Ibn al-JawziAl‑Kahf · 18:102–110

Ibn al-Jawzi · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:102–110

18:102Page 304

أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيٓ أَوۡلِيَآءَۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ نُزُلٗا ١٠٢

Then do those who disbelieve think that they can take My servants instead of Me as allies? Indeed, We have prepared Hell for the disbelievers as a lodging.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: أفَظَنَّ المُشْرِكُونَ ﴿أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي﴾ في هَؤُلاءِ العِبادِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُمُ الشَّياطِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: الأصْنامُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: المَلائِكَةُ، والمَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، وسائِرُ المَعْبُوداتِ مِن دُونِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِي﴾ فَتَحَ هَذِهِ الياءَ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو. وجَوابُ الِاسْتِفْهامِ في هَذِهِ الآَيَةِ مَحْذُوفٌ، وفي تَقْدِيرِهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أفَحَسِبُوا أنْ يَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ، كَلّا بَلْ هم أعْداءٌ لَهم يَتَبَرَّؤُونَ مِنهم.

والثّانِي: أنْ يَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ ولا أغْضَبُ ولا أُعاقِبُهم. ورَوى أبانُ عَنْ عاصِمٍ، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: ( أفَحَسْبُ ) بِتَسْكِينِ السِّينِ وضَمِّ الباءِ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وابْنِ يَعْمُرَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، ومَعْناها: أفَيَكْفِيهِمْ أنْ يَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ ؟ (p-١٩٧)

فَأمّا ( النُّزُلُ ) فَفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ ما يُهَيَّأُ لِلضَّيْفِ والعَسْكَرِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ المَنزِلُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

18:103–106Page 304

قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا ١٠٣

Say, [O Muḥammad], "Shall we [believers] inform you of the greatest losers as to [their] deeds?

ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤

[They are] those whose effort is lost in worldly life, while they think that they are doing well in work."

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا ١٠٥

Those are the ones who disbelieve in the verses of their Lord and in [their] meeting Him, so their deeds have become worthless; and We will not assign to them on the Day of Resurrection any weight [i.e., importance].

ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦

That is their recompense - Hell - for what they denied and [because] they took My signs and My messengers in ridicule.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُمُ القِسِّيسُونَ والرُّهْبانُ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ والضَّحّاكُ.

والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أعْمالا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿بِالأخْسَرِينَ﴾ كانَ ذَلِكَ مُبْهَمًا لا يَدُلُّ عَلى ما خَسِرُوهُ، فَبُيِّنَ ذَلِكَ في أيِّ نَوْعٍ وقَعَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾؛ أيْ: بَطَلَ عَمَلُهم واجْتِهادُهم في الدُّنْيا، وهم يَظُنُّونَ أنَّهم مُحْسِنُونَ بِأفْعالِهِمْ، فَرُؤَساؤُهم يَعْلَمُونَ الصَّحِيحَ ويُؤْثِرُونَ الباطِلَ لِبَقاءِ رِئاسَتِهِمْ، وأتْباعِهِمْ مُقَلِّدُونَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ جَحَدُوا دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ وكَفَرُوا بِالبَعْثِ والجَزاءِ، وذَلِكَ أنَّهم بِكُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ والقُرْآَنِ، صارُوا كافِرِينَ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾؛ أيْ: بَطَلَ اجْتِهادُهم؛ لِأنَّهُ خَلا عَنِ الإيمانِ، ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والجَحْدَرِيُّ: ( فَلا يُقِيمُ ) بِالياءِ. (p-١٩٨)

وَفِي مَعْناهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ إنَّما يَثْقُلُ المِيزانُ بِالطّاعَةِ، وإنَّما تُوزَنُ الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، والكافِرُ لا طاعَةَ لَهُ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: لا نُقِيمُ لَهم قَدْرًا. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآَيَةِ: يُقالُ: ما لِفُلانٍ عِنْدَنا وزْنٌ؛ أيْ: قَدْرٌ؛ لِخِسَّتِهِ. فالمَعْنى: أنَّهم لا يُعْتَدُّ بِهِمْ ولا يَكُونُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ ولا مَنزِلَةٌ. وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «يُؤْتى بِالرَّجُلِ الطَّوِيلِ الأكُولِ الشَّرُوبِ، فَلا يَزِنُ جَناحَ بَعُوضَةً، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾» " .

والثّالِثُ: أنَّهُ قالَ: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ﴾؛ لِأنَّ الوَزْنَ عَلَيْهِمْ لا لَهُمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهُمْ﴾؛ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْتَ مِن بُطْلانِ عَمَلِهِمْ وخِسَّةِ قَدْرِهِمْ، ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾، وقِيلَ: المَعْنى: ذَلِكَ التَّصْغِيرُ لَهم وجَزاؤُهم جَهَنَّمُ، فَأُضْمِرَتْ واوُ الحالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بِكُفْرِهِمْ واتِّخاذِهِمْ ﴿آياتِي﴾ الَّتِي أنْزَلْتُها ﴿وَرُسُلِي هُزُوًا﴾؛ أيْ: مَهْزُوءًا بِهِ.(p-١٩٩)

18:107–108Page 304

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَانَتۡ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡفِرۡدَوۡسِ نُزُلًا ١٠٧

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - they will have the Gardens of Paradise1 as a lodging,

خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلٗا ١٠٨

Wherein they abide eternally. They will not desire from it any transfer.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: كانَتْ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ قَبْلَ أنْ يُخْلَقُوا. ورَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " الصَّحِيحَيْنِ " مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «جِنانُ الفِرْدَوْسِ أرْبَعٌ، ثِنْتانِ مِن ذَهَبٍ حِلْيَتُهُما وآَنِيَتُهُما وما فِيهِما، وثِنْتانِ مِن فِضَّةٍ حِلْيَتُهُما وآَنِيَتُهُما وما فِيها، ولَيْسَ بَيْنَ القَوْمِ وبَيْنَ أنْ يَنْظُرُوا إلى رَبِّهِمُ إلّا رِداءُ الكِبْرِياءِ عَلى وجْهِهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ» " . ورَوى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «الجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، الفِرْدَوْسُ أعْلاها، ومِنها تُفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ تَعالى فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ» " . قالَ أبُو أُمامَةَ: الفِرْدَوْسُ: سُرَّةُ الجَنَّةِ. قالَ مُجاهِدٌ: الفِرْدَوْسُ: البُسْتانُ بِالرُّومِيَّةِ. وقالَ كَعْبٌ والضَّحّاكُ: جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ: جَنّاتُ الأعْنابِ. قالَ الكَلْبِيُّ والفَرّاءُ: الفِرْدَوْسُ: البُسْتانُ الَّذِي فِيهِ الكَرْمُ. وقالَ المُبَرِّدُ: الفِرْدَوْسُ فِيما سَمِعْتُ مِن كَلامِ العَرَبِ: الشَّجَرُ المُلْتَفُّ، (p-٢٠٠)والأغْلَبُ عَلَيْهِ العِنَبُ. وقالَ ثَعْلَبٌ: كُلُّ بُسْتانٍ يُحَوَّطُ عَلَيْهِ فَهو فِرْدَوْسٌ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ:

فِي جَنّاتِ الفِرْدَوْسِ لَيْسَ يَخافُونَ خُرُوجًا عَنْها ولا تَحْوِيلًا

وَقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورِ اللُّغَوِيِّ، قالَ: قالَ الزَّجّاجُ: الفِرْدَوْسُ أصْلُهُ رُومِيٌّ أُعْرِبَ، وهو البُسْتانُ، كَذَلِكَ جاءَ في التَّفْسِيرِ، وقَدْ قِيلَ: الفِرْدَوْسُ تَعْرِفُهُ العَرَبُ، وتُسَمِّي المَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ كَرْمٌ: فِرْدَوْسًا. وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الفِرْدَوْسُ مُذَكَّرٌ، وإنَّما أنَّثَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [ المُؤْمِنُونَ: ١١ ]؛ لِأنَّهُ عَنى بِهِ الجَنَّةَ. وقالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ: الفِرْدَوْسُ: الأوْدِيَةُ الَّتِي تَنْبُتُ ضُرُوبًا مِنَ النَّبْتِ، وقِيلَ: هو بِالرُّومِيَّةِ مَنقُولٌ إلى لَفْظِ العَرَبِيَّةِ، قالَ: والفِرْدَوْسُ أيْضًا بِالسِّرْيانِيَّةِ كَذا لَفْظُهُ: فِرْدَوْسٌ، قالَ: ولَمْ نَجِدْهُ في أشْعارِ العَرَبِ إلّا في شِعْرِ حَسّانَ، وحَقِيقَتُهُ أنَّهُ البُسْتانُ الَّذِي يَجْمَعُ كُلَّ ما يَكُونُ في البَساتِينِ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ أهْلِ كُلِّ لُغَةٍ كَذَلِكَ، وبَيْتُ حَسّانَ:

؎ فَإنَّ ثَوابَ اللَّهِ كُلَّ مُوَحِّدٍ جِنانٌ مِنَ الفِرْدَوْسِ فِيها يُخَلَّدُ

وَقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ بِإسْنادِهِ: الفِرْدَوْسُ: البُسْتانُ بِلُغَةِ الرُّومِ. وقالَ الفَرّاءُ: وهو عَرَبِيٌّ أيْضًا، والعَرَبُ تُسَمِّي البُسْتانَ الَّذِي فِيهِ الكَرْمُ فِرْدَوْسًا. وقالَ السُّدِّيُّ: الفِرْدَوْسُ أصْلُهُ بِالنَّبَطِيَّةِ ( فِرْداسًا ) . وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحارِثِ: الفِرْدَوْسُ: الأعْنابُ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿نُزُلا﴾ آَنِفًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لا يُرِيدُونَ عَنْها تَحَوُّلًا، (p-٢٠١)يُقالُ: قَدْ حالَ مِن مَكانِهِ حِوَلًا، كَما قالُوا في المَصادِرِ: صَغُرَ صِغَرًا، وعَظُمَ عِظَمًا، وعادَنِي حُبُّها عَوْدًا، قالَ: وقَدْ قِيلَ أيْضًا: إنَّ الحِوَلُ: الحِيلَةُ، فَيَكُونُ المَعْنى: لا يَحْتالُونَ مَنزِلًا غَيْرَها.

فَإنْ قِيلَ: قَدْ عُلِمَ أنَّ الجَنَّةَ كَثِيرَةُ الخَيْرِ، فَما وجْهُ مَدْحِها بِأنَّهم يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا ؟

فالجَوابُ: أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَجِدُ في الدّارِ الأنِيقَةِ مَعْنًى لا يُوافِقُهُ، فَيُحِبُّ أنْ يَنْتَقِلَ إلى دارٍ أُخْرى، وقَدْ يَمَلُّ، والجَنَّةُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ.

18:109Page 304

قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا ١٠٩

Say, "If the sea were ink for [writing] the words1 of my Lord, the sea would be exhausted before the words of my Lord were exhausted, even if We brought the like of it in [continual] supplement."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ [ الإسْراءِ: ٨٥ ]، قالَتِ اليَهُودُ: كَيْفَ وقَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ وفِيها عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ومَعْنى الآَيَةِ: لَوْ كانَ ماءُ البَحْرِ مِدادًا يُكْتَبُ بِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: [ والمَعْنى ]: لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِلْقَلَمِ، والقَلَمُ يَكْتُبُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: سُمِّيَ المِدادُ مِدادًا لِإمْدادِهِ الكاتِبَ، وأصْلُهُ مِنَ الزِّيادَةِ ومَجِيءُ الشَّيْءِ بَعْدَ الشَّيْءِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: ( مَدَدًا لِكَلِماتِ رَبِّي ) بِغَيْرِ ألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: ( تَنْفَدَ) بِالتّاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( يَنْفَدَ ) بِالياءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّأْنِيثُ أُحْسَنُ؛ لِأنَّ المُسْنَدَ إلَيْهِ الفِعْلُ مُؤَنَّثٌ، والتَّذْكِيرُ حَسَنٌ؛ لِأنَّ التَّأْنِيثَ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، وإنَّما لَمْ تَنْفَدْ كَلِماتُ اللَّهِ؛ لِأنَّ كَلامَهُ صِفَةٌ مِن صِفاتِ (p-٢٠٢)ذاتِهِ، ولا يَتَطَرَّقُ عَلى صِفاتِهِ النَّفادُ. ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ﴾؛ أيْ: بِمِثْلِ البَحْرِ ﴿مَدَدًا﴾؛ أيْ: زِيادَةً، والمَدَدُ: كُلُّ شَيْءٍ زادَ في شَيْءٍ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ في أوَّلِ الآَيَةِ: " مِدادًا "، وفي آَخِرِها: " مَدَدًا "، وكِلاهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، واشْتِقاقُهُما غَيْرُ مُخْتَلِفٍ ؟

فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، فَقالَ: لَمّا كانَ الثّانِي آَخِرَ آَيَةٍ، وأواخِرُ الآَياتِ هاهُنا أتَتْ عَلى الفِعْلِ والفِعْلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿نُزُلا﴾، ﴿هُزُوًا﴾، ﴿حِوَلا﴾، كانَ قَوْلُهُ: " مَدَدًا " أشْبَهَ بِهَؤُلاءِ الألْفاظِ مِنَ المِدادِ، واتِّفاقُ المَقاطِعِ عِنْدَ أواخِرَ الآَيِ، وانْقِضاءُ الأبْياتِ، وتَمامُ السَّجْعِ والنَّثْرِ، أخَفُّ عَلى الألْسُنِ وأحْلى مَوْقِعًا في الأسْماعِ، فاخْتَلَفَتِ اللَّفْظَتانِ لِهَذِهِ [ العِلَّةِ ] . وقَدْ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مِدادًا )، فَحَمَلُوها عَلى الأُولى ولَمْ يَنْظُرُوا إلى المَقاطِعِ. وقِراءَةُ الأوَّلِينَ أبْيَنُ حُجَّةً وأوْضَحُ مِنهاجًا.

18:110Page 304

قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠

Say, "I am only a man like you, to whom has been revealed that your god is one God. So whoever would hope for the meeting with his Lord - let him do righteous work and not associate in the worship of his Lord anyone."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلَّمَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ التَّواضُعَ؛ لِئَلّا يُزْهى عَلى خَلْقِهِ، فَأمَرَهُ أنْ يُقِرَّ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ آَدَمِيٌّ كَغَيْرِهِ، إلّا أنَّهُ أُكْرِمَ بِالوَحْيِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ جُنْدُبَ بْنَ زُهَيْرٍ الغامِدِيِّ قالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: إنِّي أعْمَلُ العَمَلَ [ لِلَّهِ تَعالى ]، فَإذا اطَّلَعَ عَلَيْهِ (p-٢٠٣)سَرَّنِي، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا الطَّيِّبَ، ولا يَقْبَلُ ما رُوئِيَ فِيهِ "، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ طاوُوسٌ: «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ: إنِّي أُحِبُّ الجِهادَ [ في سَبِيلِ اللَّهِ ]، وأُحِبُّ أنْ يُرى مَكانِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» وقالَ مُجاهِدٌ: «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ: إنِّي أتَصَدَّقُ، وأصِلُ الرَّحِمَ، ولا أصْنَعُ ذَلِكَ إلّا لِلَّهِ تَعالى، فَيُذْكَرُ ذَلِكَ مِنِّي وأُحْمَدُ عَلَيْهِ، فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ وأُعْجَبُ بِهِ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.»

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَخافُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: يَأْمُلُ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ ثَوابِ رَبِّهِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ يَوْمُ البَعْثِ والجَزاءِ. ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا﴾ لا يُرائِي بِهِ، ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لا يُرائِي. قالَ مُعاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيانَ: هَذِهِ آَخِرُ آَيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآَنِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском