ مُرۡسَلٗاۚ قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ وَمَنۡ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡكِتَٰبِ ٤٣

And those who have disbelieved say, "You are not a messenger." Say, [O Muḥammad], "Sufficient is Allāh as Witness between me and you, and [the witness of] whoever has knowledge of the Scripture."1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. والثّانِي: كُفّارُ قُرَيْشٍ. ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أيْ: شاهِدًا ﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ بِما أظْهَرَ مِنَ الآياتِ، وأبانَ مِنَ الدَّلالاتِ عَلى نُبُوَّتِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهم عُلَماءُ اليَهُودِ والنَّصارى، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، كانُوا يَشْهَدُونَ بِالحَقِّ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، وتَمِيمٌ الدّارِيُّ، قالَهُ قَتادَةُ.

(p-٣٤٢)والرّابِعُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، قالَهُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ.

والسّادِسُ: أنَّهُ بِنْيامِينُ، قالَهُ شَمَّرُ.

والسّابِعُ: أنَّهُ اللَّهُ تَعالى، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ واحْتَجَّ لَهُ بِقِراءَةِ مَن قَرَأ: " ومِن عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتابُ " وهي قِراءَةُ ابْنِ السَّمَيْفَعِ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، ومُجاهِدٍ، وأبِي حَيْوَةَ. ورِوايَةِ ابْنِ أبِي سُرَيْجٍ عَنِ الكِسائِيِّ: " ومِن " بِكَسْرِ المِيمِ " عِنْدِهِ " بِكَسْرِ الدّالِ " عُلِمَ " بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ وفَتْحِ المِيمِ. " الكِتابُ " بِالرَّفْعِ. وقَرَأ الحَسَنُ " ومِن " بِكَسْرِ المِيمِ " عِنْدِهِ " بِكَسْرِ الدّالِ " عِلْمُ " بِكَسْرِ العَيْنِ وضَمِّ المِيمِ " الكِتابِ " مُضافٌ، كَأنَّهُ قالَ: أُنْزِلَ مِن عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском