Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
الحجر
Al-Hijr
The Rocky Tract · Meccan · 99 ayahs
15:1Page 262
الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ ١
Alif, Lām, Rā.1 These are the verses of the Book and a clear Qur’ān [i.e., recitation].
(p-٣٧٩)سُورَةُ الحِجْرِ
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها مِن غَيْرِ خِلافٍ نَعْلَمُهُ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [يُونُسَ:١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ القُرْآنَ: هو الكِتابُ، جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الاسْمَيْنِ.
والثّانِي: أنَّ الكِتابَ: هو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، والقُرْآنَ: كِتابُنا. وقَدْ ذَكَرْنا في أوَّلِ يُوسُفَ مَعْنى المُبِينِ.
15:2Page 262
رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ كَانُواْ مُسۡلِمِينَ ٢
Perhaps those who disbelieve will wish1 that they had been Muslims.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُبَما﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " رُبَّما " مُشَدَّدَةً. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وعَبْدُ الوارِثِ " رُبَما " بِالتَّخْفِيفِ. قالَ الفَرّاءُ: أسَدٌ وتَمِيمٌ يَقُولُونَ: " رُبَّما " بِالتَّشْدِيدِ، وأهْلُ الحِجازِ وكَثِيرٌ مِن قَيْسٍ يَقُولُونَ: " رُبَّما " بِالتَّخْفِيفِ. وتَيْمُ الرَّبابِ يَقُولُونَ: " رَبَّما " بِفَتْحِ الرّاءِ. وقِيلَ: إنَّما قُرِئَتْ بِالتَّخْفِيفِ، لِما فِيها مِنَ التَّضْعِيفِ، والحُرُوفُ (p-٣٨٠)المُضاعَفَةُ قَدْ تُحْذَفُ، نَحْوُ " إنَّ " و " لَكِنَّ " فَإنَّهم قَدْ خَفَّفُوها. قالَ الزَّجّاجُ: يَقُولُونَ: رُبَّ رَجُلٍ جاءَنِي، ورُبَ رَجُلٍ جاءَنِي، وأنْشَدَ:
؎ أزُهَيْرُ إنْ يَشِبِ القَذالُ فَإنِنِي رُبَ هَيْضَلٍ مَرْسٍ لَفَفْتُ بِهَيْضَلِ
هَذا البَيْتُ لِأبِي كَبِيرٍ الهُذَلِيِّ، وفي دِيوانِهِ:
رُبَ هَيْضَلٍ لَجِبٍ لَفَفْتُ بِهَيْضَلِ
والهَيْضَلُ: جَمْعُ هَيْضَلَةٍ، وهي الجَماعَةُ يُغْزى بِهِمْ، يَقُولُ: لَفَفْتُهم بِأعْدائِهِمْ في القِتالِ. و " رُبَّ " كَلِمَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّقْلِيلِ، كَما أنَّ " كَمْ " لِلتَّكْثِيرِ، وإنَّما زِيدَتْ " ما " مَعَ " رُبَّ " لِيَلِيَها الفِعْلُ، تَقُولُ: رُبَّ رَجُلٍ جاءَنِي، ورُبَّما جاءَنِي زَيْدٌ. وقالَ الأخْفَشُ: أُدْخِلَ مَعَ " رُبَّ " ما، لِيُتَكَلَّمَ بِالفِعْلِ بَعْدَها، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ " ما " بِمَنزِلَةِ " شَيْءٍ "، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: رُبَّ شَيْءٍ، أيْ: رُبَّ ودٍّ يَوَدُّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: " ما " هاهُنا بِمَعْنى " حِينٍ " فالمَعْنى: رُبَّ حِينٍ يَوَدُّونَ فِيهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ مَتى يَقَعُ هَذا مِنَ الكُفّارِ، عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ في الآخِرَةِ. ومَتى يَكُونُ ذَلِكَ ؟ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا اجْتَمَعَ أهْلُ النّارِ في النّارِ ومَعَهم مَن شاءَ اللَّهُ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، قالَ الكُفّارُ لِلْمُسْلِمِينَ: ألَمْ تَكُونُوا مُسْلِمِينَ ؟ قالُوا: بَلى، قالُوا: فَما أغْنى عَنْكم إسْلامُكم، وقَدْ صِرْتُمْ مَعَنا في النّارِ ؟ قالُوا: كانَتْ لَنا ذُنُوبٌ فَأُخِذْنا بِها؛ فَسَمِعَ اللَّهُ ما قالُوا، فَأمَرَ بِمَن كانَ في النّارِ مِن أهْلِ القِبْلَةِ فَأُخْرِجُوا، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ الكَفّارُ، قالُوا: يا لَيْتَنا كُنّا مُسْلِمِينَ فَنُخْرَجَ كَما أُخْرِجُوا، رَواهُ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، (p-٣٨١)وَذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، وأبُو العالِيَةِ، وإبْراهِيمُ. والثّانِي: أنَّهُ ما يَزالُ اللَّهُ يَرْحَمُ ويَشْفَعُ حَتّى يَقُولَ: مَن كانَ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلْيَدْخُلِ الجَنَّةَ، فَذَلِكَ حِينَ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّ الكُفّارَ إذا عايَنُوا القِيامَةَ، ودُّوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ. والرّابِعُ: أنَّهُ كُلَّما رَأى أهْلُ الكُفْرِ حالًا مِن أحْوالِ القِيامَةِ يُعَذَّبُ فِيها الكافِرُ ويَسْلَمُ مِن مَكْرُوهِها المُؤْمِنُ، ودُّوا ذَلِكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ في الدُّنْيا، إذا عايَنُوا وتَبَيَّنَ لَهُمُ الضَّلالُ مِنَ الهُدى وعَلِمُوا مَصِيرَهم، ودُّوا ذَلِكَ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
فَإنْ قِيلَ: إذا قُلْتُمْ: إنَّ " رُبَّ " لِلتَّقْلِيلِ، وهَذِهِ الآيَةُ خارِجَةٌ مُخْرَجَ الوَعِيدِ، فَإنَّما يُناسِبُ الوَعِيدَ تَكْثِيرُ ما يُتَواعَدُ بِهِ، فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ:
أحَدُهُنَّ: أنَّ " رُبَّما " تَقَعُ عَلى التَّقْلِيلِ والتَّكْثِيرِ، كَما يَقَعُ النّاهِلُ عَلى العَطْشانِ والرَّيّانِ، والجَوْنُ عَلى الأسْوَدِ والأبْيَضِ.
والثّانِي: أنَّ أهْوالَ القِيامَةِ وما يَقَعُ بِهِمْ مِنَ الأهْوالِ تَكْثُرُ عَلَيْهِمْ، فَإذا عادَتْ إلَيْهِمْ عُقُولُهم، ودُّوا ذَلِكَ.
(p-٣٨٢)والثّالِثُ: أنَّ هَذا الَّذِي خُوِّفُوا بِهِ، لَوْ كانَ مِمّا يُوَدُّ في حالٍ واحِدَةٍ مِن أحْوالِ العَذابِ، أوْ كانَ الإنْسانُ يَخافُ النَّدَمَ إذا حَصَلَ فِيهِ ولا يَتَيَقَّنُهُ، لَوَجَبَ عَلَيْهِ اجْتِنابُهُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جاءَ بَعْدَ " رُبَّما " مُسْتَقْبَلٌ، وسَبِيلُها أنْ يَأْتِيَ بَعْدَها الماضِي، تَقُولُ: رُبَّما لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ ؟
فالجَوابُ: أنَّ ما وعَدَ اللَّهُ حَقٌّ، فَمُسْتَقْبَلُهُ بِمَنزِلَةِ الماضِي، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائِدَةِ:١١٦] وقَوْلُهُ: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الأعْرافِ:٤٤] ﴿وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ [سَبَإٍ:٥١]، عَلى أنَّ الكِسائِيَّ والفَرّاءَ حَكَيا عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: رُبَّما يَنْدَمُ فُلانٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ رُبَّما تَجْزَعُ النُّفُوسُ مِنَ الأمْـ ∗∗∗ ـرِ لَهُ فُرْجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ
15:3Page 262
ذَرۡهُمۡ يَأۡكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٣
Let them eat and enjoy themselves and be diverted by [false] hope, for they are going to know.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا﴾ أيْ: دَعِ الكُفّارَ يَأْخُذُوا حُظُوظَهم في الدُّنْيا، ﴿وَيُلْهِهِمُ الأمَلُ﴾ أيْ: ويَشْغَلُهم ما يَأْمُلُونَ في الدُّنْيا عَنْ أخْذِ حَظِّهِمْ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ إذا ورَدُوا القِيامَةَ وبالَ ما صَنَعُوا، وهَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.
15:4–5Page 262
وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٞ مَّعۡلُومٞ ٤
And We did not destroy any city but that for it was a known decree.
مَّا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٥
No nation will precede its term, nor will they remain thereafter.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ: ما عَذَّبْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ ﴿إلا (p-٣٨٣)وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ: أجَلٌ مُؤَقَّتٌ لا يُتَقَدَّمُ ولا يُتَأخَّرُ عَنْهُ. ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ " مِن " صِلَةٌ، والمَعْنى: ما تَتَقَدَّمُ وقْتَها الَّذِي قُدِّرَ لَها بُلُوغُهُ، ولا تَسْتَأْخِرُ عَنْهُ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ: " أجَلَها " لِأنَّ الأُمَّةَ لَفْظُها مُؤَنَّثٌ، وإنَّما قالَ: ﴿يَسْتَأْخِرُونَ﴾ إخْراجًا لَهُ عَلى مَعْنى الرِّجالِ.
15:6–8Page 262
وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونٞ ٦
And they say, "O you upon whom the message has been sent down, indeed you are mad.1
لَّوۡمَا تَأۡتِينَا بِٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٧
Why do you not bring us the angels, if you should be among the truthful?"
مَا نُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَمَا كَانُوٓاْ إِذٗا مُّنظَرِينَ ٨
We do not send down the angels except with truth;1 and they [i.e., the disbelievers] would not then be reprieved.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ، والنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ، ونَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ، والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والذِّكْرُ: القُرْآنُ. وإنَّما قالُوا هَذا اسْتِهْزاءً، لَوْ أيْقَنُوا أنَّهُ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، ما قالُوا: ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ . قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وجَوابُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةٍ أُخْرى في قَوْلِهِ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القَلَمِ:٢] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا﴾ قالَ الفَرّاءُ: " لَوْما " و " لَوْلا " لُغَتانِ مَعْناهُما: هَلّا، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وأنْشَدَ لِابْنِ مُقْبِلٍ:
؎ لَوْما الحَياءُ ولَوْما الدِّينُ عِبْتُكُما بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي
قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما سَألُوا المَلائِكَةَ لِيَشْهَدُوا لَهُ بِصِدْقِهِ، وأنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما نُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ إلا بِالحَقِّ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ " ما تَنَـزَّلُ " بِالتّاءِ المَفْتُوحَةِ " المَلائِكَةُ " بِالرَّفْعِ. ورَوى أبُو بَكْرٍ (p-٣٨٤)عَنْ عاصِمٍ " ما تُنَـزَّلُ " بِضَمِّ التّاءِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ " ما نُنَـزِّلُ " بِالنُّونِ والزّايِ المُشَدَّدَةِ " المَلائِكَةَ " نَصْبًا.
وَفِي المُرادِ بِالحَقِّ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ العَذابُ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: الرِّسالَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: قَبْضُ الأرْواحِ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والرّابِعُ: أنَّهُ القُرْآنُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانُوا﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ ﴿إذًا مُنْظَرِينَ﴾ أيْ: عِنْدَ نُزُولِ المَلائِكَةِ إذا نَزَلَتْ.
15:9Page 262
إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩
Indeed, it is We who sent down the message [i.e., the Qur’ān], and indeed, We will be its guardian.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ مِن عادَةِ المُلُوكِ إذا فَعَلُوا شَيْئًا، قالَ أحَدُهم: نَحْنُ فَعَلْنا، يُرِيدُ نَفْسَهُ وأتْباعَهُ، ثُمَّ صارَ هَذا عادَةً لِلْمَلِكِ في خِطابِهِ، وإنِ انْفَرَدَ بِفِعْلِ الشَّيْءِ، فَخُوطِبَتِ العَرَبُ بِما تَعْقِلُ مِن كَلامِها. والذِّكْرُ: القُرْآنُ، في قَوْلِ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ.
وَفِي هاءِ " لَهُ " قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى الذِّكْرِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. قالَ قَتادَةُ: أنْزَلَهُ اللَّهُ ثُمَّ حَفَظَهُ، فَلا يَسْتَطِيعُ إبْلِيسٌ أنْ يَزِيدَ فِيهِ باطِلًا، ولا يُنْقِصَ مِنهُ حَقًّا.
والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فالمَعْنى: ﴿وَإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ مِنَ الشَّياطِينِ والأعْداءِ، لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾، هَذا قَوْلُ ابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلٍ.
15:10Page 262
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي شِيَعِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٠
And We had certainly sent [messengers] before you, [O Muḥammad], among the sects of the former peoples.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ﴾ يَعْنِي: رُسُلًا فَحُذِفَ المَفْعُولُ، (p-٣٨٥)لِدَلالَةِ الإرْسالِ عَلَيْهِ. والشِّيَعُ: الفِرَقُ، وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: الشِّيعَةُ: الأُمَّةُ المُتابِعَةُ بَعْضُها بَعْضًا فِيما يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ مِن أمْرٍ.
15:11Page 262
وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١١
And no messenger would come to them except that they ridiculed him.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ هَذا تَعْزِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمَعْنى: إنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَبْلَكَ كانَ مُبْتَلًى بِقَوْمِهِ كَما ابْتُلِيتَ.
15:12–13Page 262
كَذَٰلِكَ نَسۡلُكُهُۥ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٢
Thus do We insert it [i.e., denial] into the hearts of the criminals.
لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَقَدۡ خَلَتۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣
They will not believe in it, while there has already occurred the precedent of the former peoples.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الِاسْتِهْزاءُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: التَّكْذِيبُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، والفَرّاءُ.
وَمَعْنى الآيَةِ: كَما سَلَكْنا الكُفْرَ في قُلُوبِ شِيَعِ الأوَّلِينَ، نُدْخِلُ في قُلُوبِ هَؤُلاءِ التَّكْذِيبَ فَلا يُؤْمِنُوا. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ . وفي المُشارِ إلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ الرَّسُولُ. والثّانِي: القُرْآنُ. والثّالِثُ: العَذابُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: مَضَتْ سُنَّةُ اللَّهِ في إهْلاكِ المُكَذِّبِينَ.
والثّانِي: مَضَتْ سُنَّتُهِمُ بِتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ.
15:14–15Page 262
وَلَوۡ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعۡرُجُونَ ١٤
And [even] if We opened to them a gate from the heaven and they continued therein to ascend,
لَقَالُوٓاْ إِنَّمَا سُكِّرَتۡ أَبۡصَٰرُنَا بَلۡ نَحۡنُ قَوۡمٞ مَّسۡحُورُونَ ١٥
They would say, "Our eyes have only been dazzled. Rather, we are a people affected by magic."
(p-٣٨٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ مَكَّةَ ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ أيْ: يَصْعَدُونَ، يُقالُ: ظَلَّ يَفْعَلُ كَذا: إذا فَعَلَهُ بِالنَّهارِ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ بِهَذا الصُّعُودِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، فالمَعْنى: لَوْ كُشِفَ عَنْ أبْصارِ هَؤُلاءِ فَرَأوْا بابًا مَفْتُوحًا في السَّماءِ والمَلائِكَةُ تَصْعَدُ فِيهِ، لَما آمَنُوا بِهِ.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لَوْ وصَّلْناهم إلى صُعُودِ السَّماءِ، لَمْ يَسْتَشْعِرُوا إلّا الكُفْرَ، لِعِنادِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِتَشْدِيدِ الكافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعَبْدُ الوارِثِ بِتَخْفِيفِها. قالَ الفَرّاءُ: ومَعْنى القِراءَتَيْنِ مُتَقارِبٌ، والمَعْنى: حُبِسَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: سَكَرَتِ الرِّيحُ: إذا سَكَنَتْ ورَكَدَتْ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: مَعْنى " سُكِرَتْ " بِالتَّخْفِيفِ، مَأْخُوذٌ مِن سُكْرِ الشَّرابِ، يَعْنِي: أنَّ الأبْصارَ حارَتْ، ووَقَعَ بِها مِن فَسادِ النَّظَرِ مِثْلُ ما يَقَعُ بِالرَّجُلِ السَّكْرانِ مِن تَغَيُّرِ العَقْلِ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إذا كانَ هَذا كانَ مَعْنى التَّخْفِيفِ، فَسُكِّرَتْ، بِالتَّشْدِيدِ، يُرادُ بِهِ وُقُوعُ هَذا الأمْرِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: " سُكِّرَتْ " بِالتَّشْدِيدِ، مِنَ السُّكُورِ الَّتِي تَمْنَعُ الماءَ الجِرْيَةَ، فَكَأنَّ هَذِهِ الأبْصارَ مُنِعَتْ مِنَ النَّظَرِ كَما يَمْنَعُ السِّكْرُ الماءَ مِنَ الجَرْيِ. وقالَ الزَّجّاجُ: " سُكِّرَتْ " بِالتَّشْدِيدِ، فَسَّرُوها: أُغْشِيَتْ، و " سُكِرَتْ " بِالتَّخْفِيفِ: تَحَيَّرَتْ وسَكَنَتْ عَنْ أنْ تَنْظُرَ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَكِرَتِ الرِّيحُ تَسْكَرُ: إذا سَكَنَتْ. ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾ قالَ: أُخِذَ بِأبْصارِنا وشُبِّهَ عَلَيْنا، وإنَّما سُحِرْنا. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿سُكِّرَتْ﴾ سُدَّتْ بِالسِّحْرِ، فَيَتَماثَلُ لِأبْصارِنا غَيْرُ ما تَرى.
15:16–18Page 263
وَلَقَدۡ جَعَلۡنَا فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ ١٦
And We have placed within the heaven great stars and have beautified it for the observers.
وَحَفِظۡنَٰهَا مِن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٍ ١٧
And We have protected it from every devil expelled [from the mercy of Allāh]
إِلَّا مَنِ ٱسۡتَرَقَ ٱلسَّمۡعَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ مُّبِينٞ ١٨
Except one who steals a hearing and is pursued by a clear burning flame.
(p-٣٨٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ في البُرُوجِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها بُرُوجُ الشَّمْسِ والقَمَرِ، أيْ: مَنازِلُها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عُبَيْدَةَ في آخَرِينَ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأسْماؤُها: الحَمَلُ، والثَّوْرُ، والجَوْزاءُ، والسَّرَطانُ، والأسَدُ، والسُّنْبُلَةُ، والمِيزانُ، والعَقْرَبُ، والقَوْسُ، والجَدْيُ، والدَّلْوُ، والحُوتُ.
والثّانِي: أنَّها قُصُورٌ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ عَطِيَّةُ: هي قُصُورٌ في السَّماءِ فِيها الحَرَسُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ البُرُوجِ: الحُصُونُ.
والثّالِثُ: أنَّها الكَواكِبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. قالَ أبُو صالِحٍ: هي النُّجُومُ العِظامُ. قالَ قَتادَةُ: سُمِّيَتْ بُرُوجًا، لِظُهُورِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَزَيَّنّاها﴾ أيْ: حَسَّنّاها بِالكَواكِبِ.
وَفِي المُرادِ بِالنّاظِرِينَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُبْصِرُونَ. والثّانِي: المُعْتَبِرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ أيْ: حَفِطْناها أنْ يَصِلَ إلَيْها شَيْطانٌ أوْ يَعْلَمَ مِن أمْرِها شَيْئًا إلّا اسْتِراقًا، ثُمَّ يَتْبَعُهُ الشِّهابُ. والرَّجِيمُ مَشْرُوحٌ في (آلِ عِمْرانَ:٣٦) .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ كانَتِ الشَّياطِينُ تُرْمى بِالنُّجُومِ قَبْلَ مَبْعَثِ نَبِيِّنا ﷺ، أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّها لَمْ تُرْمَ حَتّى بُعِثَ ﷺ، وهَذا المَعْنى: مَذْكُورٌ في رِوايَةِ (p-٣٨٨)سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ أخْرَجَ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ عامِدِينَ إلى سُوقِ عُكاظَ، وقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّياطِينِ وبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ» "، وظاهِرُ هَذا الحَدِيثِ أنَّها لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَدُلُّ عَلى أنَّها إنَّما كانَتْ بَعْدَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ شُعَراءَ العَرَبِ الَّذِينَ يُمَثَّلُونَ بِالبَرْقِ والأشْياءِ المُسْرِعَةِ لَمْ يُوجَدْ في أشْعارِها ذِكْرُ الكَواكِبِ المُنْقَضَّةِ، فَلَمّا حَدَثَتْ بَعْدَ مَوْلِدِ نَبِيِّنا ﷺ اسْتَعْمَلَتِ الشُّعَراءُ ذِكْرَها، فَقالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎ كَذا كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ مُسَوَّمٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ
والثّانِي: أنَّهُ قَدْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ، فَرَوى مُسْلِمٌ في " صَحِيحِهِ " (p-٣٨٩)مِن حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما النَّبِيُّ ﷺ جالِسٌ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ، إذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ، فاسْتَنارَ، فَقالَ: " ما كُنْتُمْ تَقُولُونَ إذا كانَ مِثْلُ هَذا في الجاهِلِيَّةِ " ؟ قالُوا: كُنّا نَقُولُ: يَمُوتُ عَظِيمٌ، أوْ يُولَدُ عَظِيمٌ، قالَ: " فَإنَّها لا يُرْمى بِها لِمَوْتِ أحَدٍ ولا لِحَياتِهِ، ولَكِنَّ رَبَّنا إذا قَضى أمْرًا، سَبَّحَ حَمَلَةُ العَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أهْلُ السَّماءِ الَّذِينَ يَلُونَهم، حَتّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أهْلَ هَذِهِ السَّماءِ، ثُمَّ يَسْتَخْبِرُ أهْلُ السَّماءِ السّابِعَةِ حَمَلَةَ العَرْشِ: ماذا قالَ رَبُّكم ؟ فَيُخْبِرُونَهم، ثُمَّ يَسْتَخْبِرُ أهْلُ كُلِّ سَماءٍ أهْلَ سَماءٍ، حَتّى يَنْتَهِيَ الخَبَرُ إلى هَذِهِ السَّماءِ، وتَخْطِفُ الجِنُّ ويُرْمَوْنَ، فَما جاؤُوا بِهِ عَلى وجْهِهِ فَهو حَقٌّ، ولَكِنَّهم يَقْرِفُونَ فِيهِ ويَزِيدُونَ» " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الشَّياطِينَ كانَتْ لا تُحْجَبُ عَنِ السَّمَواتِ، فَلَمّا وُلِدَ عِيسى، مُنِعَتْ مِن ثَلاثِ سَماواتٍ، فَلَمّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مُنِعُوا مِنَ السَّمَواتِ كُلِّها. وقالَ الزُّهْرِيُّ: قَدْ كانَ يُرْمى بِالنُّجُومِ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ، ولَكِنَّها غَلُظَتْ حِينَ بُعِثَ ﷺ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، قالَ: وعَلى هَذا وجَدْنا الشِّعْرَ القَدِيمَ، قالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ، وهو جاهِلِيٌّ:
؎ والعَيْرُ يُرْهِقُها الغُبارُ وجَحْشُها ∗∗∗ يَنْقَضُّ خَلْفَهُما انْقِضاضَ الكَوْكَبِ
وَقالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ، وهو جاهِلِيٌّ:(p-٣٩٠)
؎ فانْقَضَّ كالدِّرِّيءِ يَتْبَعُهُ ∗∗∗ نَقْعٌ يَثُورُ تَخالُهُ طُنُبا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ أيِ: اخْتَطَفَ ما سَمِعَهُ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: اسْتَرَقَ السَّمْعَ: إذا سَمِعَ مُسْتَخْفِيًا. ﴿فَأتْبَعَهُ﴾ أيْ: لَحِقَهُ ﴿شِهابٌ مُبِينٌ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَوْكَبٌ مُضِيءٌ. وقِيلَ: " مُبِينٌ " بِمَعْنى: ظاهِرٌ يَراهُ أهْلُ الأرْضِ. وإنَّما يَسْتَرِقُ الشَّيْطانُ ما يَكُونُ مِن أخْبارِ الأرْضِ، فَأمّا وحْيُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَقَدْ صانَهُ عَنْهم.
واخْتَلَفُوا، هَلْ يَقْتُلُ الشِّهابُ، أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يُحْرِقُ ويُخَبِّلُ ولا يَقْتُلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: أنَّهُ يَقْتُلُ، قالَهُ الحَسَنُ. فَعَلى هَذا القَوْلِ، هَلْ يُقْتَلُ الشَّيْطانُ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَ بِما سَمِعَ، فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يُقْتَلُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَعَلى هَذا، لا تَصِلُ أخْبارُ السَّماءِ إلى غَيْرِ الأنْبِياءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولِذَلِكَ انْقَطَعَتِ الكِهانَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ يُقْتَلُ بَعْدَ إلْقائِهِ ما سَمِعَ إلى غَيْرِهِ مِنَ الجِنِّ، ولِذَلِكَ يَعُودُونَ إلى الِاسْتِراقِ، ولَوْ لَمْ يَصِلْ، لَقَطَعُوا الِاسْتِراقَ.
15:19–20Page 263
وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡزُونٖ ١٩
And the earth - We have spread it and cast therein firmly set mountains and caused to grow therein [something] of every well-balanced thing.
وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسۡتُمۡ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ ٢٠
And We have made for you therein means of living and [for] those for whom you are not providers.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾ أيْ: بَسَطْناها عَلى وجْهِ الماءِ ﴿وَألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ وهي الجِبالُ الثَّوابِتُ ﴿وَأنْبَتْنا فِيها﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الأرْضُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. والثّانِي: الجِبالُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
(p-٣٩١)وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَوْزُونَ: المَعْلُومُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ. وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ في آخَرِينَ: المَوْزُونُ: المَقْدُورُ. فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: مَعْلُومُ القَدْرِ كَأنَّهُ قَدْ وُزِنَ، لِأنَّ أهْلَ الدُّنْيا لَمّا كانُوا يَعْلَمُونَ قَدْرَ الشَّيْءِ بِوَزْنِهِ، أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذا أنَّهُ مَعْلُومُ القَدْرِ عِنْدَهُ بِأنَّهُ مَوْزُونٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّهُ جَرى عَلى وزْنٍ مِن قَدَرِ اللَّهِ تَعالى، لا يُجاوِزُ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، ولا يَسْتَطِيعُ خَلْقَ زِيادَةٍ فِيهِ ولا نُقْصانًا.
والثّانِي: أنَّهُ عَنى بِهِ الشَّيْءَ الَّذِي يُوزَنُ كالذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والرُّصاصِ، والحَدِيدِ، والكُحْلِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، وابْنِ السّائِبِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ في المُشارِ إلَيْهِما قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها الأرْضُ.
والثّانِي: أنَّها الأشْياءُ الَّتِي أنْبَتَتْ. والمَعايِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ. والمَعْنى: جَعَلْنا لَكم فِيها أرْزاقًا تَعِيشُونَ بِها.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ الدَّوابُّ والأنْعامُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: الوُحُوشُ، رَواهُ مَنصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الوَحْشُ، والطَّيْرُ، والسِّباعُ، وأشْباهُ ذَلِكَ مِمّا لا يَرْزُقُهُ ابْنُ آدَمَ.
والثّالِثُ: العَبِيدُ والإماءُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
والرّابِعُ: العَبِيدُ، والأنْعامُ، والدَّوابُّ، قالَهُ الزَّجّاجُ. قالَ الفَرّاءُ: و " مَن " (p-٣٩٢)فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، فالمَعْنى: جَعَلَنا لَكم فِيها المَعايِشَ، والعَبِيدَ، والإماءَ. ويُقالُ: إنَّها في مَوْضِعِ خَفْضٍ، فالمَعْنى: جَعَلَنا لَكم فِيها مُعايِشَ ولِمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: جَعَلَنا لَكُمُ الدَّوابَّ، والعَبِيدَ، وكُفِيتُمْ مَؤُونَةَ أرْزاقِها.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قُلْتُمْ: إنَّ " مَن " هاهُنا لِلْوُحُوشِ والدَّوابِّ، وإنَّما تَكُونُ لِمَن يَعْقِلُ ؟
فالجَوابُ: أنَّهُ لَمّا وُصِفَتِ الوُحُوشُ وغَيْرُها بِالمَعاشِ الَّذِي الغالِبُ عَلَيْهِ أنْ يُوصَفَ بِهِ النّاسُ، فَيُقالُ: لِلْآدَمِيِّ مَعاشٌ، ولا يُقالُ: لِلْفَرَسِ مَعاشٌ، جَرَتْ مَجْرى النّاسِ، كَما قالَ: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النَّمْلِ:١٨]، وقالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يُوسُفَ:٤]، وقالَ: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنْبِياءِ:٣٣]، وإنْ قُلْنا: أُرِيدَ بِهِ العَبِيدُ، والوُحُوشُ، فَإنَّهُ إذا اجْتَمَعَ النّاسُ وغَيْرُهم غُلِّبَ النّاسُ عَلى غَيْرِهِمْ، لِفَضِيلَةِ العَقْلِ والتَّمْيِيزِ.
15:21Page 263
وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ ٢١
And there is not a thing but that with Us are its depositories, and We do not send it down except according to a known [i.e., specified] measure.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: وما مِن شَيْءٍ ﴿إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ وهَذا الكَلامُ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ. وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المُرادَ بِهِ المَطَرُ خاصَّةً، فالمَعْنى عِنْدَهم: وما مِن شَيْءٍ مِنَ المَطَرِ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ. أيْ: في حُكْمِنا وتَدْبِيرِنا، ﴿وَما نُنَزِّلُهُ﴾ كُلَّ عامٍ ﴿إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ لا يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، فَما مِن عامٍ أكْثَرَ مَطَرًا مِن عامٍ، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَصْرِفُهُ إلى مَن يَشاءُ، ويَمْنَعُهُ مَن يَشاءُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences