Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:28–48
14:28–29Page 259
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ ٢٨
Have you not considered those who exchanged the favor of Allāh for disbelief1 and settled their people [in] the home of ruin?
جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٢٩
[It is] Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the settlement.
(p-٣٦٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ سَبْعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُمُ الأفْجَرانِ مِن قُرَيْشٍ: بَنُو أُمَيَّةَ، وبَنُو المُغِيرَةِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
والثّانِي: أنَّهم مُنافِقُو قُرَيْشٍ، رَواهُ أبُو الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ.
والثّالِثُ: بَنُو أُمَيَّةَ، وبَنُو المُغِيرَةِ، ورُؤَساءُ أهْلِ بَدْرٍ الَّذِينَ ساقُوا أهْلَ بَدْرٍ إلى بَدْرٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أهْلُ مَكَّةَ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
والخامِسُ: المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ بَدْرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.
والسّادِسُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا بِبَدْرٍ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مالِكٍ.
والسّابِعُ: أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وتَبْدِيلُهم نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، أنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِرَسُولِهِ، وأسْكَنَهم حَرَمَهُ، فَكَفَرُوا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، ودَعَوْا قَوْمَهم إلى الكُفْرِ بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾ أيِ: الهَلاكِ. ثُمَّ فَسَّرَ الدّارَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾ أيْ: يُقاسُونَ حَرَّها ﴿وَبِئْسَ القَرارُ﴾ أيْ: بِئْسَ المَقَرُّ هي.
14:30Page 259
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ ٣٠
And they have attributed to Allāh equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy yourselves, for indeed, your destination is the Fire."
(p-٣٦٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ قَدْ بَيَّناهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:٢٢)، واللّامُ في ﴿لِيُضِلُّوا﴾ لامُ العاقِبَةِ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُها (يُونُسَ:٨٨)، ومَن قَرَأ " لِيُضِلُّوا " بِضَمِّ الياءِ، أرادَ: لِيُضِلُّوا النّاسَ عَنْ دِينِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ أيْ: في حَياتِكُمُ الدُّنْيا، وهَذا وعِيدٌ لَهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ كانَ الكافِرُ مَرِيضًا لا يَنامُ، جائِعًا لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، لَكانَ هَذا نَعِيمًا يَتَمَتَّعُ بِهِ بِالقِياسِ إلى ما يَصِيرُ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ، ولَوْ كانَ المُؤْمِنُ في أنْعَمِ عَيْشٍ، لَكانَ بُؤْسًا عِنْدَما يَصِيرُ إلَيْهِ مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ.
14:31–36Page 259
قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ ٣١
[O Muḥammad], tell My servants who have believed to establish prayer and spend from what We have provided them, secretly and publicly, before a Day comes in which there will be no exchange [i.e., ransom], nor any friendships.
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ ٣٢
It is Allāh who created the heavens and the earth and sent down rain from the sky and produced thereby some fruits as provision for you and subjected for you1 the ships to sail through the sea by His command and subjected for you the rivers.
وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ٣٣
And He subjected for you the sun and the moon, continuous [in orbit], and subjected for you the night and the day.
وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ ٣٤
And He gave you from all you asked of Him.1 And if you should count the favor [i.e., blessings] of Allāh, you could not enumerate them. Indeed, mankind is [generally] most unjust and ungrateful.2
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ ٣٥
And [mention, O Muḥammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [i.e., Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٦
My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me;1 and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أسْكَنَ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ ياءَ " عِبادِي " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: قُلْ لِعِبادِي: (p-٣٦٤)أقِيمُوا الصَّلاةَ وأنْفِقُوا، يُقِيمُوا ويُنْفِقُوا، فَحُذِفَ الأمْرانِ، وتُرِكَ الجَوابانِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ فَأيُّ امْرِئٍ أنْتَ أيُّ امْرِئٍ إذا قِيلَ في الحَرْبِ مَن يُقْدِمُ
أرادَ: إذا قِيلَ: مَن يُقْدِمْ تُقْدِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لِعِبادِي أقِيمُوا الصَّلاةَ، وأنْفِقُوا، فَصُرِفَ عَنْ لَفْظِ الأمْرِ إلى لَفْظِ الخَبَرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لَهم لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، ولْيُنْفِقُوا، فَحَذَفَ لامَ الأمْرِ، لِدَلالَةِ " قُلْ " عَلَيْها. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والخِلالُ مَصْدَرُ خالَلْتُ فُلانًا خِلالًا ومُخالَّةً، والِاسْمُ الخُلَّةُ، وهي الصَّداقَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾ أيْ: ذَلَّلَها، تَجْرِي حَيْثُ تُرِيدُونَ، وتَرْكَبُونَ فِيها حَيْثُ تَشاؤُونَ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِهِما وتَسْتَضِيئُوا بِضَوْئِهِما ﴿دائِبَيْنِ﴾ في إصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ النَّباتِ وغَيْرِهِ، لا يَفْتُرانِ. ومَعْنى الدُّؤُوبِ: مُرُورُ الشَّيْءِ في العَمَلِ عَلى عادَةٍ جارِيَةٍ فِيهِ. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ لِتَسْكُنُوا فِيهِ، راحَةً لِأبْدانِكم، ﴿والنَّهارَ﴾ لِتَنْتَفِعُوا بِمَعاشِكم، ﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّ المَعْنى: مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ.
والثّانِي: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ، لَوْ سَألْتُمُوهُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والثّالِثُ: وآتاكم مِن كُلِّ شَيْءٍ سَألْتُمُوهُ شَيْئًا، فَأضْمَرَ الشَّيْءَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّمْلِ:٢٣] أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ في زَمانِها شَيْئًا، قالَهُ الأخْفَشُ.
والرّابِعُ: مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وما لَمْ تَسْألُوهُ، لِأنَّكم لَمْ تَسْألُوا شَمْسًا ولا قَمَرًا (p-٣٦٥)وَلا كَثِيرًا مِنَ النِّعَمِ الَّتِي ابْتَدَأكم بِها، فاكْتُفِيَ بِالأوَّلِ مِنَ الثّانِي، كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النَّحْلِ:٨١]، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
الخامِسُ: عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي رَزِينٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، وأبانَ عَنْ عاصِمٍ، وأبِي حاتِمٍ عَنْ يَعْقُوبَ: " مِن كُلٍّ ما " بِالتَّنْوِينِ مِن غَيْرِ إضافَةٍ، فالمَعْنى: آتاكم مِن كُلٍّ ما لَمْ تَسْألُوهُ، قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أيْ: إنْعامَهُ ﴿لا تُحْصُوها﴾ لا تُطِيقُوا الإتْيانَ عَلى جَمِيعِها بِالعَدِّ لِكَثْرَتِها. " إنَّ الإنْسانَ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ أبا جَهْلٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: الإنْسانُ اسْمٌ لِلْجِنْسِ يُقْصَدُ بِهِ الكافِرُ خاصَّةً.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ الظَّلُومُ هاهُنا: الشّاكِرُ غَيْرَ مَن أنْعَمَ عَلَيْهِ، والكَفّارُ: الجَحُودُ لِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ (البَقَرَةِ:١٢٦) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ﴾ أيْ: جَنَّبْنِي وإيّاهم، والمَعْنى: ثَبِّتْنِي عَلى اجْتِنابِ عِبادَتِها. ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ، وهي لا تُوصَفُ بِالإضْلالِ ولا بِالفِعْلِ، ولَكِنَّهم لَمّا ضَلُّوا بِسَبَبِها، كانَتْ كَأنَّها أضَلَّتْهم. ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ أيْ: عَلى دِينِي التَّوْحِيدِ ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ: فَهو عَلى مِلَّتِي، ﴿وَمَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: ومَن عَصانِي ثُمَّ تابَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: ومَن عَصانِي فِيما دُونَ الشِّرْكِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
والثّالِثُ: ومَن عَصانِي فَكَفَرَ فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أنْ تَتُوبَ عَلَيْهِ فَتَهْدِيَهُ إلى التَّوْحِيدِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دَعا بِهَذا قَبْلَ أنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ كَما اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ.
14:37Page 260
رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ ٣٧
Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.
(p-٣٦٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ في " مِن " قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ، قالَهُ الأخْفَشُ، والفَرّاءُ.
والثّانِي: أنَّها لِلتَّوْكِيدِ. والمَعْنى: أسْكَنْتُ ذُرِّيَّتِي، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ، ولَمْ يَكُنْ فِيها حَرْثٌ ولا ماءٌ عِنْدَ ﴿بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ إنَّما سُمِّيَ مُحَرَّمًا، لِأنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِحْلالُ مُحَرَّماتِهِ والِاسْتِخْفافُ بِحَقِّهِ.
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ ولَمْ يَكُنْ هُناكَ بَيْتٌ حِينَئِذٍ، إنَّما بَناهُ إبْراهِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ ؟
فالجَوابُ مِن ثَلاثَةِ وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ مَوْضِعَ البَيْتِ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.
والثّانِي: عِنْدَ بَيْتِكَ الَّذِي كانَ قَبْلَ أنْ يُرْفَعَ أيّامَ الطُّوفانِ.
والثّالِثُ: عِنْدَ بَيْتِكَ الَّذِي قَدْ جَرى في سابِقِ عِلْمِكَ أنَّهُ يَحْدُثُ هاهُنا ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ. وكانَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ يَقُولُ: ظاهِرُ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الدُّعاءَ إنَّما كانَ بَعْدَ أنْ بُنِيَ البَيْتُ وصارَتْ مَكَّةُ بَلَدًا. والمُفَسِّرُونَ عَلى خِلافِ ما قالَ. ورَوى ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ إبْراهِيمَ خَرَجَ مِنَ الشّامِ ومَعَهُ ابْنُهُ إسْماعِيلُ وأُمُّهُ هاجَرُ ومَعَهُ جِبْرِيلُ حَتّى قَدِمَ مَكَّةَ وبِها ناسٌ يُقالُ لَهُمُ: العَمالِيقُ، خارِجًا مِن (p-٣٦٧)مَكَّةَ، والبَيْتُ يَوْمَئِذٍ رَبْوَةٌ حَمْراءُ، فَقالَ إبْراهِيمُ لِجِبْرِيلَ: أهاهُنا أُمِرْتُ أنْ أضَعَهُما ؟ قالَ: نَعَمْ؛ فَأنْزَلَهُما في مَكانٍ مِنَ الحِجْرِ، وأمَرَ هاجَرَ أنْ تَتَّخِذَ فِيهِ عَرِيشًا، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي. . .﴾ الآيَةُ. وفَتَحَ أهْلُ الحِجازِ وأبُو عَمْرٍو ياءَ " إنِّيَ أسْكَنْتُ " .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ في مُتَعَلَّقِ هَذِهِ اللّامِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ فالمَعْنى: جَنِّبْهُمُ الأصْنامَ لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.
والثّانِي: أنَّها تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: " أسْكَنْتُ " فالمَعْنى: أسْكَنْتُهم عِنْدَ بَيْتِكَ لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ، لِأنَّ البَيْتَ قِبْلَةُ الصَّلَواتِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ أيْ: قُلُوبُ جَماعَةٍ مِنَ النّاسِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما عَبَّرَ عَنِ القُلُوبِ بِالأفْئِدَةِ، لِقُرْبِ القَلْبِ مِنَ الفُؤادِ ومُجاوَرَتِهِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ رَمَتْنِي بِسَهْمٍ أصابَ الفُؤادَ غَداةَ الرَّحِيلِ فَلَمْ أنْتَصِرْ
وَقالَ آخَرُ:
؎ كَأنَّ فُؤادِي كُلَّما مَرَّ راكِبٌ ∗∗∗ جَناحُ غُرابٍ رامَ نَهْضًا إلى وِكْرِ
وَقالَ آخَرُ:
؎ وإنَّ فُؤادًا قادَنِي لِصَبابَةٍ ∗∗∗ إلَيْكِ عَلى طُولِ الهَوى لَصَبُورُ
يَعْنُونَ: بِالفُؤادِ: القَلْبَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَحِنُّ إلَيْهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: (p-٣٦٨)تَنْزِعُ إلَيْهِمْ. وقالَ الفَرّاءُ: تُرِيدُهم، كَما تَقُولُ: رَأيْتُ فُلانًا يَهْوِي نَحْوَكَ، أيْ: يُرِيدُكَ. وقَرَأ بَعْضُهم: " تَهْوى إلَيْهِمْ " بِمَعْنى: تَهْواهم، كَقَوْلِهِ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النَّمْلِ:٧٢] . أيْ: رَدِفَكم. و " إلى " تَوْكِيدٌ لِلْكَلامِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: " تَهْوِي إلَيْهِمْ ": تَنْحَطُّ إلَيْهِمْ وتَنْحَدِرُ.
وَفِي مَعْنى هَذا المَيْلِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ المَيْلُ إلى الحَجِّ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ حُبُّ سُكْنى مَكَّةَ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ قالَ: فاجْعَلْ أفْئِدَةَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، لَحَجَّهَ اليَهُودُ والنَّصارى، ولَكِنَّهُ قالَ: مِنَ النّاسِ.
14:38Page 260
رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٣٨
Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allāh on the earth or in the heaven.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما نُخْفِي مِنَ الوَجْدِ بِمُفارَقَةِ إسْماعِيلَ، وما نُعْلِنُ مِنَ الحُبِّ لَهُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما قالَ هَذا لَمّا نَزَلَ إسْماعِيلُ الحَرَمَ، وأرادَ فِراقَهُ.
14:39–40Page 260
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٩
Praise to Allāh, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.
رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ ٤٠
My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ﴾ أيْ: بَعْدَ الكِبَرِ " إسْماعِيلَ وإسْحاقَ " قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ، ووُلِدَ لَهُ إسْحاقُ وهو ابْنُ مِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.
(p-٣٦٩)قَوْلُهُ تَعالى: " رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعائِي " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وهُبَيْرَةُ، عَنْ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ: " وتَقَبَّلْ دُعائِي " بِياءٍ في الوَصْلِ. وقالَ البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: يَصِلُ ويَقِفُ بِياءٍ. وقالَ قُنْبُلٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: يُشِمُّ الياءَ في الوَصْلِ، ولا يُثْبِتُها، ويَقِفُ عَلَيْها بِالألِفِ. الباقُونَ " دُعاءِ " بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الوَقْفُ والوَصْلُ بِياءٍ هو القِياسُ، والإشْمامُ جائِزٌ، لِدَلالَةِ الكَسْرَةِ عَلى الياءِ.
14:41Page 260
رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ ٤١
Our Lord, forgive me and my parents and the believers the Day the account is established."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اسْتَغْفَرَ لِأبَوَيْهِ وهُما حَيّانِ، طَمَعًا في أنْ يُهْدَيا إلى الإسْلامِ. وقِيلَ: أرادَ بِوالِدَيْهِ: آدَمَ وحَوّاءَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيٌّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ: " ولِوَلَدَيَّ " يَعْنِي: إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ذِكْرُهُما قَبْلَ ذَلِكَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: " ولِوالِدِي " عَلَيَّ التَّوْحِيدِ. وقَرَأ عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " ولِوُلْدِي " بِضَمِّ الواوِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، والجَوْنِيُّ: " ولِوَلَدِي " بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ الدّالِ عَلى التَّوْحِيدِ. ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ أيْ: يَظْهَرُ الجَزاءُ عَلى الأعْمالِ. وقِيلَ: مَعْناهُ: يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِلْحِسابِ، فاكْتُفِيَ بِذِكْرِ الحِسابِ مِن ذِكْرِ النّاسِ إذْ كانَ المَعْنى مَفْهُومًا.
14:42–43Page 260
وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٤٢
And never think that Allāh is unaware of what the wrongdoers do. He only delays them [i.e., their account] for a Day when eyes will stare [in horror].
مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ ٤٣
Racing ahead, their heads raised up, their glance does not come back to them,1 and their hearts are void.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا وعِيدٌ لِلظّالِمِ، وتَعْزِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ.
(p-٣٧٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، " نُؤَخِّرُهم " بِالنُّونِ، أيْ: يُؤَخِّرُ جَزاءَهم ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ أيْ: تَشْخَصُ أبْصارُ الخَلائِقِ لِظُهُورِ الأحْوالِ فَلا تَغْتَمِضُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّ الإهْطاعَ: النَّظَرُ مِن غَيْرِ أنْ يَطْرِفَ النّاظِرُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وأبُو الضُّحى.
والثّانِي: أنَّهُ الإسْراعُ، قالَهُ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أهْطَعَ البَعِيرُ في سَيْرِهِ، واسْتَهْطَعَ: إذا أسْرَعَ.
وَفِي ما أسْرَعُوا إلَيْهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إلى الدّاعِي، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: إلى النّارِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّ المُهْطِعَ: الَّذِي لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: رافِعِي رُؤُوسِهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎ أنْغَضَ نَحْوِي رَأسَهُ وأقْنَعا كَأنَّما أبْصَرَ شَيْئًا أطْمَعا
وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المُقْنِعُ رَأْسِهِ: الَّذِي رَفَعَهُ وأقْبَلَ بِطَرَفِهِ عَلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: رافِعِي رُؤُوسِهِمْ، مُلْتَصِقَةً بِأعْناقِهِمْ. و ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ نَصْبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ أبْصارُهم مُهْطِعِينَ.
(p-٣٧١)والثّانِي: ناكِسِي رُؤُوسِهِمْ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ عَنِ المُؤَرِّجِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أيْ: لا تَرْجِعُ إلَيْهِمْ أبْصارُهم مِن شِدَّةِ النَّظَرِ، فَهي شاخِصَةٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: أنَّ نَظَرَهم إلى شَيْءٍ واحِدٍ. وقالَ الحَسَنُ: وُجُوهُ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى السَّماءِ، لا يَنْظُرُ أحَدٌ إلى أحَدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ الأفْئِدَةُ: مَساكِنُ القُلُوبِ.
وَفِي مَعْنى الكَلامِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّ القُلُوبَ خَرَجَتْ مِن مَواضِعِها فَصارَتْ في الحَناجِرِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: خَرَجَتْ مِن صُدُورِهِمْ فَنَشِبَتْ في حُلُوقِهِمْ، فَأفْئِدَتُهم هَواءٌ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ.
والثّانِي: وأفْئِدَتُهم لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ، فَهي كالخَرِبَةِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: وأفْئِدَتُهم مُنْخَرِقَةٌ لا تَعِي شَيْئًا، قالَهُ مُرَّةُ بْنُ شُراحْبِيلَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مُتَخَرَّقَةٌ لا تَعِي شَيْئًا مِنَ الخَوْفِ.
والرّابِعُ: وأفْئِدَتُهم جُوفٌ لا عُقُولَ لَها، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِحَسّانَ:
؎ ألا أبْلِغْ أبا سُفْيانَ عَنِّي ∗∗∗ فَأنْتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَواءُ
فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: أنَّ قُلُوبَهم خَلَتْ عَنِ العُقُولِ، لِما رَأوْا مِنَ الهَوْلِ. والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ أجْوَفَ خاوٍ: هَواءً. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ويُقالُ أفْئِدَتُهم مَنخُوبَةٌ مِنَ الخَوْفِ والجُبْنِ.
14:44Page 261
وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ ٤٤
And, [O Muḥammad], warn the people of a Day when the punishment will come to them and those who did wrong will say, "Our Lord, delay us for a short term; we will answer Your call and follow the messengers." [But it will be said], "Had you not sworn, before, that for you there would be no cessation?1
(p-٣٧٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْذِرِ النّاسَ﴾ أيْ: خَوِّفْهم ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ يَعْنِي بِهِ: يَوْمَ القِيامَةِ؛ وإنَّما خَصَّهُ بِذِكْرِ العَذابِ، وإنْ كانَ فِيهِ ثَوابٌ، لِأنَّ الكَلامَ خَرَجَ مُخْرِجَ التَّهْدِيدِ لِلْعُصاةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِالنّاسِ هاهُنا: أهْلَ مَكَّةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: أشْرَكُوا ﴿رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أيْ: أمْهِلْنا مُدَّةً يَسِيرَةً. وقالَ مُقاتِلٌ: سَألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا، لِأنَّ الخُرُوجَ مِنَ الدُّنْيا قَرِيبٌ. ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ يَعْنِي: التَّوْحِيدَ، فَيُقالُ لَهم: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: حَلَفْتُمْ في الدُّنْيا أنَّكم لا تُبْعَثُونَ ولا تَنْتَقِلُونَ مِنَ الدُّنْيا إلى الآخِرَةِ.
14:45Page 261
وَسَكَنتُمۡ فِي مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَتَبَيَّنَ لَكُمۡ كَيۡفَ فَعَلۡنَا بِهِمۡ وَضَرَبۡنَا لَكُمُ ٱلۡأَمۡثَالَ ٤٥
And you lived among the dwellings of those who wronged themselves, and it had become clear to you how We dealt with them. And We presented for you [many] examples."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: نَزَلْتُمْ في أماكِنِهِمْ وقُراهم، كالحِجْرِ ومَدِينَ، والقُرى الَّتِي عُذِّبَ أهْلُها. ومَعْنى ﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: ضَرُّوها بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ. " وتَبَيَّنَ لَكم " وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وأبُو المُتَوَكِّلِ النّاجِي " وتُبُيِّنَ " بِضَمِّ التّاءِ. ﴿كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ يَعْنِي: كَيْفَ عَذَّبْناهم، يَقُولُ: فَكانَ يَنْبَغِي لَكم أنْ تَنْـزَجِرُوا عَنِ المُخالَفَةِ اعْتِبارًا بِمَساكِنِهِمْ بَعْدَما عَلِمْتُمْ فِعْلَنا بِهِمْ، ﴿وَضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ الأمْثالَ الَّتِي في القُرْآنِ.
14:46–47Page 261
وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ ٤٦
And they had planned their plan, but with Allāh is [recorded] their plan, even if their plan had been [sufficient] to do away with the mountains.1
فَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخۡلِفَ وَعۡدِهِۦ رُسُلَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٖ ٤٧
So never think that Allāh will fail in His promise to His messengers. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Owner of Retribution.1
(p-٣٧٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ نَمْرُودُ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ، قالَ: لا أنْتَهِي حَتّى أنْظُرَ إلى السَّماءِ، فَأمَرَ بِفَرْخَيْ نَسْرٍ فَرُبِّيا حَتّى سَمِنا واسْتَعْلَجا، ثُمَّ أمَرَ بِتابُوتٍ فَنُحِتَ، ثُمَّ جَعَلَ في وسَطِهِ خَشَبَةً، وجَعَلَ عَلى رَأْسِ الخَشَبَةِ لَحْمًا شَدِيدَ الحُمْرَةِ، ثُمَّ جَوَّعَهُما ورَبَطَ أرْجُلَهُما بِأوْتارٍ إلى قَوائِمِ التّابُوتِ. ودَخَلَ هو وصاحِبٌ لَهُ في التّابُوتِ وأغْلَقَ بابَهُ، ثُمَّ أرْسَلَهُما، فَجَعَلا يُرِيدانِ اللَّحْمَ، فَصَعِدا في السَّماءِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ لِصاحِبِهِ: افْتَحْ وانْظُرْ ماذا تَرى ؟ فَفَتَحَ، فَقالَ: أرى الأرْضَ كَأنَّها الدُّخانُ، فَقالَ لَهُ: أغْلِقْ، ثُمَّ صَعِدَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: افْتَحْ فانْظُرْ، فَفَتَحَ، فَقالَ: ما أرى إلّا السَّماءَ، وما نَزْدادُ مِنها إلّا بُعْدًا، قالَ: فَصَوِّبْ خَشَبَتَكَ، فَصَوَّبَها، فانْقَضَّتِ النُّسُورُ تُرِيدُ اللَّحْمَ، فَسَمِعَتِ الجِبالُ هَدَّتَها، فَكادَتْ تَزُولُ عَنْ مَراتِبِها. هَذا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. وفي رِوايَةِ عَنْهُ: كانَتِ النُّسُورُ أرْبَعَةً. ورَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: أنَّهُ مازالَ يَصْعَدُ إلى أنْ رَأى الأرْضَ يُحِيطُ بِها بَحْرٌ، فَكَأنَّها فَلْكَةٌ في ماءٍ، ثُمَّ صَعِدَ حَتّى وقَعَ في ظُلْمَةٍ، فَلَمْ يَرَ ما فَوْقَهُ ولَمْ يَرَ ما تَحْتَهُ، فَفَزِعَ، فَصَوَّبَ اللَّحْمَ، فانْقَضَّتِ النُّسُورُ، فَلَمّا نَزَلَ أخَذَ في بِناءِ الصَّرْحِ. ثُمَّ صَعِدَ مِنهُ مَعَ النُّسُورِ، فَلَمّا لَمْ يَقْدِرْ عَلى السَّماءِ، اتَّخَذَهُ حِصْنًا، فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُ مِنَ القَواعِدِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَ مَعَهُ في التّابُوتِ غُلامٌ قَدْ حَمَلَ القَوْسَ والنُّشّابَ، فَرَمى بِسَهْمٍ فَعادَ إلَيْهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، فَقالَ: كُفِيتَ إلَهَ السَّماءِ، وذَلِكَ مِن دَمِ سَمَكَةٍ في بَحْرٍ مُعَلَّقٍ في الهَواءِ، فَلَمّا هالَهُ الِارْتِفاعُ، (p-٣٧٤)قالَ لِصاحِبِهِ: صَوِّبِ الخَشَبَةَ، فَصَوَّبَها، فانْحَطَّتِ النُّسُورُ، فَظَنَّتِ الجِبالُ أنَّهُ أمْرٌ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ فَزالَتْ عَنْ مَواضِعِها. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا رَأتِ الجِبالُ ذَلِكَ، ظَنَّتْ أنَّهُ قِيامُ السّاعَةِ، فَكادَتْ تَزُولُ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مالِكٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ بُخْتَنَصَّرُ، وأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ لَهُ جَرَتْ، وأنَّ النُّسُورَ لَمّا ارْتَفَعَتْ تَطْلُبُ اللَّحْمَ إلى حَيْثُ شاءَ اللَّهُ، نُودِيَ: يا أيُّها الطّاغِيَةُ، أيْنَ تُرِيدُ ؟ فَفَرِقَ، ثُمَّ سَمِعَ الصَّوْتَ فَوْقَهُ، فَنَزَلَ، فَلَمّا رَأتِ الجِبالُ ذَلِكَ، ظَنَّتْ أنَّهُ قِيامُ السّاعَةِ فَكادَتْ تَزُولُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّ المُشارَ إلَيْهِمُ الأُمَمُ المُتَقَدِّمَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: مَكْرُهم: شِرْكُهم.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ الَّذِينَ مَكَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِهِ وإخْراجِهِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مَحْفُوظٌ عِنْدَهُ حَتّى يُجازِيَهم بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ. والثّانِي: وعِنْدَ اللَّهِ جَزاءُ مَكْرِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ: " وإنْ كادَ مَكْرُهم " بِالدّالِ. ﴿لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ . وقَرَأ الأكْثَرُونَ " لِتَزُولَ " بِكَسْرِ اللّامِ الأُولى مِن " لِتَزُولَ " وفَتْحِ الثّانِيَةِ. أرادَ: وما كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ، أيْ: هو أضْعَفُ وأوْهَنُ، كَذَلِكَ فَسَّرَها الحَسَنُ البَصَرِيُّ. وقَرَأ الكِسائِيُّ " لَتَزُولُ " بِفَتْحِ اللّامِ الأُولى وضَمِّ الثّانِيَةِ، أرادَ: قَدْ كادَتِ الجِبالُ تَزُولُ مِن مَكْرِهِمْ، كَذَلِكَ فَسَّرَها ابْنُ الأنْبارِيِّ.
وَفِي المُرادِ بِالجِبالِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الجِبالُ المَعْرُوفَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: أنَّها ضُرِبَتْ مَثَلًا لِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وثُبُوتُ دِينِهِ كَثُبُوتِ الجِبالِ (p-٣٧٥)الرّاسِيَةِ، والمَعْنى: لَوْ بَلَغَ كَيْدُهم إلى إزالَةِ الجِبالِ، لَما زالَ أمْرُ الإسْلامِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أيْ: فَقَدْ وعَدَكَ الظُّهُورَ عَلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ بِوَعْدِهِ: النَّصْرَ والفَتْحَ وإظْهارَ الدِّينِ. ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ أيْ: مَنِيعٌ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ مِنَ الكافِرِينَ، وهو أنْ يُجازِيَهم بِالعُقُوبَةِ عَلى كُفْرِهِمْ.
14:48Page 261
يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ ٤٨
[It will be] on the Day the earth will be replaced by another earth, and the heavens [as well], and they [i.e., all creatures] will come out before Allāh, the One, the Prevailing,
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ﴾ ورَوى أبانُ " يَوْمَ نُبَدِّلُ " بِالنُّونِ وكَسْرِ الدّالِ " الأرْضَ " بِالنَّصْبِ، " والسَّمَواتِ " بِخَفْضِ التّاءِ، ولا خِلافَ في نَصْبِ " غَيْرَ " .
وَفِي مَعْنى تَبْدِيلِ الأرْضِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها تِلْكَ الأرْضُ، وإنَّما يُزادُ فِيها ويُنْقَصُ مِنها، وتَذْهَبُ آكامُها وجِبالُها وأوْدِيَتُها وشَجَرُها، وتَمُدُّ مَدَّ الأدِيمِ، رَوى هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ " قالَ: يَبْسُطُها ويَمُدُّها مَدَّ الأدِيمِ» " .
(p-٣٧٦)والثّانِي: أنَّها تُبَدَّلُ بِغَيْرِها. ثُمَّ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها تُبَدَّلُ بِأرْضِ غَيْرِها بَيْضاءَ كالفِضَّةِ لَمْ يُعْمَلْ عَلَيْها خَطِيئَةٌ، رَواهُ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّها تُبَدَّلُ نارًا، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. والثّالِثُ: أنَّها تُبَدَّلُ بِأرْضٍ مِن فِضَّةٍ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ. والرّابِعُ: تُبَدَّلُ بِخُبْزَةٍ بَيْضاءَ، فَيَأْكُلُ المُؤْمِنُ مِن تَحْتِ قَدَمَيْهِ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والقُرَظِيُّ. وقالَ غَيْرُهم: يَأْكُلُ مِنها أهْلُ الإسْلامِ حَتّى يُفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ.
فَأمّا تَبْدِيلُ السَّمَواتِ، فَفِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها تُجْعَلُ مِن ذَهَبٍ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ. والثّانِي: أنَّها تَصِيرُ جِنانًا، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. والثّالِثُ: أنَّ تَبْدِيلَها: تَكْوِيرُ شَمْسِها وتَناثُرُ نُجُومِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: أنَّ تَبْدِيلَها: اخْتِلافُ أحْوالِها، فَمَرَّةً كالمُهْلِ، ومَرَّةً تَكُونُ كالدِّهانِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. والخامِسُ: أنَّ تَبْدِيلَها أنْ تُطْوى كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتابِ. والسّادِسُ: أنْ تَنْشَقَّ فَلا تُظِلُّ، ذَكَرَهُما الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ أيْ: خَرَجُوا مِنَ القُبُورِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences