Ibn al-JawziAn‑Nahl · 16:106–128

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:106–128

16:106–111Page 279

مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٦

Whoever disbelieves in [i.e., denies] Allāh after his belief...1 except for one who is forced [to renounce his religion] while his heart is secure in faith. But those who [willingly] open their breasts to disbelief, upon them is wrath from Allāh, and for them is a great punishment;

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠٧

That is because they preferred the worldly life over the Hereafter and that Allāh does not guide the disbelieving people.

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٠٨

Those are the ones over whose hearts and hearing and vision Allāh has sealed, and it is those who are the heedless.

لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٠٩

Assuredly, it is they, in the Hereafter, who will be the losers.

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٠

Then, indeed your Lord, to those who emigrated after they had been compelled [to say words of disbelief] and thereafter fought [for the cause of Allāh] and were patient - indeed, your Lord, after that, is Forgiving and Merciful

۞ يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١١١

On the Day when every soul will come disputing [i.e., pleading] for itself, and every soul will be fully compensated for what it did, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مَن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ القُرَشِيُّ، ومِقْيَسِ بْنِ صُبابَةَ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ أنَسِ بْنِ خَطَلٍ، وطُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقَ، وقَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقَيْسِ بْنِ الفاكِهِ المَخْزُومِيِّ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن أُكْرِهَ﴾ فاخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ نَزَلَ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، أخَذَهُ المُشْرِكُونَ فَعَذَّبُوهُ، فَأعْطاهم ما أرادُوا بِلِسانِهِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ. . . .﴾ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ في سُورَةِ النِّساءِ [٩٦، ٩٧] كَتَبَ بِها المُسْلِمُونَ الَّذِينَ بِالمَدِينَةِ إلى مَن كانَ بِمَكَّةَ، فَخَرَجَ ناسٌ مِمَّنْ أقَرَّ بِالإسْلامِ، فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأدْرَكُوهم، حَتّى أعْطَوُا الفِتْنَةَ، فَنَزَلَ ﴿إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَزَلَ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، كانَ قَدْ هاجَرَ فَحَلَفَتْ أُمُّهُ ألّا تَسْتَظِلَّ ولا تَشْبَعَ مِن طَعامٍ حَتّى يَرْجِعَ، فَرَجَعَ إلَيْها، فَأكْرَهَهُ المُشْرِكُونَ حَتّى أعْطاهم بَعْضَ ما يُرِيدُونَ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ نَزَلَ في جَبْرٍ غُلامِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ، كانَ يَهُودِيًّا فَأسْلَمَ فَضَرَبَهُ سَيِّدُهُ (p-٤٩٦)حَتّى رَجَعَ إلى اليَهُودِيَّةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ فَقالَ مُقاتِلٌ: هم النَّفَرُ المُسَمَّوْنَ في أوَّلِ الآيَةِ.

فَأمّا التَّفْسِيرُ، فاخْتَلَفَ النُّحاةُ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كَفَرَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ مَن شَرَحَ﴾ فَقالَ الكُوفِيُّونَ: جَوابُهُما جَمِيعًا في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ فَقالَ البَصْرِيُّونَ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ﴾ مَرْفُوعٌ بِالرَّدِّ عَلى ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ . قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ ﴿مَن كَفَرَ﴾ مَحْذُوفًا، لِوُضُوحِ مَعْناهُ، تَقْدِيرُهُ: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ، فاللَّهُ عَلَيْهِ غَضْبانُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ أيْ: ساكِنٌ إلَيْهِ راضٍ بِهِ. ﴿وَلَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾ قالَ قَتادَةُ: مَن أتاهُ بِإيثارٍ واخْتِيارٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن فَتَحَ لَهُ صَدْرَهُ بِالقَبُولِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: مَن تابَعَتْهُ نَفْسُهُ، وانْبَسَطَ إلى ذَلِكَ، يُقالُ: ما يَنْشَرِحُ صَدْرِي بِذَلِكَ، أيْ: ما يَطِيبُ. وجاءَ قَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ عَلى مَعْنى الجَمِيعِ، لِأنَّ " مَن " تَقَعُ عَلى الجَمِيعِ.

فَصْلٌ

الإكْراهُ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ يُبِيحُ النُّطْقَ بِها.

وَفِي الإكْراهِ المُبِيحِ لِذَلِكَ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ:

إحْداهُما: أنَّهُ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ أوْ عَلى بَعْضِ أعْضائِهِ التَّلَفَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ ما أُمِرَ بِهِ.

والثّانِيَةُ: أنَّ التَّخْوِيفَ لا يَكُونُ إكْراهًا حَتّى يُنالَ بِعَذابٍ. وإذْ ثَبَتَ جَوازُ " التَّقِيَّةِ " فالأفْضَلُ ألّا يَفْعَلَ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ، في أسِيرٍ خُيِّرَ بَيْنَ القَتْلِ (p-٤٩٧)وَشُرْبِ الخَمْرِ، فَقالَ: إنْ صَبَرَ عَلى القَتْلِ فَلَهُ الشَّرَفُ، وإنْ لَمْ يَصْبِرْ فَلَهُ الرُّخْصَةُ، فَظاهِرُ هَذا، الجَوازُ. ورَوى عَنْهُ الأثْرَمُ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّقِيَّةِ في شُرْبِ الخَمْرِ فَقالَ: إنَّما التَّقِيَّةُ في القَوْلِ. فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، فَأمّا إذا أُكْرِهَ عَلى الزِّنا، لَمْ يَجُزْ لَهُ الفِعْلُ، ولَمْ يَصِحَّ إكْراهُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ. فَإنْ أُكْرِهَ عَلى الطَّلاقِ، لَمْ يَقَعْ طَلاقُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَقَعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ الغَضَبُ والعَذابُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ شَرْحُ الصَّدْرِ لِلْكُفْرِ. و " اسْتَحَبُّوا " بِمَعْنى: أحَبُّوا الدُّنْيا واخْتارُوها عَلى الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: وبِأنَّ اللَّهَ لا يُرِيدُ هِدايَتَهم. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ [البَقَرَةِ:٧، والنِّساءِ:١٥٥، والمائِدَةِ:٦٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: الغافِلُونَ عَمّا يُرادُ بِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: عَنِ الآخِرَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا جَرَمَ﴾ قَدْ شَرَحْناها في (هُودٍ:٢٢) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن كانَ يُفْتَنُ بِمَكَّةَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ خَرَجُوا لِلْهِجْرَةِ، فَلِحَقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ (p-٤٩٨)الفِتْنَةَ فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ [العَنْكَبُوتِ:١٠]، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا، وأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، كانَ الشَّيْطانُ قَدْ أزَلَّهُ حَتّى لَحِقَ بِالكُفّارِ، فَأمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الفَتْحِ، فاسْتَجارَ لَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، فَأجارَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وفِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ وإنْ كانَ [قَدْ] عادَ إلى الإسْلامِ، فَإنَّ الهِجْرَةَ انْقَطَعَتْ بِالفَتْحِ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وعَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَيْدٍ الثَّقَفِيِّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ فَقَرَأ الأكْثَرُونَ: " فُتِنُوا " بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ التّاءِ، عَلى مَعْنى: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ المُشْرِكُونَ عَنْ دِينِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فُتِنُوا بِمَعْنى: عُذِّبُوا. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ: " فَتَنُوا " بِفَتْحِ الفاءِ والتّاءِ، عَلى مَعْنى: مِن بَعْدِ ما فَتَنُوا النّاسَ عَنْ دِينِ اللَّهِ، يُشِيرُ إلى مَن أسْلَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مِن بَعْدِ ما فَتَنُوا أنْفُسَهم بِإظْهارِ ما أظْهَرُوا لِلتَّقِيَّةِ، لِأنَّ الرُّخْصَةَ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ جاهَدُوا﴾ أيْ: قاتَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿وَصَبَرُوا﴾ عَلى الدِّينِ والجِهادِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ في المَكْنِيِّ عَنْها أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: الفِتْنَةُ، وهو مَذْهَبُ مُقاتِلٍ. والثّانِي: الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلُوها، قالَهُ الزَّجّاجُ. (p-٤٩٩)والثّالِثُ: المُجاهَدَةُ، والمُهاجَرَةُ، والصَّبْرُ. والرّابِعُ: المُهاجَرَةُ. ذَكَرَهُما واللَّذَيْنِ قَبْلَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى أحَدِ شَيْئَيْنِ، إمّا عَلى مَعْنى: إنَّ رَبَّكَ لَغَفُورٌ يَوْمَ تَأْتِي، وإمّا عَلى مَعْنى: اذْكُرْ يَوْمَ تَأْتِي. ومَعْنى ﴿تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ أيْ: عَنْها. والمُرادُ: أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ نَفْسِهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ لِكَعْبِ الأحْبارِ: يا كَعْبُ خَوِّفْنا، فَقالَ: إنَّ لِجَهَنَّمَ زَفْرَةً ما يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إلّا وقَعَ جاثِيًا عَلى رُكْبَتَيْهِ، حَتّى إنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ لَيُدْلِي بِالخُلَّةِ فَيَقُولُ: " يا رَبِّ أنا خَلِيلُكَ إبْراهِيمُ، لا أسْألُكَ إلّا نَفْسِي "، وإنَّ تَصْدِيقَ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ . وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الجِدالِ في (هُودٍ:٣٢) .

16:112Page 280

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١١٢

And Allāh presents an example: a city [i.e., Makkah] which was safe and secure, its provision coming to it in abundance from every location, but it denied the favors of Allāh. So Allāh made it taste the envelopment of hunger and fear for what they had been doing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً﴾ في هَذِهِ القَرْيَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها مَكَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجُمْهُورُ، وهو الصَّحِيحُ.

والثّانِي: أنَّها قَرْيَةٌ أوْسَعَ اللَّهُ عَلى أهْلِها حَتّى كانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالخُبْزِ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجُوعَ حَتّى كانُوا يَأْكُلُونَ ما يَقْعُدُونَ، قالَهُ الحَسَنُ. فَأمّا ما يُرْوى عَنْ (p-٥٠٠)حَفْصَةَ أنَّها قالَتْ: هي المَدِينَةُ، فَذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، لا عَلى وجْهِ التَّفْسِيرِ، وبَيانُهُ ما رَوى سَلِيمُ بْنُ عَنْزٍ، قالَ: صَدَرْنا مِنَ الحَجِّ مَعَ حَفْصَةَ، وعُثْمانُ مَحْصُورٌ بِالمَدِينَةِ، فَرَأتْ راكِبَيْنِ فَسَألَتْهُما عَنْهُ، فَقالا: قُتِلَ، فَقالَتْ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَلْقَرْيَةُ، تَعْنِي المَدَينَةَ الَّتِي قالَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾، تَعْنِي حَفْصَةُ: أنَّها كانَتْ عَلى قانُونِ الِاسْتِقامَةِ في أيّامِ النَّبِيِّ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ عِنْدَ قَتْلِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ومَعْنى ﴿كانَتْ آمِنَةً﴾ أيْ: ذاتُ أمْنٍ يَأْمَنُ فِيها أهْلُها أنْ يُغارَ عَلَيْهِمْ، " مُطْمَئِنَّةً " أيْ: ساكِنَةً بِأهْلِها لا يَحْتاجُونَ إلى الِانْتِقالِ عَنْها لِخَوْفٍ أوْ ضِيقٍ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الرَّغَدِ في (البَقَرَةِ:٣٥،٥٨) .

وَقَوْلُهُ: ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ أيْ: يُجْلَبُ إلَيْها مِن كُلِّ بَلَدٍ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾ بِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ .

وَفِي واحِدِ الأنْعُمِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ واحِدَها " نُعْمٌ " قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: " نِعْمَةٌ " قالَهُ الزَّجّاجُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَيْسَ قَوْلُ مَن قالَ: هو جَمْعُ " نِعْمَةٍ " بِشَيْء، لِأنَّ " فِعْلَةً " لا تُجْمَعُ عَلى " أفْعُلٍ "، وإنَّما هو جَمْعُ " نُعْمٍ "، يُقالُ: يَوْمٌ نُعْمٌ، ويَوْمٌ بُؤْسٌ، ويُجْمَعُ " أنْعُمًا "، و " أبْؤُسًا " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾ ورَوى عَبِيدُ بْنُ عَقِيلٍ، وعَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرِو: " والخَوْفَ " بِنَصْبِ الفاءِ. وأصْلُ الذَّوْقِ إنَّما هو بِالفَمِ، وهَذا اسْتِعارَةٌ مِنهُ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في (آلِ عِمْرانَ:١٠٦،١٨٥) . وإنَّما ذُكِرَ اللِّباسُ هاهُنا تَجَوُّزًا، لِما يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن أثَرِ الجُوعِ والخَوْفِ، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾ [الأعْرافِ:٢٦] وذَلِكَ لِما يَظْهَرُ عَلى المُتَّقِي مِن أثَرِ (p-٥٠١)التَّقْوى. قالَ المُفَسِّرُونَ: عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِالجُوعِ سَبْعَ سِنِينَ حَتّى أكَلُوا الجِيَفَ والعِظامَ المُحْتَرِقَةَ. فَأمّا الخَوْفُ، فَهو خَوْفُهم مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومِن سَراياهُ الَّتِي كانَ يَبْعَثُها حَوْلَهم. والكَلامُ َفي هَذِهِ الآيَةِ خَرَجَ عَلى القَرْيَةِ، والمُرادُ أهْلُها، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يَعْنِي بِهِ: بِتَكْذِيبِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإخْراجِهِمْ إيّاهُ وما هَمُّوا بِهِ مِن قَتْلِهِ.

16:113Page 280

وَلَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡهُمۡ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١١٣

And there had certainly come to them a Messenger from among themselves, but they denied him; so punishment overtook them while they were wrongdoers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ " رَسُولٌ مِنهم " يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ الجُوعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: القَتْلُ بِبَدْرٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قالَ ابْنُ السّائِبِ: ﴿وَهم ظالِمُونَ﴾ أيْ: كافِرُونَ.

16:114–115Page 280

فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١١٤

Then eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And be grateful for the favor of Allāh, if it is [indeed] Him that you worship.

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٥

He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ في المُخاطَبِينَ بِهَذا قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ المُشْرِكُونَ، لَمّا اشْتَدَّتْ مَجاعَتُهم، كَلَّمَ رُؤَساؤُهم رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنْ كُنْتَ عادَيْتَ الرِّجالَ، فَما بالُ النِّساءِ والصِّبْيانِ ؟! فَأذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنّاسِ أنْ يَحْمِلُوا الطَّعامَ إلَيْهِمْ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ، وذَكَرَ نَحْوَهُ الفَرّاءُ، وهَذِهِ الآيَةُ والَّتِي تَلِيها مُفَسَّرَتانِ في (البَقَرَةِ:١٧٢،١٧٣) .

16:116–117Page 280

وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ١١٦

And do not say about what your tongues assert of untruth, "This is lawful and this is unlawful," to invent falsehood about Allāh. Indeed, those who invent falsehood about Allāh will not succeed.

مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١٧

[It is but] a brief enjoyment, and they will have a painful punishment.

(p-٥٠٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: اللّامُ في " لِما " بِمَعْنى مِن أجْلِ، وتَلْخِيصُ الكَلامِ: ولا تَقُولُوا: هَذِهِ المَيْتَةُ حَلالٌ، وهَذِهِ البَحِيرَةُ حَرامٌ، مِن أجْلِ كَذِبِكم، وإقْدامِكم عَلى الوَصْفِ، والتَّخَرُّصِ لِما لا أصْلَ لَهُ، فَجَرَتِ اللّامُ هاهُنا مَجْراها في قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العادِيّاتِ:٨] أيْ: وإنَّهُ مِن أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ لَبَخِيلٌ، و " ما " بِمَعْنى المَصْدَرِ، والكَذِبُ مَنصُوبٌ بِـ " تَصِفُ "، والتَّلْخِيصُ: لا تَقُولُوا لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " الكُذُبُ " قالَ ابْنُ القاسِمِ: هو نَعْتُ الألْسِنَةِ، وهو جَمْعُ كَذُوبٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: والمَعْنى: أنَّ تَحْلِيلَكم وتَحْرِيمَكم لَيْسَ لَهُ مَعْنًى إلّا الكَذِبُ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ إلى ما كانُوا يُحِلُّونَ ويُحَرِّمُونَ ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَنْسِبُونَ ذَلِكَ التَّحْلِيلَ والتَّحْرِيمَ إلى اللَّهِ تَعالى، ويَقُولُونَ هو أمَرَنا بِهَذا.

وَقَوْلُهُ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ أيْ: مَتاعُهم بِهَذا الَّذِي فَعَلُوهُ قَلِيلٌ.

16:118–119Page 280

وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا مَا قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُۖ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٨

And to those who are Jews We have prohibited that which We related to you before.1 And We did not wrong them [thereby], but they were wronging themselves.

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ ١١٩

Then, indeed your Lord, to those who have done wrong out of ignorance and then repent after that and correct themselves - indeed, your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ يَعْنِي بِهِ (p-٥٠٣)ما ذُكِرَ في (الأنْعامِ:١٢٦) وهو قَوْلُهُ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ بِتَحْرِيمِنا ما حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ، ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ بِالبَغْيِ والمَعاصِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في سُورَةِ (النِّساءِ:١٧)، وشَرَحْنا في (البَقَرَةِ:١٦٠) التَّوْبَةَ والإصْلاحَ، وذَكَرْنا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِها﴾ آنِفًا.

16:120–122Page 281

إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٠

Indeed, Abraham was a [comprehensive] leader,1 devoutly obedient to Allāh, inclining toward truth, and he was not of those who associate others with Allāh.

شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ ٱجۡتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٢١

[He was] grateful for His favors. He [i.e., Allāh] chose him and guided him to a straight path.

وَءَاتَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٢٢

And We gave him good in this world, and indeed, in the Hereafter he will be among the righteous.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: فُلانٌ رَحْمَةٌ، وفُلانٌ عَلّامَةٌ، ونَسّابَةٌ، ويَقْصِدُونَ بِهَذا التَّأْنِيثِ قَصْدَ التَّناهِي في المَعْنى الَّذِي يَصِفُونَهُ، والعَرَبُ قَدْ تُوقِعُ الأسْماءَ المُبْهَمَةَ عَلى الجَماعَةِ، وعَلى الواحِدِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ [آلِ عِمْرانَ:٣٩]، وإنَّما ناداهُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالأُمَّةِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّ الأُمَّةَ: الَّذِي يُعْلِّمُ الخَيْرَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ المُؤْمِنُ وحْدَهُ في زَمانِهِ، رَوى هَذا المَعْنى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الإمامُ الَّذِي يُقْتَدى بِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وهو في مَعْنى القَوْلِ الأوَّلِ. فَأمّا القانِتُ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هو المُطِيعُ. وقَدْ شَرَحْنا " القُنُوتَ " في (البَقَرَةِ ١١٦،٢٣٨) وكَذَلِكَ الحَنِيفُ [البَقَرَةِ:١٣٥] .

(p-٥٠٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَكُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُها: لَمْ يَكُنْ، وإنَّما حُذِفَتِ النُّونُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِ هَذا الحَرْفِ، وذَكَرَ الجُلَّةُ مِنَ البَصْرِيِّينَ أنَّها إنَّما احْتَمَلَتِ الحَذْفَ، لِأنَّهُ اجْتَمَعَ فِيها كَثْرَةُ الِاسْتِعْمالِ، وأنَّها عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما يَمْضِي مِنَ الأفْعالِ وما يُسْتَأْنَفُ، وأنَّها قَدْ أشْبَهَتْ حُرُوفَ اللِّينِ، وأنَّها تَكُونُ عَلامَةً كَما تَكُونُ حُرُوفُ اللِّينِ عَلامَةً، وأنَّها غُنَّةٌ تَخْرُجُ مِنَ الأنْفِ، فَلِذَلِكَ احْتَمَلَتِ الحَذْفَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شاكِرًا لأنْعُمِهِ﴾ انْتَصَبَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿أُمَّةً قانِتًا﴾ وقَدْ ذَكَرْنا واحِدُ الأنْعُمِ آنِفًا، وشَرَحْنا مَعْنى " الِاجْتِباءِ " في (الأنْعامِ:٨٧) قالَ مُقاتِلٌ: والمُرادُ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ هاهُنا: الإسْلامُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ فِيها سِتَّةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها الذِّكْرُ الحَسَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: النُّبُوَّةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: لِسانُ صِدْقٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: اجْتِماعُ المِلَلِ عَلى وِلايَتِهِ، فَكُلُّهم يَتَوَلَّوْنَهُ ويَرْضَوْنَهُ، قالَهُ قَتادَةُ. والخامِسُ: أنَّها الصَّلاةُ عَلَيْهِ مَقْرُونَةً بِالصَّلاةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ. والسّادِسُ: الأوْلادُ الأبْرارُ عَلى الكِبَرِ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ. وباقِي الآيَةِ مُفَسَّرٌ في (البَقَرَةِ:١٣٠) .

16:123Page 281

ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٣

Then We revealed to you, [O Muḥammad], to follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of those who associate with Allāh.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ مِلَّتُهُ: دِينُهُ.

وَفِيما أُمِرَ بِاتِّباعِهِ مِن ذَلِكَ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ أُمِرَ بِاتِّباعِهِ في جَمِيعِ مِلَّتِهِ، إلّا ما أُمِرَ بِتَرْكِهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ.

[والثّانِي: اتَّباعُهُ في التَّبَرُّؤِ مِنَ الأوْثانِ، والتَّدَيُّنِ بِالإسْلامِ، قالَهُ (p-٥٠٥)أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ] .

وَفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَواز اتِّباعِ المَفْضُولِ، لِأنَّ رَسُولَنا أفْضَلُ الرُّسُلِ، وإنَّما أُمِرَ بِاتِّباعِهِ، لِسَبْقِهِ إلى القَوْلِ بِالحَقِّ.

16:124Page 281

إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبۡتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٢٤

The sabbath was only appointed for those who differed over it. And indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ﴾ أيْ: إنَّما فُرِضَ تَعْظِيمُهُ وتَحْرِيمُهُ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ: ﴿إنَّما جُعِلَ﴾ بِفَتْحِ الجِيمِ والعَيْنِ ﴿السَّبْتُ﴾ بِنَصْبِ التّاءِ ﴿عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ والهاءُ تَرْجِعُ إلى السَّبْتِ.

وَفِي مَعْنى اخْتِلافِهِمْ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ مُوسى قالَ لَهم: تَفَرَّغُوا لِلَّهِ في كُلِّ سَبْعَةِ أيّامٍ يَوْمًا، فاعْبُدُوهُ في يَوْمِ الجُمْعَةِ، ولا تَعْمَلُوا فِيهِ شَيْئًا مِن صَنِيعِكم، فَأبَوْا أنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ، وقالُوا: لا نَبْتَغِي إلّا اليَوْمَ الَّذِي فُرِغَ فِيهِ مِنَ الخَلْقِ، وهو يَوْمُ السَّبْتِ، فَجُعِلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وشُدِّدَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أمَرَهم مُوسى بِيَوْمِ الجُمْعَةِ، قالُوا: نَتَفَرَّغُ يَوْمَ السَّبْتِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ فِيهِ شَيْئًا، فَقالَ: إنَّما أُمِرْتُ بِيَوْمِ الجُمْعَةِ، فَقالَ أحْبارُهم: انْتَهُوا إلى أمْرِ نَبِيِّكم، فَأبَوْا، فَذَلِكَ اخْتِلافُهم، فَلَمّا رَأى مُوسى حِرْصَهم عَلى السَّبْتِ، أمَرَهم بِهِ، فاسْتَحَلُّوا فِيهِ المَعاصِيَ. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: رَأى مُوسى رَجُلًا يَحْمِلُ قَصَبًا يَوْمَ السَّبْتِ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ أرْبَعِينَ صَباحًا. وذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في " مُخْتَلِفِ الحَدِيثِ ": «أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ مُوسى بِالسَّبْتِ، ونُسِخَ السَّبْتُ بِالمَسِيحِ» .

والثّانِي: أنْ بَعْضَهُمُ اسْتَحَلَّهُ، وبَعْضَهم حَرَّمَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

16:125Page 281

ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٢٥

Invite to the way of your Lord with wisdom and good instruction, and argue with them in a way that is best. Indeed, your Lord is most knowing of who has strayed from His way, and He is most knowing of who is [rightly] guided.

(p-٥٠٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ مَعَ الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها، وسَنَذْكُرُ هُناكَ السَّبَبَ. فَأمّا السَّبِيلُ، فَقالَ مُقاتِلٌ: هو دِينُ الإسْلامِ.

وَفِي المُرادِ بِالحِكْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها القُرْآنُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: الفِقْهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: النُّبُوَّةُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي " المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ " قَوْلانِ:

أحَدُهُما: مَواعِظُ القُرْآنِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: الأدَبُ الجَمِيلُ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجادِلْهُمْ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ، قالَهُ أبَو صالِحٍ. والثّانِي: أهْلُ الكِتابِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: جادِلْهم بِالقُرْآنِ. والثّانِي: بِـ " لا إلَهَ إلّا اللَّهُ " رُوِيَ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: جادِلْهم غَيْرَ فَظٍّ ولا غَلِيظٍ، وألِنْ لَهم جانِبَكَ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ التَّفْسِيرِ: وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ﴾ المَعْنى: هو أعْلَمُ بِالفَرِيقَيْنِ، فَهو يَأْمُرُكَ فِيهِما بِما فِيهِ الصَّلاحُ.

16:126–128Page 281

وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ ١٢٦

And if you punish [an enemy, O believers], punish with an equivalent of that with which you were harmed.1 But if you are patient - it is better for those who are patient.

وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ١٢٧

And be patient, [O Muḥammad], and your patience is not but through Allāh. And do not grieve over them and do not be in distress over what they conspire.

إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ ١٢٨

Indeed, Allāh is with those who fear Him and those who are doers of good.

(p-٥٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ:

أحَدُهُما: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أشْرَفَ عَلى حَمْزَةَ، فَرَآهُ صَرِيعًا، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا كانَ أوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ، فَقالَ: " واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم "، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ﴾ . . " إلى آخِرِها، فَصَبَرَ رَسُولُ اللَّهِ وكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ»، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمْزَةَ قَدْ شُقَّ بَطْنُهُ، وجُدِعَتْ أُذُناهُ، فَقالَ: " لَوْلا أنْ تَحْزَنَ النِّساءُ، أوْ تَكُونَ سُنَّةً بَعْدِي لَتَرَكْتُهُ حَتّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِن بُطُونِ السِّباعِ والطَّيْرِ، ولَأقْتُلَنَّ مَكانَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنهم " فَنَزَلَ قَوْلُهُ: " ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ﴾» . ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ يَوْمَئِذٍ: " «لَئِنْ ظَفِرْتُ بِقاتِلِ حَمْزَةَ لَأُمَثِّلَنَّ بِهِ مُثْلَةً تَتَحَدَّثُ بِها العَرَبُ» "، وكانَتْ هِنْدٌ وآخَرُونَ مَعَها قَدْ مَثَّلُوا بِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ أُصِيبَ مِنَ الأنْصارِ يَوْمَ أُحُدٍ أرْبَعَةٌ وسِتُّونَ، ومِنَ المُهاجِرِينَ سِتَّةٌ مِنهم حَمْزَةُ، ومَثَّلُوا بِقَتْلاهم، فَقالَتِ الأنْصارُ: لَئِنْ أصَبْنا مِنهم يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، لَنَزِيدَنَّ عَلى عِدَّتِهِمْ مَرَّتَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. (p-٥٠٨)وَرَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: لَئِنْ أمْكَنَنا اللَّهُ مِنهم، لَنُمَثِّلَنَّ بِالأحْياءِ فَضْلًا عَنِ الأمْواتِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ، فَمَثِّلُوا بِالأمْواتِ، كَما مَثَّلُوا بِأمْواتِكم. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما سَمّى فِعْلَ المُشْرِكِينَ مُعاقَبَةً وهُمُ ابْتَدَؤُوا بِالمُثْلَةِ، لِيَزْدَوِجَ اللَّفْظانِ، فَيَخِفَّ عَلى اللِّسانِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ [الشُّورى:٤٠] .

فَصْلٌ

واخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ هَذِهِ [الآيَةُ] مَنسُوخَةٌ، أمْ لا ؟ عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ (بَراءَةٍ) فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُقاتِلَ مَن قاتَلَهُ، ولا يَبْدَأُ بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، وأُمِرَ بِالجِهادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ عَنِ القِتالِ، ثُمَّ نَسَخَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ:٥] .

والثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ، وإنَّما نَزَلَتْ فِيمَن ظُلِمَ ظُلامَةً، فَلا يَحْلُّ لَهُ أنْ يَنالَ مِن ظالِمِهِ أكْثَرَ مِمّا نالَهُ الظّالِمُ مِنهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ، والثَّوْرِيُّ، وعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: ولَئِنْ صَبَرْتُمْ عَنِ المُثْلَةِ، لا عَنِ القِتالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ﴾ أيْ: بِتَوْفِيقِهِ ومَعُونَتِهِ. وهَذا أمْرٌ بِالعَزِيمَةِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: عَلى كُفّارِ مَكَّةَ إنْ لَمْ يُسْلِمُوا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ولا تَحْزَنْ عَلى قَتْلى أُحُدٍ، فَإنَّهم أفْضَوْا إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

(p-٥٠٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَكُ في ضَيْقٍ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ بِنَصْبِ الضّادِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: " في ضِيقٍ " بِكَسْرِ الضّادِ هاهُنا وفي (النَّمْلِ:٧٠) . قالَ الفَرّاءُ: الضَّيْقُ بِفَتْحِ الضّادِ: ما ضاقَ عَنْهُ صَدْرُكَ، والضِّيقُ: ما يَكُونُ في الَّذِي يَضِيقُ ويَتَّسِعُ، مِثْلُ الدّارِ والثَّوْبِ وأشْباهِ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الضَّيْقُ: تَخْفِيفُ ضَيِّقٍ، مِثْلُ: هَيْنٍ ولَيْنٍ، وهو، إذا كانَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ: صِفَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: لا تَكُ في أمْرٍ ضَيِّقٍ مِن مَكْرِهِمْ. قالَ: ويُقالُ: مَكانٌ ضَيْقٌ وضَيِّقٌ، بِمَعْنًى واحِدٍ، كَما يُقالُ: رَطْلٌ ورِطْلٌ، وهَذا أعْجَبُ إلَيَّ. فَأمّا مَكْرُهُمُ المَذْكُورُ هاهُنا، فَقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فِعْلُهم وعَمَلُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ما نَهاهم عَنْهُ، وأحْسَنُوا فِيما أمَرَهم بِهِ، بِالعَوْنِ والنَّصْرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском