Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic
الإسراء
Al-Isra
The Night Journey · Meccan · 111 ayahs
17:1Page 282
سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١
Exalted1 is He who took His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] by night from al-Masjid al-Ḥarām to al-Masjid al-Aqṣā,2 whose surroundings We have blessed, to show him of Our signs. Indeed, He is the Hearing,3 the Seeing.4
(p-٣)سُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ
فَصْلٌ في نُزُولِها
هِيَ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجَماعَةِ، إلّا أنَّ بَعْضَهم يَقُولُ: فِيها مَدَنِيٌّ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَمانِ آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿نَصِيرًا﴾ [ الإسْراءِ: ٧٣ - ٧٥ ]، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مِنَ المَدَنِيِّ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [ الإسْراءِ: ٨٠ ]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ [ الإسْراءِ: ١٠٧ ]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ [ الإسْراءِ: ٦٠ ]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [ الإسْراءِ: ٧٣ ]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ [ الإسْراءِ: ٧٦ ]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ والَّتِي تَلِيها [ الإسْراءِ: ٧٤، ٧٥ ] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَ﴾ رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ " سُبْحانَ اللَّهِ "، فَقالَ: " تَنْزِيهٌ لِلَّهِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ» "، وقَدْ ذَكَرْنا هَذا المَعْنى في ( البَقَرَةِ: ٣٢ ) . (p-٤)
قالَ الزَّجّاجُ: و " أسْرى " بِمَعْنى: سَيَّرَ عَبْدَهُ، يُقالُ: أسْرَيْتُ وسَرَيْتُ: إذا سِرْتُ لَيْلًا. وقَدْ جاءَتِ اللُّغَتانِ في القُرْآَنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [ الفَجْرِ: ٤ ] .
وَفِي مَعْنى التَّسْبِيحِ هاهُنا قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ العَرَبَ تُسَبِّحُ عِنْدَ الأمْرِ المُعَجِّبِ، فَكَأنَّ اللَّهَ تَعالى عَجَّبَ العِبادَ مِمّا أسْدى إلى رَسُولِهِ مِنَ النِّعْمَةِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ خَرَجَ مَخْرَجَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ لَمّا حَدَّثَهم بِالإسْراءِ كَذَّبُوهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: تَنَزَّهَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ رَسُولًا كَذّابًا. ولا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِعَبْدِهِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ ﷺ .
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ مِن نَفْسِ المَسْجِدِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ويَسْنِدُهُ حَدِيثُ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وهو في " الصَّحِيحَيْنِ ": " «بَيْنا أنا في الحَطِيمِ» "، ورُبَّما قالَ بَعْضُ الرُّواةِ: " في الحِجْرِ " .
والثّانِي: أنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ مِن بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، (p-٥)فَعَلى هَذا يَعْنِي بِالمَسْجِدِ الحَرامِ: الحَرَمُ. والحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ، ذَكَرَهُ القاضِي أبُو يَعْلى وغَيْرُهُ.
فَأمّا ﴿المَسْجِدِ الأقْصى﴾: فَهو بَيْتُ المَقْدِسِ، وقِيلَ لَهُ: الأقْصى؛ لِبُعْدِ المَسافَةِ بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ. ومَعْنى ﴿بارَكْنا حَوْلَهُ﴾: أنَّ اللَّهَ أجْرى حَوْلَهُ الأنْهارَ وأنْبَتَ الثِّمارَ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مَقَرُّ الأنْبِياءِ ومَهْبِطُ المَلائِكَةِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ أمْ لا؛ فَرَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وصَلّى فِيهِ بِالأنْبِياءِ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ. وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ: لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ المَقْدِسِ ولَمْ يُصَلِّ فِيهِ، ولا نَزَلَ عَنِ البُراقِ حَتّى عُرِجَ بِهِ.
فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾، وأنْتُمْ تَقُولُونَ: صَعِدَ إلى السَّماءِ ؟
فالجَوابُ: أنَّ الإسْراءَ كانَ إلى هُنالِكَ، والمِعْراجَ كانَ مِن هُنالِكَ.
وَقِيلَ: إنَّ الحِكْمَةَ في ذِكْرِ ذَلِكَ: أنَّهُ لَوْ أُخْبِرَ بِصُعُودِهِ إلى السَّماءِ في بَدْءِ الحَدِيثِ، لاشْتَدَّ إنْكارُهُمْ، فَلَمّا أُخْبِرَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وبانَ لَهم صِدْقُهُ فِيما أخْبَرَهم بِهِ مِنَ العَلاماتِ الصّادِقَةِ، أُخْبِرَ بِمِعْراجِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾، يَعْنِي: ما رَأى؛ أيْ: تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنَ العَجائِبِ الَّتِي أخْبَرَ بِها النّاسَ. ﴿ " إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ " لِمَقالَةِ قُرَيْشٍ، ﴿البَصِيرُ﴾ بِها. وقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِنا المُسَمّى بِـ " الحَدائِقِ " أحادِيثَ المِعْراجِ، وكَرِهْنا الإطالَةَ هاهُنا.
17:2–3Page 282
وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا ٢
And We gave Moses the Scripture and made it a guidance for the Children of Israel that you not take other than Me as Disposer of affairs,1
ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا ٣
O descendants of those We carried [in the ship] with Noah. Indeed, he was a grateful servant.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ لَمّا ذَكَرَ في الآَيَةِ الأُولى إكْرامَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ذَكَرَ في هَذِهِ كَرامَةَ مُوسى. و " الكِتابَ ": التَّوْراةُ.
﴿وَجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: دَلَّلْناهم بِهِ عَلى الهُدى. ﴿ألا تَتَّخِذُوا﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( يَتَّخِذُوا ) بِالياءِ، والمَعْنى: هَدَيْناهم لِئَلّا يَتَّخِذُوا. وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو عَلى الِانْصِرافِ إلى الخِطابِ بَعْدَ الغَيْبَةِ، مِثْلُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾، ثُمَّ [ قالَ ] ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكِيلا﴾ قالَ مُجاهِدٌ: شَرِيكًا. وقالَ الزَّجّاجُ: رَبًّا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قِيلَ لِلرَّبِّ: وكِيلٌ؛ لِكِفايَتِهِ وقِيامِهِ بِشَأْنِ عِبادِهِ؛ مِن أجْلِ أنَّ الوَكِيلَ عِنْدَ النّاسِ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ يَقُومُ بِشُؤُونِ أصْحابِهِ، وتَفَقُّدِ أُمُورِهِمْ، فَكانَ الرَّبُّ وكِيلًا مِن هَذِهِ الجِهَةِ، لا عَلى مَعْنى ارْتِفاعِ مَنزِلَةِ المُوَكِّلِ وانْحِطاطِ أمْرِ الوَكِيلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هو نِداءٌ يا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قَرَأ: ( ألّا تَتَّخِذُوا ) بِالتّاءِ، فَإنَّهُ يَقُولُ: بَعْدَ الذُّرِّيَّةِ مُضْمَرٌ حُذِفَ اعْتِمادًا عَلى دَلالَةِ ما سَبَقَ، تَلْخِيصُهُ: يا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ لا تَتَّخِذُوا وكِيلًا، ويَجُوزُ أنْ يَسْتَغْنِيَ عَنِ الإضْمارِ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى: اشْكُرُونِي كَشُكْرِهِ. ومَن قَرَأ: ( لا يَتَّخِذُوا ) بِالياءِ، جَعَلَ النِّداءُ مُتَّصِلًا بِالخِطابِ، و " الذُّرِّيَّةُ " تَنْتَصِبُ بِالنِّداءِ، ويَجُوزُ نَصْبُها بِالِاتِّخاذِ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ ثانٍ، تَلْخِيصُ الكَلامِ: أنْ لا يَتَّخِذُوا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وكِيلًا. قالَ قَتادَةُ: النّاسُ كُلُّهم ذُرِّيَّةَ مَن أنْجى اللَّهُ في تِلْكَ السَّفِينَةِ.
قالَ العُلَماءُ: ووَجْهُ الإنْعامِ عَلى الخَلْقِ بِهَذا القَوْلِ، أنَّهم كانُوا في صُلْبِ مَن نَجا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ قالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: كانَ إذا أكَلَ (p-٧)قالَ: " الحَمْدُ لِلَّهِ "، وإذا شَرِبَ قالَ: " الحَمْدُ لِلَّهِ " . وقالَ غَيْرُهُ: كانَ إذا لَبِسَ ثَوْبًا قالَ: " الحَمْدُ لِلَّهِ "، فَسَمّاهُ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا.
17:4–6Page 282
وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤
And We conveyed1 to the Children of Israel in the Scripture that, "You will surely cause corruption on the earth twice, and you will surely reach [a degree of] great haughtiness."
فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا ٥
So when the [time of] promise came for the first of them,1 We sent against you servants of Ours - those of great military might, and they probed [even] into the homes,2 and it was a promise fulfilled.
ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا ٦
Then We gave back to you a return victory over them. And We reinforced you with wealth and sons and made you more numerous in manpower.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أخْبَرْناهُمْ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: قَضَيْنا عَلَيْهِمْ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، فَعَلى الأوَّلِ تَكُونُ " إلى " عَلى أصْلِها، ويَكُونُ الكِتابُ: التَّوْراةُ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ " إلى " بِمَعْنى " عَلى "، ويَكُونُ الكِتابُ: الذِّكْرُ الأوَّلُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ﴾، يَعْنِي: أرْضَ مِصْرَ ﴿ " مَرَّتَيْنِ﴾ " بِالمَعاصِي ومُخالَفَةِ التَّوْراةِ.
وَفِي مَن قَتَلُوهُ مِنَ الأنْبِياءِ في الفَسادِ الأوَّلِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: زَكَرِيّا، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. (p-٨)
والثّانِي: شِعْيا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ. فَأمّا المَقْتُولُ مِنَ الأنْبِياءِ في الفَسادِ الثّانِي فَهو يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا. قالَ مُقاتِلٌ: كانَ بَيْنَ الفَسادَيْنِ مِئَتا سَنَةٍ وعَشْرُ سِنِينَ. فَأمّا السَّبَبُ في قَتْلِهِمْ زَكَرِيّا، فَإنَّهُمُ اتَّهَمُوهُ بِمَرْيَمَ، وقالُوا: مِنهُ حَمَلَتْ، فَهَرَبَ مِنهُمْ، فانْفَتَحَتْ لَهُ شَجَرَةٌ، فَدَخَلَ فِيها وبَقِيَ مِن رِدائِهِ هُدْبٌ، فَجاءَهُمُ الشَّيْطانُ فَدَلَّهم عَلَيْهِ، فَقَطَعُوا الشَّجَرَةَ بِالمِنشارِ وهو فِيها. وأمّا السَّبَبُ في قَتْلِهِمْ شِعْيا، فَهو أنَّهُ قامَ فِيهِمْ بِرِسالَةٍ مِنَ اللَّهِ يَنْهاهم عَنِ المَعاصِي. وقِيلَ: هو الَّذِي هَرَبَ مِنهم فَدَخَلَ في الشَّجَرَةِ حَتّى قَطَعُوهُ بِالمِنشارِ، وأنَّ زَكَرِيّا ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ. وأمّا السَّبَبُ في قَتْلِهِمْ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا فَفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ مَلِكَهم أرادَ نِكاحَ امْرَأةٍ لا تَحِلُّ لَهُ، فَنَهاهُ عَنْها يَحْيى. ثُمَّ فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها ابْنَةُ أخِيهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: ابْنَتُهُ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. والثّالِثُ: أنَّها امْرَأةُ أخِيهِ، وكانَ ذَلِكَ لا يَصْلُحُ عِنْدَهُمْ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْهِما السَّلامُ. والرّابِعُ: ابْنَةُ امْرَأتِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وذَكَرَ أنَّ السَّبَبَ في ذَلِكَ: أنَّ مَلِكَ بَنِي إسْرائِيلَ هَوِيَ بِنْتَ امْرَأتِهِ، فَسَألَ يَحْيى عَنْ نِكاحِها فَنَهاهُ، فَحَنِقَتْ أُمُّها عَلى يَحْيى حِينَ نَهاهُ أنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَها، وعَمَدَتْ إلى ابْنَتِها فَزَيَّنَتْها وأرْسَلَتْها إلى المَلِكِ حِينَ جَلَسَ عَلى شَرابِهِ، وأمَرَتْها أنْ تَسْقِيَهُ، وأنْ تَعْرِضَ لَهُ، فَإنْ أرادَها عَلى نَفْسِها، أبَتْ حَتّى يُؤْتى بِرَأْسِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا في طَسْتٍ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، فَقالَ: ويْحَكِ سَلِينِي غَيْرَ هَذا، فَقالَتْ: ما أُرِيدُ إلّا هَذا، فَأمَرَ، فَأُتِيَ بِرَأْسِهِ والرَّأْسُ يَتَكَلَّمُ ويَقُولُ: لا تَحِلُّ لَكَ، لا تَحِلُّ لَكَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ امْرَأةَ المَلِكِ رَأتْ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ قَدْ أُعْطِي حُسْنًا وجَمالًا، فَأرادَتْهُ عَلى نَفْسِهِ فَأبى، فَقالَتْ لِابْنَتِها: سَلِي أباكِ رَأْسَ يَحْيى، فَأعْطاها (p-٩)ما سَألَتْ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. قالَ العُلَماءُ بِالسِّيَرِ: ما زالَ دَمُ يَحْيى يَغْلِي حَتّى قُتِلَ عَلَيْهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ سَبْعُونَ ألْفًا فَسَكَنَ، وقِيلَ: لَمْ يَسْكُنْ حَتّى جاءَ قاتِلُهُ، فَقالَ: أنا قَتَلْتُهُ، فَقُتِلَ، فَسَكَنَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾؛ أيْ: لَتَعَظَّمُنَّ عَنِ الطّاعَةِ ولَتَبْغُنَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾؛ أيْ: عُقُوبَةُ أُولى المَرَّتَيْنِ ﴿بَعَثْنا﴾؛ أيْ: أرْسَلْنا ﴿عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾، وفِيهِمْ خَمْسَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهم جالُوتُ وجُنُودُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ. والثّانِي: ( بُخْتَنَصَّرُ )، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. والثّالِثُ العَمالِقَةُ، وكانُوا كُفّارًا، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: سَنْحارِيبُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والخامِسُ: قَوْمٌ مِن أهْلِ فارِسٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَلَّطَ [ اللَّهُ ] عَلَيْهِمْ سابُورُ ذا الأكْتافِ مِن مُلُوكِ فارِسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾؛ أيْ: ذَوِي عَدَدٍ وقُوَّةٍ في القِتالِ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: مَشَوْا بَيْنَ مَنازِلِهِمْ، قالَهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَتَجَسَّسُونَ أخْبارَهُمْ، ولَمْ يَكُنْ قِتالٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: طافُوا خِلالَ الدِّيارِ يَنْظُرُونَ هَلْ بَقِيَ أحَدٌ لَمْ يَقْتُلُوهُ. و( الجَوْسُ ): طَلَبُ الشَّيْءِ بِاسْتِقْصاءٍ.
والثّانِي: قَتَلُوهم بَيْنَ بُيُوتِهِمْ، قالَهُ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ. (p-١٠)
والثّالِثُ: عاثُوا وأفْسَدُوا، يُقالُ: جاسُوا وحاسُوا، فَهم يَجُوسُونَ ويَحُوسُونَ إذا فَعَلُوا ذَلِكَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
فَأمّا الخِلالُ: فَهي جَمْعُ خُلَلٍ، وهو الِانْفِراجُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( خَلَلُ الدِّيارِ ) بِفَتْحِ الخاءِ واللّامِ مِن غَيْرِ ألْفٍ. ﴿وَكانَ وعْدًا مَفْعُولا﴾؛ أيْ: لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: أظْفَرْناكم بِهِمْ. والكَرَّةُ مَعْناها: الرَّجْعَةُ والدَّوْلَةُ، وذَلِكَ حِينَ قَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وعادَ مُلْكُهم إلَيْهِمْ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّ رَجُلًا دَعا عَلى ( بَخْتَنَصَّرَ )، فَقَتَلَهُ اللَّهُ وعادَ مُلْكُهم إلَيْهِمْ. وقِيلَ: غَزُوا مَلِكَ بابِلَ فَأخَذُوا ما كانَ في يَدِهِ مِنَ المالِ والأسْرى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾؛ أيْ: أكْثَرَ عَدَدًا وأنْصارًا مِنهم. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: النَّفِيرُ والنّافِرُ واحِدٌ، كَما يُقالُ: قَدِيرٌ وقادِرٌ، وأصْلُهُ: مَن يَنْفِرُ مَعَ الرَّجُلِ مِن عَشِيرَتِهِ وأهْلِ بَيْتِهِ.
17:7–8Page 282
إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا ٧
[And said], "If you do good, you do good for yourselves; and if you do evil, [you do it] to them [i.e., yourselves]." Then when the final [i.e., second] promise came, [We sent your enemies] to sadden your faces and to enter the masjid [i.e., the temple in Jerusalem], as they entered it the first time, and to destroy what they had taken over with [total] destruction.
عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا ٨
[Then Allāh said], "It is expected, [if you repent], that your Lord will have mercy upon you. But if you return [to sin], We will return [to punishment]. And We have made Hell, for the disbelievers, a prison-bed."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ﴾؛ أيْ: وقُلْنا لَكُمْ: إنْ أحْسَنْتُمْ فَأطَعْتُمُ اللَّهَ ﴿أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ: عاقِبَةُ الطّاعَةِ لَكم ﴿وَإنْ أسَأْتُمْ﴾ بِالفَسادِ والمَعاصِي ﴿فَلَها﴾، وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: فَإلَيْها. والثّانِي: فَعَلَيْها.
﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾، جَوابُ " فَإذا " مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإذا جاءَ (p-١١)وَعْدُ عُقُوبَةِ المَرَّةِ الآَخِرَةِ مِن إفْسادِكُمْ، بَعَثْناهم لَيَسُوؤُوا وُجُوهَكُمْ، وهَذا الفَسادُ الثّانِي هو قَتْلُهم يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، وقَصْدُهم قَتْلَ " عِيسى " فَرُفِعَ، وسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُلُوكَ فارِسٍ والرُّومِ فَقَتَلُوهم وسَبَوْهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( لِيَسُوؤُوا ) بِالياءِ عَلى الجَمِيعِ والهَمْزِ بَيْنَ الواوَيْنِ، والإشارَةُ إلى المَبْعُوثِينَ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( لِيَسُوءَ وُجُوهُكم ) عَلى التَّوْحِيدِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيَسُوءَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. والثّانِي: لِيَسُوءَ البَعْثُ. وقَرَأ الكِسائِيُّ: ( لِنَسُوءَ ) بِالنُّونِ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى.
وَفِيمَن بُعِثَ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: بُخْتَنَصَّرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وكَثِيرٌ مِنَ الرُّواةِ يَأْبى هَذا القَوْلَ، يَقُولُونَ: كانَ بَيْنَ تَخْرِيبِ ( بُخْتَنَصَّرَ ) بَيْتُ المَقْدِسِ وبَيْنَ مَوْلِدِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا زَمانٌ طَوِيلٌ.
والثّانِي: انْطِياخُوسُ الرُّومِيُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ. ومَعْنى ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ أيْ: لِيُدْخِلُوا عَلَيْكُمُ الحُزْنَ بِما يَفْعَلُونَ مِن قَتْلِكم وسَبْيِكُمْ، وخُصَّتِ المَساءَةُ بِالوُجُوهِ، والمُرادُ: أصْحابُ الوُجُوهِ، لِما يَبْدُو عَلَيْها مِن أثَرِ الحُزْنِ والكَآَبَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ﴾، يَعْنِي: بَيْتَ المَقْدِسِ، ﴿ " كَما دَخَلُوهُ﴾ " في المَرَّةِ الأُولى، ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾؛ أيْ: لِيُدَمِّرُوا ويُخَرِّبُوا. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ يَنْكَسِرُ مِنَ الزُّجاجِ والحَدِيدِ والذَّهَبِ: تِبْرٌ، ومَعْنى ﴿ما عَلَوْا﴾؛ أيْ: لِيُدَمِّرُوا في حالِ عُلُوِّهِمْ عَلَيْكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ هَذا مِمّا وُعِدُوا بِهِ في التَّوْراةِ. و " عَسى " مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، فَرَحِمَهُمُ [ اللَّهُ ] بَعْدَ انْتِقامِهِ مِنهُمْ، وعَمَّرَ بِلادَهُمْ، وأعادَ نِعَمَهم (p-١٢)بَعْدَ سَبْعِينَ سَنَةً. ﴿وَإنْ عُدْتُمْ﴾ إلى مَعْصِيَتِنا ﴿عُدْنا﴾ إلى عُقُوبَتِكم. قالَ المُفَسِّرُونَ: ثُمَّ إنَّهم عادُوا إلى المَعْصِيَةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُلُوكًا مِن مُلُوكِ فارِسٍ والرُّومِ. قالَ قَتادَةُ: ثُمَّ كانَ آَخِرُ ذَلِكَ أنْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ، فَهم في عَذابٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَيُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: سِجْنًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، وقَتادَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: يُحْصَرُونَ فِيها. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَحْبِسًا. وقالَ الزَّجّاجُ: " حَصِيرًا ": حَبْسًا، أُخِذَ مِن قَوْلِكَ: حَصَرْتُ الرَّجُلَ: إذا حَبَسْتُهُ، فَهو مَحْصُورٌ، وهَذا حَصِيرُهُ؛ أيْ: مَحْبِسُهُ، والحَصِيرُ: المَنسُوجُ، سُمِّيَ حَصِيرًا؛ لِأنَّهُ حُصِرَتْ طاقاتُهُ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ، ويُقالُ لِلْجُنُبِ: حَصِيرٌ؛ لِأنَّ بَعْضَ الأضْلاعِ مَحْصُورٌ مَعَ بَعْضٍ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: حَصِيرًا: بِمَعْنى: حاصِرَةً، فَصُرِفَ مِن حاصِرَةٍ إلى حَصِيرٍ، كَما صُرِفَ ( مُؤْلِمٌ ) إلى ألِيمٍ.
والثّانِي: فِراشًا ومِهادًا، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَهَنَّمَ لَهم مِهادًا بِمَنزِلَةِ الحَصِيرِ، والحَصِيرُ: البِساطُ الصَّغِيرُ.
17:9–10Page 283
إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا ٩
Indeed, this Qur’ān guides to that which is most suitable and gives good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a great reward
وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٠
And that those who do not believe in the Hereafter - We have prepared for them a painful punishment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: " الَّتِي " وصْفٌ لِلْجَمْعِ، والمَعْنى: يَهْدِي إلى الخِصالِ الَّتِي هي أقْوَمُ الخِصالِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي تَوْحِيدُ اللَّهِ والإيمانُ بِهِ وبِرُسُلِهِ والعَمَلِ بِطاعَتِهِ، ﴿وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ﴾؛ أيْ: بِأنَّ لَهم ﴿أجْرًا﴾ وهو الجَنَّةُ، ﴿وَأنَّ (p-١٣)الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾؛ أيْ: ويُبَشِّرُهم بِالعَذابِ لِأعْدائِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا في أذًى مِنَ المُشْرِكِينَ، فَعَجَّلَ اللَّهُ لَهُمُ البُشْرى في الدُّنْيا بِعِقابِ الكافِرِينَ.
17:11Page 283
وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا ١١
And man supplicates for evil [when angry] as he supplicates for good, and man is ever hasty.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ وذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ يَدْعُو في حالِ الضَّجَرِ والغَضَبِ عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ بِما لا يُحِبُّ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ كَما يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِالخَيْرِ. ﴿وَكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ يُعَجِّلُ بِالدُّعاءِ بِالشَّرِّ عِنْدَ الغَضَبِ والضَّجَرِ عَجَلَتُهُ بِالدُّعاءِ بِالخَيْرِ.
وَفِي المُرادِ بِالإنْسانِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ النّاسُ، قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ.
والثّانِي: آَدَمُ، فاكْتَفى بِذِكْرِهِ مِن ذِكْرِ ولَدِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ النَّضِرُ بْنُ الحارِثِ حِينَ قالَ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [ الأنْفالِ: ٣٢ ]، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن آَدَمَ رَأْسَهُ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى جَسَدِهِ كَيْفَ يُخْلَقُ، قالَ فَبَقِيَتْ رِجْلاهُ، فَقالَ: يا رَبِّ عَجِّلْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ .
17:12Page 283
وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا ١٢
And We have made the night and day two signs, and We erased the sign of the night and made the sign of the day visible1 that you may seek bounty from your Lord and may know the number of years and the account [of time]. And everything We have set out in detail.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾؛ أيْ: عَلامَتَيْنِ يَدُلّانِ عَلى قُدْرَةِ خالِقِهِما. ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّ آَيَةَ اللَّيْلِ: القَمَرُ، ومَحْوُها: ما في بَعْضِ القَمَرِ مِنَ الِاسْوِدادِ. وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وابْنُ عَبّاسٍ في آَخَرِينَ.
والثّانِي: آَيَةُ اللَّيْلِ مُحِيَتْ بِالظُّلْمَةِ الَّتِي جُعِلَتْ مُلازِمَةً لِلَّيْلِ، فَنُسِبَ المَحْوُ إلى الظُّلْمَةِ إذْ كانَتْ تَمْحُو الأنْوارَ وتُبْطِلُها، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. ويُرْوى أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ كانا في النُّورِ والضَّوْءِ سَواءٌ، فَأرْسَلَ اللَّهُ جِبْرِيلَ فَأمَرَّ جَناحَهُ عَلى وجْهِ القَمَرِ وطَمَسَ عَنْهُ الضَّوْءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ﴾ يَعْنِي: الشَّمْسَ، ﴿مُبْصِرَةً﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: مُنِيرَةٌ، قالَهُ قَتادَةُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما صَلُحَ وصْفُ الآَيَةِ بِالإبْصارِ عَلى جِهَةِ المَجازِ، كَما يُقالُ: لَعِبَ الدَّهْرُ بِبَنِي فُلانٍ.
والثّانِي: أنَّ مَعْنى " مُبْصِرَةً ": مُبَصِّرًا بِها، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى " مُبْصِرَةً ": مُبَصِّرَةً، فَجَرى ( مُفْعِلٌ ) مَجْرى ( مُفَعِّلٌ )، والمَعْنى: أنَّها تُبَصِّرُ النّاسَ؛ أيْ: تُرِيهِمُ الأشْياءَ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. ومَعانِي الأقْوالِ تَتَقارَبُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: لِتُبْصِرُوا كَيْفَ تَتَصَرَّفُونَ في أعْمالِكم وتَطْلُبُونَ رِزْقَكم بِالنَّهارِ، ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ بِمَحْوِ آَيَةِ اللَّيْلِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يُعْرَفِ اللَّيْلُ مِنَ النَّهارِ، ولَمْ يَتَبَيَّنِ العَدَدُ. ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، ﴿فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا﴾ بَيَّنّاهُ تَبَيُّنًا لا يَلْتَبِسُ مَعَهُ بِغَيْرِهِ.(p-١٥)
17:13–14Page 283
وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣
And [for] every person We have imposed his fate upon his neck,1 and We will produce for him on the Day of Resurrection a record which he will encounter spread open.
ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤
[It will be said], "Read your record. Sufficient is yourself against you this Day as accountant."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ﴾ وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( وكُلُّ ) بِرَفْعِ اللّامِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ والحَسَنُ: ( ألْزَمْناهُ طَيْرَهُ ) بِياءٍ ساكِنَةٍ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وَفِي الطّائِرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: شَقاوَتُهُ وسَعادَتُهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ مُجاهِدٌ: ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا وفي عُنُقِهِ ورَقَةٌ مَكْتُوبٌ فِيها شَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ.
والثّانِي: عَمَلُهُ، قالَهُ الفَرّاءُ، وعَنِ الحَسَنِ كالقَوْلَيْنِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ما يُصِيبُهُ، قالَهُ خُصَيْفٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: حَظُّهُ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى فِيما أرى - واللَّهُ أعْلَمُ -: أنَّ لِكُلِّ امْرِئِ حَظًّا مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ قَدْ قَضاهُ اللَّهُ [ عَلَيْهِ ]، فَهو لازِمٌ عُنُقَهُ،والعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ ما لَزِمَ الإنْسانَ: قَدْ لَزِمَ عُنُقَهُ، وهَذا لَكَ عَلَيَّ وفي عُنُقِي حَتّى أخْرُجَ مِنهُ، وإنَّما قِيلَ لِلْحَظِّ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ: ( طائِرٌ )، لِقَوْلِ العَرَبِ: جَرى لَهُ الطّائِرُ بِكَذا مِنَ الخَيْرِ، وجَرى لَهُ الطّائِرُ بِكَذا مِنَ الشَّرِّ، عَلى طَرِيقِ الفَأْلِ والطِّيَرَةِ، فَخاطَبَهُمُ اللَّهُ بِما يَسْتَعْمِلُونَ وأعْلَمَهم أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي يَجْعَلُونَهُ بِالطّائِرِ هو الَّذِي يُلْزِمُهُ أعْناقَهم.
وَقالَ الأزْهَرِيُّ: الأصْلُ في هَذا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ آَدَمَ، عَلِمَ المُطِيعَ مِن ذُرِّيَّتِهِ والعاصِي، فَكَتَبَ ما عَلِمَهُ مِنهم أجْمَعِينَ، وقَضى سَعادَةَ مَن عَلِمَهُ مُطِيعًا، وشَقاوَةَ مَن عَلِمَهُ عاصِيًا، فَصارَ لِكُلٍّ مِنهم ما هو صائِرٌ إلَيْهِ عِنْدَ خَلْقِهِ وإنْشائِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ .
والرّابِعُ: أنَّهُ ما يُتَطَيَّرُ مِن مَثَلِهِ مِن شَيْءٍ عَمِلَهُ، وذِكْرُ العُنُقِ عِبارَةٌ عَنِ اللُّزُومِ (p-١٦)لَهُ، كَلُزُومِ القِلادَةِ العُنُقَ مِن بَيْنِ ما يُلْبَسُ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الأصْلُ في تَسْمِيَتِهِمُ العَمَلَ طائِرًا، أنَّهم كانُوا يَتَطَيَّرُونَ مِن بَعْضِ الأعْمالِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( ويُخْرَجُ ) بِياءٍ مَضْمُومَةٍ وفَتْحِ الرّاءِ. وقَرَأ يَعْقُوبُ وعَبْدُ الوارِثِ بِالياءِ مَفْتُوحَةً وضَمِّ الرّاءِ. وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( ويُخْرِجُ ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ وكَسْرِ الرّاءِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ والأعْرَجُ: ( وتَخَرُجُ ) بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ ورَفْعِ الرّاءِ. ﴿يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: ( كِتابٌ ) بِالرَّفْعِ، " يَلْقاهُ " وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ: ( يُلَقّاهُ ) بِضَمِّ الياءِ وتَشْدِيدِ القافِ. وأمالَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ القافَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا كِتابُهُ الَّذِي فِيهِ ما عَمِلَ. وكانَ أبُو السَّوّارِ العَدَوِيُّ إذا قَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ قالَ: نَشْرَتانِ وطَيَّةٌ، أمّا ما حَيِيتَ يا ابْنَ آَدَمَ، فَصَحِيفَتُكَ مَنشُورَةٌ، فَأمْلِ فِيها ما شِئْتَ، فَإذا مُتَّ طُوِيَتْ، ثُمَّ إذا بُعِثْتَ نُشِرْتَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( اقْرَأْ ) بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وفِيهِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهُ: اقْرَأْ كِتابَكَ. قالَ الحَسَنُ: يَقْرَؤُهُ أُمِّيًّا كانَ أوْ غَيْرَ أُمِّيٍّ، ولَقَدْ عَدَلَ عَلَيْكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ.
وَفِي مَعْنى ﴿حَسِيبًا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: مُحاسِبًا. والثّانِي: شاهِدًا. والثّالِثُ: كافِيًا، والمَعْنى: أنَّ الإنْسانَ يُفَوِّضُ إلَيْهِ حِسابَهُ، لِيَعْلَمَ عَدْلَ اللَّهِ بَيْنَ العِبادِ، ويَرى وُجُوبَ حُجَّةِ اللَّهِ عَلَيْهِ واسْتِحْقاقَهُ العُقُوبَةَ، ويَعْلَمَ أنَّهُ إنْ دَخَلَ الجَنَّةَ فَبِفَضْلِ اللَّهِ لا بِعَمَلِهِ، وإنْ دَخَلَ النّارَ فَبِذَنْبِهِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما قالَ: " حَسِيبًا "، والنَّفْسُ مُؤَنَّثَةٌ؛ لِأنَّهُ يَعْنِي بِالنَّفْسِ: الشَّخْصُ، أوْ لِأنَّهُ لا عَلامَةَ لِلتَّأْنِيثِ في لَفْظِ النَّفْسِ، فَشُبِّهَتْ (p-١٧)بِالسَّماءِ والأرْضِ. قالَ تَعالى: ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [ المُزَّمِّلُ: ١٨ ]، قالَ الشّاعِرُ:
؎ [ فَلا مُزْنَةَ ودْقَتْ ودْقْها ] ولا أرْضَ أبَقَلَ إبْقالها
17:15Page 283
مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ١٥
Whoever is guided is only guided for [the benefit of] his soul. And whoever errs only errs against it. And no bearer of burdens will bear the burden of another. And never would We punish until We sent a messenger.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾؛ أيْ: لَهُ ثَوابُ اهْتِدائِهِ، وعَلَيْهِ عِقابُ ضَلالِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾؛ أيْ: نَفْسٌ وازِرَةٌ. ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ: اتَّبِعُونِي وأنا أحْمِلُ أوْزارَكُمْ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والمَعْنى: ولا تَأْثَمْ آَثِمَةً إثْمَ أُخْرى. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: وزَرَ، يَزِرُ، فَهو وازِرٌ، وِزْرًا، ووُزْرًا، ووَزْرَةً، ومَعْناهُ: أثِمَ إثْمًا.
وَفِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الآَيَةِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ الآَثِمَ لا يُؤْخَذُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ الإنْسانُ بِالإثْمِ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ عَمِلَهُ كَما (p-١٨)قالَ الكُفّارُ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [ الزُّخْرُفِ: ٢٢ ] . ومَعْنى ﴿حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾؛ أيْ: حَتّى نُبَيِّنَ ما بِهِ نُعَذِّبُ، وما مِن أجْلِهِ نُدْخِلُ الجَنَّةَ.
فَصْلٌ
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: في هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لا تَجِبُ عَقْلًا، وإنَّما تَجِبُ بِالشَّرْعِ، وهو بَعْثَةُ الرُّسُلِ، وأنَّهُ لَوْ ماتَ الإنْسانُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُقْطَعْ عَلَيْهِ بِالنّارِ. قالَ: وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ في ما طَرِيقُهُ السَّمْعُ إلّا بِقِيامِ حُجَّةِ السَّمْعِ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ، ولِهَذا قالُوا: لَوْ أسْلَمَ بَعْضُ أهْلِ الحَرْبِ في دارِ الحَرْبِ ولَمْ يَسْمَعْ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ونَحْوِها، لَمْ يَلْزَمْهُ قَضاءُ شَيْءٍ مِنها؛ لِأنَّها لَمْ تَلْزَمْهُ إلّا بَعْدَ قِيامِ حُجَّةِ السَّمْعِ، والأصْلُ فِيهِ قِصَّةِ أهْلِ قَباءَ حِينَ اسْتَدارُوا إلى الكَعْبَةِ ولَمْ يَسْتَأْنِفُوا، ولَوْ أسْلَمَ في دارِ الإسْلامِ ولَمْ يَعْلَمْ بِفَرْضِ الصَّلاةِ، فالواجِبُ عَلَيْهِ القَضاءُ؛ لِأنَّهُ قَدْ رَأى النّاسَ يُصَلُّونَ في المَساجِدِ بِأذانٍ وإقامَةٍ، وذَلِكَ دُعاءٌ إلَيْها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences